كِتَابُ السِّيَرِ وَالْجِهَادِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2643 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ» هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُسَدَّدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ
2644 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
2645 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ،
نَا عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَكَرِيَّا
فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي اتِّخَاذِ الْخَيْلِ لِلْجِهَادِ، وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا، وَفِيهِ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي يُكْتَسَبُ بِهَا خَيْرُ مَالٍ.
2646 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، نَا سُفْيَانُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسِهِ، وَيَقُولُ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْخَيْلَ خَيْرًا، لِمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: 32]، يَعْنِي: حُبَّ الْخَيْلِ، وَيُسَمَّى الْمَالُ الْخَيْرَ، قَالَ
الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [الْبَقَرَة: 180]، أَيْ: مَالا.
2647 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمُ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ الصَّيْرَفِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، نَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، نَا أَبُو نُعَامَةَ الْعَدَوِيُّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ بُدَيْلٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ مَالِ الْمَرْءِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ»
قَوْلُهُ: «مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ»، أَيْ: كَثِيرَةُ النِّتَاجِ، يُقَالُ: أَمَرَهَا اللَّهُ، فَهِيَ مَأْمُورَةٌ، وَآمَرَهَا فَهِيَ مُؤَمَّرَةٌ، أَيْ: كَثَّرَهَا، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الْإِسْرَاء: 16]، وَيُقْرَأُ: «آمَرْنَا»، بِالْمَدِّ، أَيْ كَثَّرْنَا.
وَقَوْلُهُ: «سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ»، فَالسِّكَّةُ: الطَّرِيقَةُ الْمُصْطَفَّةُ الْمُسْتَوِيَةُ مِنَ النَّخْلِ، وَالْمَأْبُورَةُ: الَّتِي قَدْ أُبِرَتْ، وَلُقِحَتْ، وَسُمِّيَتِ الأَزِقَّةُ سِكَكًا لاصْطِفَافِ الدُّورِ فِيهَا.
بَابُ مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
2648 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنا طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ، وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ، وَرِيَّهُ، وَرَوْثَهُ، وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخَيْلِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهَا
2649 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، أَنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ،
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَلْمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ كَرِهَ الشِّكَالَ فِي الْخَيْلِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ.
وَأَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ اسْمُهُ هَرِمٌ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الشِّكَالُ: أَنْ تَكُونَ ثَلاثُ قَوَائِمَ مِنْهُ مُحَجَّلَةً، وَوَاحِدَةٌ مُطْلَقَةً، أَوْ ثَلاثُ قَوَائِمَ مُطْلَقَةً، وَوَاحِدَةٌ مُحَجَّلَةً، أُخِذَ مِنَ الشِّكَالِ الَّذِي يُشْكَلُ بِهِ الْخَيْلُ، لأَنَّ الشِّكَالَ يَكُونُ فِي ثَلاثِ قَوَائِمَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُمْنُ الْخَيْلِ فِي الشُّقْرِ».
وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ».
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «خَيْرُ الْخَيْلِ الأَدْهَمُ الأَقْرَحُ الأَرْثَمُ، ثُمَّ الأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ طَلْقُ الْيَمِينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ، فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْ مِنَ الْكُمَيْتِ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ تَغْنَمُ، وَتَسْلَمُ».
قَوْلُهُ: «طَلْقُ الْيَمِينِ»، أَيْ: مُطْلَقُهَا، يُقَالُ: فَرَسٌ طَلْقُ إِحْدَى الْقَوَائِمِ: إِذَا كَانَتْ إِحْدَى قَوَائِمِهَا لَا تَحْجِيلَ فِيهَا، وَقَالَ رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ الْفُحُولَةَ، لأَنَّهَا أَجْرَأُ، وَأَجْسَرُ.
بَابُ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْخَيْلِ
2650 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ»، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، وَقَالَ: قُلْتُ لِمُوسَى: كَمْ بَيْنَ ذَلِكَ؟ يَعْنِي: بَيْنَ الْحَفْيَاءِ وَثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: سِتَّةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ.
وَقَالَ: فِي ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ، أَوْ نَحْوُهُ.
وَالتَّضْمِيرُ فِي الْخَيْلِ: أَنْ تُعْلَفَ الْحَبَّ وَالْقَضِيمَ حَتَّى تَسْمَنَ، وَتَقْوَى، ثُمَّ تُغْشَى بِالْجِلالِ، وَتُتْرَكُ حَتَّى تَحْمَى وَتَعْرَقَ، وَلا تُعْلَفُ إِلا قُوتًا حَتَّى تَضْمُرَ، وَيَذْهَبَ رَهَلُهَا، وَيَشْتَدَّ لَحْمُهَا، فَتَخِفَّ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «كَانَ يُضَمِّرُ الْخَيْلَ، وَيُسَابِقُ عَلَيْهَا».
وَالأَمَدُ: الْغَايَةُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [
آل عمرَان: 30]، أَيْ: غَايَةً، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ [الْحَدِيد: 16]، وَهُوَ نِهَايَةُ الْبُلُوغِ، وَيُقَالُ: اسْتَوْلَى عَلَى الأَمَدِ: أَيْ: غَلَبَ سَابِقًا، وَجَمْعُ الأَمَدِ آمَادٌ.
يُرِيدُ: أَنَّهُ جَعَلَ غَايَةَ الْمَضَامِيرِ أَبْعَدَ مِنْ غَايَةِ مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الْخَيْلِ، لأَنَّ الْمَضَامِيرَ أَقْوَى مِمَّا لَمْ يُضَمَّرْ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِعْدَادٌ لِلْقُوَّةِ فِي إِعْزَازِ الدِّينِ، امْثِتَالا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الْأَنْفَال: 60].
2651 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُتَوَلِّي، نَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَابَقَهَا، فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ إِلَّا وَضَعَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ
2652 - حَدَّثَنَا الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالحَانِيُّ أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الشَّيْخِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ رُسْتَهْ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نَا أَبِي، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، فَسَبَقَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ؟»، فَقَالُوا: سُبِقَتِ الْعَضْبَاءُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ».
