شرح السنة للبغويصفحات 294-333

كِتَابُ الصَّلاةِ

صفحات 294-333
عن هذه الطبعة
عَلَم
البغوي ، أبو محمد
الكتاب
شرح السنة
المؤلف
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
الطبعة
الثانية، 1403هـ - 1983م
عدد الأجزاء
15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَبُو سَعِيدٍ، نَزَلَ الْبَصْرَةَ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ، وَيُقَالُ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ بِالأَذَانَيْنِ: الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ، حُمِلَ أَحَدُ الاسْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، كَقَوْلِهِمُ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرِ وَالْمَاءِ، وَإِنَّمَا الأَسْوَدُ أَحَدُهُمَا، وَكَقَوْلِهِمْ: سِيرَةُ الْعُمَرَيْنِ، يُرِيدُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الاسْمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِيقَةً، لأَنَّ الأَذَانَ فِي اللُّغَةِ الإِعْلامُ، فَالأَذَانُ إِعْلامٌ بِحُضُورِ الْوَقْتِ، وَالإِقَامَةُ أَذَانٌ بِفِعْلِ الصَّلاةِ

بَابُ أَذَانِ الْمُسَافِرِ

431 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي، فَقَالَ: «إِذَا سَافَرْتُمَا، فَأَذِّنَا، وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ 432 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَأَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ

بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، نَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُسَدَّدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، كِلاهُمَا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ قُلْتُ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، اخْتَارُوا الأَذَانِ فِي السَّفَرِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَتَرْكُ الأَذَانِ فِي السَّفَرِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْحَضَرِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَنَّ السَّفَرَ يُؤَثِّرُ فِي تَخْفِيفِ الْعِبَادَاتِ، كَمَا أَثَّرَ فِي إِبَاحَةِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالْجَمْعِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَرْكُهُ فِي الْحَضَرِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي السَّفَرِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُقِيمُ فِي السَّفَرِ، لأَنَّ الأَذَانَ لِجَمْعِ النَّاسِ، وَهُمْ فِي السَّفَرِ يَكُونُونَ مُجْتَمِعِينَ.

وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَزِيدُ عَلَى الإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ إِلا فِي الصُّبْحِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَادِي فِيهَا وَيُقِيمُ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَذَانُ لِلإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ

بَابُ الأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ

433 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ بِلالا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ "، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، نَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «إِنَّ بِلالا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ 434 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ بِلالا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ

435 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا هَنَّادٌ، وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالا: نَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي هِلالٍ، عَنْ سَوَادَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلالٍ، وَلا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ وَأَرَادَ بِالْمُسْتَطِيرِ: الْمُنْتَشِرَ الْمُعْتَرِضَ فِي الأُفُقِ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الْإِنْسَان: 7] أَيْ: طَوِيلا.
قُلْتُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَذَانَ الصُّبْحِ مَحْسُوبٌ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلا يُعِيدُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُحْسَبُ، وَيُعِيدُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.

أَمَّا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ وَالْجُمُعَةِ، فَلا يُحْسَبُ أَذَانُهَا قَبْلَ دُخُولِ أَوْقَاتِهَا، رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ بِلالا كَانَ يُؤَذِّنُ الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ.
قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَزَلِ الصُّبْحُ يُنَادَى لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ، فَلَمْ نَرَهَا يُنَادَى لَهَا إِلا بَعْدَ أَنْ يَحُلَّ وَقْتُهَا.
قُلْتُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنَانِ، أَحَدُهُمَا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، كَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَذْكُرُ أَنَّ قَوْمًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ، وَأَقْرَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بَيْنَهُمْ.
قُلْتُ: وَالْفَجْرُ فَجْرَانِ: الْكَاذِبُ، وَالصَّادِقُ، فَالْكَاذِبُ يَطْلُعُ أَوَّلا مُسْتَطِيلا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ، تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ: ذَنَبَ السِّرْحَانِ، فَبِطُلُوعِهِ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الصُّبْحِ، وَلا يَحْرُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، ثُمَّ يَغِيبُ ذَلِكَ، فَيَطْلُعُ الصَّادِقُ مُعْتَرِضًا، يَنْتَشِرُ فِي الأُفُقِ، فَبِطُلُوعِهِ يَدْخُلُ وَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَيَحْرُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ.
وَإِذَا أَذَّنَ رَجُلٌ، فَهُوَ أَوْلَى بِالإِقَامَةِ، وَإِذَا أَذَّنَ اثْنَانِ، فَأَوَّلُهُمَا أَذَانًا أَوْلاهُمَا بِالإِقَامَةِ، رُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُؤَذِّنَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ، فَأَذَّنْتُ، فَأَرَادَ بِلالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ».
وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ أَوْلَى بِالإِقَامَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ الأَذَانَ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَلْقِهِ عَلَى بِلالٍ» فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، فَأَذَّنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا رَأَيْتُهُ، وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ، قَالَ: فَأَقِمْ أَنْتَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِقَامَتُهُ وَإِقَامَةُ غَيْرِهِ سَوَاءٌ.

