كِتَابُ الصَّلاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَبْوَابُ صَلاةِ السَّفَرِ
بَابُ قَصْرِ الصَّلاةِ
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّسَاء: 101].
1020 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا قُتَيْبَةُ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: «صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ،
عَنْ سُفْيَانَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ
1021 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الإِتْمَامِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ وَاجِبٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، قَالَ حَمَّادٌ: يُعِيدُ مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا، وَقَالَ مَالِكٌ: يُعِيدُ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِنْ لَمْ يَقْعُدْ لِلتَّشَهُّدِ فِي الثَّانِيَةِ، فَصَلاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ قَعَدَ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا، وَالأُخْرَيَانِ نَفْلٌ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى جَوَازِ الإِتْمَامِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَدْ أَتَمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، مَعَ عُثْمَانَ بِمِنًى، وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ إِنْ شَاءَ أَتَمَّ، وَإِنْ شَاءَ قَصَرَ، وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ فِي السَّفَرِ وَتُصَلِّي أَرْبَعًا».
وَقَالَ أَحْمَدُ مَرَّةً: أَنَا أُحِبُّ الْعَافِيَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا صَلَّى عُثْمَانُ أَرْبَعًا، لأَنَّهُ كَانَ اتَّخَذَهَا وَطَنًا.
وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ، لأَنَّهُ اتَّخَذَ
الأَمْوَالَ بِالطَّائِفِ، وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا، وَقَالَ أَيُّوبُ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِنَّ عُثْمَانَ أَتَمَّ الصَّلاةَ بِمِنًى مِنْ أَجْلِ الأَعْرَابِ، لأَنَّهُمْ كَثُرُوا عَامَئِذٍ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ أَرْبَعًا لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلاةَ أَرْبَعٌ.
وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «الصَّلاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلاةُ الْحَضَرِ»، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: فَمَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ
1021 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً»، أَخْبَرَنَاهُ الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو نُعَيْمٍ، أَنا أَبُو عَوَانَةَ، نَا الصَّغَانِيُّ، نَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنا أَبُو عَوَانَةَ، نَا بُكَيْرُ بْنُ الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ
وَقَدَ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّلاةَ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ يُومِئُ بِهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ: لَيْسَتَا بِقَصْرٍ، إِنَّمَا الْقَصْرُ وَاحِدَةٌ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوَيْهِ، يَقُولُ: أَمَّا عِنْدَ الشِّدَّةِ، فَيُجْزِئُكَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ تُومِئُ إِيمَاءً، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَسَجْدَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَتَكْبِيرَةٌ، لأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ صَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ إِيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى رَكْعَتَيْنِ، فَرَكْعَةٌ بِسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا، فَلا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ، وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ.
فَأَمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْخَوْفَ لَا يُنْقِصُ مِنَ الْعَدَدِ شَيْئًا.
1023 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَصَرَ الصَّلاةَ، وَأَتَمَّ»
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوِ اقْتَدَى مُقِيمٌ بِمُسَافِرٍ، قَصَرَ الْمُسَافِرُ، وَأَتَمَّ الْمُقِيمُ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى لَهُمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، فَلَوْ
صَلَّى الإِمَامُ الْمُسَافِرُ أَرْبَعًا صَحَّتْ صَلاتُهُمْ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ لِلْمُسَافِرِ الإِتْمَامَ، وَمَنْ أَبْطَلَ صَلاةَ الإِمَامِ بِالإِتْمَامِ أَوْجَبَ الإِعَادَةَ عَلَى الْقَوْمِ، وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُسَافِرٍ صَلَّى بِمُقِيمِينَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُعِيدَ الْمُقِيمُونَ، قِيلَ: فَالْمُسَافِرُ؟ قَالَ: لَا يُعِيدُ، وَقَدْ قَالَ حَمَّادٌ: يُعِيدُ وَلا يَزِيدُ، وَلَوِ اقْتَدَى مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ أَتَّمَا جَمِيعًا
بَابُ جَوَازِ الْقَصْرِ فِي حَالِ الأَمْنِ
1024 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّسَاء: 101].
فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ قَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الإِتْمَامَ هُوَ الأَصْلُ، أَلا تَرَى أَنَّهُمَا قَدْ تَعَجَّبَا مِنَ الْقَصْرِ مَعَ عَدَمِ شَرْطِ الْخَوْفِ، فَلَوْ كَانَ أَصْلُ فَرْضِ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَتَعَجَّبَا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ وَإِبَاحَةٌ لَا عَزِيمَةٌ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ رَكْعَتَيِ الْمُسَافِرِ لَيْسَ بِقَصْرٍ، إِنَّمَا الْقَصْرُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً وَاحِدَةً عِنْدَ الْخَوْفِ وَالْقِتَالِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَجَعَلَ شَرْطَ الْخَوْفِ الْمَذْكُورِ فِي الآيَةِ بَاقِيًا، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لَوْلا خَبَرُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
1025 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ آمِنًا لَا يَخَافُ إِلا اللَّهَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
1026 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدَمُ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنَهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
وَحَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ: هُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لأُمِّهِ
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قَصْرِ الصَّلاةِ، فَقَالَ أَنَسٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ، شَكَّ شُعْبَةُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
وَرُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إِلَى قَرْيَةٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِبَاحَةِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى النُّخَيْلَةِ، فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ.
وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي رِوَايَةٍ: إِنِّي لأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ،
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ لِي جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أَقْصُرُ بِعَرَفَةَ.
أَمَّا عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، فَلا يُجَوِّزُونَ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ، قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ: مَسِيرَةَ يَوْمٍ تَامٍّ، وَبِهَذَا نَأْخُذُ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَرَوَى سَالِمٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا، وَأَرَادَ بِهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ».
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ،
وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَلا يَرَيَانِ فِيمَا دُونَهَا، سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى رِيمٍ، فَقَصَرَ، قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَقْصُرُ إِلَى عَرَفَةَ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: إِلَى مِنًى؟ قَالَ: لَا، لَكِنْ إِلَى جُدَّةَ، وَعُسْفَانَ وَالطَّائِفِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا، رَوَاهُ عَنْهُ نَافِعٌ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالا: يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ، وَإِلَى نَحْوِ ذَلِكَ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ، حِينَ، قَالَ: مَسِيرَةَ لَيْلَتَيْنِ قَاصِدَتَيْنِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ:
سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ مِيلا بِالْهَاشِمِيِّ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا يَقْصُرُ إِلا فِي مَسَافَةِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلاةِ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، فَأَقَامَ فِي الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ صَلاهَا، أَتَمَّهَا، وَلَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ، وَهُوَ مُقِيمٌ، فَسَافَرَ قَبْلَ أَنْ صَلاهَا، وَالْوَقْتُ بَاقٍ، لَهُ أَنْ يَقْصُرَ، وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلاةٌ فِي السَّفَرِ، فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ، أَوْ فَاتَتْهُ فِي الْحَضَرِ، فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ، أَتَمَّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ مَالِكٍ إِنْ فَاتَتْ فِي السَّفَرِ، فَأَقَامَ، قَصَرَ، وَإِنْ فَاتَتْ فِي الْحَضَرِ فَسَافَرَ، أَتَمَّ، لأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي وَجَبَ، وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيِّ.
وَمَسَافَةُ الْفِطْرِ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ مِثْلُ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
بَابُ إِذَا مَكَثَ الْمُسَافِرُ فِي مَنْزِلٍ إِلَى كَمْ يَقْصُرُ
1027 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، نَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ «يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، رَكْعَتَيْنِ»، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قُلْنَا: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ
1028 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ، نَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيُّ الْخُذَاشَاهِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو بَكْرٍ الْجُورَبَذِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَفَرًا، فَأَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا، وَبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَقَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ.
وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَشَهِدْتُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلا رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ: «يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا، فَإِنَّا سَفْرٌ».
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مُدَّةِ الإِقَامَةِ الَّتِي تَمْنَعُ الْقَصْرَ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعٍ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِتْمَامُ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ إِلَى مِنًى، كُلُّ ذَلِكَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَحْسُبِ الْيَوْمَ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ، لأَنَّهُ كَانَ فِيهِ سَائِرًا، وَلا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ سَائِرًا.
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَدِمَ لِهِلالِ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى فَيَقْصُرُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ إِقَامَةَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ لَيَالٍ.
وَأَمَّا أَحْمَدُ، فَلَمْ يَحُدَّهُ بِالأَيَّامِ، وَلَكِنْ بِعَدَدِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: إِذَا جَمَعَ الْمُسَافِرُ لإِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلاةً مَكْتُوبَةً قَصَرَ، فَإِذَا عَزَمَ عَلَى أَنْ يُقِيمَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ مَكَّةَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَقَامَ الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ، وَصَلَّى الْفَجْرَ بِالأَبْطَحِ يَوْمَ الثَّامِنِ، فَكَانَتْ صَلاتُهُ فِيهَا إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلاةً.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا الْتَحْدِيدُ يَرْجِعُ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، إِلا أَنَّهُ رَأَى تَحْدِيدَهُ بِالصَّلَوَاتِ أَحْوَطَ.