بَابُ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ
2653 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَالسَّبَقُ بِفَتْحِ الْبَاءِ: هُوَ الْمَالُ الْمَشْرُوطُ لِلسَّابِقِ عَلَى سَبْقِهِ.
وَبِسُكُونِ الْبَاءِ: هُوَ مَصْدَرُ سَبَقْتُهُ سَبْقَا، وَالْمُرَادُ مِنَ النَّصْلِ: السَّهْمُ، وَمِنَ الْخُفِّ: الإِبِلُ، وَمِنَ الْحَافِرِ: الْفَرَسُ، وَأَرَادَ فِي ذِي خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، وَخُفُّ الْبَعِيرِ: مَجْمَعُ فَرْسَنِهِ.
وَفِيهِ إِبَاحَةُ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى الْمُنَاضَلَةِ لِمَنْ نَضَلَ، وَعَلَى الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْخَيْلِ وَالإِبِلِ لِمَنْ سَبَقَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَبَاحُوا أَخْذَ الْمَالِ عَلَى الْمُنَاضَلَةِ، وَالْمُسَابَقَةِ، لأَنَّهَا عُدَّةٌ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ، وَفِي بَذْلِ الْجُعْلِ عَلَيْهَا تَرِغِيبٌ فِي الْجِهَادِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَيْسَ بِرِهَانِ الْخَيْلِ بَأْسٌ إِذَا أُدْخِلَ فِيهِ مُحَلِّلٌ.
وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى النَّصْلِ الزَّوَّابِينَ، وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْخَيْلِ: الْبِغَالُ، وَالْحَمِيرُ، وَلأَنَّهَا كُلَّهَا ذَوَاتُ حَوَافِرَ، وَفِي مَعْنَى الإِبِلِ: الْفِيلُ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِهِ الشَّدَّ عَلَى الأَقْدَامِ، وَالْمُسَابَقَةَ عَلَيْهَا، وَسُئِلَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنِ الدَّحْوِ بِالْحِجَارَةِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
يَعْنِي: السَّبْقَ بِالْحِجَارَةِ، يُقَالُ: فُلانٌ يَدْحُو بِالْحِجَارَةِ، أَيْ: يَرْمِي بِهَا، رُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: كُنْتُ أُلاعِبُ الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ بِالْمَدَاحِي، وَوَصَفَ بَعْضُهُمُ الْمَدَاحِيَ بِأَنْ يَحْفُرُوا حُفَيْرَةً، ثُمَّ يَتَنَحَّوْنَ قَلِيلا، فَيَدْحُونَ بِالأَحْجَارِ فِيهَا، فَمَنْ وَقَعَ حَجَرُهُ فِيهَا، فَقَدْ قَمَرَ، وَإِلا فَقَدْ قُمِرَ، وَالْحَفِيرَةُ: هِيَ الأُدْحِيَةُ.
وَلَمْ يُجَوِّزْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَخْذَ الْمَالِ عَلَى الْمُنَاضَلَةِ، وَالْمُسَابَقَةِ.
فَأَمَّا السِّبَاقُ بِالطَّيْرِ، وَالزَّجَلُ بِالْحَمَامِ، وَمَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَيْسَ مِنْ عُدَّةِ الْحَرْبِ، وَلا مِنْ بَابِ الدَّعْوَةِ عَلَى الْجِهَادِ، فَأَخْذُ الْمَالِ عَلَيْهِ قِمَارٌ مَحْظُورٌ، ثُمَّ فِي الْمُسَابَقَةِ أَوِ الْمُنَاضَلَةِ إِنْ كَانَ الْمَالُ مِنْ جِهَةِ الإِمَامِ،
وَمِنْ جِهَةِ وَاحِدٍ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ، شَرَطَ لِلسَّابِقِ مِنَ الْفَارِسَيْنِ، أَوِ الْمُنَاضِلِ مِنَ الرَّامِيَيْنِ مَالا مَعْلُومًا، فَجَائِزٌ، وَإِذَا سَبَقَ، أَوْ نَضَلَ، اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْمَالَ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الْفَارِسَيْنِ، أَوِ الرَّامِيَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِنْ سَبَقْتَنِي، أَوْ نَضَلْتَنِي بِكَذَا، فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبَقْتُكَ، أَوْ نَضَلْتُكَ، فَلا شَيْءَ لِي عَلَيْكَ.
فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا، فَإِذا سَبَقَ، أَوْ نَضَلَ الْمَشْرُوطُ لَهُ اسْتَحَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ مِنْ جِهَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: إِنْ نَضَلْتُكَ، أَوْ سَبَقْتُكَ، فَلِي عَلَيْكَ كَذَا، وَإِنْ نَضَلْتَنِي، أَوْ سَبَقْتَنِي، فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا.
فَهَذَا لَا يَجُوزُ إِلا بِمُحَلِّلٍ يَدْخُلُ بَيْنَهُمَا إِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّلُ، أَوْ نَضَلَ، أَخَذَ السَّبْقَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، سُمِّيَ مُحَلِّلا، لأَنَّهُ يُحَلِّلُ لِلسَّابِقِ أَخْذَ الْمَالِ، فَبِالْمُحَلِّلِ يَخْرُجُ الْعَقْدُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قِمَارًا، لأَنَّ الْقِمَارَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْغُنْمِ، وَالْغُرْمِ، فَإِذَا دَخَلَ بَيْنَهُمَا مَنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى، خَرَجَ الْعَقْدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِمَارًا.