بَابُ الأَذَانِ لِلْفَائِتَةِ وَالإِقَامَةِ لَهَا

436 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: " حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ هُوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الْأَحْزَاب: 25]، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلالا، فَأَمَرَهُ، فَأَقَامَ الظُّهْرَ، فَصَلاهَا، فَأَحْسَنَ صَلاتَهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ، فَصَلاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلاهَا أَيْضًا كَذَلِكَ، قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلاةِ

الْخَوْفِ ﴿فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [الْبَقَرَة: 239] ". قُلْتُ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِلالا، فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، قَالَ أَبُو عِيسَى: لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، إِلا أَنَّ عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَبِيهِ 437 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،

عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلالٍ: «اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ»، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَلأَ بِلالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا بِلالٌ، وَلا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا بِلالُ»، فَقَالَ بِلالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْتَادُوا»، فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ، فَاقْتَادُوا شَيْئًا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلالا، فَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَصَلَّى لَهُمُ الصُّبْحَ، ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلاةَ: " مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ، يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] ". قُلْتُ: هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ،

عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلا.
وَرَوَاهُ أَبَانُ الْعَطَّارُ، عَنْ مَعْمَرٍ مُسْنَدًا، وَقَالَ: فَأَمَرَ بِلالا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى.
وَأَخْبَرَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ

بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا، وَلَمْ يَذْكُرِ الأَذَانَ.
وَرَوَاهُ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: «ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُهُ «عَرَّسَ»، التَّعْرِيسُ: النُّزُولُ لِغَيْرِ إِقَامَةٍ.
وَقَوْلُهُ «فَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» مَعْنَاهُ: انْتَبَهَ، يُقَالُ: أَفْزَعْتُ الرَّجُلَ مِنْ نَوْمِهِ فَفَزِعَ، أَيْ: أَنْبَهْتُهُ فَانْتَبَهَ.
438 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، نَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلاةِ»، فَقَالَ بِلالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا، وَأَسْنَدَ بِلالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: «يَا بِلالُ أَيْنَ مَا قُلْتَ؟»، قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلالُ قُمْ فَأَذِّنْ لِلنَّاسِ بِالصَّلاةِ»

فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ 439 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَاشَانِيُّ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ، نَا أَبُو قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ فِي سَفَرٍ لَهُ، فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِلْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: «انْظُرْ»، فَقُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، هَذَانِ رَاكِبَانِ، هَؤُلاءِ ثَلاثَةٌ، حَتَّى صِرْنَا سَبْعَةً، فَقَالَ: «احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا» يَعْنِي صَلاةَ الْفَجْرِ، فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ، فَمَا أَيْقَظَهُمْ إِلا حَرُّ الشَّمْسِ، فَقَامُوا، فَسَارُوا هُنَيَّةً، ثُمَّ نَزَلُوا، فَتَوَضَّئُوا، وَأَذَّنَ بِلالٌ، فَصَلَّوْا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ صَلَّوُا الْفَجْرَ وَرَكِبُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ فَرَّطْنَا فِي صَلاتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَا تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ صَلاةٍ، فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَذْكُرُهَا، وَمِنَ الْغَدِ لِلْوَقْتِ».

