كِتَابُ الْحُدُودِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2596 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا، عَنْ مَالِكٍ
قَالَ الإِمَامُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا تُقْطَعُ فِيهِ يَدُ السَّارِقِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ نِصَابَ السَّرِقَةِ رُبْعُ دِينَارٍ، وَإِذَا سَرَقَ دَرَاهِمَ، أَوْ مَتَاعًا يُقَوَّمُ بِالدَّنَانِيرِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا رُبْعَ دِينَارٍ، قُطِعَتْ يَدُهُ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ فَلا قَطْعَ عَلَيْهِ»، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: نِصَابُ السَّرِقَةِ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، فَإِنْ سَرَقَ ذَهَبًا أَوْ مَتَاعًا، يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ، قُطِعَتْ يَدُهُ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ فَلا قَطْعَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنْ سَرَقَ ذَهَبًا، فَبَلَغَ رُبْعَ دِينَارٍ، قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ فِضَّةً، وَكَانَ مَبْلَغُهَا ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ، قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ مَتَاعًا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارًا، قُطِعَ قَوْلا بِالْخَبَرَيْنِ مَعًا.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَذْهَبُ الأَوَّلُ فِي رَدِّ الْقِيمَةِ إِلَى رُبْعِ دِينَارٍ أَصَحُّ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ النَّقْدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الدَّنَانِيرُ، فَجَازَ أَنْ يُقَوَّمَ بِهَا الدَّرَاهِمُ، وَلِهَذَا كُتِبَتْ فِي الصُّكُوكِ قَدِيمًا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَزْنُ سَبْعَةٍ، فَعُرِفَتِ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ، وَحُصِرَتْ بِهَا.
وَأَمَّا تَقْوِيمُ الْمِجَنِّ بِالدَّرَاهِمِ، فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الشَّيْءَ التَّافِهَ قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَقْوِيمِهِ بِالدَّرَاهِمِ، وَإِنَّمَا تُقَوَّمُ الأَشْيَاءُ النَّفِيسَةُ بِالدَّنَانِيرِ، لأَنَّهَا أَنْفَسُ النُّقُودِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ الثَّلاثَةُ الَّتِي هِيَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ يَبْلُغُ قِيمَتُهَا رُبْعُ دِينَارٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَطَعَ سَارِقًا فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالذَّهَبِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ رُدَّتْ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا قُوِّمَتِ الأُتْرُجَّةُ بِالدَّرَاهِمِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُقْطَعُ إِلا فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ.
2597 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، نَا أَبِي، نَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ».
قَالَ الأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ، وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ
2598 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحُنَيْفِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَاشِمِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَقِيلَ: كَانَ هَذَا فِي الابْتِدَاءِ، وَهُوَ قَطْعُ الْيَدِ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: «الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ».
2599 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَانْتَحَرُوهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَمَرَ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: «إِنِّي أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ، وَاللَّهِ لأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ، كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ؟»، فَقَالَ: أَرْبعُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَعْطِهِ ثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ»
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ.
قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اجْتِمَاعِ الْقَطْعِ وَالْغُرْمِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الْعَبْدِ إِذَا سَرَقَ، آبِقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ آبِقٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدًا لَهُ سَرَقَ وَكَانَ آبِقًا، فَأَرْسَلَ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ لِيَقْطَعَ يَدَهُ، فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ،
وَقَالَ: لَا تُقْطَعُ يَدُ الآبِقِ إِذَا سَرَقَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْتَ هَذَا؟ فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ.