ثُمَّ إِذَا جَاءَ الْمُحَلِّلُ أَوَّلا، ثُمَّ جَاءَ الْمُسْتَبِقَانِ مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الآخِرِ، أَخَذَ الْمُحَلِّلُ السَّبْقَيْنِ، وَإِنْ جَاءَ الْمُسْتَبِقَانِ مَعًا، ثُمَّ الْمُحَلِّلُ، فَلا شَيْءَ لأَحَدٍ، وَإِنْ جَاءَ أَحَدُ الْمُسْتَبِقَيْنِ أَوَّلا، ثُمَّ جَاءَ الْمُحَلِّلُ وَالْمُسْتَبِقُ الثَّانِي، إِمَّا مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الآخَرِ، أَحْرَزَ السَّابِقُ سَبْقَهُ، وَأَخَذَ سَبْقَ الْمُسْتَبِقِ الثَّانِي، وَإِنْ جَاءَ الْمُحَلِّلُ وَأَحَدُ الْمُسْتَبِقَيْنِ مَعًا، ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي مُصَلِّيًا، أَخَذَ السَّابِقَانِ سَبْقَ الْمُصَلِّي.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَرَسُ الْمُحَلِّلِ كُفْأً لِفَرَسِهِمَا.
2654 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ
بْنُ سَلامٍ، نَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَالْفَزَارِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، فَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلا بَأْسَ بِهِ».
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ، فَهُوَ قِمَارٌ»
قَالَ الإِمَامُ: وَلَوْ أَدْخَلا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ، فَيَجُوزُ.
وَإِنْ كَانُوا عَشَرَةً أَوْ أَكْثَرَ يَتَسَابَقُونَ، يُكْتَفَى بِمُحَلِّلٍ وَاحِدٍ.
وَقَوْلُهُ: «إِنْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ فَلا بَأْسَ بِهِ».
يُرِيدُ إِنْ كَانَ الْفَرَسُ جَوَادًا لَا يَأْمَنَانِ أَنْ يَسْبِقَهُمَا، فَيَذْهَبُ بِالرَّهْنَيْنِ، فَلا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَلِيدًا آمِنًا أَنْ يَسْبِقَهُمَا، فَهُوَ قِمَارٌ، لأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ.
بَابُ السَّيْفِ وَحِلْيَتِهِ
2655 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْخُزَاعِيُّ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ مَعْقِلٍ الشَّاشِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِضَّةٍ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
2656 - حَدَّثَنَا الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالِحَانِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الشَّيْخِ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْخٍ الْوَاسِطِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِضَّةً»
وَقَبِيعَةُ السَّيْفِ: هِيَ التُّومَةُ الَّتِي فَوْقَ الْمِقْبَضِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ السَّيْفِ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْفِضَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمِنْطَقَةُ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْلِيَةِ اللِّجَامِ وَالسَّرْجِ، فَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ كَالسَّيْفِ، وَحَرَّمَ بَعْضُهُمْ، لأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ الدَّابَّةِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْلِيَةِ سِكِّينِ غَيْرِ الْحَرْبِ وَالْمِقْلَمَةِ بِقَلِيلٍ مِنَ الْفِضَّةِ، وَأَمَّا التَّحْلِيَةُ بِالذَّهَبِ، فَغَيْرُ مُبَاحٍ فِي جَمِيعِهَا، وَيَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ بِالذَّهَبِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْظَامِ الْمُصْحَفِ.
2657 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزَجَانِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْخُزَاعِيُّ، أَنا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ سيِرِينَ، قَالَ: صَنَعْتُ سَيْفِي عَلَى سَيْفِ سَمُرَةَ، وَزَعَمَ سَمُرَةُ، أَنَّهُ «صَنَعَ سَيْفَهُ عَلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ حَنَفِيًّا».
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ
وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: لَقَدْ فَتَحَ الْفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمُ الذَّهَبَ وَلا الْفِضَّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ الْعَلابِيَّ، وَالآنُكَ، وَالْحَدِيدَ.
أَرَادَ بِالْعَلابِيِّ: الْعَصَبَ، الْوَاحِدُ عَلْبَاءُ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَشُدُّ بِالْعَلابِيِّ الرَّطْبَةِ أَجْفَانَ سُيُوفِهَا، وَتَشُدُّ بِهَا الرِّمَاحَ إِذَا تَصَدَّعَتْ، وَالْعَلْبَاءُ أَمْتَنُ مَا يَكُونُ فِي الْبَعِيرِ مِنَ الأَعْصَابِ، وَهِيَ عَصَبُ الْعُنُقِ.
بَاب الدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ
عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ».
2658 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ،
عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَهُمَا» 2659 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاعِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمُقْرِي النَّيْسَابُورِيُّ بِهَا، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ الْبَزَّازُ، نَا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ الْمَكِّيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ الدِّرْعَيْنِ» 2660 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، نَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ»، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ {45﴾ بَلِ السَّاعَةُ
مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴿46﴾} [الْقَمَر: 45 - 46] " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
بَابُ التُّرْسِ
2661 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ، أَنا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ، فَكَانَ إِذَا رَمَى، تَشَرَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
بَابُ الرَّايَاتِ وَالأَلْوِيَةِ
2662 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: «وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ»، قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ، يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ «.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرُوِيَ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقَرَظِيِّ، أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّ» كَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ".
2663 - حَدَّثَنَا الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: بَعَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَسْأَلُهُ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَتْ؟ فَقَالَ: «كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ»
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَخَلَ مَكَّةَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ».
2664 - حَدَّثَنَا الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّالِحَانِيُّ، أَنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أَنا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّامِيُّ، نَا حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حَيَّانَ أَبُو زُهَيْرٍ الْعَدَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ» 2665 - حَدَّثَنَا الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَنا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالِحَانِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الشَّيْخِ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، نَا سَعِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، أَظُنُّهُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَضَ، وَكَانَتْ رَايَتُهُ سَوْدَاءَ مِنْ مِرْطٍ لِعَائِشَةَ مُرَحَّلٍ»
بعونه تَعَالَى وتوفيقه تمّ الْجُزْء الْعَاشِر من شرح السّنة ويليه الْجُزْء الْحَادِي عشر وأوله بَاب التأمير فِي الْحَرْب وَالسّفر وَوَصِيَّة الإِمَام للجيش
بَابُ التَّأْمِيرِ فِي الْحَرْبِ، وَالسَّفَرِ، وَوَصِيَّةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ
2666 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، نَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ، فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
مُؤْتَةُ مَهْمُوزَةٌ: الأَرْضُ الَّتِي قُتِلَ بِهَا جَعْفَرٌ، وَالْمُوتَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ: شِبْهُ الْجُنُونِ.