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ قَوْلُهُ: «وَمِنَ الْغَدِ لِلْوَقْتِ»، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهَا وُجُوبًا، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ بِهَا اسْتِحْبَابًا لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ الْوَقْتِ فِي الْقَضَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَمِنَ الْغَدِ لِلْوَقْتِ» أَيْ: لِيُصَلِّ صَلاةَ الْغَدِ فِي وَقْتِهَا، مَعْنَاهُ: أَنَّ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقْتٌ لِهَذِهِ الصَّلاةِ دُونَ صَلاةِ الْغَدِ، فَلْيُصَلِّ صَلاةَ الْغَدِ فِي وَقْتِهَا الْمَشْرُوعِ.
وَقَوْلُهُ: «فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ» كَلِمَةٌ فَصِيحَةٌ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ، مَعْنَاهُ: أَنَّهُ حُجِبَ الصَّوْتُ وَالْحِسُّ أَنْ يَدْخُلا آذَانَهُمْ فَيَنْتَبِهُوا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الْكَهْف: 11].
قُلْتُ: الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ مَشْرُوعَانِ لِلْفَرَائِضِ الْخَمْسِ إِذَا أُدِّيَتْ فِي أَوْقَاتِهَا، وَالأَذَانُ مِنْ شِعَارِ دِينِ الإِسْلامِ، فَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ كَانَ لِلسُّلْطَانِ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ فَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ».
وَإِذَا صَلَّى بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا، فَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ فِيمَنْ نَسِيَ الإِقَامَةَ: إِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلاةَ.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: مَنْ نَسِيَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ، وَإِلا فَلا.
قُلْتُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الأَذَانِ لِلْفَائِتَةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُ لَهَا، فَأَظْهَرُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يُقِيمُ لَهَا، وَإِذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ، وَقَضَاهُنَّ عَلَى التَّوَالِي، أَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَإِذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ، فَقَضَاهُنَّ عَلَى التَّوَالِي، أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلأُولَى، وَأَقَامَ لِلأُخْرَيَاتِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَوَائِتَ تُقْضَى مُرَتَّبَةً، وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي قَضَائِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.

وَفِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلاةٌ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، جَازَ تَأْخِيرُ قَضَائِهَا، لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَقْتَادُوا عَنْ مَوْضِعِ الْفَوْتِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى مُفَارَقَةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ، قَالَ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِتَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، فَيَخْرُجَ وَقْتُ الْكَرَاهِيَةِ، وَمَنْ يُجَوِّزُ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ، قَالَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ هَذِهِ الْغَفْلَةُ وَالنِّسْيَانُ.
وَقَدْ رَوَى أَبَانُ الْعَطَّارُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمُ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ هَذِهِ الْغَفْلَةُ».
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ».
قُلْتُ: وَلا أَذَانَ وَلا إِقَامَةَ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ سِوَى الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤَذَّنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَيْرِهَا

بَابُ مَتَى يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ وَمَتَى يَقُومُ الْقَوْمُ

440 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ شَيْبَانَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ شَيْبَانَ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قُلْتُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الإِقَامَةِ عَلَى خُرُوجِ الإِمَامِ، ثُمَّ يُنْتَظَرُ خُرُوجُهُ.

