شرح السنة للبغويصفحات 450-471

كِتَابُ الْجَنَائِزِ

صفحات 450-471
عن هذه الطبعة
عَلَم
البغوي ، أبو محمد
الكتاب
شرح السنة
المؤلف
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
الطبعة
الثانية، 1403هـ - 1983م
عدد الأجزاء
15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَابُ ثَوَابِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ

1541 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كُلٌّ عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَوْلُهُ: «إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» مَصْدَرُ حَلَّلْتُ الْيَمِينَ تَحْلِيلا وَتَحِلَّةً،

أَيْ: أَبْرَرْتُهَا، يُرِيدُ إِلا قَدْرَ مَا يُبِرُّ اللَّهُ قَسَمَهُ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مَرْيَم: 71] الآيَةَ، فَإِذَا مَرَّ بِهَا وَجَاوَزَهَا، فَقَدْ أَبَرَّ قَسَمَهُ، وَقِيلَ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مَرْيَم: 71] قَسَمٌ فَتَكُونُ لَهُ تَحِلَّةٌ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ إِلا التَّعْذِيرَ الَّذِي لَا يُصِيبُهُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: ضَرَبَهُ تَحْلِيلا، وَضَرَبَهُ تَعْذِيرًا: إِذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي ضَرْبِهِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، وَمَوْضِعُ الْقَسَمِ مَرْدُودٌ إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مَرْيَم: 68]، وَقِيلَ: الْقَسَمُ فِيهِ مُضْمَرٌ، مَعْنَاهُ وَإِنْ مِنْكُمْ وَاللَّهِ إِلا وَارِدُهَا، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النِّسَاء: 72] أَيْ: وَاللَّهِ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ.
1543 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَلِيٍّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ، وَكُلٌّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ 1544 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا غَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ، نَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ ابْنَانِ لِي، فَأَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا تُحَدِّثُنَا يُسَخِّي بِأَنْفُسِنَا عَنْ مَوْتَانَا؟، قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ، يَقُولُ: " صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ، أَوْ قَالَ: أَبَوَيْهِ، فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ كَمَا آخُذُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا، فَلا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُ الْجَنَّةَ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ،

عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ التَّيْمِيِّ، وَرَوَاهُ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَعَلَّهُ سَقَطَ عَنْ هَذَا الإِسْنَادِ أَبُو السَّلِيلِ 1545 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا ابْنُ عُلَيَّةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَوْلُهُ: «لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ»، قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: مَعْنَاهُ: قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا، فَيُكْتَبَ عَلَيْهِمُ الإِثْمُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الْوَاقِعَة: 46] أَيْ: عَلَى الإِثْمِ الْعَظِيمِ، وَقِيلَ: عَلَى الشِّرْكِ، وَقِيلَ: عَلَى الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَيُقَالُ: حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، أَيْ أَثِمَ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْحِنْثُ: الْعِدْلُ الثَّقِيلُ، وَبِهِ سُمِّيَ الذَّنْبُ حِنْثًا، وَيُقَالُ: بَلَغَ الْغُلامُ الْحِنْثَ، أَيِ الْحَدَّ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ.

1546 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النِّسَاءَ، قُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ مَوْعِدًا نَأْتِكَ فِيهِ، فَوَاعَدَهُنَّ مِيعَادًا، فَأَتَاهُنَّ فَوَعَظَهُنَّ، فَقَالَ لَهُنَّ فِيمَا يَقُولُ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاثًا إِلا كانُوا لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِي اثْنَانِ؟، قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «وَاثْنَانِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَاهُ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ

1547 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا قُتَيْبَةُ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ: مَا لِعبدي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلا الْجَنَّةُ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ 1548 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا لِعَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ إِذَا قَبَضْتُ صِفْوَتَهُ مِنَ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلا الْجَنَّةُ " 1549 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،

عَنْ أَبِي سِنَانٍ، قَالَ: دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا، وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلانِيُّ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فَأخْرَجَنِي، فَقَالَ: أَلا أُبَشِّرُكَ، حَدَّثَني الضَّحَّاكُ بْنُ عَرْزَبٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْمَلائِكَةِ: أَقَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَما قَالَ؟ قَالُوا: اسْتَرْجَعَ وَحَمِدَكَ، قَالَ: ابْنُوا لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ ". هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ 1550 - أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزَجَانِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْخُزَاعِيُّ، أَنا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالا: نَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ بَارِقٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي أَبَا أُمِّي سِمَاكَ بْنَ الْوَلِيدِ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ

سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِمَا الْجَنَّةَ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: «وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَفَّقَةُ»، فَقَالَتْ: فَمنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟، فَقَالَ: «فَأَنَا فَرَطٌ لأُمَّتِي، لَنْ يُصَابُوا بِمثْلِي».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ بَارِقٍ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، وَسِمَاكُ بْنُ الْوَلِيدِ هُوَ أَبُو زُمَيْلٍ الْحَنَفِيُّ

بَابُ التَّعْزِيَةِ

1551 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، نَا أَبُو عُمَرَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، نَا عَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، نَا عَبْدُ الْحَكِيمِ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ».
وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مَوْقُوفًا

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَعَبْدُ الْحَكِيمِ بْنُ مَنْصُورٍ كُنْيَتُهُ أَبُو سُفْيَانَ الْخُزَاعِيُّ مِنْ أَهْلِ وَاسِطَ، فِيهِ نَظَرٌ.
وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا قَائِلا، يَقُولُ: إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ مَا فَاتَ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ.

