كِتَابُ السِّيَرِ وَالْجِهَادِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكَ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ حُجَيْنٍ، عَنْ لَيْثٍ وَقَالَ صالِح عنِ ابْنِ شِهابٍ: فَأبى أبُو بكْر عليْها ذلِك، وَقَالَ: لستُ تَارِكًا شيْئًا كَانَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعْمل بِهِ إِلَّا عملتُ بِهِ، إِنِّي
أخْشَى إِن تركتُ شيْئًا من أمره أَن أزيغ.
فَأَما صدقته بِالْمَدِينَةِ، فَدَفعهَا عُمر إِلى علِي وعباس، فغلبه عليْهِ علِي، وأمّا خيبرُ وفدك، فَأَمْسكهَا عُمر، وَقَالَ: هما صَدَقَة رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتَا لحقوقه الّتِي تعروه ونوائِبِه، وأمرُهما إِلى من ولي الْأَمر.
قَالَ: فهما على ذلِك الْيَوْم.
ورُوِي عنْ سهل بْن أبِي حثْمَة، قَالَ: «قسم رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَر نِصْفَيْنِ، نصفا لنوائبه وحاجاته، وَنصفا بيْن المُسْلِمين، قسمهَا بَينهم على ثَمَانِيَة عشر سَهْما».
قَالَ الإِمامُ: رُوِي أَن الْجَيْش كانُوا ألفا وَخمْس مائةٍ، فيهم ثَلَاث مائَة فَارس، فَأعْطى الْفَارِس سَهْمَيْنِ، والراجل سَهْما، وقِيل: هُو وهمٌ إِنّما كانُوا مِائَتي فَارس، فَكَانَ للفارس ثَلَاثَة أسْهم، وللراجل سهم، وَإِنَّمَا صَارَت خَيْبَر نِصْفَيْنِ بيْن الرسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَين الْجَيْش، لِأَنَّهَا قرى كَثِيرَة، فُتح بعْضها عنْوَة، فَكَانَ للنّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا خُمس الخُمس، وفُتح بعْضها صلحا، فَكَانَ فَيْئا خَالِصا لرسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعهُ حَيْثُ أرَاهُ اللهُ من حَاجته ونوائبه، ومصالح المُسْلِمين، فاستوتِ الْقِسْمَة فِيها على المناصفة.
ورُوِي عنْ بُشير بْن يسَار، عنْ رجال من أصْحاب النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما ظهر على خَيْبَر، قسمهَا إِلى سِتَّة وَثَلَاثِينَ سَهْما، جمع كلُّ سهم مائَة سهمٍ، فعزل للْمُسلمين الشّطْر ثَمَانِيَة عشر سَهْما، النّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَعَهم لهُ سهمٌ كسهم أحدهم، وعزل ثَمَانِيَة عشر سَهْما، وهُو الشطرُ لنوائبه وَمَا ينزل من أَمر المُسْلِمين، فَكَانَ ذلِك الكتيبة، والوطيحة، والسلاليم وتوابعها.
بابُ الدِّيوانِ
2742 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ، أَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: لَمَّا أُتِيَ عُمَرُ بِكُنُوزِ كِسْرَى، قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيُّ: أَلا تَجْعَلُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى تَقْسِمَهَا؟ قَالَ: لَا يُظِلُّهَا سَقْفٌ حَتَّى أُمْضِيَهَا، فَأَمَرَ بِهَا، فَوُضِعَتْ فِي صُوحِ الْمسْجِدِ، وَبَاتُوا يَحْرُسُونَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، أَمَرَ بِهَا، فَكُشِفَ عَنْهَا، فَرَأَى
فِيهَا مِنَ الْحَمْرَاءِ، وَالْبَيْضَاءِ مَا يَكَادُ يَتَلأْلأُ مِنْهُ الْبَصَرُ، قَالَ: فَبَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ هَذَا لَيَوْمُ شُكْرٍ، وَيَوْمُ سُرُورٍ، وَيَوْمُ فَرَحٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَلَّا إِنَّ هَذَا لَمْ يُعْطَهُ قَوْمٌ إِلَّا أُلْقِيَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةُ، وَالْبَغْضَاءُ، ثُمَّ قَالَ: أَنَكِيلُ لَهُمْ بِالصَّاعِ، أَمْ نَحْثُو؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: بَلِ احْثُ لَهُمْ، ثُمَّ دَعَا حَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَوَّلَ النَّاسِ، فَحَثَا لَهُ، ثُمَّ دَعَا حُسَيْنًا، ثُمَّ أَعْطَى النَّاسَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَفَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَةَ آلافِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَلِلأَنْصَارِ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَفَرَضَ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَّا صَفِيَّةَ وَجُوَيْرِيَةَ، فَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سِتَّةَ آلافِ دِرْهَمٍ ". قَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، قَالا: «فَرَضَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لأَهْلِ بَدْرٍ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ لِكُلِّ رَجُلٍ سِتَّةَ آلافِ دِرْهَمٍ» 2743 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ،
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّ عُمَرَ لَمَّا دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، قَالَ: «بِمَ تَرَوْنَ أَنْ أَبْدَأَ؟» فَقِيلَ لَهُ: أَبْدَأْ بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ بِكَ، قَالَ: «بَلْ أَبْدَأُ بِالأقْرَبِ، فَالأَقْرَبِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
قَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «مَحَا الزُّبَيْرُ نَفْسَهُ مِنَ الدِّيوَانِ حِينَ قُتِلَ عُمَرُ، وَمَحَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ نَفْسَهُ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ».
2744 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ، نَا أَبُو حُذَيْفَةَ، نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اكْتُبُوا مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلامِ مِنَ النَّاسِ»، فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَخَافُ، وَنَحْنُ أَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَنَا يُصَلِّي وَحْدَهُ فَيَخَافُ
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ
بابُ فتْحِ مكّة وحُكْمِ رِباعِها
2745 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ، قَالَ لِلْعَبَّاسِ: " احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْجَبَلِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلِ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، قَالَ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَذِهِ؟ قَال: هَؤُلاءِ الأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَهُ الرَّايَةُ، وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ، حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ، ثُمّ جَاءَتْ كُتَيْبَةٌ، وَهِيَ أَقَلُّ
الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيِهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ.
قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ هَاهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟ قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءَ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُدَا ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
حطْمُ الْجَبَل: مَا حُطِم، أيْ: ثُلِم من عُرضِهِ، فَبَقيَ مُنْقَطِعًا، والملحمةُ: المقتلةُ.
قوْله: حبّذا يوْم الذِّمار، يُريد يوْم القتالِ والذُّمر: الحضُّ على القِتالِ، يُقال: ذمر الرّجُل صاحِبه يذمُره، وَيُقَال: فُلان حامي الذِّمار، يعْنِي: إِذا ذمِر،
وغضِب، حمِي، فتمنى أبُو سُفْيان أَن يكُون لهُ يدٌ، فيحمى قومه، وَيدْفَع عنْهُمْ.