قُلْتُ: وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «كَانَ بِلالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ، وَلا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
وَعَنْ هَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْمُؤَذِّنَ أَمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإِمَامَ أَمْلَكُ بِالإِقَامَةِ.
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّاسُ الإِمَامَ وَهُمْ قِيَامٌ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا الإِمَامَ قِيَامًا، وَلَكِنْ قُعُودًا، وَيَقُولُونَ: ذَلِكَ السُّمُودُ، وَالسُّمُودُ: هُوَ الْغَفْلَةُ، وَالذِّهَابُ عَنِ الشَّيْءِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النَّجْم: 61] أَيْ: لاهُونَ سَاهُونَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا كَانَ الإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ يَقُومُونَ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ: مَتَّى يَقُومُ النَّاسُ حِينَ تُقَامُ الصَّلاةُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِحَدٍّ يُقَامُ لَهُ، وَلَكِنْ أَرَى ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الْخَفِيفَ وَالثَّقِيلَ.
وَقِيلَ: يَقُومُونَ عِنْدَ قَوْلِهِ: «حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ»، فَإِذَا قَامَتِ الصَّلاةُ " كَبَّرَ الإِمَامُ.
رُوِيَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: «قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ» كَبَّرَ، فَسُئِلَ عَنْ صَلاتِهِ، فَقَالَ: كَذَا كَانَتْ صَلاةُ عُمَرَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ تُقَامُ فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامَهُ».
قُلْتُ: مَعْنَى هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ الإِمَامَ إِذَا خَرَجَ يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ، وَالنَّاسُ يَأْخُذُونَ مَصَافَّهُمْ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الإِمَامُ إِلَى مُصَلاهُ، فَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ بِعُذْرٍ بَعْدَ الإِقَامَةِ، فَانْتَظَرُوهُ قِيَامًا إِلَى أَنْ يَعُودَ فَحَسَنٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَقُمْنَا فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَانْصَرَفَ، وَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، وَقَدِ اغْتَسَلَ يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ وَصَلَّى.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الإِقَامَةِ عَلَى خُرُوجِ الإِمَامِ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ عَنِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الإِقَامَةِ بِعِلَّةِ طَهَارَةٍ أَوْ عُذْرٍ جَائِزٍ، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَذَانِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا أُذِّنَ فِيهِ بِالْعَصْرِ،

فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى الإِمَامِ وَدُعَائِهِ إِيَّاهُ إِلَى الصَّلاةِ؟ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ التَّسْلِيمَ كَانَ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَكْرَهُ الأَذَانَ بِالصَّلاةِ لِلْوُلاةِ

بَابُ مَنْ لَا يُسْرِعُ بَعْدَ الإِقَامَةِ

441 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَلَكِنِ ائْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ 442 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا

أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، وَإِسْحَاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا، سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَلا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَائْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السِّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاةِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَابْنِ حُجْرٍ وَغَيْرِهِمَا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ وَقَوْلُهُ: «إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ» أَرَادَ الإِقَامَةَ، وَكُلُّ دَاعٍ مُثَوِّبٌ، قُلْتُ: الْمُرَادُ مِنَ السَّعْيِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الإِسْرَاعُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْجُمُعَةِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الْجُمُعَة: 9] فَالْمُرَادُ مِنْهُ: الْفِعْلُ.
رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الْجُمُعَة: 9] قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْرَؤُهَا «فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ»، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا السَّعْيُ فِي كِتَابِ

اللَّهِ: الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ، لَا السَّعْيُ عَلَى الأَقْدَامِ، يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ﴾ [الْبَقَرَة: 205]، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [اللَّيْل: 4]، وَالسَّعْيُ قَدْ يَكُونُ مَشْيًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الْجُمُعَة: 9] وَقَدْ يَكُونُ عَدْوًا، كَقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [الْقَصَص: 20] أَيْ: يَشْتَدُّ وَيَعْدُو، وَيَكُونُ عَمَلا كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النَّجْم: 39] أَيْ: عَمِلَ، وَيَكُونُ تَصَرُّفًا، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: 102] أَيْ: أَدْرَكَ التَّصَرُّفَ فِي الأُمُورِ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ يَخَافُ فَوْتَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْرِعُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: يُهَرْوِلُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ الإِقَامَةَ وَهُوَ بِالْبَقِيعِ، فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ يُهَرْوِلُ إِلَى الْمَسْجِدِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الإِسْرَاعَ، وَاخْتَارَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى وَقَارٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ، لَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ إِنْ خَافَ فَوْتَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى.
وَقَوْلُهُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» هَكَذَا رَوَى الزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَمَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ، وَكَذَا رَوَاهُ الأَعْرَجُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَأَنَسٌ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَأَتِمُّوا».
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ «فَاقْضُوا».