هَذَا إِذَا أَجْمَعَ الإِقَامَةَ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُجْمِعِ الإِقَامَةَ، فَزَادَ مُكْثُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الْخُرُوجِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَتَمَّ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي خَوْفٍ، أَوْ حَرْبٍ، فَيَقْصُرُ، قَصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ لِحَرْبِ هَوَازِنَ سَبْعَ عَشْرَةَ، أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ.
فَاعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ فِي ثَمَانِيَ عَشْرَةَ عَلَى رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي إِقَامَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ لِسَلامَتِهَا مِنَ الاخْتِلافِ، وَكَثْرَةِ الاخْتِلافِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ لَهُ الْقَصْرَ أَبَدًا مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ
أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أُصَلِّي صَلاةَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ يُجْمِعْ مُكْثًا، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ سَوَاءٌ كَانَ مُحَارِبًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هُوَ إِجْمَاعٌ.
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ.
وَأَقَامَ ابْنُ عُمَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلاةَ، يَقُولُ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا.
وَقَالَ نَافِعٌ: أَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِمَكَّةَ عَشْرَ لَيَالٍ يَقْصُرُ الصَّلاةَ إِلا أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ فَيُصَلِّيَهَا بِصَلاتِهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِذَا أَجْمَعَ الْمُسَافِرُ، عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ أَتَمَّ، ثُمَّ ذَهَبُوا إِلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَتَمَّ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حُيَيٍّ: إِذَا أَقَامَ
عَشْرَةَ أَيَّامٍ أَتَمَّ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: مَنْ أَقَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ أَتَمَّ الصَّلاةَ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ قَوْلا شَاذًّا: إِنَّ مَنْ أَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَتَمَّ، وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا قَدِمَ عَلَى أَهْلٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ أَتَمَّ الصَّلاةَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا دَخَلَ بَلَدًا لَهُ بِهِ أَهْلٌ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَازًا، انْقَطَعَتْ رُخْصَةُ السَّفَرِ فِي حَقِّهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا كَانَ مَعَ الْمَلاحِ أَهْلُهُ لَمْ يَقْصُرِ الصَّلاةَ
بَابُ صَلاةِ الْمُقِيمِ خَلْفَ الْمُسَافِرِ
1029 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى لَهُمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ يَقُولُ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ»
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُسَافِرَ، وَالْمُقِيمَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي الصَّلاةِ، ثُمَّ إِذَا اقْتَدَى الْمُقِيمُ بِالْمُسَافِرِ، فَقَصَرَ الإِمَامُ، فَإِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلاتِهِ، قَامَ الْمُقِيمُ، فَأَتَمَّ لِنَفْسِهِ الصَّلاةَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ لِمُوَافَقَتِهِ.
وَإِذَا اقْتَدَى الْمُسَافِرُ بِالْمُقِيمِ، عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ لِمُوَافَقَةِ إِمَامِهِ، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلِّي وَرَاءَ الإِمَامِ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
1030 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، ثُمَّ صَلَّى عُمَرُ رَكْعَتَيْنِ بِمِنًى»، وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ شَيْئًا
قَالَ مَالِكٌ فِي أَهْلِ مَكَّةَ: إِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بِمِنًى إِذَا حَجُّوا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْصَرِفُوا إِلَى مَكَّةَ، وَمَنْ كَانَ سَاكِنًا بِمِنًى يُتِمُّ الصَّلاةَ بِمِنًى، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ سَاكِنًا بِعَرَفَةَ يُتِمُّ الصَّلاةَ بِعَرَفَةَ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا قَصْرَ لَهُمْ بِمِنًى، وَلا بِعَرَفَةَ
بَابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ
1031 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْحَكَمِ الْوَرَّاقُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " سَافَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، لَا يُصَلُّونَ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ كُنْتُ مُصَلِّيًا قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لأَتْمَمْتُهَا ". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ 1032 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو نُعَيْمٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أَنا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا الدَّارِمِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، أَنا عِيسَى بْنُ حَفْصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى خَشَبَةِ رَحْلِهِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا،
فَرَأَى قَوْمًا وَرَاءَهُ قِيَامًا، فَقَالَ: " مَا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لأَتْمَمْتُ صَلاتِي، يَا ابْنَ أَخِي، صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُمَرَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الْأَحْزَاب: 21] ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصٍ
1033 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ
بْنِ قَعْنَبٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ.
وَقَدْ رَوَى عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ»
1034 - وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ».
