أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الصديق والعدو

قال جعفر بن محمد: لقد عظمت منزلة الصديق حتى عند أهل النار، ألم تسمع إلى قوله الله تعالى حاكيا عنهم: " فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم ".

قال على بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ صديقه في غيبته وبعد وفاته.

قال سويد بن الصامت:

ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري

مقالته كالشهد ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغره النحر

تبين لك العينان ما هو كاتم ... من الشر بالبغضاء والنظر الشزر

يسرك باديه وتحت أديمه ... تميمة غش تبترى عقب الظهر

فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالى من يريش ولا يبرى

كان أبو العباس السفاح إذا تعادى اثنان من أهل بطانته لا يسمع من أحد منهما في صاحبه شيئا،وإن كان عدلا،ويقول:العداوة تزيل العدالة.

كان يقال:لا تجالس عدوك فإنه يحفظ عليك عيوبك،ويماريك في صوابك.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:ابذل لصديقك كل المودة،ولا تبذل له كل الطمأنينة،وأعطه من نفسك كل المواساة،ولا تفضي إليه بكل الأسرار.

روى عن على بن الحسين رحمه الله،أنه قال:لا يكون الصديق صديقا حتى بقطع لأخيه المؤمن قطعةمن دينه يرقعها بالاستغفار.

قال غيره:من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا،ولعدو صديقه عدوا.

قال يزيد بن الحكم الثقفي:

تصافح من لا قيت لي ذا عداوه ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوى

في أبيات قد ذكرتها في باب البغي والحسد وغيره،وفي رواية أخرى:

عدوك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوى

وقال آخر:

عدو صديقي داخل في عداوتي ... وإني لمن ود الصديق ودود

فلا تقترب مني وأنت عدو من ... أصادقه فالخير منك بعيد

وقد أنشد المبرد هذين البيتين على قافية القاف على ما رواه شيخنا عيسى عن ابن مقسم،قال:أنشدني أبو على إسماعيل بن محمد الصفار،قال:أنشدني أبو العباس المبرد:

صديق عدوى داخل في عداوتي ... وإني على ود الصديق صديق

أعادي الذي عادى وأهوى له الهوى ... كأني منه في هواه شقيق

وقال العتابي:

تود عدوى ثم تزعم أنني ... صديقك إن الرأي عنك لعازب

وليس أخي من ودني رأى عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب

قال آخر:

إذا والى صديقك من تعادى ... فقد عاداك وانقطع الكلام

قال معاوية: النبل مؤاخاة الأكفاء، ومداجاة الأعداء.

قيل لعبد الحميد الكاتب: أيما أحب إليك أخوك أو صديقك؟ قال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي.

قال بعض العلماء أهل المدينة: من ثقل على صديقه خف على عدوه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه مالا يعلمون.

عذل رجل رجلا، فقال: أراك رطب اللسان من عيوب أصدقائك، فلا تزدهم في أعداءك، فإن الصديق يحول بالجفاء عدوا، وكذلك العدو يحول بالصلة صديقا.

كان يقال: لا تجترئ على عداوة رجل بصداقة ألف.

قال الشاعر:

تكثر من الإخوان ما استطعت أنهم ... بطون إذا استنجدتهم وظهور

وليس كثيرا ألف خل وصاحب ... وإن عدوا واحدا لكثير

ومما أنشده المبرد:

ترفع عن مخاشنة الصديق ... ولا تلج العدو إلى مضيق

وإن يسنح من المعروف شئ ... فبادر خوف إمكان الطريق

وأحسن من مجاهدة الأعادي ... مجاهدة النفوس على الحقوق

كان المغيرة بن شعبة يقول: إن أنكأ لعدوك ألا تعلمه أنك أتخذته عدوا.

سئل أعرابي عن ابن العم، فقال: عدوك وعدو عدوك.

كان يقال: من سعادة المرء أن يرى عدوه خلفه في حياته، ويقدمه أمامه في وفاته.

كان يقال: لا تلتمس معاونة ذي عداوة بإعطائه فضل قوة يستكثر بها عليك في مخالفتك.

جمع كسرى يوما مرازبته وعيون أصحابه، فقال لهم: من أي شئ أنتم أشد حزرا؟ قالوا من العدو الفاجر، والصديق الغادر.

قال موسى بن جعفر: أتق العدو، وكن من الصديق على حذر فإن القلوب إنما سميت قلوبا لتقلبها.