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ مِنْ صَلاةِ إِمَامِهِ هُوَ أَوَّلُ صَلاتِهِ، وَإِنْ كَانَ آخِرَ صَلاةِ الإِمَامِ، لأَنَّ الإِتْمَامَ يَقَعُ عَلَى بَاقِي شَيْءٍ تَقَدَّمَ أَوَّلُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَعَطَاءٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَذَهَبَ مُجَاهِدٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، إِلَى أَنَّ الَّذِي أَدْرَكَ آخِرُ صَلاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ بَعْدَهُ أَوَّلُهَا، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا»، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَلَى مَا قُلْنَا.
وَمَنْ رَوَى «فَاقْضُوا» فَقَدْ يَكُونُ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الأَدَاءِ وَالإِتْمَامِ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الْجُمُعَة: 10] وَكَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: 200] وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ قَضَاءَ شَيْءٍ فَائِتٍ، فَكَذَلِكَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: «فَاقْضُوا» أَيْ: أَدُّوهُ فِي تَمَامٍ.

بَابُ الْكَلامِ بَعْدَ الإِقَامَةِ

443 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيب، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ يُقِيمُ، فَعَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَحَبَسَهُ حَتَّى نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ قُلْتُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَاجَةِ بَعْدَ الإِقَامَةِ.
وَيُرْوَى عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ ثَابِتٍ مَا رَوَيْنَا عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ.
وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُقَامُ الصَّلاةُ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا رَآهُمْ قَلِيلا جَلَسَ ثُمَّ صَلَّى، وَإِنْ رَآهُمْ جَمَاعَةً صَلَّى

بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [الْبَقَرَة: 144]. وَسُمِّيَتِ الْقِبْلَةُ قِبْلَةً، لأَنَّ الْمُصَلِّي يُقَابِلُهَا وَتُقَابِلُهُ، يُقَال: أَيْنَ قِبْلَتُكَ؟ أَيْ: جِهَتُكَ.
444 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا هَنَّادٌ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: " لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الْبَقَرَة: 144]، فَوُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، فَصَلَّى رَجُلٌ مَعَهُ الْعَصْرَ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ

الأَنْصَارِ، وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ.
فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ 445 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آَتٍ،

فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ قُلْتُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ النَّسْخِ لَا يَلْزَمُ الْمَرْءَ قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَيْهِ، لأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا شَرَعُوا فِي الصَّلاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ النَّسْخِ، لأَنَّ آيَةَ النَّسْخِ نَزَلَتْ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَأَوَّلُ صَلاةٍ صَلاهَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ صَلاةُ الْعَصْرِ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى أَهْلِ قُبَاءَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ انْحَرَفُوا وَبَنَوْا عَلَى صَلاتِهِمْ وَلَمْ يُعِيدُوهَا.
وَيَسْتَدِلُّ بِهَذَا مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ عَنْ وِكَالَتِهِ بِعَزْلِ الْمُوَكَّلِ

مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْخَبَرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ، وَاجْتَهَدَ وَصَلَّى إِلَى جِهَةٍ بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ فِي الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، يُصَلِّي الصَّلاةَ الثَّانِيَةَ إِلَى الْجِهَةِ الأُخْرَى، حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ بِأَرْبَعِ اجْتِهَادَاتٍ إِلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ، لَا يَجِبُ إِعَادَتُهَا.
وَلَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي خِلالِ الصَّلاةِ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، انْحَرَفَ إِلَيْهَا، وَبَنَى عَلَى صَلاتِهِ.
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَة: 115] أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجُوا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَهُمُ الضَّبَابُ، وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَتَحَرَّوا الْقِبْلَةَ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْمَشْرِقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا قَدِمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَة: 115]، قِيلَ: إِنَّ الْوُجُوهَ كُلَّهَا