وَيُرْوَى هَذَا عَنِ الْقَاسِمِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُ الآبِقِ إِذَا سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَعَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
بَابُ
مَا لَا قَطْعَ فِيهِ
2600 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، أَنَّ عَبْدًا سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطِ رَجُلٍ، فَغَرَسَهُ فِي حَائِطِ سَيِّدِهِ، فَخَرَجَ صَاحِبُ الْوَدِيِّ يَلْتَمِسُ وديه، فَوَجَدَهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ مَرْوَانَ بْنُ الْحَكَمِ، فَسَجَنَ الْعَبْدَ، وَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ، فَانْطَلَقَ صَاحِبُ الْعَبْدِ إِلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ،
وَلا كَثَرٍ " فَمَشَى مَعَهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ إِلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلا كَثَرٍ»، فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِالْعَبْدِ، فَأُرْسِلَ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلا كَثَرٍ»، وَكَذَلِكَ رَوَى قُتَيْبَةُ، عَنِ
اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
الثَّمَرُ: الرُّطَبُ مَا دَامَ فِي رَأْسِ النَّخْلَةِ، فَإِنْ صُرِمَ، فَهُوَ الرُّطَبُ، وَالْكَثَرُ: جُمَّارُ النَّخْلِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يُوجِبِ الْقَطْعَ فِي سَرِقَةِ شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُحَرَّزَة أَوْ غَيْرَ مُحَرَّزَةٍ، وَقَاسَ عَلَيْهِ اللُّحُومَ، وَالأَلْبَانَ، وَالأَشْرِبَةَ، وَالْجُبُونَ.
وَأَوْجَبَ الآخَرُونَ الْقَطْعَ فِي جَمِيعِهَا إِذَا كَانَتْ مُحَرَّزَةً، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ الْحَدِيثَ عَلَى الثِّمَارِ الْمُعَلَّقَةِ غَيْرَ الْمُحَرَّزَةِ، وَقَالَ: نَخِيلُ الْمَدِينَةِ لَا حَوَائِطَ لأَكْثَرِهَا، فَلا تَكُونُ مُحَرَّزَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، قَالَ: «مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُئْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ»، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا مُحَرَّزًا يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، وَلا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ، فَإِذَا آوَاهُ الْمَرَاحُ، أَوِ الْجَرِينُ، فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ»، وَأَرَادَ بِحَرِيسَةِ الْجَبَلِ: الشَّاةَ الْمَسْرُوقَةَ مِنَ الْمَرْعَى،
وَالاحْتِرَاسُ: أَنْ يُؤْخَذَ الشَّيْءُ مِنَ الْمَرْعَى، يُقَالُ: فُلانٌ يَأْكُلُ الْحَرَسَاتِ: إِذَا كَانَ يَسْرِقُ أَغْنَامَ النَّاسِ فَيَأْكُلُهَا، وَالسَّارِقُ مُحْتَرِسٌ.
قَالَ الإِمَامُ: وُجُوبُ الْقَطْعِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسِرْقَةِ نِصَابٍ مِنَ الْمَالِ مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الإِحْرَازِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْحِرْزُ: مَا يُعِدُّهُ النَّاسُ حِرْزًا لِمِثْلِ ذَلِكَ الْمَالِ، فَالْمِتْبَنُ حَرِزٌ لِلتِّبْنِ، وَالاصْطَبْلُ لِلدَّوَابِّ، وَلا يَكُونُ حِرْزًا لِلنُّقُودِ، وَالأَمْتِعَةِ.
وَإِذَا ضَمَّ السُّوقِيُّ بَعْضَ مَتَاعِهِ إِلَى بَعْضٍ فِي مَوْضِعِ بِيَاعَاتِهِ وَرَبَطَهُ بِحَبْلٍ، أَوْ جَعَلَ الطَّعَامَ فِي خَيْشٍ وَخَيَّطَ عَلَيْهِ، فَقَامَ وَكَانَ بِالنَّهَارِ، فَهُوَ مُحَرِّزٍ، وَإِنْ لَمْ يَضُمَّ وَلَمْ يَرْبِطْ، فَلَيْسَ بِمُحَرِّزٍ.
وَلَوْ قَطَّرَ إِبِلَهُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ يَقُودُهَا، أَوْ يَسُوقُهَا، فَهِيَ وَمَا عَلَيْهَا مُحَرَّزَةٌ، وَإِنْ أَنَاخَهَا فِي صَحْرَاءَ حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، أَوْ كَانَ غَنَمًا آوَاهَا إِلَى مَرَاحٍ، فَاضْطَجَعَ حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَهِيَ مُحَرَّزَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَضْطَجِعْ عِنْدَهَا، أَوْ أَرْسَلَ الإِبِلَ فِي الطَّرِيقِ غَيْرَ مَقْطُورَةٍ، فَغَيْرُ مُحَرَّزَةٍ.