بَابُ الطَّعَامِ لأَهْلِ الْمَيِّتِ

1552 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاعِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانِ بْنِ مِهْرَانَ الْمُقْرِئُ النَّيْسَابُورِيُّ، بِهَا، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، نَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ الْبَزَّازُ، نَا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ الْمَكِّيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَجَعْفَرٌ هَذَا: هُوَ جَعْفَرُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَارَّةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ،

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، اسْتَحَبُّوا أَنْ يُوَجِّهُوا إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ الَّذِينَ أَوْجَعَتْهُمُ الْمُصِيبَةُ بِطَعَامٍ لِشَغْلِهِمْ بِالْمُصِيبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَيُكْرَهُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْمَيِّتِ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا عَقْرَ فِي الإِسْلامِ».
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ، يَعْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيلَ: كَانُوا يَعْقِرُونَ وَيَقُولُونَ: كَانَ صَاحِبُ الْقَبْرِ يَعْقِرُهَا لِلأَضْيَافِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، فَيُكَافَأُ بِمِثْلِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ»، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي»، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: «ادْعُوا لِيَ الْحَلاقَ، فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا».

بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ

1553 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، نَا مُعَرِّفُ بْنُ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَارِبٍ هُوَ ابْنُ دِثَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ زِيَارَتَهَا تُذَكِّرُ» 1554 - وَقَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ إِلا فِي ظُرُوفِ الأدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» 1553 - وَقَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي أَنْ لَا تَأْكُلُوا بَعْدَ ثَلاثَةٍ، فَكُلُوا وَانْتَفِعُوا بِها فِي أَسْفَارِكُمْ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ،

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَمُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ كُنْيَتُهُ أَبُو بَدَلٍ 1554 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّها تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَيُقَالُ: كَانَ قَبْرُ أُمِّهِ بِالأَبْوَاءِ، فَمَرَّ بِهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ فِي أَلْفِ مُقَنَّعٍ، أَيْ: فِي أَلْفِ فَارِسٍ مُغَطًّى بِالسِّلاحِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: زِيَارَةُ الْقُبُورِ مَأْذُونٌ فِيهَا لِلرِّجَالِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَمَّا النِّسَاءُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ».
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ».
فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَلَمَّا رَخَّصَ عَمَّتِ الرُّخْصَةُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهَا لِلنِّسَاءِ، لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ، وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ.
أَمَّا اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ، فَلا رُخْصَةَ لَهُنَّ فِيهِ، قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا».

وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي جِنَازَةٍ، فَرَأَى نِسْوَةً، قَالَ: «ارْجِعْنَ مَوْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحُبْشِيِّ، فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَتْ: وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً ... مِنَ الدَّهْرِ حتَّى قِيلَ لَنْ يتَصَدَّعَا

فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلا حَيْثُ مِتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ.
وَيُكْرَهُ نَقْلُ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ، وَأَنْ يُنْقَلَ عَنْ مَكَانِهِ بَعْدَ مَا دُفِنَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، قَالَ جَابِرٌ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ حُمِلَ الْقَتْلَى لِيُدْفَنُوا بِالْبَقِيعِ، فَنَادَى مُنَادٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَدْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ، فَرَدَدْنَاهُمْ.

وَقَالَ جَابِرٌ: لَمَّا حُضِرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلا مَقْتُولا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ مَاتَا بِالْعَقِيقِ، فَحُمِلا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَدُفِنَا بِهَا، وَحُمِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ مِنَ الْجُرْفِ، وَالاخْتِيَارُ هُوَ الأَوَّلُ.

بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَقَابِرَ

1555 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْكُرْكَانِيُّ، نَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَسَدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَقَالَ: «نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ السَّلامَ عَلَى الْمَوْتَى، كَهُوَ عَلَى الأَحْيَاءِ فِي تَقْدِيمِ الدُّعَاءِ عَلَى الاسْمِ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ دُعَاءٍ بِخَيْرٍ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [

هود: 73]، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: سَلامٌ عَلَى آل يَاسِينَ الصافات 130، وَفِي خِلافِهِ قُدِّمَ الاسْمُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: 78] وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الْهُجَيْمِيِّ، أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَلَيْكُمُ السَّلامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى، قُلْ: سَلامٌ عَلَيْكَ "، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي تَحِيَّةِ الْمَيِّتِ، أَنْ يَقُولَ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ، بَلْ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فِي تَحِيَّةِ الأَمْوَاتِ، بِتَقْدِيمِ الاسْمِ عَلَى الدُّعَاءِ، كَمَا قَالَ الشَّمَّاخُ:

عَلَيْكَ سَلامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأَشْعَارِ.
وَقَوْلُهُ: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ» لَيْسَ هَذَا بِاسْتِثْنَاءِ شَكٍّ، وَلَكِنَّهُ عَلَى عَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ يُحَسِّنُ بِهِ كَلامَهُ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: إِنَّكَ إِنْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ شَكَرْتُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنِ ائْتَمَنْتَنِي لَمْ أَخُنْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الاسْتِثْنَاءِ مُسْتَحَبٌّ فِي الأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الأَمْرِ شَكٌّ، تَبَرُّؤًا عَنِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلا بِاللَّهِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَيْثُ قَالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]، وَعَنْ مُوسَى، حَيْثُ قَالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الْكَهْف: 69]، وَعَنْ يُوسُفَ، حَيْثُ قَالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يُوسُف: 99]، وَعَنْ شُعَيْبٍ، حَيْثُ قَالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الْقَصَص: 27]، وَعلَّمَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الْفَتْح: 27]،

وَقَالَ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا {23﴾ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الْكَهْف: 23 - 24]. وَقِيلَ: الاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى اسْتِصْحَابِ الإِيمَانِ إِلَى الْمَوْتِ، أَيْ نَلْحَقُ بِكُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْمَوْتِ.
1556 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا كانَتْ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ مُتَوَاعِدُونَ غَدًا وَمُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ

10 -

جارٍ التحميل