2667 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ، فَفُتِحَ عَلَيْهِ، فَمَا يَسُرُّنِي، أَوْ قَالَ: مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا "، قَالَ: وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانِ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ بَيَانُ أَنَّ التَّأْمِيرَ فِي الْحَرْبِ مَشْرُوعٌ، وَفِيهِ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ تَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ أُصِيبَ الأُمَرَاءُ مِنْ غَيْرِ تَأْمِيرٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَظَرَ، فَإِذَا هُوَ فِي ثَغْرٍ مَخُوفٍ لَمْ يَأْمَنْ فِيهِ ضَيَاعَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ، وَتَوَلَّى أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَارَ هَذَا أَصْلا فِي كُلِّ أَمْرٍ حَدَثَ مِمَّا سَبِيلُهُ أَنْ يَتَوَلاهُ الأَئِمَّةُ، وَلَمْ يَشْهَدُوهُ، وَخِيفَ عَلَيْهِ الضَّيَاعُ أَنَّ الْقِيَامَ بِهِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ شَهِدَهُ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ
وَقَعَ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ خَاصٍّ، نَحْوُ أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ بِفَلاةٍ، فَإِنَّ عَلَى مَنْ شَهِدَهُ حِفْظَ مَالِهِ، وَإِيصَالَهُ إِلَى أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْفِينُهُ، وَتَجْهِيزُهُ لأَنَّ أَمْرَ الدِّينِ عَلَى التَّعَاوُنِ، وَالتَّنَاصُحِ، هَذَا مَعْنَى كَلامِ الْخَطَّابِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ يَدٌ، لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ، وَلِوَلَدِهِ بِمِثْلِ مَا يَحْكُمُ لِغَيْرِهِ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ عَلَى وَلِيَّتِهِ، وَأَنْ يَقْطَعَ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِهِ، كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ بِالَّذِي سَرَقَ الْحُلِيَّ مِنْ بَيْتِهِ.
وَفِيهِ أَيْضًا جَوَازُ دُخُولِ الْخَطَرِ فِي الْوِكَالاتِ، وَتَعْلِيقِهَا بِالشَّرَائِطِ، قَالَ الإِمَامُ: يَعْنِي قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ، فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ، فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ»، عَلَّقَ إِمَارَةَ جَعْفَرَ بِقَتْلِ زَيْدٍ، وَإِمَارَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِقَتْلِ جَعْفَرٍ.
2668 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيرْبَنْدُ كُشَائِيُّ، أَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ طَرَفَةَ السِّجْزِيُّ، أَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ حَمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطَّابِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ، نَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ، أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَقَالَ: " إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ، أَوْ خِلالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا، وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ مِثْلَ أَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ، وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلا تُنْزِلْهُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ، وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ، ثُمَّ اقْضُوا فِيهَا بَعْدُ مَا شِئْتُمْ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ
قَالَ الإِمامُ: هَذَا الْحدِيث يشْتَمل على فَوَائِد وعدة أَحْكَام: أَحدهَا: التأمير فِي الْحَرْب، فَيَنْبَغِي للْإِمَام إِذا بعث جَيْشًا أَن يؤمِّر عَلَيْهِم أَمِيرا، وَيَأْمُرهُمْ بِطَاعَتِهِ، حتّى لَا يختلِف أَمرهم، وقدْ رُوِي عنْ أبِي سعِيد الخدريِّ، أَن النّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذا خرج ثلاثةٌ إِلى سفرٍ فلْيُؤمِّرُوا أحدهُمْ»، وَعَن أبِي الْأَحْوَص، عنْ عبْد اللهِ، قَالَ: «إِذا كُنْتُمْ ثَلَاثَة فِي سفرٍ، فأمِّرُوا أحدكُمْ»، وَإِنَّمَا أَمرهم بِذلِك، ليَكُون أَمرهم جَمِيعًا، وَلَا يتفرّق بِهِمُ الرّأْيِ، فيحملهم ذلِك على الْخلاف، والشِّقاقِ.
وفِي الْحدِيثِ دلِيلٌ على أنّهُ لَا يُقاتِلُ الْمُشْركين إِلَّا بعد دُعَائِهِمْ إِلى الإِسْلام، وَقد اخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي ذلِك، فَقَالَ مالِك: لَا يُقَاتلُون حتّى يُدعوا، ويؤذنوا، وَذهب جمَاعَة إِلى أَنهم يُقَاتلُون قبل الدعوةُ، والدعوة اسْتِحْبَاب، لِأَن الدعْوَة قدْ بلغتهم، وهُو قوْل الثّوْرِي، والشّافِعِي، وأصْحاب الرّأْيِ، وأحْمد، وَإِسْحَاق، وَاحْتج الشّافِعِي بقتل ابْن أبِي
الحُقيق، وَأَيْضًا رُوِي عنْ أنس، أنّ النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يُغيرُ عِنْد صَلَاة الصُّبْحِ، فإِذا سمع أذانًا أمْسك، وإِلّا أغار، وأغار على بني المُصْطلِقِ وهُمْ غارُّون»، وَقَالَ عليْهِ السّلام لأسامة: «أغِرْ على أُبني صباحًا وحرِّقْ»، فَثَبت بِهذِهِ الأحادِيث أَن تَقْدِيم الدعْوَة ليْس بِشَرْط إِذا كَانَت الدعْوَة قدْ بلغتهم قبل ذلِك.
فَأَما من لمْ تبلغه الدعْوَة من الْكفَّار فَمَا بعُدت دَاره، ونأى مَحَله، فإِنّهُ لَا يُقاتل حتّى يدعى إِلى الإِسْلام، فإِن قُتِل مِنْهُم واحدٌ قبل الدعْوَة فَتجب فِيهِ الْكَفَّارَة وَالدية، وفِي وجوب اخْتِلاف الْقود اخْتِلاف بيْن أهْل الْعِلْمِ، وَقَالَ سعِيد بْن جُبيْر فِي قوْلِهِ عزّ وجلّ ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]، أهل الْحَرْب ادعوهُمْ فإِن أَبَوا، فجادلوهم بِالسَّيْفِ.
