بهجة المجالس وأنس المجالسباب الملح وما به النفس ترتاح

باب الملح وما به النفس ترتاح

من مباح المزاح

قال الأصمعى: وصلت بالعلم، وكسبت بالملح.

قال عبد الرحمن بن أبي الزناد: قلت لأشعب: أنت شيخ كبير، فهل رويت شيئا من الحديث؟ قال: بلى! حدثني عكرمة عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: خصلتان من حافظ عليهما دخل الجنة.
قلت: وما هما؟ قال: نسيت أنا واحدة، ونسى عكرمه الأخرى.

كان أشعب الطمع كثير الإلمام بسالم بن عبد الله بن عمر، فأتاه يوما وهو في حائط مع أهله، فمنعه البواب من الدخول عليه من أجل عياله، وقال: إنهم يأكلون.
فمال عن الباب، وتسور عليهم الحائط، فلما رآه سالم، قال: سبحان الله يا أشعب! على عيالى وبناتي تتسور.
فقال له " لقد علمت مالنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد ". فقال له: انزل يأتك من الطعام ما تريد.

أخذ قوم في قطع، فقدموا لضرب أعناقهم، فقام منهم واحد، وقال: الله الله في، فو الله ما كنت في شئ مما كانوا فيه، وإنما كنت أشرب معهم وأغنى لهم، فقالوا: هات فغن لنا، فارتجت عليه الأشعار إلا قول الشاعر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدى

فقالوا: صدق.
اضربوا عنقه.

كان بعض أمراء خراسان يتشاءم بالحول، فمتى رأى أحول ضربه بالسياط، وربما ضرب بعضهم خمسائة سوط، وحدث أنه ركب في بعض الأيام، فرأى أحول فأمر بضربه، وكان الأحول جلدا، فلما فرغ من ضربه، قال له: أيها الأمير! أصلحك الله، لم ضربتني؟ قال: لأني أتشاءم بالحول.
قال: فأينا أشد شؤما على صاحبه، أنت رأيتني ولم يصبك إلا خير، وأنا رأيتك فضربتني خمسائة سوط، فأنت إذا أشد شؤما.
فاستحيا منه ولم يضرب بعده أحدا.

كانت في سعيد بن فروخ بن القطان، والد يحيى سعيد الفقيه، غفلة شديدة مشهورة، فخرج يوم الجمعة وقد تهيأ للصلاة، فلقى رجلا من أهل البصرة كثير المزاح، فقال له: قد أخروا الجمعة إلى غد، فقال: حسن.
ورجع إلى منزله.

كان إسماعيل بن يسار الشاعر قد خف على عروة بن الزبير حتى زامله مرة بعض أسفاره، فقال ليلة في سفره ذلك لغلامه: انظر هل اعتدل المحمل؟ فقال الغلام: ما هو إلا معتدل، فقال إسماعيل: والله ما اعتدل الحق والباطل قبل هذه الليلة، فمحك عروة.

قال الأصمعى: قدم تاجر من أهل الكوفوفة المدينة بأحمزة فباعها كلها إلا السود منها، فلم تنفق، وكان صديقا للدرامى الشاعر، فشكا ذلك إليه، وقد كان الدرامى تنسك، وترك الشعر والغناء.
فقال له: لا تهتم بذلك فإني سأنفقها لك حتى تبيع جميعها إن شاء الله تعالى، ثم قال:

قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا صنعت بزاهد متعبد

قد كان شمر للصلاة ثيابه ... حتى عرضت له بباب المسجد

ردى عليه صيامه وصلاته ... لا تقليه بحق دين محمد

فشاع قول الدرامى هذا في الناس: وقالوا: رجع الدرامى عن نسكه، وعاد إلى فتكه، فلم يبق في المدينة امرأة ظريفة إلا ابتاعت خمارا أسود حتى نفد ما كان منها مع العراقي، فلما علم الدرامي ذلك، رجع إلى نسكه ولزم المسجد.
والدرامي هذا أصله مكى، ثم انتقل إلى المدينة زمن عمر بن عبد العزيز، وعاش إلى خلافة بني العباس، وانقطع إلى عبد الصمد بن على وكان شاعرا مطبوعا، ترك ذلك وتنسك، وهو القائل:

ولما رأيتك أوليتني ال ... قبيح وباعدت عني الجميلا

تركت وصالك في جانب ... وصادفت في الناس خلا بديلا

طويس الذي تضرب به العرب المثل في الشؤم، هو رجل من أهل المدينة مولى لبني مخزوم، واسمه عيسى بن عبد الله، وهو أول من أظهر الخنا والمجون بالمدينة، وكان مغنيا يضرب الدف، وسئل عن والده، فقال: ولده، فقال، ولدت يوم مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفطمت يوم مات أبو بكر، وختنت يوم قتل عمر، وتزوجت يوم قتل عثمان، وولد لي يوم قتل على بن أبي طالب فيقولون في أمثالهم السائرة.
أشأم من طويس.

كان الشعبي يوما جالسا في مجلسه، والناس يتناظرون في الفقه عنده، معه شيخ يطيل السكوت، فقيل له يوما: لو سألت عن مسألة تنتفع بها، فقال: إني لأجد في قفاي حكة، أفترى لي أن أحتجم؟ فقال الشعبي:الحمد لله الذي صرنا من الفقه إلى الحجامة.

مر بالشعبي يوما رجل يقود حمارا،فقال له:ما اسمك؟ قال:وردان.
قال:وما اسم حمارك؟ قال:عمران.
قال الشعبي:واخلافاه!! مر رجل معه كلب بابن أبي عتيق،فقال له:ما اسمك؟ قال:وثاب.