2746 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ حَجَّاجٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنْ رَبَاحٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ادْعُ لِي الأَنْصَارَ»، فَدَعَوْتُهُمْ، فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: " انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا، وَقَالَ: مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا "، قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ
أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفَا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ، وَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلاحَ فَهُوَ آمِنٌ»، فَقَالِتِ الأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ، فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ، فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، أَلا فَمَا اسْمِي إِذًا ﴿ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النُّور: 58] أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ "، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضَنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قوْله: المُجنّبةِ اليُمْنى، قِيل: هِي الميمنة، والمجنبة الْيُسْرَى: هِي الميسرة، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أرْسلُوا مجنبتين، أيْ: كتيبتين أخذتا ناحيتي الطَّرِيق.
قَالَ الإِمامُ: اخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي فتح مكّة أنّهُ كَانَ صلحا، أما عنْوَة؟ فَذهب الأوْزاعِي، وأصْحاب الرّأْيِ، وَأَبُو عُبيْد، إِلى أنّها فتحت عنْوَة، لقَوْل النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للْأَنْصَار: «انْظُرُوا إِذا لقِيتُمُوهُمْ غَدا أنْ تحْصُدُوهُمْ حصْدًا».
وَذهب قومٌ إِلى أنّها فتحت صلحا، وإِليْهِ ذهب الشّافِعِي، لِأَن النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذل لهُم الْأمان بقوله: «منْ ألْقى السِّلاح فهُو آمِنٌ، ومنْ أغْلق بابُهُ، فهُو آمِنٌ»، وَجُمْلَة الْأَمر فِي فتح مكّة أنّهُ لمْ يكن أمرا منبرمًا فِي أول مَا بذل لهُم الْأمان، وَلكنه كَانَ أمرا مترددًا بيْن أَن يقبلُوا الْأمان، ويمضوا على الصُّلْح، وَبَين أَن يردوا الْأمان، ويحاربوا، فَأخذ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُهبة الْقِتَال، وَدخل مكّة على رَأسه المغفر، إِذْ لمْ يكن من أَمرهم على يَقِين، وَلَا من وفائهم على ثِقَة، إِلى أَن ظهر من أَمرهم قبُول الْأمان، والثبات على الصُّلْح، فالالتباس فِي أمرهَا إِنّما كَانَ من أجل التَّرَدُّد فِي الِابْتِدَاء.
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي بيع رباع مكّة، ومِلكها، وكِراء بيوتها، فَذهب جمَاعَة إِلى أنّها مَمْلُوكَة لأربابها يجوز بيعُها وكراؤُها، رُوِي أَن عُمر ابْتَاعَ دَارا للسجن بأَرْبعَة آلَاف، وهُو قوْل طَاوس، وَعَمْرو
بْن دِينار، وإِليْهِ ذهب الشّافِعِي، وَاحْتج بقول الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الْحَشْر: 8]، فَالله عزّ وجلّ أضَاف الدّيار إِلَيْهِم، وَالْإِضَافَة دلِيل المُلك.
ورُوِي عنْ أُسامة بْن زيْد، أنّهُ قَالَ زمن الْفَتْح: يَا رسُول اللهِ، أَيْن ننزل غَدا؟ فَقَالَ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وهلْ ترك لنا عُقيْلٌ مِنْ منْزِل».
2747 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، قَالا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا؟ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ شَيْئًا»، ثُمَّ قَالَ: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، ثُمَّ قَالَ: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفٍ بني كنَانَة حَيْثُ قاسمت قُرَيْش على الْكفْر» يَعْنِي بخيف الأَبْطَحِ.
قَالَ الزُّهرِيُّ: وَالْخَيْفُ: الْوَادِي، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا حَالَفُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يُجَالِسُوهُمْ، وَلا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلا يُبايِعُوهُمْ، وَلا يُؤْوُوهُمْ.
هَذَا حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلانَ، عَنْ عبْدِ الرَّزَّاقِ
فَقَوله: «وهلْ ترك لنا عَقِيلٌ شيْئًا»، أَرَادَ أَن عقيلا وطالبًا هما ورثا أَبَا طالِب، لِأَن أَبَا طالِب مَاتَ كَافِرًا، وَكَانَ عليٌّ وجعفرٌ مُسلمين، فَلم يرثاهُ، وَكَانَ عقيلٌ قدْ بَاعَ منَازِل آبَائِهِ، فَرَأى النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيعهُ مَاضِيا حَيْثُ قَالَ: «وَهل ترك لنا عُقيْلٌ منْزِلا»، على أَن تِلْك الدّور لَو كَانَت قَائِمَة على مُلك عقيل، لمْ ينزلها رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهَا دورٌ هجروها فِي الله، فَلم يَكُونُوا ليعودوا فِيها بِسُكناها، ولمْ يبلغنَا عنْ مهَاجر أنّهُ سكن دَاره بِمَكَّة بعد أَن هجرها، فَكَانَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاهم بِذلِك.
وَذهب قومٌ إِلى أنّهُ لَا يحلُّ بيع دور مكّة وَلَا كراؤها، لِأَنَّهَا حرَّة كالمساجد، رُوِي ذلِك عنْ عبْد الله بْن عمْرو بْن الْعَاصِ.
ورُوِي
عنْ عَطاء، وَعمر بْن عبْد الْعزِيز النَّهْي عنْ كِرَاء بيوتها، وَقَالَ أحْمد بْن حَنْبَل: إِنِّي لأتوقّى الكرِاء، أما الشِّرَاء، فقد اشْترى عُمر دَارا لسجنٍ، وَقَالَ إِسْحاق: بيعهَا، وشراؤها، وإجارتها مَكْرُوه، وَلَكِن الشِّرَاء أَهْون.
وَذهب أبُو عُبيْد إِلى أَن مكّة فتحت عنْوَة، ثُمّ منّ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أَهلهَا فردّها عَلَيْهِم، ولمْ يقسِمها، وَكَانَ هَذَا خَاصّا لرسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مكّة ليْس لغيره من الْأَئِمَّة أَن يفعل ذلِك فِي شيْء من الْبلدَانِ غَيرهَا، وذلِك أنّها مسْجِد لجَماعَة المُسْلِمين، وهِي مناخُ من سبق، وأجور بيوتها لَا تطيب، ولاتباع رباعُها، وَلَيْسَ هَذَا لغَيْرهَا من الْبلدَانِ.
قوْله: «نحْنُ نازِلُون بِخيْفِ بني كِنانة»، يُشبه أَن يكُون صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنّما اخْتَار النُّزُول بِها شكرا لله على دُخُوله مكّة ظَاهرا، وعَلى نقضِ مَا تعاقده أهل الشّرك من مهاجرتهم.
والخيف: مَا انحدر عنِ الْجَبَل، ارْتَفع من المسيل، وبهِ سُمِّي مسْجِد الْخيف، وقِيل: هُو وَاد بِعينِهِ.
بابُ المُهادنةِ مَعَ المُشْرِكِين
قَالَ الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الْأَنْفَال: 61] 2748 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَة، يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، وَخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ، وَأَبَى سُهَيْلٌ إِلَّا ذَلِكَ فَكَاتَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ أَبَا جَنْدَلٍ إِلَى
أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّا رَدَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَجَاءَتِ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ، وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فِيمَنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ وَهِيَ عَاتِقٌ، فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيِهِنَّ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ إِلَى قَوْلِهِ: وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]، قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ إِلَى قَوْلِهِ: غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: 12]، قَالَ عُرْوَة: قَالَت عَائِشَة: فَمن أقرّ بِهَذَا الشَّرْط مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ بَايَعْتُكِ، كَلامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ، مَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ " هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَقَالَ ابْن إِسْحاق، عنِ الزُّهْرِي، عنْ عُرْوَة، عنِ الْمسور، ومروان بْن الحكم: إِنَّهُم اصْطَلحُوا على وضع الْحَرْب عشر سِنِين يَأْمَن فِيها النّاس
وعَلى أنّ بيْننا عيْبةً مكْفُوفةً، وأنّهُ لَا إِسْلال وَلَا إِغْلال.