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي بُسْرَةَ الْغِفَارِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
1035 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ الْكُوفِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطِيَّةَ، وَنَافِعٍ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَالْمَغْرِبَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءً، ثَلاثَ رَكَعَاتٍ، لَا يَنْقُصُ فِي حَضَرٍ وَلا سَفَرٍ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، سَمِعْتُ مُحَمَّدًا، يَقُولُ: مَا رَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى حَدِيثًا أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْ هَذَا
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَمْرُ التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَنَازِلا، مَشْهُورٌ، وَاخْتَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ التَّطَوُّعَ فِي السَّفَرِ.
كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَتَنَفَّلُونَ فِي السَّفَرِ، وَاخْتَارَ طَائِفَةٌ أَنْ لَا يَتَطَوَّعَ قَبُولا لِلرُّخْصَةِ
بَابُ التَّطَوُّعِ وَالْوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ أَيْنَ تَوَجَّهَتْ
1036 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً صَلاةَ اللَّيْلِ، إِلا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ
1037 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشَّيْرَزِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ،
عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ
1038 - نَا
أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، نَا وَكِيعٌ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالا: نَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى جَوَازِ النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ عَلَى الدَّابَّةِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الطَّرِيقِ، وَيَجِبُ أَنْ يَنْزِلَ لأَدَاءِ الْفَرِيضَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوِتْرِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى جَوَازِهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يُصَلُّونَ الْفَرِيضَةَ وَالْوِتْرَ بِالأَرْضِ.
وَيَجُوزُ أَدَاءُ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ جَمِيعًا عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ إِلا فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، وَإِذَا صَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ إِلَى الْقِبْلَةِ إِنْ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ وَيَرْكَعُ، وَيَسْجُدُ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِرَأْسِهِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ.
رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ».
وَجَوَّزَ الأَوْزَاعِيُّ لِلْمَاشِي عَلَى رِجْلِهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالإِيمَاءِ مُسَافِرًا كَانَ، أَوْ غَيْرَ مُسَافِرٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى الدَّابَّةِ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنْ صَلَّى فِي سَفِينَةٍ يُصَلِّي قَائِمًا، إِلا أَنْ يَدُورَ رَأْسَهُ، فَلا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ أُصَلِّي فِي السَّفِينَةِ؟ قَالَ: «صَلِّ فِيهَا قَائِمًا، إِلا أَنْ تَخَافَ الْغَرَقَ».
بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ
1039 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ
1040 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أَنا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، نَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ كَانَ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ يَوْمًا يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
1041 - أَنا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنِ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ تَبُوكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ: فَأَخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا فَلا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ، قَالَ: فَجِئْنَاهَا، وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهَا رَجُلانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلْ مَسِسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ فَقَالا: نَعَمْ.
فَسَبَّهُمَا، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ , ثُمَّ غَرَفُوا مِنَ الْعَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ يَا مُعَاذُ، إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عَنْ مَالِكٍ
«تَبِضُّ» يُقَالُ: بَضَّ الْمَاءُ: إِذَا قَطَرَ وَسَالَ، وَضَبَّ أَيْضًا بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ مِنَ الْمَقْلُوبِ.
1042 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ،
قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ؟ كَانَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ، جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الزَّوَالِ، وَإِذَا سَافَرَ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِثْلَ ذَلِكَ
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ،
وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى جَوَازِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ لَا يَجُوزُ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَحَكَاهُ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالُوا: إِذَا أَرَادَ الْجَمْعَ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَرَوَوْا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ.
أَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِلْحَاجِّ، فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
بَابُ الْجَمْعِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ
1043 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلا سَفَرٍ»، قَالَ مَالِكٌ: أُرَى ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِلْمَمْطُورِ فِي الْحَضَرِ، فَأَجَازَهُ قَوْمٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفَعَلَهُ عُرْوَةُ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَطَرُ قَائِمًا وَقْتَ افْتِتَاحِ الصَّلاةِ الأُولَى، وَحَالَةَ الْفَرَاغِ مِنْهَا إِلَى أَنْ يَفْتَتِحَ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ غَيْرُهُمَا، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَجْمَعَ الْمَمْطُورُ فِي الطِّينِ، وَفِي حَالِ الظُّلْمَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَلَمْ يُجَوِّزْ قَوْمٌ الْجَمْعَ بِعُذْرِ الْمَطَرِ، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ
1044 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلا سَفَرٍ»، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لِمَ فَعَلَهُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: لِئَلا يحرج أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ زُهَيْرٍ
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بِلا عُذْرٍ، لأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ أَنْ لَا تَحْرَجَ أُمَّتُهُ، وَقَدْ قَالَ بِهِ قَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ إِذَا كَانَتْ حَاجَةٌ أَوْ شَيْءٌ، مَا لَمْ يَتَّخِذَهُ عَادَةً.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ.
وَجَوَّزَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ الْجَمْعَ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، وَحَمَلا الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ
6 -