لِلَّهِ، فَأَيْنَمَا وُجِّهَ أُمَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَعَبُّدِهَا، فَذَلِكَ الْوَجْهُ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ.
أَمَّا إِنْ صَلَّى إِلَى جِهَةٍ بِالاجْتِهَادِ، ثُمَّ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ إِعَادَتِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي خِلالِ الصَّلاةِ، فَفِي جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَى مَا مَضَى بَعْدَ الانْحِرَافِ، فَأَظْهَرَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُعِيدُ مَا صَلَّى، وَيَسْتَأْنِفُ مَا فِيهِ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ صَلاتَهُ جَائِزَةٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمَّا بَلَغَهُمُ النَّسْخُ اسْتَدَارُوا، وَبَنَوْا عَلَى صَلاتِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا يُعِيدُ الصَّلاةَ.
أَمَّا إِذَا بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُنْحَرِفًا يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، وَالْجِهَةُ وَاحِدَةٌ، فَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ بِالاتِّفَاقِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالْعَمَلِ بِهِ إِذَا كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً عَدْلا، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]

بَابُ قِبْلَةِ مَنْ غَابَ عَنْ مَكَّةَ

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [الْبَقَرَة: 144] 446 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا الْحَسَنُ بْنُ بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، نَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ الأَخْنَسِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ، لأَنَّهُ وَلَدُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»، مِنْهُمْ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» هَذَا لأَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُبَارَكِ التَّيَاسُرَ لأَهْلِ مَرْوَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِذَا جَعَلْتَ الْمَغْرِبَ عَنْ يَمِينِكَ، وَالْمَشْرِقَ عَنْ يَسَارِكَ، فَمَا بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ.
قُلْتُ: أَرَادَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ: مَشْرِقَ الشِّتَاءِ، وَمَغْرِبَ الصَّيْفِ، لأَنَّ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ كَثِيرَةٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: 40].
فَأَوَّلُ الْمَشَارِقِ مَشْرِقُ الصَّيْفِ، وَهُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ مَطْلَعِ السِّمَاكِ الرَّامِحِ يَرْتَفِعُ عَنْهُ فِي الشِّمَالِ قَلِيلا، وَآخِرُ الْمَشَارِقِ مَشْرِقُ الشِّتَاءِ، وَهُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ فِي

أَقْصَرِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَطْلَعِ قَلْبِ الْعَقْرَبِ يَنْحَدِرُ عَنْهُ فِي الْجَنُوبِ قَلِيلا.
وَأَوَّلُ الْمَغَارِبِ مَغْرِبُ الصَّيْفِ، وَهُوَ مَغِيبُ الْقُرْصِ عِنْدَ مَوْضِعِ غُرُوبِ السِّمَاكِ الرَّامِحِ، وَآخِرُ الْمَغَارِبِ مَغْرِبُ الشِّتَاءِ، وَهُوَ مَغِيبُ الْقُرْصِ عِنْدَ مَغْرِبِ قَلْبِ الْعَقْرَبِ، عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْتُ مَطْلَعَهُ.
فَمَنْ جَعَلَ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ أَوَّلَ الْمَغَارِبِ عَنْ يَمِينِهِ، وَآخِرَ الْمَشَارِقِ عَنْ يَسَارِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلا لِلْقِبْلَةِ، وَمَنْ وَقَفَ مِنْ بَيْنَ أَوَّلِ الْمَشَارِقِ وَآخِرِ الْمَغَارِبِ كَانَ مُسْتَقْبِلا لِلشَّامِ، وَتَكُونُ عَيْنُ الشَّمْسِ فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ عَلَى نُقْرَةِ قَفَاكَ إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ، وَيَقَعُ ظِلُّكَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَيَكُونُ عِنْدَ الزَّوَالِ قَرِيبًا مِنْ نَاصِيَتِكَ، وَعِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى يَمِينِكَ، وَفِي أَقْصَرِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ تَكُونُ عِنْدَ الطُّلُوعِ عَلَى يَسَارِكَ، وَعِنْدَ الزَّوَالِ عَلَى عَيْنِكَ الْيُسْرَى، وَعِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى حَاجِبِكَ الأَيْمَنِ، وَإِذَا اسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فِي الرَّبِيعِ، أَوِ الْخَرِيفِ، يَكُونُ وَقْتُ الزَّوَالِ عَلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِكَ الْيُسْرَى، وَعِنْدَ الْغُرُوبِ خَارِجَةً عَنْ حَاجِبِكَ الْيُمْنَى، وَهَذَا لأَهْلِ الْمَشْرِقِ خَاصَّةً.
وَأَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى الْقِبْلَةِ لأَهْلِ هَذِهِ النَّاحِيَةِ الْقُطْبُ الشَّمَالِيُّ، وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ فِي بَنَاتِ النَّعْشِ الصُّغْرَى بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ، يَدُورُ حَوْلَ بَنَاتِ النَّعْشِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، فَإِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ فِي نَوَاحِي الشَّرْقِ، كَانَ الْقُطْبُ خَلْفَ أُذُنِكَ الْيُمْنَى، وَإِذَا اسْتَدْبَرْتَ، كَانَ عَلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِكَ الْيُسْرَى.
وَمِنَ الدَّلائِلِ أَيْضًا النَّسْرَانِ إِذَا حَلَّقَا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ تَكُونُ الْقِبْلَةُ بَيْنَهُمَا، يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَلِّي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ النَّسْرَ الْوَاقِعَ عَنْ يَمِينِهِ، وَالنَّسْرَ الطَّائِرَ عَنْ يَسَارِهِ.

