باب الجار
قالت عائشة: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: " إلى أقربهما بابا ".
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يؤمن جار حتى يأمن جاره بوائقه " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ".
كان داود عليه السلام يقول: اللهم إني أعوذ بك من جار سوء، عينه ترعاني، وقلبه لا ينساني.
مكتوب في التوراة: إن أحسد الناس لعالم وأنعاه عليه قرابته وجيرانه.
وقال عكرمة: أزهد الناس في عالم جيرانه.
قال رجل لسعيد بن العاص: والله إني لأحبك.
فقال له: ولم لا تحبني ولست بجار لي ولا ابن عم.
كان يقال: الحسد في الجيران، والعدواة في الأقارب.
روى يحيى بن يحيى الباجي، قال حدثني محمد بن الفضل المكي.
قال حدثني أبي عن إبراهيم عن عبد الله، قال: مر مالك بن أنس بقينة تغني شعر مسلم:
أنت أختي وأنت حرمة جاري ... وحقيق علي حفظ الجوار
إن للجار إن تغيب غيبا ... حافظا للمغيب والأسرار
ما أبالي أكان للباب ستر ... مسبل أم بقي بغير ستار
فقال مالك: علموا أهليكم هذا ونحوه.
وعن مالك، أيضا، قال مالك بن أنس، قال أبو حازم: كان أهل الجاهلية أحسن جوارا منكم، فإن قلتم: لا.فبيننا وبينكم قول شاعرهم:
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضر جارا لي أجاوره ... ألا يكون لبيته ستر
أعمى إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي الخدر
قال أبو عمر: هذا الشاعر مسكين الدارمي.
وقال آخر:؟ أقول لجاري إذ أتاني معاتبا مدلا بحق أو مدلا بباطل
إذا لم يتصل خيري وأنت مجاوري ... إليك فما شري إليك بواصل
قال الأصمعي: ومن أحسن ما قيل في حسن الجوار:
جاورت شيبان فاحلولى جوارهم ... إن الكرام خيار الناس للجار
من كلام علي رحمه الله: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، أخذه الشاعر فقال:
يقولون قبل الدار جار مجاور ... وقبل الطريق النهج أنس رفيق
وقال آخر:؟
اطلب لنفسك جيرانا تجاورهم ... لا تصلح الدار حتى يصلح الجار
وقال آخر:
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعرفوا جارا هناك ينغص
فقلت لهم كفوا الملام فإنها ... بجيرانها تغلو الديار وترخص
قال الحسن البصري رحمه الله: إلى جنب كل مؤمن، منافق يؤذيه.
وقال بشار بن بشر المجاشعي:
وإني لعف عن زيارة جارتي ... وإني لمشنوء لدى اغتيابها
إذا غاب عني بعلها لم أكن لها ... زؤورا ولم تأنس إلي كلابها
ولم أك طلابا أحاديث سرها ... ولا عالما من أي جنس ثيابها
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من حق الجار أن تبسط له معروفك وتكف عنه أذاك.
قال علي للعباس رضي الله عنهما: مابقي من كرم أخلاقك؟ قال: الإفضال على الإخوان وترك أذى الجيران.
كان يقال: ليس من حسن الجوار ترك الأذى، ولكنه الصبر على الأذى.
قال منصور الفقيه يمدح بعض إخوانه من جيرانه:؟ يا سائلي عن حسين وقد مضى أشكاله
أقل ما في حسين ... كف الأذى واحتماله
قال الحطيئة:
لعمرك ما المجاور في كليب ... بمقصى في الجوار ولا مضاع
هم صنعوا لجارهم وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصناع
ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع
وقال الحسن بن عرفطة:
ولم أر مثل الجهل يدعو إلى الردى ... ولا مثل جار السوء يكره جانبه
وقال آخر:
لا يأمن الجار شرا في جوارهم ... ولا محالة من شتم وألقاب
ومثل هذا قول الآخر:
أجل العشيرة إما حضرت ... ولا أتعلم ألقابها
وقال حاتم الطائي ويروى لغيره:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما عملت الزاد فاتخذي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي
بعيدا قصيا أو قريبا فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد
وقال غيره:
سقيا ورعيا لأقوام نزلت بهم ... كأن دار اغترابي عندهم وطني
إذا تأملت من أخلاقهم خلقا ... علمت أنهم من حيلة الزمن
وقال ابن حبناء:
إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي ... له مركب فضل فلا حملت رجلي
ولم يك من زادي له نصف مزودي ... فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا رحل
شريكين فيما نحن فيه وقد أرى ... علي له فضلا بما نال من فضلي
ويروى لحاتم الطائي.
تذاكر أهل البصرة من ذوي الآداب والأحساب في أحسن ما قاله المولدون في حسن الجوار من غير تعسف ولا تعجرف، فأجمعوا على بيتي أبي الهندي وهما:
نزلت على آل المهلب شاتيا ... غريبا عن الأوطان في زمن محل
فما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وبرهم حتى حسبتهم أهلي