والعيبة المكفوفة: هِي المشدودة بشرجها، والعيبة هَاهُنَا مثلٌ، وَالْعرب تكنى عنِ الْقلب والصدر بالعيبة، لِأَن الرجل يضع فِي عيبتهِ حرّ ثِيَابه، شبهت الصُّدُور بِها، لِأَنَّهَا مستودع السرائر، وَمَعْنَاهُ: أَن بَيْننَا صدورًا سليمَة، وعقائد صَحِيحَة فِي الْمُحَافظَة على الْعَهْد الّذِي عقدناه، وقِيل: مَعْنَاهُ أَن الذحول الّتِي كَانَت بَينهم قد اصْطَلحُوا عليْها على أَن لَا ينشروها، بل يتكافُّون عنْها، كَأَنَّهُمْ قدْ جعلوها فِي وعَاء، فأشرجوا عليْها.
والإسلال من السِّلة: وهِي السّرقَة، وَالْإِغْلَال: الْخِيَانَة، يُقَال: أغلّ الرجل، إِذا خَان إغلالا، وغلّ فِي الْغَنِيمَة غلولا، يقُول: إِن بَعْضنَا يَأْمَن بَعْضًا، فَلَا يتَعَرَّض لدمهِ، وَلَا مَاله سرا وَلَا جَهرا.
2749 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: " صَالَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ
يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ، وَيُقِيمُ بِهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَلا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلاحِ: السَّيْفِ، وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ، فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يحْجُلُ فِي قُيُودِهِ، فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَوْجُهٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
قَالَ الإِمامُ: قدْ جَاءَ فِي التَّفْسِير الجلبان فِي الْحدِيث، قَالَ: فَسَأَلته مَا جُلبان السِّلَاح؟ قَالَ: القِراب بِمَا فِيها، وَإِنَّمَا شُرِط هَذَا ليَكُون إِمَارَة للسِّلم، فَلَا يُظنُّ أَنهم يدْخلُونَهَا قهرا، قَالَ الأزْهرِيُّ: القِراب: غمد السَّيْف، والجلبان: شبه الجراب من الْأدم يوضع فِيهِ السَّيْف مغمودًا، ويطرح فِيهِ الرَّاكِب سَوْطه، وأداته، ويعلِّقه من آخرةِ الرحل، أوْ واسطته.
قَالَ شمرٌ: كَأَن اشتقاقه من الجُلبة، وهِي الْجلْدَة الّتِي تجْعَل على القتب، والجلدة الّتِي تغشى التميمة، لِأَنَّهَا كالغشاء للقراب.
قَالَ الْخطّابِيُّ: أكْثر الْمُحدثين يرويهِ: جُلُبّان، بِضَم اللَّام مُشددة الْبَاء، وَزعم بعْض أهل اللُّغَة، أنّهُ إِنّما سمي بِذلِك لخفائه، قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكُون جلبان سَاكِنة اللَّام غيْر مُشَدّدَة الْبَاء جمع جُلبٍ، وقدْ يُروى: إِلَّا بجلب السِّلَاح، وجُلب السِّلَاح نَفسه كجُلب الرجل، إِنّما هُو خشب الرحل، وأحناؤه من غيْر أغشيته، كأنّهُ أَرَادَ نفس السِّلَاح، وهُو السَّيْف خَاصَّة من غيْر أَن يكُون معهُ أدوات الْحَرْب، ليَكُون عَلامَة الْأَمْن.
والحجل: مشيُ الْمُقَيد.
قَالَ الإِمامُ: قدْ شَرط النّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْحُدَيْبِيَة شُرُوطًا لضعف حَال المُسْلِمين، وعجزهم فِي الظَّاهِر عنْ مقاومة الْكفَّار، وخوفهم الْغَلَبَة مِنْهُم لَا يجوز الْيَوْم شيْء من ذلِك لقُوَّة أهل الإسْلام، وغلبه أمره، وَظُهُور حُكمِهِ، وَالْحَمْد لله، إِلَّا فِي مَوضِع قريب من دَار الْكفْر يخَاف أهلُ الإسْلام مِنْهُم على أنفسهم.
مِنْهَا أنّهُ هادنهم عشر سِنِين، واخْتلف أهلُ الْعلم فِي مِقْدَار الْمدَّة الّتِي يجوز أَن يُهادن الكفارُ إليْهِ عِنْد ضعف أهل الإسْلام، فَذهب الشّافِعِي إِلى أَن أقصاها عشرُ سِنِين لَا يجوز أَن يجاوزها، لِأَن الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى أَمر بِقِتَال الْكفَّار فِي عُمُوم الْأَوْقَات، فَلَا يُخرج مِنْهَا إِلَّا القدْرُ الّذِي اسْتَثْنَاهُ الرّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْحُدَيْبِيَة، وَقَالَ قوم: لَا يجوز أكْثر من أَربع سِنِين، وَقَالَ قوم: ثَلَاث سِنِين، لِأَن الصُّلْح لمْ يبْق بَينهم أكْثر من ثَلَاث سِنِين، ثُمّ إِن الْمُشْركين نقضوا الْعَهْد، فَخرج النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِم وَكَانَ الْفَتْح.
وَقَالَ بعْضهم: ليْس لِذلِك حدٌّ مَعْلُوم، وهُو إِلى الإِمام يفعل على حسب مَا يرى من الْمصلحَة، أما فِي حَال قُوَّة أهل الإسْلام، لَا يجوز أَن يهادنهم سنة بِلَا جِزْيَة، وَيجوز أَرْبَعَة أشهر، لقَوْله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التَّوْبَة: 2]، وَجعل النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَفْوَان بعد فتح مكّة تسيير أَرْبَعَة أشهر، وفِي أكْثر من أَرْبَعَة أشهر إِلى سنة قَولَانِ، الْأَصَح: أَن لَا يجوز، وَلَو هادنهم إِلى غيْر مُدَّة على أنّهُ مَتى بدا لهُ نقضُ الْعَهْد، فَجَائِز.
وَمِنْهَا أنّهُ عليْهِ السّلام شَرط: «منْ أَتَانَا مِنْهُمْ نرُدهُ عليْهِمْ، ومنْ أتاهُمْ مِنّا لَا يردُّونهُ»، ثُمّ ردّ أَبَا جنْدلٍ بْنِ سُهيْلٍ إِلى أبِيهِ، وردّ أَبَا بصِيرٍ
إِلى قوْمِهِ، ولمْ يرُدّ النِّساء.
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي أَن الصُّلْح: هَل كَانَ وَقع على رد النِّساء أم لَا؟ على قَوْلَيْنِ، أَحدهمَا: أنّهُ وَقع على رد الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا، لما روينَاهُ أنّهُ: «لَا يَأْتِيك منا أحدٌ إِلَّا رَددته»، ثُمّ صَار الحكم فِي رد النِّساء مَنْسُوخا بقوله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10]، وَمن ذهب إِلى هَذَا، أجَاز نسخ السّنة بِالْكتاب.