وقوْله: «وأعلِمْهُمْ أنّهُمْ إِنْ فعلُوا ذلِك أنّ لهُمْ مَا للمُهاجِرِين» أَرَادَ من مَال الْفَيْء، وذلِك أَن الْمُهَاجِرين كانُوا أَقْوَامًا من قبائل مختلفةٍ تركُوا أوطانهم، وهجروها فِي الله، واختاروا الْمدِينة دَارا ووطنًا، ولمْ يكن
لأكثرهم بِها زرع، وَلَا ضرع، وَكَانَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينْفِق عَلَيْهِم من مَال الْفَيْء، وإِذا دُعوا إِلى الْجِهَاد، لَا يتخلفون عَنهُ، ولمْ يكن أم لأعرابي؟، وسكان الْبَلَد فِي الْفَيْء نصيب إِلَّا من شهد الْوَقْعَة مِنْهُم، فَلهُ سَهْمه، وَمن لمْ يخرج مِنْهُم فِي الْبَعْث، فَلَا شيْء لهُ من الْفَيْء، وَلَا عتب عليْهِ فِي التَّخَلُّف مَا دَامَ فِي الْمُجَاهدين كِفَايَة.
وقوْله: «وعليْهِمْ مَا على المُهاجِرِين»، أَي: من النفير أيّ وقتٍ دُعوا إِليْهِ.
وقوْله: «فإنْ هُمْ أبوْا، فادْعُهُمْ إِلى إِعْطَاء الجِزْيةِ»، فَظَاهره يُوجب قبُول الْجِزْيَة من كُل مُشْرك، كتابي أوْ غيْر كتابي، مثل عبدةِ الشَّمْس، والنيران، والأوثان إِذا أعطوها، وَإِلَى هَذَا ذهب الأوْزاعِي، ومالِك: أنّهُ تقبل الْجِزْيَة من كُل كَافِر، عَرَبيا كَانَ أوْ أعجميًا، إِلَّا الْمُرْتَد، قَالَ الْمُغِيرة بْن شُعْبة لعامل كسْرَى: أمرنَا نبيُّنا رسُول ربِّنا أَن نقاتِلكم حتّى تعبدوا الله وَحده، أوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَة، وأخْبرنا نبيُّنا عنْ رِسَالَة ربِّنا أنّهُ من قُتِل منا صَار إِلى الْجَنَّةِ فِي نعيم لمْ يُر مثلهَا قطّ، وَمن بقى منا ملك رِقَابكُمْ، وَعَن أبِي وَائِل قَالَ: كتب خالِد بْن الْولِيد إِلى أهل فَارس: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، مِن خالِد بْن الْولِيد إِلى رُستم ومهران فِي مَلأ فَارس: سَلام على من اتبع الْهدى، أما بعد فَإنَّا ندعوكم إِلى الإِسْلام، فإِن أَبَيْتُم، فأعطوا الْجِزْيَة عنْ يدِ وَأَنْتُم صاغرون، فإِن أَبَيْتُم، فإِن معي قوما يحبونَ الْقَتْل فِي سَبِيل الله، كَمَا تحبُّ فَارس الْخمر، وَالسَّلَام على
منِ اتّبع الهُدى.
وقوْله: «فإِن أجابُوا، فاقْبلْ مِنْهُمْ، وكُفّ عنْهُمْ»، يعْنِي: إِذا قبلوا الْجِزْيَة، دخلُوا فِي ذمَّة الْمُسْلِمِين يجب الكفُّ عَنْهُم قتلا، واسترقاقًا، والذبُّ عَنْهُم.
قَالَ عُمر رضِي الله فِي وَصيته: أوصِي الْخَلِيفَة من بعدِي بالمهاجرين، وَالْأَنْصَار، أوصيه بِذِمَّة الله وَذمَّة رَسُوله أَن يُوفي لهُمْ بعدهمْ وَأَن يُقَاتل من ورائهم، وَلَا يكلّفوا إِلَّا طاقتهم.
وَذهب قوْمٌ إِلى أَن الْجِزْيَة لَا تقبل إِلَّا من أهل الْكتاب وَمن الْمَجُوس سَوَاء كانُوا عربا، أوْ عجمًا، وَلَا تُقبل من أهل الْأَوْثَان بِحَال، إِليْهِ ذهب الشّافِعِي.
وَقَالَ أبُو حنِيفة: تُقبل من أهل الْكتاب على الْعُمُوم، وتُقبل من مُشْركي الْعَجم، وَلَا تُقبل من مُشْركي الْعَرَب، وَقَالَ أبُو يُوسُف: لَا تُقبل من الْعَرَبِيّ، كتابيًا كَانَ، أوْ مُشْركًا، وتُقبل من العجمي، كتابيًا كَانَ أوْ مُشْركًا.
قَالَ الشّافِعِيُّ: وَلَوْلَا أَن نأثم بتمني بَاطِل، وَدِدْنَا أَن لَا يجْرِي على عَرَبِيّ صغَار، وَلَكِن الله أجلُّ فِي أَعيننَا من أَن نحب غيْر مَا حكم بِهِ.
ورُوِي: أَن النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَخذ الجِزْية مِنْ أُكيْدِر دومة وهُو رجُلٌ مِنْ غسّان، أوْ كِنْدة، ومنْ أهْلِ ذِمَّةِ اليمنِ، وعامّتُهُمْ عربٌ».
