باب المعروف
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كل معروف صدقة ".
قال أبو جرى الهجيمي: يارسول الله أوصني.
فقال: " لا تحقرن شيئامن المعروف أن تأتيه، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقى، ولو أن تلقي أخاك ووجهك منبسط إليه ".
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أهل المعروف في الدنيا، هم أهل المعروف في الآخرة ".
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا طلبتم المعروف فاطلبوه عند حسان الوجوه ".
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " ألا أدلكم على شيء يحبه الله ورسوله؟ " قالوا: بلى، يا رسول الله.
قال: " المعروف والتغابن للضعيف ".
قال عيسى عليه السلام: استكثروا من شيء لاتمسه النار.
قالوا: وما هو يا روح الله؟ قال: المعروف.
قال عبد الله بن عباس: ما رأيت رجلا أوليته معروفا إلا أضاء مابيني وبينه، ولا رأيت رجلا فرط إليه مني شيء إلا أظلم ما بيني وبينه.
قال زيد بن علي بن حسين: ما شيء أفضل من المعروف ولا ثوابه ولا كل من رغب فيه يقدر عليه ولا كل من قدر عليه يؤذن له فيه، فإذا اجتمعت الرغبة والقدرة والإذن تمت السعادة للطالب والمطلوب منه.
قال ابن عباس: المعروف أيمن زرع، وأفضل كنز، ولا يتم إلا بثلاث خصال: بتعجيله وتصغيره وستره.
فإذا عجل هني، وإذا صغر فقد عظم، وإذا ستر فقد تمم.
قال زهير:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
وقال أخر:
إن ابتداء العرف مجد باسق ... والمجد كل المجد في استتمامه
إن الهلال يروق أبصار الورى ... حسنا وليس كحسنه لتمامه
أنشد الزبير بن بكار:
أبل من شئت تقله ... عن قليل لفعله
ضاع معروف واضع ال ... عرف في غير أهله
قال القاسم بن معن، قال رجل لعون بن عبد الله بن عتبة: ما السخاء؟ قال: التأني للمعروف.
قال فما البخل؟ قال: الاستقضاء على الملهوف.
قال ابن عباس لا يزهدنك في المعروف كفر من كفر، فإنه يشكرك عليه من لم يصنعه.
كان يقال: في كل شيء سرف إلافي المعروف.
قال حبيب:
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله
كان يقال: لا يزهدنك في المعروف دمامة من يسديه إليك، ولا ينبو بصرك عنه، فإن حاجتك في شكره ووفائه لا منظره، وإن لم يكن أهله فكن أنت أهله.
قال الشاعر:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
تمثل رجل عند عبد الله بن جعفر بقول الشاعر:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع
فإذا أصبت صنيعة فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو أودع
فقال عبد الله بن جعفر: هذان البيتان يبخلان الناس، لا.
ولكن أمطر المعروف إمطارا، فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا، وإن أصاب اللئام كنت له أهلا.
كان يقال: من أسلف المعروف كان ربحه الحمد.
قال عمرو بن العاص: في كل شيء سرف إلا في ابتناء المكارم أو اصطناع معروف، أو إظهار مروءة.
وكان يقال: كما يتوخى للوديعة أهل الأمانة والثقة، كذلك ينبغي أن يتوخى بالمعروف أهل الوفاء والشكر.
كان يقال: إعطاء الفاجر يقويه على فجوره، ومسألة اللئيم إهانة للعرض، وتعليم الجاهل زيادة في الجهل، والصنيعة عند الكفور إضاعة النعمة، فإذا هممت بشيء من هذا، فارتد الموضع قبل الإقدام على الفعل.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الصنيعة لا تكون إلافي ذي حسب أو دين، كما أن الرياضة لا تكون إلا في نجيب ".
مكتوب في التوراة:افعل إلى امرئ السوء خيرا يجزك شرا.
كان يقال: صاحب المعروف لا يقع، فإذا وقع أصاب متكئا.