منصور الفقيه:

احذر مودة ماذق ... مزج المرارة بالحلاوه

يحصى الذنوب عليك أيام الصداقة للعداوه وقال جحظة البرامكي:

لا تعدن للزمان صديقا ... وأعد الزمان لللأصدقاء

قال آخر:

دار الصديق إذا أستشاط تغضبا ... فالغيظ يخرج كامن الأحقاد

ولربما كان التغيظ باحثا ... لمعايب الأباء والأجداد

استعدى أعرابي على بلاد ابن جرير بن الخطفي إلى قثم بن العباس فقال:

أعوذ بالعباس وحقوى محمد ... وحقويك من طول الأذى والغوائل

فإن بلالا يابن عم محمد ... عدو إذا جاملته لم يجامل

إذا نال يوما رشوة من مخاصم ... رمى كل حق أدعيه بباطل

قال ابن وكيع:

ليس بالمنكر انقلاب صديق ... ربما غص شارب بالشراب

وتلاقى الأخوان بعد فساد كتلاقي ... كتلاقي الأرواح بعد الذهاب

لا تضيع مودة من صديق ... فانقلاب الصديق شر انقلاب

قال آخر:

وروعت حتى ما أراع من النوى ... وإن بان جيران على كرام

فقد جعلت نفسي على النأى تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام

وقال صالح بن عبد القدوس:

إذا وتر امرءا فاحذر عداوته ... من أن يزرع الشوك لا يحصد به عنبا

إن العدو وإن أبدي بشاشته ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا

قال الصاحب بن عباد:

لقد صدقوا والراقصات إلى مني ... بأن مداراة العدى ليس تنفع

ولو أنني دارأت عمري حية ... إذا استمكنت يوما من اللسع تلسع

وقال آخر:

ليس الصديق الذي إن زال صاحبه ... يوما رأى ذنبا غير مغفور

إن الصديق الذي تلقاه يعز في ... ما ليس صاحبه فيه بمعذور

وقال آخر:

كان صديقي وكان خالصتي ... أيام نجري مجاري السوق

قال أبو تمام الطائي:

وحسبك حسرة لك من صديق ... رأيت زمامه بيدي عدو

قال العطوي:

إذا أنكرت أخلاق الصديق ... فلست من التحير في مضيق

طريقا كنت تسلكه سليما ... فأسبع فاجتنبه إلى طريق

فإن قابلت يسرى منه عسرى ... فراجع من قطعت من الصديق

وقال عبد بني الحسحاس:

رأيت الحبيب لا يمل حديثه ... ولا ينفع المشنوء أن يتوددا

وقال زياد اللأعجم:

عدوك مسرور وذو الود بالذي ... أتى منك من غيظ على كظيظ

تلين لأعل الغل والغمز منهم ... وأنت على أهل الصفاء غليظ

نسى لما أوليت من صالح مضى ... وأنت لتأنيب على حفيظ

وسميت غياظا ولست بغائظ ... عدوا ولكن الصديق يغيظ

وقال أبو الطيب:

وأرحم أقواما من العى والغبا ... وأعذر في بغضي لأنهم ضد

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له من صداقته بد

وقال آخر:

شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم

وقال منصور الفقيه:

إذا تخلفت عن صديق ... فلم يعاتبك في التخلف

فلا تعد بعدها إليه ... فإنما وده تكلف

وإن تعد بعدها إليه ... فلا تلمه على التصلف

وقال آخر:

إذا كتم الصديق أخاه سرا ... فما فضل الصديق على العدو

وقال ابن الرومى:

عدوك من صديقك مستفاد ... فأقلل ما استطعت من الصحاب

فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب

وإنك قلما استكثرت إلا ... وقعت على ذئاب في ثياب

فدع عنك الكثير فكم كثير ... يعاب وكم قليل مستطاب

وما اللجج الملاح بمرويات ... وتلقى الرى في النطف العذاب

إذا انقلب الصديق غدا عدوا ... مبينا والأمور إلى انقلاب

وقال منصور الفقيه:

احذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة

فلربما انقلب الصديق ... فكان أعلم بالمضرة

قال آخر:

كن من صديقك خائفا ... فلربما حال الصديق

وقال أخر:

أحذر صديقك لا عدوك إنما ... مستور سرك عند كل صديق

قال أبو بكر الخالدى:

ما في زمانك ما يعز وجوده ... إن رمته إلا صديق مخلص

وقال الكميت يخاطب بني العباس:

إذا نحن خفنا في زمان عدو كم ... وخفنا كم إن البلاء لراكد

وقال آخر:

وبغضك للتقى أقل ضرا ... وأسلم من مودة ذي الفسوق

ولن تنفك تحسد أو تعادى ... فأكثر ما استطعت من الصديق

خالفه ابن الرومي فقال:

عدوك من صديقك مستفاد ... فأقلل ما استطعت من الصديق

فإن الداء أكثر ما تراه ... من الأشياء تحلو في الحلوق

أكثر رجل على رجل بالسلام وقال له: أنا صديقك.
قال: وكيف؟ قال: لأني أسلم عليك.
فأنشأ يقول:

لئن كان من قال السلام عليكم ... يعد صديقا فالصديق كثير

وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:

لا تهن للصديق تكرمه ... نفسك حتى تعد من خوله

يحمل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله

ليس الفتى بالذي يحول عن ال ... عهد ويؤتي الصديق من قبله

ولست مستبقا أخا لك لا ... تصفح عن جهله رعن زلله

وقال آخر:

إن الصديق فلا تأمن بوائقه ... أسواء العدو إذا ما سؤته أثرا

وقال رجل من بنى سليم:

لعمرك إنني وأبا رباح ... على حال التكاثر شر منذحين

فأبغضه ويبغضنى وأيضا ... يراني دونه وأراه دوني

فلو أنا على حجرذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين

وقال المتلمس:

أحارث أنا لو تشاط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمس دم دما

وقال آخر:

إذا كنت مما لا ترى نافعا ... صديق ولا بالعدو تضر

فسيان إن مت أو إن حييت ... فلا ذا يسوء ولا ذا يسر

لأبي عيينة المهلب، أو علي بن جبلة:

ولما رأيتك لا فاجرا ... قويا ولا أنت بالزاهد

وليس عدوك بالمتقي ... وليس صديقك بالحامد

دخلت بك السوق سوق الرقيق ... وناديت هل فيك من زائد؟

فما جائني رجل واحد ... يزيد على درهم واحد

سوى رجل حان منه الشقا ... ء وحلت به دعوة الوالد

محاط به معه درهم ... ردئ فأقبل كالراصد

فبعتك منه بلا شاهد ... مخافة ردك بالشاهد

وأبت إلى منزلي غانما ... وحل البلاء على الناقد

وقال آخر:

سأصبر من صديقي إن جفاني ... على كل الأذى إلا الهوانا

قال العطوى:

إذا ما الحر فاز بحسن حال ... أجاز صديقه من سوء حال

إذا أثرى رأى حقا عليه ... له الإفضال من قبل السؤال

لعمرك ما رأيت فتى كريما ... يحب المال إلا للنوال

أبا حسن ثكلت الحزم فيما ... أحاول من مقالي أو فعالى

لقد كذبت ظنوني فيك أن لم ... أتب من حسن ظني بالرجال

وقال آخر:

إذا ما المرء كان له صديق ... فبر صديقه فرض عليه

فإن عنه الصديق أقام يوما ... فوجه البر أن يسعى إليه

وإن كان الصديق قليل مال ... يضيق بذرعه ما في يديه

فمن أسنى فعال المرء ألا ... يضن على الصديق بما لديه

وقال آخر:

ما ضاقت النفس على شهوة ... ألذ من ود صديق أمين

من فاته ود أخ صالح ... فذلك المغبون حق اليقين

عبد الله طاهر،ويروى لعلى بن الجهم،وهي له لا غيره،حدثنا عبد الوارث،حدثنا قاسم بن أصبغ،حدثنا أبو عيسى الأعمى الخباز ببغداد،قال:أخبرني يحيى بن المعلم،قال:مررت بعلي بن الجهم،وقد أذن لصلاة الظهر،وقد دخل المسجد يريد أن يركع،فسلمت عليه وقلت له:لا يمكنني أن أقيم حتى تصلى لأني مبادر،قال:فيم ذا؟ فقلت:أبيع قميصي هذا وأكافئ به صديقا له قبلى يد.

قال:فلم أمش إلا قليلا حتى ردني،فقال لي:اكتب وأنشدني:

أميل مع الصديق على ابن أمي ... وأحمل للصديق على الشقيق

وإن ألفيتني ملكا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق

أفرق بين معروفي ومني ... وأجمع بين مالي والحقوق

قالوا:أحذر من وترته وإن أحسنت إليه،ومن أوحشته فلا تثق به.

قال الشاعر:

إذا وترت امرءا فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عبنا

إن العدو وإن أبدي بشاشته ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا

وقد تقدم في باب التودد إلى الناس أبيات تصلح في هذا الباب،فلم أروجها لتكرارها.

فصول الكتاب · 124 فصل · 256 صفحة
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد اللسان وفضل البيانباب ذم العي وحشو الكلامباب في اجتناب اللحن وتعلم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصمت وذم المنطقباب من مزدوج الكلامباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةباب الرزقباب الحرص والأملباب الطمع واليأسباب ذم السؤالباب انتظار الفرجباب الجد والحدباب المال حمدا وذماباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدينباب الاقتصاد والرفقباب السفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرسول ﷺباب الهديةباب الجارباب الضيفباب المعروفباب الشكرباب في طلب الحاجاتباب السلطان والسياسةباب الكتاب والكتابةباب الظلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطبباب الطاعة والمعصيةباب الغيبة والنميمةباب البغي والحسدباب السباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتيهباب التواضع والإنصافباب الرأى والمشورةباب كتمان السر وإفشائهباب الحرب والشجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيون من المدحباب عيون من الذمباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحق والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسؤددباب حمد الحلم وذم السفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرجالباب التودد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصديق والعدوباب جامع متخير في الإخوانباب العتابباب الثقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءباب اللباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثة من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
بهجة المجالس وأنس المجالس
تأليف ابن عبد البر
تقدّمك في الكتاب: باب الصديق والعدو — 78 من 124
جارٍ التحميل