2669 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ سَهْلِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُهُسْتَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي تُرَابٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّرْسُوسِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حِزَامٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ جَيْشًا قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لَا تَغُلُّوا، وَلا تَغْدِرُوا، وَلا تَقْتُلُوا امْرَأَةً، وَلا وَلِيدًا، وَلا شَيْخًا كَبِيرًا، وَإِذَا حَاصَرْتُمْ أَهْلَ مَدِينَةٍ، أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ، فَادْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَإِنْ شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَهُمْ مَا لَكُمْ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْكُمْ، فَإِنْ أَبَوْا، فَادْعُوهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ، يُعْطُونَكُمْ عَنْ يَدٍ، وَهُمْ صَاغِرُونَ، فَإِنْ أَبَوْا، فَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ
قَالَ الإِمامُ: نسَاء أهل الْحَرْب وصبيانهم لَا يجوز قتلُهم بعد الإسار، لأَنهم صَارُوا أرقاء بِنَفس الأسرِ، فهُمْ غنيمَة للْمُسلمين، وَلَا يجوز أيْضًا قَتلهمْ قبل الْأسر، فإِن قَاتلُوا، دُفِعوا وَلَو بِالْقَتْلِ، وكذلِك إِذا اخْتَلَط نسَاء أهل الْحَرْب وصبيانُهُم بالمقاتلة مِنْهُم، وَلَا يُوصل إِلَى الْمُقَاتلَة إِلَّا بقتل النِّسَاء وَالصبيان، فَإِنَّهُم لَا يُحاشون، وكذلِك يجوز البيات وَإِن كَانَ ذلِك يَأْتِي على النِّساء وَالصبيان.
وَاخْتلفُوا فِي الشُّيُوخ، والزّمني، والعميان، والرهبان، والعُسفاء، فَذهب قوم إِلى أَنهم لَا يُقتلون، وهُو قوْل مالِك، والثّوْرِي، والأوْزاعِي، وأصْحاب الرّأْيِ، ورُوِي عنِ الصِّدِّيق أنّهُ نهى عنْ قَتلهمْ، وَذهب قومٌ إِلى أَنهم يُقتلون، وإِليْهِ ذهب الشّافِعِي فِي أظهر قوليه، وَقَالَ: إِنّما نهى أبُو بكْر عنْ قَتلهمْ ليشتغلوا بالأهم، وهُو قتل الْمُقَاتلَة، وَلَا يتشاغلوا بالْمقَام على الصوامع عنِ الْحَرْب، كَمَا رُوِي أنّهُ نهى عنْ قطع الْأَشْجَار المثمرة، ولمْ يكن ذلِك على وَجه التَّحْرِيم، وقدْ حضر النّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وهُو يقطع نخل بني النَّضِير»، وَلَكِن نهى عنْ قطعهَا ليشتغلوا بِالْقِتَالِ الّذِي هُو الأهم، أوْ لِأَن النّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قدْ «وعد لهُمْ فتح الشَّام، فَأَرَادَ بَقَاء نَفعهَا للْمُسلمين»، فَأَما الشَّاب الْمَرِيض، فيُقتل بالِاتِّفَاقِ.
بابُ الْغزْوِ بالنِّساءِ
2670 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا بَشَّارُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَسْقِي الْقَوْمَ، وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الْجَرْحَى، وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وَصَحَّ عنْ أم عطيّة الْأَنْصَارِيَّة، قالتْ: «غزوْت مَعَ رسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبْع غزواتٍ» أخْلُفُهُمْ فِي رِحالِهِمْ، فأصْنعُ لهُم الطَّعَام، وأُداوِي الجرْحى، وأقومُ على المرْضى.
وَعَن أنس، قَالَ: كَانَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يغْزُو بأُمِّ سُليْمٍ ونِسْوةٍ مِن الأنصارِ معهُ إِذا غزا»، فيسْقِين المَاء، ويُداوِين الجرْحى.
قَالَ الإِمامُ: فِي الْحدِيث دلِيل على جَوَاز الْخُرُوج بِالنسَاء فِي الْغَزْو لنَوْع من الرِّفْق والخدمة، فإِن خَافَ عَلَيْهِنَّ كَثْرَة الْعَدو وقوتهم، أوْ خَافَ فتنتهُن لجمالِهِن، وحداثة أسنانهن، فَلَا يخرجُ بِهن، وقدْ
رُوِي عنِ النّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «أَن نِسْوةٍ خرجْن معهُ فَأمر بِردِّهِن».
فيُشبه أَن يكود ردُّهُ إياهُن لأحد هذَيْن الْمَعْنيين.
بابُ أخْذِ الجُعلِ
2671 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُهُسْتَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي تُرَابٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ الْمُهَاجِرُ بْنُ الْمُحْرِزِ بْنِ سَالِمٍ التُّجِيبِيُّ الْمِصْرِيُّ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ شُفَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ»، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ، وَأَجْرُ الْغَازِي» قوْله: «قفْلةٌ كغزْوةٍ»، قَالَ أبُو سُليْمان الْخطابِيّ: هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكُون أَرَادَ بِهِ القفول عنِ الْغَزْو، وَالرُّجُوع إِلى الوطن، يقُول: إِن أجر الْمُجَاهِد فِي انْصِرَافه إِلى أَهله كأجره فِي إقباله
إِلى الْجِهَاد، وذلِك لِأَن تجهيز الْغَازِي يضرُّ بأَهْله، وفِي قُفوله إِلَيْهِم إزالةُ الضَّرَر عَنْهُم، واستجمام للنَّفس، واستعداد بِالْقُوَّةِ للعودِ.
وَالْوَجْه الآخر: أَن يكُون أَرَادَ بِذلِك التعقيب، وهُو رُجُوعه ثَانِيًا فِي الْوَجْه الّذِي جَاءَ مِنْهُ منصرفًا، وَإِن لمْ يلق عدوا، وقدْ يفعل الْجَيْش ذلِك لأحد أَمريْن: أَحدهمَا: أَن الْعَدو إِذا رَأَوْهُمْ قد انصرفوا عنْ ساحتهم أمِنوهم، فَخَرجُوا من مكامنهم، فإِذا قفل الْجَيْش إِلى دَار الْعَدو، نالوا الفرصة مِنْهُم، فَأَغَارُوا عَلَيْهِم.
وَالْآخر: أَنهم إِذا انصرفوا من مغزاهم ظَاهِرين لمْ يأمنوا أَن يقفُو الْعَدو أَثَرهم، فيوقعوا بِهِمْ وهُمْ غَارونَ، فَرُبمَا استظهر الْجَيْش، أوْ بعْضهم بِالرُّجُوعِ على أدراجهم ينقضون الطَّرِيق، فإِن كَانَ من الْعَدو طلب، كانُوا مستعدين للقائهم.