قال الشاعر:
ودون الندى في كل قلب ثنية ... لها منجد حزن ومنحدر سهل
يود الفتى في كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أن نائله جزل
كان الحجاج بن يوسف يقول: خير المعروف ما أنعشت به الكرام.
كان يقال: من لم يرب معروفه فكأنه لم يصطنعه.
كان يقال: أحي معروفك بإماتته.
كتب أرسطو طاليس إلى الإسكندر: املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، وطلبك ذلك منها بالإحسان أدوم بقاء لإحسانك منه باعتسافك، وأعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول، قدرت على أن تفعل، فاجهد ألا تقول تسلم من أن تفعل.
كان يقال: اتق أن يسد عنك طريق المعروف بالكفر أو بالمن، فإن المن يفسد الصنيعة والكفر يمحوها، والشكر يمحوها والشكر يجلب النعمة.
قال الشاعر:
أفسدت بالمن ماأوليت من حسن ... ليس الكريم بما أسدى بمنان
وقال الحسن بن هانئ:
فامض لا تمنن علي يدا ... منك المعروف من كدره
قال معاوية ليزيد: يابني اتخذ المعروف منالا عند ذوي الأحساب تشتمل به مودتهم، وتعظم في أعينهم، وتكف به عاديهم، وإياك والمنع، فإنه ضد المعروف.
كان يقال: حصاد من يزرع المعروف في الدنيا، اغتباط في الآخرة.
ذم أعرابي رجلا، فقال: كان سمين المال، مهزول المعروف.
قال الزهيري: من زرع معروفا حصد خيرا، ومن زرع شرا حصد ندامة.
قال الشاعر:
من يزرع الخير يحصد ما يسر به ... وزارع الشر منكوس على الرأس
وقال الراجز:
من يزرع الخير يحصد حصاده ... موفرا يوما إذا ماأراده
قال بشر بن أبي خازم:
وأيدي الندى في الصالحين فضول
وقال الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وقال عبد الله بن مبارك رضي الله عنه:
يد المعروف غنم حيث كانت ... تحملها شكور أو كفور
ففي شكر الشكور لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: أسرع الذنوب عقوبة كفر المعروف.
ولابن دريد وقيل إنه أنشدها:
وماهذه الأيام معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود
فإنك لا تدري بأية بلدة ... تموت ولاما يحدث الله في غد
قال بزرجمهر: خير أيام المرء ما أغاث فيه المضطر، واحتسب فيه الأجر، وارتهن فيه الشكر، واسترق فيه الحر.
جمع كسرى مرازبته وعيون أصحابه، فقال لهم: على أي شيء أنتم أشد ندامة؟ قالوا: على وضع المعروف في غير أهله، وطلب الشكر ممن لا يشكره.
قال الشاعر:
وزهدني في كل خير منعته ... إلى الناس ماجربت من قلة الشكر
وقال آخر:
الناس من شاكر للعرف محتمل ... ومن كفور لما أوليته زمر
فابسط يد الجود تحمل بعض نائلها ... وإنما الناس والمعروف كالغرر
وقال آخر:
ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
قال المهلب: عجبت لمن يشتري المماليك بماله، ولا يشتري الأحرار بمعروفه.
وقال: ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرم حرا تملكه.
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
قال عبد مناف: دواء من لم يصلحه الإكرام الهوان.
قال الشاعر:
من لم يؤدبه الجمي ... ل ففي عقوبته صلاحه
وقال محمود الوراق:
فكرت في المال وفي جمعه ... فكان ما يبقى هو الفاني
وكان ما أنفقت في أوجه ال ... بر بمعروف وإحسان
هو الذي يبقى وأجزى به ... يوم يجازى كل إنسان
ومن فساد العرف إحصاؤه ... وذكره في كل إبان
فانشر إذا أوليت عرفا وإن ... أوليته فاستر بنسيان