قال:وما اسم كلبك؟ قال:عمروزفقال ابن أبى عتيق:واخلافاه،وأنشد:

ولو هيا له الله ... من التوفيق أسبابا

لسمى نفسه عمرا ... وسمى الكلب وثابا

أنشد رجل زبان السواق،قول إسماعيل بن يسار:

ما ضر أهلك لو تطوف عاشق ... بفناء بيتك أو ألم فسلها

فبكى زبان،وقال:لاشئ والله،إلا الضجر وسوء الخلق وضيق الصدر،وجعل يبكي ويمسح عينيه.

قيل لمدنى:أما تتقى الله،تؤذي جيرانك؟! قال:فمن أوذى إذا؟ أوذى من لا أعرفه؟! كان الفرزدق جالسا في حلقة الحسن رحمه الله،فقال رجل:يا أبا سعيد! ما تقول في الرجل يحكي عن غيره،يقول:قال فلان طلقت امرأتى،وأعتقت عبدي،وفعلت وفعلت ولانية له في ذلك.
فقال الفرزدق:ياأبا سعيد:قد قلت أنا في ذلك.
فقال:وما قلت يا أبا فراس؟ فليس كل قول يؤخذ به.

قال:قلت:

ولست بمأخوذ بشئ تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم

قال الحسن:صدق أبو فراس،القول ما قال.

اعترض الإسكندر جيشه يوما،فرأى فيهم رجلا أعرج،فأمر بإسقاطه،فضحك الأعرج.
فقال له الإسكندر:مم ضحكك؟ وقد أسقطتك.
فقال:تعجبا منك لحبك آلة الهروب،وكراهتك آلة الوقوف،لأن معى آلة الوقوف في الحرب وتسقطني،فأمر بإثباته في خاصته،وأسنى رزقه.

سمع ابن أبي عتيق يوما نصيبا الشاعر،وكان أسود،ينشد لنفسه:

وددت ولم أخلق من الطير أنني ... أعار جناحي طائر فأطي

فقال له ابن أبي عتيق:يا ابن أخي! قل:غاق تطر.
شبهه بالغراب لشدة سواده.
هاج بأبي علقمة الأعرابي الدم،فأتوه بحجام،قال له:يا حجام! اشدد قصبة الملزم،وأرهف ظبة المشرط، وأسرع الوضع، وأسرع الوضع، وعجل النزع، وليكن شرطك وخزا، ومصك نهزا.
فقام الحجام ناهضا، وقال: انتظر حتى يأتيك ابن القرية فيحجمك.

قال الهيثم بن عدى: كنت يوما بكناسة الكوفة إذ أنا برجل قد وقف على نخاس الدواب، فقال له: اطلب لي حمارا ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق، وإن كثر الزحام ترفق، لا يصادم في السوارى، ولا يدخل تحت البواري، إن أقللت علفه صبر، وإن أكثرت له شكر، وإن ركبته هام، وإن ركبه غيري نام.
فقال له النخاس: اصبر يا عبد الله، فإذا مسخ القاضي حمارا، أصبت حاجتك إن شاء الله تعالى.

خطب أبو القطوف إلى قوم ولية لهم، فأجابوه، وقالوا لها من الضياع والمال كذا وكذا، فما مالك أنت؟ قال: إن كنتم صادقين فإن مالها يكفيني وإياها ما عشنا، فما سؤالكم عن مالى؟! وقال عبد الملك بن عبد الحميد الحارثي:

يا أخت كندة عافي شرب عثمان ... وأزمعى لبنى عوف بهجران

يا أخت كنده سيرى سير ساخطة ... كي تنتوي غضبي وغضبان

يا أخت كنده ليس الرزق في يده ... الرزق قي يد من لو شاء أغناني

الماء في دار عثمان له ثمن ... والخبز فيها له شان من الشان

عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن ... لكنه يشتهى حمدا بمجان

والناس أكيس من أن يمدحوا أحدا ... حتى يروا عنده آثاره إحسان

اغسل يديك بأشنان وأنقهما ... غسل الجنانة من معروف عثمان

واسلح على كل عثمان مررت به ... إلا الخليفة عثمان بن عفاف

وقال الليث الحجام:

حلقت بموسي الهجر ناصية الصد ... وأخريت مشط الصد في طرة الود

قصصت بمقراض القلا حجة الوفا ... فجبهة رأس الود مكشوفة الجلد

وشعر سبال الوصل صرت منتفا ... ظلوما بمنقاش القطيعة والصد

وما زلت مصاصا بغير إساءة ... بمحجمة الخلف القبيح دم الوعد

وذكروا أن إبليس قال:ماذا ألقى من أصحاب البلغم؟ ينسون ويلعنونني.

قال حسين المعروف بالجمل الشاعر: كان أحمد بن المدبر بدمشق يقصده الشعراءفمن مدحه بشعر جيد أثابه، ومن مدحه بشعر رديء وكل به من يحمله إلى الجامع فلا يفارقه حتى يصلى مائة ركعة.
قال فدخلت عليه، فقلت:

أردنا في أبى حسن مديحا ... كما بالمدح تنتجع الولاة

فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة

فقلت لهم: وما يغنى عيالي ... صلاتى إنما الشأن الزكاة

ليأمر لي بكسر الصاد منها ... فتضحى لي الصلاة هي الصلات

قال،فقال لي: أخذت هذا من قول أبى تمام:

هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام

قال الرياشي: خرج الناس بالبصرة ينظرون هلال رمضان، فرآه رجل منهم،ولم يزل يومئ إليه حتى رآه غيره وعاينوه، فلما كان هلال الفطر، جاء الجار إلى ذلك الرجل، فدق عليه الباب، وقال له: تعال أخرجنا مما أدخلتنا فيه.

جارٍ التحميل