قَالَ الإِمامُ: وقدْ صَحَّ عنْ أنس، عنْ أبِي طلْحة: أَن نَبِي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «كَانَ إِذا ظهر على قومٍ، أَقَامَ بِعرصتِهِمْ ثَلَاثًا».
قوْله: «للجاعِلِ أجْرُهُ وأجْرُ الْغَازِي»، فِيهِ ترغيبٌ للجاعل ورخصة للمجعول لهُ.
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي جَوَاز أَخذ الْجعل على الْجِهَاد، فَرخص فِيهِ الزُّهْرِي، ومالِك، وأصْحاب الرّأْيِ، ولمْ يجوّزه قومٌ، رُوِي عنِ ابْن عُمر، أنّهُ قَالَ: أرى الْغَازِي يَبِيع غَزوه، وَأرى هَذَا يفِرُّ من غَزوه، وَكَرِهَهُ عَلْقَمَة، وَقَالَ الشّافِعِيُّ: لَا يجوز أَن يَغْزُو بجُعل، فإِن أَخذه، فعليْهِ رده، وَقَالَ النّخعِي: لَا بَأْس بالإعطاء، وأكره الْأَخْذ.
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَجِير للْعَمَل، وَحفظ الدَّوَابّ يحضر الْوَقْعَة هَل يُسهم لهُ؟، فقدْ قِيل: لَا يُسهم لهُ، قَاتل أوْ لمْ يُقَاتل، إِنّما لهُ أجره عمله، وهُو قوْل الأوْزاعِي، وَإِسْحَاق، وَأحد أَقْوَال الشّافِعِي.
وقِيل: يُرضخ لهُ، وقِيل: يُسهم لهُ إِذا قَاتل، فإِن لمْ يُقاتل، فَلَا سهم لهُ، وهُو قوْل الثّوْرِي، وَأحد أَقْوَال الشّافِعِي، وَقَالَ مالِك، وأحْمد: يُسهم لهُ، وَإِن لمْ يُقَاتل إِذا كَانَ مَعَ النّاس عِنْد الْقِتَال، وهُو قوْل الْحسن، وَابْن سِيرِين، وقِيل: يخيّر بيْن الْأُجْرَة والسهم، فإِن ترك أُجْرَة عمله، فَلهُ السهْم، وَإِن طلب الْأُجْرَة، فَلَا سهم لهُ.
وقدْ رُوِي عنْ يحْيى بْن أبِي عمْرو السيباني، عنْ عبْد اللهِ بْن الديلمي، أَن يعلى بْن مُنية، قَالَ: أذن رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالغزو وَأَنا شيخ كَبِير ليْس لي خدم، فَالْتمست أَجِيرا يَكْفِينِي، وَأجْرِي لهُ سهمي، فَوجدت رجلا، فَلَمَّا دنا الرحيل، أَتَانِي، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا السهْمَان فسمِّ لي شيْئًا، فسميت لهُ ثَلَاثَة دَنَانِير، فَلَمَّا حضرتْ غنيمَة، أردْت أَن أجري لهُ سَهْمه، فَذكرت الدَّنَانِير، فَجئْت النّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذكرت لهُ أمره، فَقَالَ: «مَا أجِدُ لهُ فِي غزوتِهِ هذِهِ فِي الدُّنْيا والآخِرةِ إِلّا دنانِيرهُ الّتي سمّى».
فَأَما إِذا اُسْتُؤْجِرَ الرجل للْجِهَاد، فَالْإِجَارَة بَاطِلَة، وإِذا حضر الْوَقْعَة، فَلَا سهم لهُ، لِأَنَّهُ يعْمل لغيره، وقِيل: يسْتَحق السهْم، لِأَن جهاده يَقع عنْ نَفسه.
وَلَو أسلم كَافِر، فالتحق بصف الْمُسْلِمِين، يسْتَحق السهْم، وإِذا أفلت أَسِير من أَيدي الْكفَّار، فَحَضَرَ الْقِتَال، فإِن قَاتل، يسْتَحق السهْم، وَإِن لمْ يُقَاتل، فقدْ قِيل: يُسهم لهُ، وقِيل: لَا يُسهم.
وَمن حضر دَار الْحَرْب تَاجِرًا، فَحَضَرَ الْوَقْعَة، فإِن لمْ يُقَاتل فَلَا سهم لهُ، وَإِن قَاتل، فقدْ قِيل: يُسهم لهُ، وقِيل: لَا يُسهم لهُ، أما إِذا حضر مُجَاهدًا، وَحمل معهُ مَالا يتّجِر فِيهِ، فَيسْتَحق السهْم وَإِن لمْ يُقَاتل، وَيجوز استئجارُ الذِّمِّيّ على الْجِهَاد، لِأَنَّهُ لَا يُفترض عليْهِ بِحُضُورِهِ الْوَقْعَة بِخِلَاف الْمُسلم.
وَلَو غزا رجلٌ على فرس اسْتَأْجرهُ، يجوز وَيسْتَحق السهْم، وَيكون للْمُسْتَأْجر، وَعَلِيهِ للآجر الْكِرَاء.
ورُوِي عنْ رُويفع بْن ثَابت أنّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ أحدْنا فِي زمانِ رسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليأْخُذُ نِضْو أَخِيه على أَن لهُ النِّصْف مِمّا يغْنمُ، وَلنَا النِّصْفُ، وإِنْ كَانَ أحدُنا ليطيرُ لهُ النّصْلُ، والرِّيشُ، وللآخرِ القدْحُ.
أَرَادَ بالنِّضوِ: الْبَعِير المهزول.
فَفِيهِ دلِيل على أنّهُ لَو اكترى فرسا، أوْ بَعِيرًا للغزو على أَن للمكري سهم المُكتري من الْغَنِيمَة، أوْ نصف مَا يغنم، أوْ ثلثه على مَا يتشارطان أنّهُ يجوز، وإِليْهِ ذهب الأوْزاعِي، وأحْمد.