وَمِنْهَا الْعَيُّوقُ، وَهُوَ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ قَبْلَ الثُّرَيَّا بِقَلِيلٍ مِنْ جَانِبِ الشِّمَالِ، فَيَكُونُ وَقْتُ طُلُوعِهِ فِي نُقْرَةِ قَفَا الْمُصَلِّي.
وَكَذَا رَأْسُ النَّاقَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْكَفُّ الْخَضِيبُ، يَكُونُ طُلُوعُهُ قَبْلَ الْعَيُّوقِ فِي نُقْرَةِ قَفَا الْمُصَلِّي، وَالشِّعْرَى الْعَبُورُ، وَهُوَ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ أَزْهَرُ، يَكُونُ طُلُوعُهُ عَلَى يَسَارِ الْمُصَلِّي.
قُلْتُ: وَالتَّوَجُّهُ إِلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَاجِبٌ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ، أَمَّا مَنْ غَابَ عَنْهَا، فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ اتَّفَقَ أَهْلُهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَى جِهَةٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْجِهَةِ فِيهَا، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَيْهَا، وَلَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الانْحِرَافِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً.
وَإِنْ كَانَ فِي مَفَازَةٍ، أَوْ بِلادِ الشِّرْكِ، فَاشْتَبَهَتِ الْقِبْلَةُ عَلَيْهِ، يَجِبُ أَنْ يَجْتَهِدَ، وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ الْقِبْلَةَ بِنَوْعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وَيُصَلِّي إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّى إِلَيْهَا اجْتِهَادُهُ، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَة: 115]. حَكَى الْمُزَنِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: فَثَمَّ الْوَجْهُ الَّذِي وَجَّهَكُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ: قِبْلَةُ اللَّهِ.
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ إِذَا الْتَبَسَ عَلَيْهِ الأَمْرُ.
وَالْمَطْلُوبُ بِالاجْتِهَادِ عَيْنُ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: جِهَتُهَا.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

بَابُ الصَّلاةِ فِي الْكَعْبَةِ

447 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، وَبِلالُ بْنُ رَبَاحٍ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلالا حِينَ خَرَجَ، مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: «جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ

مَالِكٍ هَكَذَا، وَقَالَ: «عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ»، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: «عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ»، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ قُلْتُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلاةِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَيَتَوَجَّهُ إِلَى أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ، فَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْبَابِ وَالْبَابُ مَرْدُودٌ جَازَ، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا، لَمْ يَجُزْ، إِلا أَنْ تَكُونَ الْعَتَبَةُ مُرْتَفِعَةٌ قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ لَا تَصِحُّ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْكَعْبَةِ الْمَكْتُوبَةُ، وَلا بَأْسَ بِالنَّافِلَةِ.
قُلْتُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلاةِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَأَلْتُ بِلالا: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فِي الْكَعْبَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ ". وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ الصَّفَّ بَيْنَ السَّوَارِي، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: صَلَّيْنَا خَلْفَ أَمِيرٍ، فَصَلَّيْنَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ.
قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

جارٍ التحميل