وَالْقَوْل الآخر: أَن الصُّلْح لمْ يَقع على رد النِّساء، لِأَنَّهُ يُروى: على أنّهُ لَا يَأْتِيك منا رجُل وَإِن كَانَ على دينك إِلَّا رَددته، لِأَن الرجل لَا يُخشى عليْهِ من الْفِتْنة مَا يُخشى على الْمَرْأَة من إِصَابَة الْمُشرك إِيَّاهَا، وأنّهُ لَا يُؤمن عليْها الردّة إِذا خُوِّفت، وأكْرِهت عليْها لضعف قَلبهَا، وَقلة هدايتها إِلى الْمخْرج مِنْهُ بِإِظْهَار كلمة الْكفْر مَعَ التورية، وإضمار الْإِيمَان، وَلَا يُخشى على الرجل ذلِك، لقُوته وهدايته إِلى التقية، فَلم يكن فِي ردِّه إِلَيْهِم إسلامًا لهُ للهلاك، لتيسُّر سَبِيل الْخَلَاص عليْهِ.
وإِذا احْتَاجَ الإِمام إِلى مثل هَذَا الشَّرْط عِنْد ضعف أهل الإسْلام، فَلَا يجوز أَن يُصالحهم على ردِّ النِّساء، وإِذا صَالحهمْ على رد الرِّجَال، ثُمّ جَاءَ فِي طلبه غيرُ عشيرته لَا يجوز ردُّه، وَإِن جَاءَ فِي طلبه بعضُ عشيرته، ردّه، لِأَنَّهُ لَا يُخشى عليْهِ مِمَّن هُو من عشيرته أَن يقْتله، أوْ يَقْصِدهُ بِسوء، بل ينبُّ عَنهُ من يَقْصِدهُ لشفقته، وقرابته.
على هَذَا الْوَجْه كَانَ ردُّ أبِي جندلٍ، وَأبي بَصِير، فإِنّهُ ردّ أبِي جندل إِلى أبِيهِ، وَأَبا بَصِير إِلى عشيرته الّذِين يقومُونَ بالذبِّ عَنهُ، ورعاية جَانِبه.
ورُوِي عنْ أبِي رَافع، قَالَ: بعثتني قُرَيْش إِلى رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلمّا رأيتهُ، ألْقى فِي قلبِي الإسْلام، فقُلْتُ: وَالله لَا أرجعُ إِلَيْهِم، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَا أخِيسُ بالعهْدِ، وَلَا أحْبِسُ البُرُد، ولكِنِ ارْجعْ فِإِنْ كَانَ فِي نفْسِك الّذِي فِي نفْسِك الْآن، فارْجِعْ».
قوْله: «لَا أخيس بالعهد»، يُقَال: خاس فُلان وعده، أيْ: أخلفهُ، وخاس بالعهد: إِذا نقضه.
ثُمّ إِن الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى كَمَا منع رد النِّساء إِلَيْهِم، أَمر بردِّ مَا أنْفق الْأزْوَاج عَلَيْهِنَّ إِلَيْهِم، فَقَالَ جلّ ذكره: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10]، وَالْمرَاد من النَّفَقَة: الصّداق.
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي أنّهُ هَل يجب الْعَمَل بِهِ الْيَوْم إِذا شَرطه فِي معاقدة الْمُشْركين؟ فَقَالَ قوم " لَا يجب ذلِك، وَزَعَمُوا أَن الْآيَة مَنْسُوخَة، وهُو قوْل عَطاء، وَمُجاهد، وَقَتَادَة، وَالزهْرِيّ، وبِهِ قَالَ الثّوْرِي، وهُو أحد قولي الشّافِعِي، وَذهب قوْمٌ إِلى أنّها غيْر مَنْسُوخَة، ويُردُّ إِلَيْهِم مَا أَنْفقُوا، يُروى ذلِك أيْضًا عنْ مُجَاهِد، وهُو القَوْل الآخر للشَّافِعِيّ، قَالَ: إِذا جَاءَت امْرَأَة حُرة من أهل الْهُدْنَة مسلمة، فإِن جَاءَ فِي طلبَهَا غيْر زَوجهَا، فَلَا يعْطى إليْهِ شيْء، وَإِن جَاءَ زَوجهَا فِي طلبَهَا، فإِن لمْ يكن دفع صَدَاقهَا، فَلَا يعْطى شيْئًا، وَإِن كَانَ دفع صَدَاقهَا إِليْها، رُدّ إليْهِ من بيْت المَال، وَلَو جَاءَ عبْد مِنْهُم مُسلما، فقدْ عتق، وَلَا يُردُّ إِلَيْهِم، فإِن جَاءَ سَيّده فِي طلبه، دفع إليْهِ قِيمَته.
وقوْله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: 10]، أيْ: فأسألوا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِين ذهبت أزواجُهم إِلى الْمُشْركين مَا أنفقتم عَلَيْهِنَّ من الصّداق مِمَّن تزوجهن مِنْهُم، ﴿وَلْيَسْأَلُوا﴾ [الممتحنة: 10] يعْنِي: الْمُشْركين الّذِين لحقت أَزوَاجهم بكم مؤمنات مَا أَنْفقُوا من الْمهْر، فلمّا نزلت الْآيَة، أقرّ الْمُؤْمِنُونَ بِحكم الله، وأدوا مَا أمِروا بِهِ من نفقات الْمُشْركين على نِسَائِهِم، وأبى الْمُشْركُونَ ذلِك فَأنْزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: 11]، مَعْنَاهُ: إِن مَضَت امْرأة مِنْكُم إِلَيْهِم مرتدة، فعاقبتم، أيْ: أصبْتُم مِنْهُم عُقبى، وهِي الْغَنِيمَة، ظفرتم
وَقُرِئَ: ﴿فعقّبْتُمْ﴾ (والتعقيبُ: غَزْوَة بعد غَزْوَة)، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 11]، من مهورهن من الْغَنَائِم الّتِي صَارَت فِي أيديكُم.
ورُوِي عنْ ربعي بْن حراشٍ، عنْ علِي بْن أبِي طالِب، كرّم الله وَجهه، قَالَ: خرج عبدانٌ إِلى رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعْنِي يوْم الْحُدَيْبِيَة قبل الصُّلْح، فَكتب إِلَيْهِم مواليهم، فَقَالَ: «هُمْ عُتقاءُ اللهِ»، وأبى أَن يردهم.
قَالَ الإِمامُ: فِيهِ بَيَان أَن عُبيْد أهل الْحَرْب إِذا خَرجُوا إِلى دَار الإسْلام مُسلمين، فهُمْ أَحْرَار، وَلَا يجب ردُّ قيمهم، فَأَما إِذا خرج إِلَيْنَا كافرٌ وفِي يَده عبْدٌ لهُ، فَأَسْلمَا قبل أَن يُقْدر عَلَيْهِمَا، فمِلك السيِّد مستقِرٌّ على عَبده كَمَا كَانَ، وَلَو أَن العَبْد غلب سَيّده فِي دَار الْحَرْب وقهره، ثُمّ خرجا إِلَيْنَا مُسلمين، وَيَد العَبْد ثَابِتَة على سَيّده، كَانَ السَّيِّد مَمْلُوكا، والمملوك مَالِكًا، وَمن هَاجر إِلَيْنَا مُسلما من أهل الْحَرْب، فقدْ أحرز جمِيع أَمْوَاله وَأَوْلَاده الصغار، سَوَاء كانُوا فِي دَار الإسْلام، أوْ فِي دَار الْحَرْب، عقارا كَانَ مَاله، أوْ مَنْقُولًا.