وَأخذ عَطِيَّة بْن قيْس فرسا على النّصْف، فَبلغ سهم الْفرس أَربع مائَة دِينار، فَأخذ مِائَتَيْنِ، وَأعْطى صَاحبه مِائَتَيْنِ.
ولمْ يجوزه أكْثر الْفُقَهَاء لجَهَالَة الْعِوَض، وأوجبوا على المُكتري إِذا اسْتَعْملهُ أجر الْمثل.
وقوْله: «وإِنْ كَانَ أحدُنا ليطِيرُ لهُ النّصْلُ»، أَي: يُصِيبهُ فِي الْقِسْمَة، يُقَال: طَار لفُلَان النّصْف، وَلفُلَان الثُّلُث: إِذا وَقع لهُ ذلِك
فِي الْقِسْمَة.
والقِدحُ: خشبُ السهْم قبل أَن يُراش، ويُركّب فِيهِ النّصلُ.
وفِيهِ دلِيلٌ على أَن الشَّيْء الْمُشْتَرك بيْن الْجَمَاعَة إِذا احْتمل الْقِسْمَة، كَانَ لهُ ذلِك مَا دَامَ ينْتَفع بِمَا يَخُصُّهُ مِنْهُ، وَإِن قل، وذلِك لِأَن القِدح قدْ ينْتَفع بِهِ عريًا من الريش والنصل، وكذلِك ينْتَفع بالريش والنصل، وَإِن لمْ يَكُونَا مركبين فِي قِدح، فَأَما مَا لَا ينْتَفع بقسمته أحد من الشُّرَكَاء كاللؤلؤة، وَالشَّيْء الّذِي إِذا فُرق بيْن أَجْزَائِهِ، بطلت منفعتُه، فَلَا تجب الْمُقَاسَمَة فِيهِ، لِأَنَّهُ إِضَاعَة المَال، بل يبيعونه، ويقتسمون ثمنه.
قَالَ الإِمامُ: أما تجهيز الْغُزَاة وإعانتهم بِالْمَالِ، فَجَائِز، قَالَ النّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «منْ جهّز غازِيًا فِي سبيلِ الله، فقدْ غزا».
وَقَالَ مُجَاهِد: قُلْت لِابْنِ عُمر: أُرِيد الْغَزْو، قَالَ: إِنِّي أحبُّ أَن أعينك بطَائفَة من مَالِي، قُلْت: وسع الله عَليّ، قَالَ: إِن غناك لَك، وَإِنِّي أحب أَن يكُون من مَالِي فِي هَذَا الْوَجْه.
بابُ مَتى يخْرُجُ إِلى السّفرِ
2672 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ
بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا هِشَامٌ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قَالَ الإِمامُ: ويُكره سيرُ أول اللَّيْل.
لما رُوِي عنْ جابِر، قَالَ: قَالَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُرسلوا فَوَاشِيكُمْ وصِبْيانكُم إِذا غابتِ الشّمسُ حتّى تذْهب فحْمةُ العِشاء، فإِن الشّيْطان يبْعثُ جُنُودهُ إِذا غابتِ الشّمْسُ حتّى تذْهب فحمةُ العِشاء».
الفواشي: جمع الفاشية، وهِي كُل مَا ينتشر من المَال كالغنم وَالْإِبِل، يُقَال: أفشى الرجل: إِذا كثرت فواشيه، وَفَحْمَة الْعشَاء: إقبال ظلمته، شبه سوَاده بالفحم.
ورُوِي عنِ الرّبيع بْن أنس، عنْ أنسٍ، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليْكُمْ بالدُّلْجةِ، فإِن الأرْض تُطْوى باللّيْلِ».
بابُ الابْتِكارِ
2673 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا شُعْبَةُ، وَهُشَيْمٌ،
عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَدِيدٍ، عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِها».
وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ عَنْ هُشَيْمٍ: وَكَانَ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً، أَوْ جَيْشًا، بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ»، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَكَثُرَ مَالُهُ
بابُ كراهِيةِ السّفرِ وحْدهُ
2674 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاعِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الْمُقْرِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ الْبَزَّازُ، نَا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ الْمَكِّيُّ، بِمَكَّةَ، حَرَسَهَا اللَّهُ، سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ عُلِمَ مِنَ الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ عَاصِمٍ
2675 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلاثَةُ رَكْبٌ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
قَالَ أبُو سُليْمان الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ، واللهُ أعْلمُ، أَن التفرُّد والذهاب وَحده فِي الأرْض من فعل الشّيْطان، أوْ هُو شَيْء يحملهُ عليْهِ الشّيْطان، فَقيل على هَذَا: إِن فَاعله شيْطان.
قَالَ الإِمامُ: معنى الْحدِيث عِنْدِي مَا رُوِي عنْ سعِيد بْن الْمُسيِّبِ، مُرسلا، عنْ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشّيْطانُ يهُمُّ بالواحِدِ وبالاثْنيْنِ، فَإِذا كانُوا ثَلَاثَة لمْ يهمُمْ بِهِمْ»، ورُوِي عنْ عُمر رضِي اللهُ عنْهُ، أَن رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «منْ سرّهُ بحْبحةُ الجنّةِ، فلْيلْزمِ الْجَمَاعَة، فإِن الشّيْطان مَعَ الفذِّ، وهُو مِن الاثْنيْن أبْعدُ».
ورُوِي عنْ عُمر أنّهُ قَالَ فِي رجل سَافر وَحده: أَرَأَيْتُم إِن مَاتَ، من أسأَل عَنهُ؟ قَالَ الْخطّابِيُّ: الْمُنْفَرد وَحده فِي السّفر إِن مَاتَ لمْ يكن بِحَضْرَتِهِ من يقوم بِغسْلِهِ، وَدَفنه وتجهيزه، وَلَا عِنْده من يُوصي إِليْهِ فِي مَاله، وَيحمل تركته إِلى أَهله، ويورد خَبره عَلَيْهِم، وَلَا معهُ فِي السّفر من يعينُهُ على الحمولة، فإِذا كانُوا ثَلَاثَة تعاونوا، وتناوبوا المهنة والحراسة، وصلوا الْجَمَاعَة، وأحرزوا الْحَظ فِيها.
2676 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