وَلَوْ ضَرَبَ فُسْطَاطًا فِي صَحَرَاءَ، فَشَدَّهَا بِالأَوْتَادِ وَأَرْسَلَ ذَيْلَهَا، وَنَامَ فِيهَا، أَوْ عَلَى بَابِهَا، فَهِيَ وَمَا فِيهَا مُحَرَّزَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْ ذَيْلَهَا فَالْفُسْطَاطُ مُحَرَّزٌ بِالشَّدِّ، وَنَوْمُهُ فِيهِ، وَمَا فِيهِ غَيْرُ مُحَرَّزٍ إِلا مَا نَامَ عَلَيْهِ، وَالْبُيُوتُ الْمُغْلَقَةُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا بِالنَّهَارِ إِذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْبُيُوتِ، فَإِنْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً، أَوْ كَانَ بِاللَّيْلِ، فَلا تَكُونُ حِرْزًا إِلا بِحَارِسٍ.
وَمَنْ نَامَ فِي صَحَرَاءَ أَوْ فِي مَسْجِدٍ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ تَوَسَّدَهُ، فَأَخَذَهُ رَجُلٌ مِنْ تَحْتِهِ، أَوْ أَخَذَ الْمِنْدِيلَ مِنْ رَأْسِهِ، أَوِ الْخَاتَمَ مِنْ إِصْبَعِهِ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، لأَنَّهُ مُحَرَّزٌ بِهِ.
رُوِيَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَهُ
صَفْوَانُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ».
أَمَّا إِذَا نَامَ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ بِجَنْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَوَسَّدَهُ، أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ رَأْسَهُ، أَوْ شَدَّ طَرَفًا مِنْهُ بِيَدِهِ فَلَيْسَ بِمُحَرَّزٍ، وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ لَوْ وَضَعَ نَفَقَتَهُ فِي كُمِّهِ أَوْ جَيْبِهِ، فَطَرَّهُ إِنْسَانٌ، أَوْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَنْقَعَ فِي مَاءٍ، فَأَخَذَهُ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِ الْخَفِيَّةِ يَجِبُ الْقَطْعُ.
وَفِي حَدِيثِ صَفْوَانَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ إِذَا وَهَبَ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ مِنَ السَّارِقِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْقُطُ، وَالأَوَّلُ أَوْلَى، لأَنَّ الاعْتِبَارَ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ بِحَالَةِ مَا يُسْرَقُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فِيهِ شُبْهَةٌ، كَمَا لَوْ زَنَى بِأَمَةٍ ثُمَّ مَلَكَهَا، أَوْ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ نَكَحَهَا، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَلا قَطْعَ عَلَى مَنْ خَانَ فِي وَدِيعَةٍ، أَوْ جَحَدَ عَارِيَةً عِنْدَهُ، أَوِ اخْتَلَسَ مَتَاعًا مِنْ إِنْسَانٍ، لأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهَا سَرِقَةً.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلا مُنْتَهِبٍ، وَلا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ»، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا سَقَطَ الْقَطْعُ عَنِ الْمُخْتَلِسِ لأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَمْرِ الاخْتِلاسِ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يُمْكِنُهُ دَفْعَ الْمُخْتَلِسِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْمُجَاهَدَةِ، أَوْ بِالاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ بِخِلافِ السَّارِقِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ السَّرِقَةَ تَكُونُ سِرًّا، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ لَا يَلْحَقُهُمُ الْغَوْثُ.
وَحُكِيَ عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ قَالَ: يُقْطَعُ الْمُخْتَلِسِ.
وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَالا قَلَّ أَمْ كَثُرَ، أَخَذَهُ مِنْ حِرْزٍ أَوْ غَيْرِ حِرْزٍ، لِظَاهِرِ الآيَةِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ إِذَا جَحَدَ الْعَارِيَةَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ، وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُطِعَتْ يَدُهَا».
وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهَا، لِمَا رُوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ قَطْعٌ»، وَقَطْعُ يَدِ الْمَخْزُومِيَّةِ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ جُحُودِ الْعَارِيَةِ، إِنَّمَا كَانَ
بِسَبَبِ السَّرِقَةِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَذِكْرُ جُحُودِ الْعَارِيَةِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ لَهَا، إِذْ كَانَتْ كَثِيرَةَ الاسْتِعَارَةِ وَالْجُحُودِ حَتَّى عُرِفَتْ بِذَلِكَ، كَمَا عُرِفَتْ بِأَنَّهَا مَخْزُومِيَّةٌ، فَاسْتَمَرَّ بِهَا ذَلِكَ الصَّنِيعُ حَتَّى تَرَقَّتْ إِلَى السَّرِقَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدِهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي النَّبَّاشِ الَّذِي أَخَذَ مِنَ الْقَبْرِ مِنْ كَفَنِ الْمَيِّتِ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ، لأَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ.
وَلا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَالَ أَحَدٍ مِنْ آبَائِهِ، أَوْ أَوْلادِهِ، لِمَا لَهُ فِي مَالِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ، وَلا عَلَى عَبْدٍ سَرَقَ مَالَ سَيِّدِهِ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الآخَرِ مَا هُوَ فِي حِرْزٍ مِنْهُ، أَوْ عَبْدٍ أَحَدُهُمَا سَرَقَ مَالَ الآخَرِ، لَمْ يُوجِبِ الْقَطْعَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
2601 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيَّ جَاءَ بِغُلامٍ لَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَدَ هَذَا، فَإِنَّهُ سَرَقَ، قَالَ عُمَرُ: «مَاذَا سَرَقَ؟»، قَالَ: سَرَقَ مِرْآةً لامْرَأَتِي
ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا، فَقَالَ عُمَرُ: «أَرْسِلْهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ»
وَيَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ مَالِ الأَخِ، وَابْنِ الأَخِ، وَالْعَمِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ.
وَلا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، رُفِعَ إِلَى عَلِيٍّ رَجُلٌ سَرَقَ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، فَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَقَالَ: «إِنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا»، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ حَمَّادٌ: يُقْطَعُ.
بَابُ السَّارِقِ يَسْرِقُ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى
2602 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ، فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ ظَلَمَهُ، فَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: وَأَبِيكَ مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ، ثُمَّ إِنَّهُمُ افْتَقَدُوا حُلِيًّا لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَعَلَ يَطُوفُ مَعَهُمْ،
وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ.
فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ، فَاعْتَرَفَ الأَقْطَعُ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ ".
قَالَ الإِمَامُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ ثَانِيًا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا سَرَقَ ثَالِثًا، بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ رَابِعًا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ بَعْدَهُ يُعَزَّرُ، وَيُحْبَسُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي السَّارِقِ: «إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ».
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ بَعْدَ مَا قُطِعَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ وَإِحْدَى رِجْلَيْهِ، لَمْ يُقْطَعْ وَحُبِسَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قَطْعُ الأَطْرَافِ الأَرْبَعَةِ، وَالْقَتْلُ فِي الْخَامِسَةِ».
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: وَلا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يُبِيحُ دَمَ السَّارِقِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ السَّرِقَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، إِلا أَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُبَاحَ دَمُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ، وَلِلإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعْزِيرِ الْمُفْسِدِ، وَيَبْلُغَ بِهِ مَا رَأَى مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْحَدِّ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُقْتَلُ قُتِلَ، وَيُعْزَى هَذَا الرَّأْيُ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ إِنْ كَانَ ثَابِتًا، فَهُوَ يُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ.
وَرُوِيَ فِي قَطْعِ السَّارِقِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «اقْطَعُوهُ»، ثُمَّ قَالَ: «احْسِمُوهُ»، وَالْحَسْمُ: أَصْلُهُ: الْقَطْعُ: وَأَرَادَ بِهِ قَطْعَ الدَّمِ عَنْهُ بِالْكَيِّ.
وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ السَّارِقَ تُقْطَعُ يَدُهُ مِنَ الْكُوعِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أُصُولِ الأَصَابِعِ، وَرُوِيَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَارِقٍ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ، فَأَمَرَ بِهَا، فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ.