حاصر النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني قُرَيْظَة فَأسلم ابْنا سعية: ثَعْلَبَة، وَأسيد، فأحْرز إِسْلامُهُما أموالهُما وأوْلادهُما
الصِّغار.
وكذلِك لَو دخل مُسْلِم دَار الْحَرْب، فَاشْترى مِنْهُم فِيها عقارا، ثُمّ ظهر عليْها المُسْلِمُون، كَانَ ذلِك للمشترى.
وَذهب أصْحاب الرّأْيِ إِلى أنّهُ غنيمَة، وَاتَّفَقُوا على أنّهُ لَو اشْترى مَنْقُولًا لَا يُغنم.
وإِذا هادن الإِمام قوما، فليْس لهُ أَن يسير إِلَيْهِم قبل انْقِضَاء الْمدَّة، فيحلُّ بِسَاحَتِهِمْ، حتّى إِذا انْقَضتْ الْمدَّة، أغار عَلَيْهِم، رُوِي عنْ سليم بْن عَامر، قَالَ: كَانَ بيْن مُعاوِية، وَبَين الرّوم عهدٌ، وَكَانَ يسير نَحْو بِلَادهمْ حتّى إِذا انْقَضى الْعَهْد غزاهم، فإِذا رجُل على دَابَّة، أوْ فرسٍ، وهُو يقُول: الله أكبر وَفَاء لَا غدرٌ، فنظروا فإِذا عمْرو بْن عبسة، فَأرْسل إليْهِ مُعاوِية فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سمِعْت رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقُول: «منْ كَانَ بيْنهُ وبيْن قوْمٍ عهْدٌ، فَلَا يشُدُّ عُقْدةً، وَلَا يحِلُّها حتّى ينْقضِي أمدُها، أوْ ينْبِذْ إِليْهِمْ على سواءٍ».
فَرجع مُعاوِية.
وَمعنى قوْله: «أوْ ينْبِذ إِليْهِمْ على سواءٍ»، أيْ: يُعلمهم أنّهُ يُرِيد أَن يغزوهم، وَأَن الصُّلْح الّذِي كَانَ قد ارْتَفع، فَيكون الْفَرِيقَانِ فِي علم ذلِك على السوَاء، ويُشبه أَن يكُون إِنّما كره عمْرو بْن عبسة ذلِك من أجل أنّهُ إِذا هادنهم إِلى مُدَّة وهُو مُقيم فِي وَطنه، فقدْ صَارَت مُدَّة مسيره
بعد انْقِضَاء الْمدَّة كالمشروط مَعَ الْمدَّة المضروبة فِي أَن لَا يغزوهم فِيها، فإِذا صَار إِلَيْهِم فِي أيّام الْهُدْنَة، كَانَ إِيقَاعه قبل الْوَقْت الّذِي يتوقعونه، فعدّ ذلِك عمْرو غدرًا، واللهُ أعْلمُ.
وَإِن نقض أهل الْهُدْنَة عَهدهم، لهُ أَن يسير إِلَيْهِم على غَفلَة مِنْهُم، كَمَا فعل النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهْل مكّة، وَإِن ظَهرت مِنْهُم خِيَانَة بِأَهْل الإسْلام نبذ إِلَيْهِم الْعَهْد، قَالَ الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الْأَنْفَال: 58]، وَمن دخل إِلَيْنَا رَسُولا، فَلهُ الْأمان حتّى يُؤَدِّي الرسَالَة، ويرجِع إِلى مأمنه، قَالَ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ النواحة: «لوْلا أنّك رسُولٌ، لضربْتُ عُنُقك».
بابُ أخْذِ الجِزْيةِ مِن المجُوسِ
قَالَ الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَة: 29]، قوْلُهُ
تَعَالَى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ [التَّوْبَة: 29]، قِيل: عنْ ذُلٍّ واعْتِرافٍ بِأنّ دِين الإسْلام عالٍ على دِينِهِمْ، وقِيل: عنْ إِنْعامٍ عليْهِمْ مِنَ المُسْلِمين بِقُبُولِ الجِزْيةِ، وقِيل: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ [التَّوْبَة: 29]، أيْ: نقْدٍ لَا نسِيئةٍ.
وقوْلهُ: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَة: 29]، والصّغارُ: الذلُّ، يعْني: بِالصّاغِرين أذِلّاء يُعْطُون الجِزْية عنْ قِيامٍ، والقابِضُ جالِسٌ، وَقَالَ الشّافِعِيُّ: معْنى الصّغارِ: جريانُ حُكْم الإسْلام عليْهِمْ، فيعْلُوا حُكْمُ الإسْلامِ حُكْم الشِّرْكِ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [الْبَقَرَة: 61]، قِيل: الذِّلةُ: الجِزْيةُ، والمسْكنةُ: فقْرُ النّفْسِ وإنْ كَانَ مُوسِرًا.
2750 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ بَجَالَةَ، يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ
حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِنُ عَوْفٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ 2751 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُقُولُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ»
قَالَ رحِمهُ اللهُ: اتّفقت الْأمة على أَخذ الْجِزْيَة من أهل الْكِتَابَيْنِ وهُم الْيهُود وَالنَّصَارَى إِذا لمْ يَكُونُوا عربا، لقَوْله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَة: 29].
وَاخْتلفُوا فِي الْكِتَابِيّ الْعَرَبِيّ، وفِي غيْر أهل الْكتاب من كفار الْعَجم، فَذهب الشّافِعِي إِلى أَن الْجِزْيَة على الْأَدْيَان لَا على الْأَنْسَاب، فتؤخذ من أهل الْكتاب عربا كانُوا أوْ عجمًا، وَلَا تُؤْخَذ من أهل الْأَوْثَان بِحَال، وَاحْتج بِأَن النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخذهَا من أكيدِر دومة، وهُو رجُل من الْعَرَب، يُقَال: من غَسَّان، وَأخذ من أهل ذمَّة الْيمن وعامتهم عرب، وَمن أهل نَجْرَان وَفِيهِمْ عربٌ.
وَذهب مالِك وَالْأَوْزَاعِيّ إِلى أنّهُ تُؤْخَذ من جمِيع الْكفَّار، إِلَّا الْمُرْتَد، وفِي امْتنَاع عُمر رضِي اللهُ عنْهُ من أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس حتّى شهد عبْد الرّحْمنِ بْن عَوْف أَن النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخذهَا، دلِيل على أَن رَأْي الصّحابة كَانَ على أنّها لَا تُؤْخَذ من كُل مُشْرك، إِنّما تُؤْخَذ من أهل الْكتاب مِنْهُم.
وَاتَّفَقُوا على أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس، وَذهب أكْثر أهْل الْعِلْمِ إِلى أَنهم لَيْسُوا من أهل الْكتاب، وَإِنَّمَا أُخِذت الْجِزْيَة مِنْهُم بالسُّنّة، كَمَا أُخِذت من الْيهُود وَالنَّصَارَى بِالْكتاب، وقِيل: هُمْ من أهل الْكتاب رُوِي ذلِك عنْ علِي رضِي اللهُ عنْهُ، قَالَ: كَانَ لهُمْ كتاب يدرسونه، فَأَصْبحُوا وقدْ أُسرِي على كِتَابهمْ، فرُفع من بيْن أظهرهم، وَاتَّفَقُوا على تَحْرِيم مناكحة الْمَجُوس، وَتَحْرِيم ذَبَائِحهم إِلَّا شيْء يحْكى عنْ أبِي ثَوْر أنّهُ أَبَاحَهُ، فَأَما الْيهُود وَالنَّصَارَى فَمن كَانَ مِنْهُم من نسل بني
إِسْرَائِيل، فَأَجْمعُوا على حِلِّ مُناكحتهم وذبائحهم، لقَوْل الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 5]، فَأَما من دخل فِي دينهم من غَيرهم من الْمُشْركين نُظِر إِن دخلُوا فِيهِ قبل النّسخ، وَقبل التبديل يقرّون بالجزية، وفِي حِلِّ مناكحتهم وذبائحهم اخْتِلاف، فأصحُّ الْأَقْوَال حِلُّها، وَإِن دخلُوا فِيهِ بعد النّسخ، أوْ بعد التبديل، فَلَا يُقرُّون بالجزية، وَلَا تحِلُّ مناكحتهم وذبائحهم، وَمن شككنا فِي أَمرهم أَنهم دخلُوا فِيهِ بعد النّسخ، أوِ التبديل، أوْ قبله، تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة، وَلَا تحلُّ مناكحتهم وذبائحهم، لِأَن أَخذ الْجِزْيَة لحق الدَّم، وَأمر الدَّم إِذا دَار بيْن الحقن والإراقة يُغلّب جانبُ الحقن، وَأمر البُضع والذبيحة إِذا تردّد بيْن الحِلِّ وَالتَّحْرِيم، تُغلّبُ جِهَة التَّحْرِيم، فَمن هَذِه الْجُمْلَة نَصَارَى الْعَرَب من تنوخ، وبهرًا وَبني تغلِب، أقرهم عُمر رضِي اللهُ عنْهُ بالجزية، وَقَالَ: مَا يحلُّ لنا ذَبَائِحهم، وَقَالَ علِي رضِي اللهُ عنْهُ: لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِح نَصَارَى بني تغلِب، فَإِنَّهُم لمْ يَتَمَسَّكُوا من دينهم إِلَّا بِشرب الْخمر.
وَسُئِلَ ابْن عبّاس عنْ ذَبِيحَة نَصَارَى الْعَرَب، فَقَالَ: لَا بَأْس بِها.
وَقَالَ الزُّهْرِي: لَا بَأْس بذبيحة نَصَارَى الْعَرَب، فإِن سمعته يُسمى لغير الله، فَلَا تَأْكُل، فإِن لمْ تسمعه، فقدْ أحله الله، وَعلم كفرهم.
وَلَو انْتقل يَهُودِيّ أوْ نَصْرَانِيّ فِي زَمَاننَا إِلى دين أهل الْأَوْثَان لَا يُقرُّ بالجزية كَمَا لَو دخل وثنيٌ فِي دينهما، وَلَو انْتقل يَهُودِيّ إِلى نَصْرَانِيَّة، أوْ نَصْرَانِيّ إِلى يَهُودِيَّة، فَهَل يُقرُّ بالجزية، وَهل تحلُّ مناكحته وذبيحته؟ فعلى قَوْلَيْنِ أَحدهمَا، وبِهِ قَالَ أصْحاب الرّأْيِ: يقرُّ عليْهِ، ويحلُّ نِكَاحه وذبيحته، لِأَن حكم الدينَيْنِ وَاحِد، وَالثَّانِي: لَا يُقر عليْهِ لِأَنَّهُ استحدث دينا بَاطِلا بعد مَا كَانَ معترفًا بِبُطْلَانِهِ، فَأشبه الْمُسلم يرْتَد وَالْعِيَاذ بِاللهِ عزّ وجلّ، وَلَو تهوّد مَجُوسِيّ، أوْ تمجس يَهُودِيّ، لَا تحل ذَبِيحَته وَلَا مناكحته، وفِي التَّقْرِير بالجزية هَذَا الاخْتِلاف.
بابُ قدْرِ الجِزْيةِ
2752 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
قَالَ الإِمامُ: أَرَادَ بالحالم: الْبَالِغ احْتَلَمَ أوْ لمْ يَحْتَلِم، والمعافر: نوع من الثِّيَاب يكُون بِالْيمن.
وفِيهِ دلِيلٌ على أَن الْجِزْيَة إِنّما تكون على الْبَالِغين من الرِّجَال دُون النِّساء وَالصبيان، وكذلِك لَا تجبُ على المجانين وَلَا العبيد، وأقلُّ الْجِزْيَة دينارٌ على كُل بَالغ فِي كُل سنة، وَلَا يجوز أَن ينقص عَنهُ.
وفِيهِ بَيَان أَن الدِّينَار مَقْبُول من الْغنى وَالْوسط وَالْفَقِير، لِأَن النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره أَن يَأْخُذ من كُل حالم دِينَارا، ولمْ يُفصِّل بيْن الْغَنِيّ وَالْفَقِير مَعَ تفَاوت النّاس فِي الْغنى والفقر، وَإِلَى هَذَا ذهب الشّافِعِي، وَله قوْل آخر: أنّهُ لَا جِزْيَة على الْفَقِير.
وَذهب أصْحاب الرّأْيِ إِلى أَن على كُل مُوسر أَرْبَعَة دَنَانِير، وعَلى كُل متوسط دينارين، وعَلى كُل فَقير دِينَارا، وَقَالَ ابْن أبِي نجيح: قُلْت لمجاهد: مَا شَأْن أهل الشَّام عَلَيْهِم أربعةُ دَنَانِير، وَأهل الْيمن دِينار، قَالَ: جُعل ذلِك من قِبل الْيَسَار.
وَيجوز أَن يُصالحهم على أكْثر من دِينار، وَأَن يشْتَرط عَلَيْهِم ضِيَافَة من يمر بِهِمْ من المُسْلِمين زِيَادَة على أهل الْجِزْيَة، وَيبين عدد الضِّيفان من
الرجالة والفرسان، وَعدد أيّام الضِّيَافَة، وَيبين جنس أطعمتهم، وعلف دوابهم، ويُفاوت بيْن الْغَنِيّ وَالْوسط فِي الْقدر دُون جنس الْأَطْعِمَة، رُوِي عنِ ابْنِ عبّاسٍ، قَالَ: صالِح رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل نَجْرَان على ألفي حُلة، النصفُ فِي صفر، والنصفُ فِي رَجَب يؤدونها إِلى المُسْلِمين، وعارية ثَلَاثِينَ درعًا وَثَلَاثِينَ قوسًا، وَثَلَاثِينَ فرسا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ من كُل صنف من أَصْنَاف السِّلَاح يغزون فِيها، والمسلمون ضامنون لَهَا حتّى يردوها عَلَيْهِم إِن كَانَت بِالْيمن كيدٌ ذَات غدر على أَن لَا يُهدم لهُمْ بيعَة، وَلَا يخرج لهُمْ قسٌ، وَلَا يُفتنون عنْ دينهم مَا لمْ يحدثوا حَدثا، أوْ يَأْكُلُوا الرِّبا، وَالْمرَاد بالكيد: الْحَرْب، وفِيهِ بَيَان أَن الْعَارِية مَضْمُونَة.