وَلَوْ سَرَقَ
أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَأَخْطَأَ الْجَلادُ، فَقَطَعَ يَسَارَهُ بَدَلَ يَمِينِهِ، قَامَ مَقَامَ الْيَمِينِ، لأَنَّ التَّنْكِيلَ بِتَنْقِيصِ الْبَطْشِ حَاصِلٌ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ، وَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
بَابُ قَطْعِ يَدِ الشَّرِيفِ وَالْمَرْأَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ
2603 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا قُتَيْبَةُ، نَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»، ثُمَّ قَامَ، فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدِهَا، أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا لِلسَّرِقَةِ، وَذَكَرَ اسْتِعَارَةَ الْمَتَاعِ وَالْجُحُودَ لِلتَّعْرِيفِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي الْحُدُودِ غَيْرُ جَائِزَةٍ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ»، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَ ذَلِكَ الإِمَامَ، فَأَمَّا قَبْلَ بُلُوغِ الإِمَامِ، فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ فِيهَا جَائِزَةٌ حِفْظًا لِلسَّتْرِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ السَّتْرَ عَلَى الْمُذْنِبِينَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّبَيْر بْنِ الْعَوَّامِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الأَوْزَاعِيِّ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُشْفَعُ فِي الْحَدِّ مَا لَمْ يَبْلُغِ السُّلْطَانَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَا لَمْ يُعْرَفْ بِأَذَى النَّاسِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ مِنْهُ زَلَّةٌ، فَلا بَأْسَ بِأَنْ يُشْفَعَ لَهُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الإِمَامَ.
وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ، وَقَالَ لِهَزَّالٍ: «لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ».
قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ هَزَّالا أَمَرَ مَاعِزًا أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُخْبِرَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ».
وَيُرْوَى عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إِلا الْحُدُودَ»، حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: ذُو الْهَيْئَةِ: مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ التَّعْزِيرِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا كَالْحَدِّ، لاسْتَوَى فِيهِ ذُو الْهَيْئَةِ وَغَيْرُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ»، لَمْ يَرْفَعْهُ
غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَذَلِكَ أَصَحُّ، وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ ضَعِيفٌ.
بَابُ حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ
2604 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، نَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ، فَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَارِبٍ، قَالَ: «اضْرِبُوهُ»، فَضَرَبُوهُ بِالأَيْدِي، وَالنِّعَالِ، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، وَحَثَوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَكِّتُوهُ» فَبَكَّتُوهُ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ سَأَلَ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الْمَضْرُوبَ، فَقَوَّمَهُ أَرْبَعِينَ، فَضَرَبَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً، ثُمَّ عُمَرُ حَتَّى تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الْخَمْرِ، فَاسْتَشَارَ، فَضَرَبَ ثَمَانِينَ.
قَوْلُهُ: «بَكِّتُوهُ»، التَّبْكِيتُ يَكُونُ تَقْرِيعًا بِاللِّسَانِ، يُقَالُ لَهُ: يَا فَاسِقُ أَمَا اسْتَحْيَيْتَ، أَمَا اتَّقَيْتَ، وَيَكُونُ بِالْيَدِ، وَالْعَصَا، وَنَحْوِهِ، وَالتَّتَايُعُ: التَّهَافُتُ، يُقَالُ: فُلانٌ يَتَتَايَعُ، أَيْ: يَرْمِي بِنَفْسِهِ فِي الأَمْرِ سَرِيعًا.
وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَرَى أَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، أَوْ كَمَا قَالَ، فَجَلَدَ عُمَرُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ ".
قَالَ الإِمَامُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمَا زَادَ عُمَرُ عَلَى الأَرْبَعِينَ كَانَ تَعْزِيرًا، وَلِلإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْعُقُوبَةِ إِذَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ ثَمَانُونَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ الرَّقَاشِيِّ أَبُو سَاسَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رَآهُ يَشْرَبُهَا، وَشَهِدَ الآخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّؤُهَا، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحَسَنِ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا.
فَقَالَ عَلِيٌّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
قَالَ: فَأَخَذَ السَّوْطَ، فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قَالَ: حَسْبُكَ، «جَلَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ»، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
قَوْلُهُ: «وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا»، يُرِيدُ: وَلِّ الْعُقُوبَةَ وَالضَّرْبَ مَنْ تُوَلِّيهِ الْعَمَلَ وَالنَّفْعَ، وَالْقَارُّ: الْبَارِدُ، قَالَ الأَصْمَعِيُّ: وَلِّ شَدِيدَهَا مَنْ تَوَلَّى هَيِّنَهَا.
وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ عِنْدَ الأَرْبَعِينَ: حَسْبُكَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ إِنَّمَا هُوَ أَرْبَعُونَ، وَمَا وَرَاءَهَا تَعْزِيرٌ، وَلَوْ كَانَ حَدًّا مَا كَانَ لأَحَدٍ فِيهِ الْخِيَارُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ»، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ يُقْتَلُ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يَرِدُ الأَمْرُ بِالْوَعِيدِ، وَلا يُرَادُ بِهِ وُقُوعُ الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْعُ، وَالتَّحْذِيرُ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ»، وَهُوَ لَوْ قَتَلَ عَبْدَ نَفْسِهِ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، قَالَ أَبُو عِيسَى: إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، هَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ، فَاقْتُلُوهُ»، قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ، فَضَرَبَهُ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ.
وَكَذَلِكَ رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ» قَالَ الإِمَامُ: وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ مَا
2605 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ»، لَا يَدْرِي الزُّهْرِيُّ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ
بِهِ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، وَوَضَعَ الْقَتْلَ، وَصَارَتْ رُخْصَةً.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَدْ أُوتِيَ بَعْدَ رَابِعَةٍ فَلَمْ يَقْتُلْهُ
بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ الشَّارِبِ
2606 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
2607 - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: «اضْرِبُوهُ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ
بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ.
قَالَ: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ الْعَلاءِ، نَا أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، نَا جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ نَصْرٍ أَبُو جَعْفَرٍ الْحَذَّاءُ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، نَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ هُوَ أَبُو ضَمْرَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: " لَا تُعِينُوا الشَّيْطَانَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قُولُوا: رَحِمَكَ اللَّهُ "
بَابُ مَنْ مَاتَ فِي الْحَدِّ
2608 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، نَا سُفْيَانُ، نَا أَبُو حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ النَّخَعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: «مَا كُنْتُ لأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ، وَدَيْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
قَالَ الإِمَامُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ إِذَا أَقَامَ حَدًّا عَلَى إِنْسَانٍ، فَمَاتَ فِيهِ، أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ مَاتَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، إِلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، كَمَنْ مَاتَ فِي سَائِرِ الحُدُودِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَضْمَنُ الدِّيَةَ، لأَنَّهُ ضَرْبٌ بِالاجْتِهَادِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الإِمَامِ، أَمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ قَوْلانِ، أَصَحُّهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا فِي خَطَإِ غَيْرِ الإِمَامِ.
وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ، لأَنَّ خَطَأَ الإِمَامِ يَكْثُرُ، فَفِي إِيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ إِجْحَافٌ بِهِمْ، هَذَا إِذَا ضُرِبَ فِي الْخَمْرِ بِالسِّيَاطِ، أَمَّا إِذَا ضُرِبَ بِالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ قَدْرَ أَرْبَعِينَ، فَمَاتَ، فَلا ضَمَانَ فِيهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ النَّصِّ إِلَى الاجْتِهَادِ.
وَلَوْ عَزَّرَ الإِمَامُ رَجُلا، فَمَاتَ مِنْهُ، يَضْمَنُ بِالدِّيَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى عَاقِلَتِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْقَوْلِ الآخَرِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَضْمَنُ، وَأَصْلُهُ: أَنَّ تَرْكَ التَّعْزِيرِ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ كَالْحُدُودِ، رُوِيَ " أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ فِي شَيْءٍ بَلَغَهُ مِنْهَا فَفَزِعَتْ، فَأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا، فَاسْتَشَارَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
عَوْفٍ: إِنَّكَ مُؤَدِّبٌ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِ اجْتَهَدَ، فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، فَقَدْ غَشَّ، عَلَيْكَ الدِّيَةُ.
فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَا تَجْلِسْ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى قَوْمِكَ "، وَأَرَادَ: عَلَى قَوْمِي، أَضَافَ إِلَيْهِ تَشْرِيفًا.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَشَاتَمَا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُمَا شَيْئًا، وَتَشَاتَمَا عِنْدَ عُمَرَ، فَأَدَّبَهُمَا.
وَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُؤَدِّبَ زَوْجَتَهُ بِالضَّرْبِ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَكَذَلِكَ الْمُعَلِّمُ يَضْرِبُ الصَّبِيَّ، فَإِذَا لَمْ يَتَعَدَّ فِي الضَّرْبِ، وَحَصَلَ مِنْهُ التَّلَفُ، ضَمِنَتْ عَاقِلَتُهُ الدِّيَةَ، وَأَمَّا الْمُكْتَرِي إِذَا ضَرَبَ الدَّابَّةَ الْمُكْرَاةَ، أَوِ الرَّاعِي ضَرَبَهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعَادَةِ فِي الضَّرْبِ، لَمْ يَضْمَنْ، لأَنَّ الدَّابَّةَ لَا تَنْزَجِرُ بِغَيْرِ الضَّرْبِ، وَالآدَمِيُّ قَدْ يَتَأَدَّبُ، وَيَنْزَجِرُ بِالْقَوْلِ الْعَنِيفِ، فَالْخُرُوجُ مِنْهُ إِلَى حَدِّ الضَّرْبِ كَانَ بِشَرْطِ السَّلامَةِ، وَضَرْبُ الرَّائِضِ يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ ضَرْبِ الرَّاعِي، وَالْمُكْتَرِي، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ عَادَةِ
الرِّوَاضِ فِي الضَّرْبِ، فَهَلَكَتِ الدَّابَّةُ، لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ ضَمِنَهَا فِي مَالِهِ.
وَلَوْ ضَرَبَ الإِمَامُ رَجُلا ظُلْمًا فَهَلَكَ فِيهِ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا، فَلاجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا»، فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: «لَكُمْ كَذَا، وَكَذَا»، فَرَضُوا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَنَّهُمَا أَقَادَا مِنَ الْعُمَّالِ، وَمِمَّنْ رَأَى عَلَيْهِمُ الْقَوَدَ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَلَوْ أَخْطَأَ الإِمَامُ، وَالْجَلادُ عَالِمٌ بِخَطَئِهِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْجَلادِ، لَا عَلَى الإِمَامِ.
وَلَوْ قَطَعَ سِلْعَةً بِرِجْلٍ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ بِسَبَبِ الأَكْلَةِ بِإِذْنِهِ، فَمَاتَ مِنْهُ، لَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ، وَإِنْ قَطَعَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ مِنْهُ عَاقِلا بَالِغًا، يَجِبُ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا، فَإِنْ قَطَعَهُ غَيْرُ الْوَلِيِّ، يَجِبُ الْقَوَدُ، وَإِنْ قَطَعَهُ وَلِيُّهُ أَوِ السُّلْطَانُ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ قَوْلانِ.
وَإِذا أَخْطَأَ الطَّبِيبُ فِي الْمُعَالَجَةِ، فَحَصَلَ مِنْهُ التَّلَفُ، تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
قَالَ الإِمَامُ: وَكَذَلِكَ مَنْ تَطَبَّبَ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ، فَهُوَ ضَامِنٌ».
وَلَوْ خَتَنَ السُّلْطَانُ إِنْسَانًا بَالِغًا دُونَ إِذْنِهِ، فَمَاتَ، لَمْ يَضْمَنْ، لأَنَّهُ وَاجِبٌ، إِلا أَنْ يَفْعَلَ فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ شَدِيدٍ، فَيَضْمَنُ.
وَلَوْ قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ، فَاسْتَوْفَى الْقِصَاصَ، فَمَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ بِالسراية، لَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَوْفِي، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْحَكَمِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّارِقَ إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ، فَمَاتَ، لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ.
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى إِنْسَانٍ بِقِصَاصٍ طَرَفًا، أَوْ نَفْسًا، فَاسْتَوْفَى، أَوْ بِحَدٍّ فَأُقِيمَ، فَمَاتَ فِيهِ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ، فَإِنْ قَالا: تَعَمَّدْنَا، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَالا: أَخْطَأْنَا، فَالدِّيَةُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا قَوَدَ عَلَى الشُّهُودِ إِذَا رَجَعُوا، بَلْ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَوْ شَهِدَا بِطَلاقٍ، فَقُضِيَ بِهِ، أَوْ بِعِتْقٍ، ثُمَّ رَجَعَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِلزَّوْجِ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ لِلْمَالِكِ بِالاتِّفَاقِ، وَلا يُرَدُّ الطَّلاقُ وَلا الْعِتْقُ.