ورُوِي أنّ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ضرب على نَصَارَى أيْلة ثَلَاث مائةِ دِينارٍ كُلّ سنةٍ، وأنْ يُضيفُوا منْ مرّ بِهِمْ مِن المُسْلِمين ثَلَاثًا، وَلَا يغُشُّوا مُسْلِمًا»، ورُوِي أَنهم كانُوا يوْمئِذٍ ثَلَاث مائَة.
ورُوِي عنْ عُمر ضرب الْجِزْيَة على أهل الذِّمَّة أَرْبَعَة دَنَانِير، وعَلى أهل الْوَرق أَرْبَعِينَ درهما، مَعَ ذلِك أرزاقُ المُسْلِمين، وضيافةُ ثَلَاثَة أيّام.
وَلَو صَالحهمْ على خراج ضربه على أراضيهم يجوز إِذا لمْ ينقُص فِي حق كُل حالم عنْ دِينار، وَلَا يجوز أَن يُصالحهم على عشور زُرُوعهمْ وثمارهم، لِأَنَّهَا مَجْهُولَة، وقدْ تُصيبها الآفة، فَلَا يحصل مِنْهَا مَا يبلغ أقلّ
الْجِزْيَة إِلَّا أَن يشرط أنّها إِن لمْ تبلغ أقل الْجِزْيَة أكملوها، وإِذا استنكفوا عنِ اسْم الْجِزْيَة، فضعّف الإِمام عَلَيْهِم الصَّدَقَة، فَجَائِز، وهُو أَن كُل صنف من المَال يجب على الْمُسلم فِيهِ حق لله، فَيَأْخُذ مِنْهُم من ذلِك المَال ضعف مَا يَأْخُذ من الْمُسلم، فَيَأْخُذ من أَرْبَعِينَ شَاة شَاتين، وَمن خمس مِن الإِبِلِ شَاتين وَمن ثَلَاثِينَ من الْبَقر تبيعين، وَمن زُرُوعهمْ وثمارهم الْخمس، وَمن الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَمَال التِّجَارَة نصف الْعشْر، وَمن الرِّكَاز خمسين، وَمن لمْ يكن لهُمْ مِنْهُم شيْء من جنس مَال الزَّكَاة، أَخذ مِنْهُ أقل الْجِزْيَة، رُوِي عنْ عُمر بْن الخطّاب رضِي اللهُ عنْهُ رام نَصَارَى الْعَرَب على الْجِزْيَة، فقالُوا: نَحن عرب لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجم، وَلَكِن خُذ منا كَمَا يَأْخُذ بَعْضكُم من بعْض، يعنون: الصَّدَقَة، فَقَالَ عُمر: هَذَا فرض الله على المُسْلِمين، قالُوا: فزد مَا شِئْت بِهذا الِاسْم، لَا باسم الْجِزْيَة فراضاهم على أَن ضعّف عَلَيْهِم الصَّدَقَة.
بابُ سُقُوطِ الجِزْيةِ عنِ الذِّمِّيِّ إِذا أسْلم
2753 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ» قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ
قوْله «ليْس على المُسْلِمِ جِزْيَةٌ»، يتَأَوَّل على وَجْهَيْن، أَحدهمَا: معنى الْجِزْيَة هُو الْخراج، وذلِك أَن الإِمام إِذا فتح بَلَدا صلحا على أَن تكون الْأَرَاضِي لأَهْلهَا، وَضرب عليْها خراجًا مَعْلُوما، فهُو جِزْيَة، فإِذا أسلم أَهلهَا، سقط عنْهُمْ ذلِك، كَمَا تسْقط جِزْيَة رُءُوسهم، وَيجوز لهُمْ بيعُ تِلْك الْأَرَاضِي، أما إِذا صَالحهمْ على أَن تكون الْأَرَاضِي لأهل الإسْلام، وهُو يسكنونها بخراج مَعْلُوم، وضع عَلَيْهِم، فَذَلِك أُجْرَة الأرْض لَا تسْقط بِالْإِسْلَامِ، وَلَا يجوز لهُمْ بيعُ شيْء من تِلْك الْأَرَاضِي، لِأَنَّهَا مُلك للمُسْلِمين، وكذلِك إِذا أَرَادَ فتحهَا عنْوَة، وَصَارَت أراضيها للْمُسلمين، فأسكنها المُسْلِمُون جمَاعَة من أهل الذِّمَّة بخراج مَعْلُوم يؤدونه، فَذَلِك لَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ.
والتأول الثَّانِي: وهُو أَن الذِّمِّيّ إِذا تمّ عليْهِ الحولُ، فَأسلم قبل أَدَاء جِزْيَة ذلِك الْحول، سقط عَنهُ تِلْك الْجِزْيَة، واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذهب أَكْثَرهم إِلى سُقُوطهَا، رُوِي ذلِك عنْ عُمر، وإِليْهِ ذهب أبُو
حنِيفة، وَأَبُو عُبيد، حتّى قَالَ أبُو حنِيفة: لَو مَاتَ الذِّمِّيّ بعد الْحول لَا تُؤْخَذ من تركته، وَعند الشّافِعِي: لَا تسْقط بِالْإِسْلَامِ وَلَا بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ دينٌ حلّ عليْهِ أجلهُ كَسَائِر الدُّيُون، فَأَما إِذا أسلم فِي خلال الْحول، أوْ مَاتَ، فَاخْتلف قولُه فِي أنّهُ هَل يُطَالب بِحِصَّة مَا مضى من الْحول؟ أصح قوليه أنّهُ لَا يُطالب، وَالثَّانِي: يُطَالب كَأُجْرَة الدَّار، ورُوِي عنِ الزُّبيْر بْن عدي، قَالَ: أسلم دهقان على عهد علِي رضِي اللهُ عنْهُ، فَقَالَ لهُ: إِن أَقمت فِي أَرْضك، رفعنَا الْجِزْيَة عنْ رَأسك، وأخذناها من أَرْضك، وَإِن تحولت عنْها، فَنحْن أحقُّ بِها.
قَالَ الإِمامُ: وَوجه عِنْدِي، واللهُ أعْلمُ، أَن تكون الأرْض فَيْئا للْمُسلمين يسكنهَا الذِّمِّيّ بالخراج والجزية، فَتسقط عَنهُ بِالْإِسْلَامِ جِزْيَة رَأسه دُون خراج أرضه، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْأُجْرَة تلْزمهُ مَا دَامَ يسكنهَا، لِأَن مِلكها لغيره.
2754 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا، وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ»، قَالَهَا ثَلاثًا، شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَدَمُهُ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ يَعِيشَ، عَنْ يَحْيَى
بْنِ آدَمَ، عَنْ زُهَيْرٍ، وَزَادَ: «وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا»
والقفيز لأهل الْعرَاق: ثَمَانِيَة مكاكيك، والمكوك صاعٍ وَنصف، والمدي: مكيال لأهل الشَّام يسع خَمْسَة وَأَرْبَعين رطلا، والإردبُّ لأهل مصر: أَربع وَسِتُّونَ منا، والقنقل: اثْنَان وثلاثُون منا.
وَلِلْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا: سُقُوط مَا وظِّف عَلَيْهِم باسم الْجِزْيَة بِإِسْلَامِهِمْ، فصاروا بِالْإِسْلَامِ مانعين لتِلْك الْوَظِيفَة، وذلِك معنى قوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وعُدْتُمْ مِنْ حيْثُ بدأْتُمْ»، أيْ: كَانَ فِي سَابق علم الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى، وَتَقْدِيره: أَنهم سيُسلمون، فعادوا من حَيْثُ بدءوا.
والتأويل الثَّانِي: هُو أَنهم يرْجِعُون عنِ الطَّاعَة، فيمنعون مَا وُظِّف عَلَيْهِم، وَكَانَ هَذَا القَوْل من النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيلا على نبوته حَيْثُ أخبر عنْ أَمر أنّهُ وَاقع قبل وُقُوعه، فَخرج الْأَمر فِي ذلِك على مَا قَالَه.
وفِيهِ بيانٌ على أَن مَا فعل عُمر رضِي اللهُ عنْهُ بِأَهْل الأمْصار فِيمَا وظِّف عَلَيْهِم كَانَ حَقًا، وقدْ رُوِي عَنهُ اخْتِلاف فِي مِقْدَار مَا وَضعه على أَرض السوَاد.
وفِيهِ مُستدلُّ لمن ذهب إِلى أَن وجوب الْخراج لَا يَنْفِي وجوب العُشر، لِأَنَّهُ جمع بيْن القفزان والنقد، وَالْعشر يُؤْخَذ بالقفزان، وَالْخَرَاج من النَّقْد.
ورُوِي عنْ حَرْب بْن عُبيْد الله بْن، عنْ جده أبِي أمه، عنْ أبِيهِ، قَالَ: قَالَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنّما العُشورُ على اليهُودِ والنّصارى، وليْس على المُسْلِمين عُشُورٌ».
وقوْله: «ليْس على المُسْلِمين عشور»، أَرَادَ بِهِ عشور التِّجَارَات دُون عشور الصَّدقَات، والّذِي يلْزم الْيهُود وَالنَّصَارَى من العشور هُو مَا صولحوا عليْهِ وَقت عقد الذِّمَّة، فإِن لمْ يصالحوا عليْهِ، فَلَا يلْزمهُم أكثرُ من الْجِزْيَة المضروبة عَلَيْهِم.
وإِذا دخل أهل الْحَرْب بِلَاد الإسْلام تجارًا، فإِن دخلُوا بِغَيْر أَمَان وَلَا رِسَالَة غِنموا، فإِن دخلُوا بِأَمَان، وشُرِط أَن يُؤْخَذ مِنْهُم عشر، أوْ أقل، أوْ أكْثر، أَخذ الْمَشْرُوط، وإِذا طافوا فِي بِلَاد الإسْلام فَلَا يُؤْخَذ مِنْهُم فِي السّنة إِلَّا مرّة وَاحِدَة، وكُتب لهُمْ بَرَاءَة إِلى مثله من الْحول، وَإِن لمْ يكن شُرِط عَلَيْهِم، لمْ يُؤْخَذ مِنْهُم شيْء، سَوَاء كانُوا يعشُرون المُسْلِمين إِذا دخلُوا بِلَادهمْ، أوْ لَا يتعرضون لهُمْ، وَقَالَ مالِك: إِذا دخلُوا دَارنَا تجارًا، أوْ أهل الذِّمَّة إِذا طافوا فِي بِلَاد الإسْلام تاجرين يُؤْخَذ مِنْهُم الْعشْر، وَإِن اخْتلفُوا فِي الْعَام الْوَاحِد مرَارًا إِلى بِلَاد الإسْلام، فَعَلَيْهِم فِيمَا اخْتلفُوا الْعشْر، هَذَا الّذِي ادركتُ عليْهِ أهل الرضى من أهل العِلم ببلدنا، وَقَالَ أصْحاب الرّأْيِ: إِن أخذُوا من العشور فِي بِلَادهمْ إِذا اخْتَلَفْنَا إِلَيْهِم فِي التِّجَارَات، أَخذنَا مِنْهُم، وَإِلَّا، فَلَا.
وَيسْتَحب إِذا شَرط أَن يَأْخُذ مَا أَخذ عُمر رضِي اللهُ عنْهُ من المُسْلِمين ربع الْعشْر، وَمن أهل الذِّمَّة نصف الْعشْر، وَمن أهل الْحَرْب الْعشْر، ورُوِي عنْ زِيَاد بْن حُديرٍ أَن عُمر بَعثه مصدِّقًا، فَأمره أَن يَأْخُذ من
نَصَارَى بني تغلب الْعشْر، وَمن نَصَارَى أهل الْكتاب نصف الْعشْر، ورُوِي عنْ صَفْوَان بْن سليم، عنْ عدةٍ من أَبنَاء أصْحاب رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عنْ آبَائِهِم، عنْ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَلا منْ ظلم مُعاهِدًا، أَو انْتقصهُ، أوْ كلّفهُ فوْق طاقتِهِ، أوْ أَخذ مِنْهُ شيْئًا بِغيْرِ طِيبِ نفْسٍ، فَأَنا حجِيجُهُ يوْم القِيامةِ».
بابُ إِخْراجُ اليهُودِ والنّصارى مِنْ جزِيرةِ الْعربِ
2755 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا قَبِيصَةُ، نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟! ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَقَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، فَتَنَازَعُوا، وَلا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ،
وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ "، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَعَمْرٍو النَّاقِدِ، وَغَيْرِهِمَا، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ
وَقَالَ يعْقُوب بْن مُحمّد: سَأَلت الْمُغِيرة بْن عبْد الرّحْمنِ عنْ جَزِيرَة الْعَرَب، فَقَالَ: مكّة، وَالْمَدينَة، واليمامة، واليمن.
قَالَ يعْقُوب: العرج: أول تهَامَة.
قَالَ سعِيد بْن عبْد الْعزِيز: جَزِيرَة الْعَرَب: مَا بيْن الْوَادي إِلى أقْصَى الْيمن إِلى تخوم الْعرَاق، إِلى الْبَحْر.
قَالَ أبُو عُبيدة: جَزِيرَة الْعَرَب: مَا بيْن حفر أبِي مُوسى إِلى
أقْصَى الْيمن فِي الطول، وأمّا الْعرض، فَمَا بيْن رمل يبرين إِلى مُنْقَطع السّماوة.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: جَزِيرَة الْعَرَب من أقْصَى عدن أبين إِلى ريف الْعرَاق فِي الطول، وأمّا الْعرض فَمن جُدة وَمَا والاها من سَاحل الْبَحْر إِلى أطرار الشَّام.
وَقَالَ مالِك: أجلى عُمرُ أهل نَجْرَان، ولمْ يُجلوا من تيماء، لِأَنَّهَا لَيست من بِلَاد الْعَرَب، فَأَما الْوَادي، فَإِنِّي أرى إِنّما لمْ يُجل من فِيها من الْيهُود أَنهم لمْ يروها من أَرض الْعَرَب.
2756 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعُ إِلَّا مُسْلِمًا» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