وَلَوْ شَهِدَا بِمَالٍ، فَاسْتُوفِيَ، ثُمَّ رَجَعَا، فَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، لأَنَّ التَّفْوِيتَ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِخِلافِ الطَّلاقِ وَالْعِتْقِ، بِدَلِيلِ أَنَّ بِتَكْذِيبِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ لَا يُرَدُّ الطَّلاقُ وَالْعِتْقُ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَضْمَنُ الشُّهُودُ الْقِيمَةَ كَمَا فِي الْعِتْقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَبِهِ قَالَ حَمَّادٌ.
بَابُ التَّعْزِيرِ
2609 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، نَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، وَأَبُو بُرْدَةَ هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ الأَنْصَارِيُّ
قَالَ الإِمَامُ: الْحَدُّ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ، وَالْحَدَّادُ: الْحَاجِبُ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ، وَالتَّعْزِيرُ أَيْضًا: الْمَنْعُ، يُقَالُ: حَدَّ الْجَانِيَ: إِذَا ضَرَبَهُ فَمَنَعَهُ بِالضَّرْبِ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِ مَا فَعَلَ.
وَحُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُقْرَبُ كَالزِّنَا وَمَا أَشْبَهَهُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [الْبَقَرَة: 187].
وَالثَّانِي: مَا لَا يُتَعَدَّى كَتَزَوُّجِ الأَرْبَعِ وَمَا أَشْبَهَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [الْبَقَرَة: 229].
قَالَ الإِمَامُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِقْدَارِ التَّعْزِيرِ، فَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: لِلرَّجُلِ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَتَرْكِ الصَّلاةِ، وَلا يَضْرِبُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: التَّعْزِيرُ مَا بَيْنَ سَوْطٍ إِلَى ثَلاثِينَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُبْلَغُ بِعُقُوبَةٍ أَرْبَعِينَ تَقْصِيرًا عَنْ مُسَاوَاةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ فِي حُدُودِهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَهُ فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْجَلَدَاتِ الْعَشْرِ إِلَى مَا دُونَ الأَرْبَعِينَ أَنَّهَا لَا تُزَادُ عَلَى الْعَشْرِ بِالأَسْوَاطِ، وَلَكِنْ بِالأَيْدِي، وَالنِّعَالِ، وَالثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا عَلَى مَا يَرَاهُ الإِمَامُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَبْلُغُ عِشْرِينَ، لأَنَّهَا أَقَلُّ الْحُدُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدَّ الْعَبِيدِ فِي الْخَمْرِ عِشْرُونَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: التَّعْزِيرُ عَلَى قَدْرِ عِظَمِ الذَّنْبِ وَصِغَرِهِ، عَلَى مَا يَرَى الْحَاكِمُ مِنَ احْتِمَالِ الْمَضْرُوبِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقَلَّ مِنْ ثَمَانِينَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إِلَى خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ سَوْطًا، وَقَالَ مَالِكٌ: التَّعْزِيرُ عَلَى قَدْرِ الْجُرْمِ، فَإِنْ كَانَ جُرْمُهُ أَعْظَمَ مِنَ الْقَذْفِ، ضَرَبَهُ مِائَةً وَأَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِنَّهُ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ وَتَسَارَعِ الْفَاعِلِ فِي الشَّرِّ، فَإِنْ جَاوَزَ الْحَدَّ مِثْلَ أَنْ يَقْتُلَ عَبْدَهُ، أَوْ يَقْطَعَ مِنْهُ عُضْوًا، فَتَكُونُ الْعُقُوبَةُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ.
مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ أَدَبٌ يَقْصُرُ عَنْ مَبْلَغِ أَقَلِّ الْحُدُودِ، لأَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّعْزِيرِ قَاصِرَةٌ عَمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ، كَمَا أَنَّ الْحُكُومَةَ الْوَاجِبَةَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْعُضْوِ، وَإِنْ قَبُحَ شَيْنُهَا تَكُونُ قَاصِرَةً عَنْ كَمَالِ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ.
25 -