أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب النظر إلى الوجه الحسن

قال الله عز وجل " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم "، " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ".

ومنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفضل بن العباس وهو رديفه، عام حجة الوداع، من النظر إلى الخثعمية، وصرف وجهه عنها.

ومنع بعض أصحابه الدخول عليه من أجل صفية زوجته، وقال لهم: إنها صفية.

ومنه امرأتين من نسائه من النظر إلى ابن أم مكتوم، فقالتا: أليس أعمى؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟.

قال عقيل بن علفة: لأن ينظر إلى ابنتي مائة رجل خير من أن تنظر هي إلى رجل واحد.

نظر أبو حازم بن دينار إلى امرأة حسناء ترمى الجمار أو تطوف بالبيت، وقد شغلت الناس بالنظر إليها لبراعة حسنها، فقال لها: أمة الله! خمري وجهك، فقد فتنت الناس، فهذا موضع رغبة ورهبة.
فقالت له: إحرامي في وجهي أصلحك الله يا أبا حازم، وأنا من اللواتي قال فيهن العرجي:

من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن التقى المغفلا

فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله ألا يعذب هذه الصورة الحسنة بالنار، فقيل له: أفتنتك يا أبا حازم، فقال: لا، ولكن الحسن مرحوم.

هكذا روينا هذا الخبر عن أبي حازم من وجوه بألفاظ مختلفة ومعنى متقارب.

وذكر المدائني عن عبد الله بن عمر العمري، قال: خرجت حاجا فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام أرفثت فيه، فأدنيت ناقتي منها، وقلت: يا أمة الله! ألست خاجة؟ أما تخافين الله؟ فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا، ثم قالت: تأمل يا عمري، فإني ممن عناه العرجي بقوله:

أماطت كساء الخز عن حر وجهها ... وأدنت على الخدين بردا مهلهلا

من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا

وترمى بعينيها القلوب ولحظها ... إذا ما رمت لم تخط منهن مقتلا

قال: فقلت: فأنا أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار، قال: وبلغ ذلك سعيد بن المسيب؛ فقال: أما والله لو كان من أهل العراق، لقال: اغربي قبحك الله، ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز.

قال عبد الله بن طاهر:

وجه يدل الناظرين ... عليه في الليل البهيم

فكأنه روح الحيا ... ة يهب مسكي النسيم

في خده ورد الجما ... ل يعل من ماء النعيم

سقم الصحيح المستقل ... وصحة الرجل السقيم

نظر رجلان إلى جارية حسناء في بعض طرق مكة فمالا إليها فاستسقياها ماء، لسقتهما فجعلا يشربانه ولا يسيغانه فعرفت ما بهما فجعلت تقول:

هما استسقيا ماء على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما

فعجبا من ذلك ودفعا الإناء إليها فمرت وهي تقول:

وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر

وقال آخر:

خليلي للبغضاء عين مبينة ... وللحب آيات ترى ومعارف

ألا إنما العينان للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب يألف

يحب ويدنى من يقل خلافه ... وليس بمحبوب حبيب مخالف

قال آخر:

ومالك منها غير أنك رائد ... بعينيك عينيها فهل ذاك نافع

دخل الشعبي على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا شعبي! بلغني أنه اختصم إليك رجل وامرأته، فقضيت للمرأة على زوجها، فقال فيك شعرا، فأخبرني بقصتيهما وأنشدني الشعر إن كنت سمعته.
فقال: يا أمير المؤمنين! لا تسألني عن ذلك.
فقال: عزمت عليك لتخبرني.
قال: نعم، اختصمت إلى امرأة وبعلها، فقضيت للمرأة إذ توجه لها القضاء، فقام الرجل وهو يقول:

فتن الشعبي لما ... رفع الطرف إليها

بفتاة حين قامت ... رفعت مأكمتيها

ومشت مشيا رويدا ... ثم هزت منكبيها

فتنته بقوام ... وبخطى حاجبيها

وبنان كالمداري ... واسوداد مقلتيها

قال للجلواز قرب ... هاوأحضر شاهديها

فقضى جورا علينا ... ثم لم يقض عليها

كيف لو أبصر منها ... نحرها أو ساعديها

لصبا حتى تراه ... ساجدا بين يديها

بنت عيسى بن حراد ... ظلم الخصم لديها

قال عبد الملك: فما صنعت يا شعبي؟ قال: أوجعت ظهره حين جورني في شعره.

هذا ما رواه سفيان بن عيينة، عن سالم بن أبي حفصة، عن الشعبي، وهو أصح إسناد لهذا الخبر.
وذكر الهيثم بن عدي، قال: خاصمت أم جعفر بين عيسى بن حراد زوجها إلى الشعبي، فلما قامت بين يديه، قيل لها: ما صعنت؟ قالت: سألني البينة، ومن سأل البينة فقد فلج، ثم قضى لها، فقال هذيل الأشجعي:

فنن الشعبى لما ... رفع الطرف إليها

وذكر الأبيات: وفي رواية الهيثم بن عدي: أن الشعر لهذيل الأشجعي فيها، فبلغ ذلك الشعبي، فقال: أبعده الله، ما قضينا إلا بحق.
قال الهيثم: فحدثني ابن أبي ليلى، قال: خرجنا مع الشعبي من المسجد، وقد قام من مجلس القضاء، فمررنا بجارية تغسل في إجانة فلما رأت الشعبي قالت:

فتن الشعبي لما

فقال الشعبي:

رفع الطرف إليها

خاصم الوليد بن صريع، مولى عمرو بن حريث، أخته أم كلثوم ابنة صريع إلى عبد الملك بن عمير، قاضي الكوفة، وكان يقال له: القبطي، لفرس كان له فقضى لها على أخيها، فقال هذيل الأشجعي:

لقد عثر القبطي أو زل زلة ... وما كان منه لا العثار ولا الزلل

أتاه وليد بالشهود يقودهم ... على ما ادعى من صامت المال والخول

يقود إليه كلثما وكلامها ... شفاء من الداء المخامر والخبل

فأدلى وليد عند ذاك بحجة ... وكان وليد ذا مراء وذا جدل

وكان لها دل وعين كحيلة ... فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل

فأفتنت القبطي حتى قضى لها ... بغير قضاء الله في محكم الطول

فلو أن من في القصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطي يوما على عمل

له حين يقضي للنساء تخاوص ... وكان ومات فيه التخاوص والحول

إذا ذات دل كلمته بحاجة ... فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل

وبرق عينيه ولاك لسانه ... ويرى كل شيء ما خلا شخصها خلل

فبلغ ذلك عبد الملك بن عمير، فقال: ما لهذيل أخزاه الله؟ والله لربما جاءتني النحنحة أو السعلة وأنا في المتوضأ فأردها مخافة ما قال.

لعبد الله بن سليمان النحوي المكفوف:

تقول من للعمى بالحسن قلت لها ... كفى عن الله في تحقيقه الخبر

القلب يدرك مالا عين تدركه ... والحسن ما استحسنته النفس لا البصر

وما العيون التي تعمى إذا نظرت ... بل القلوب التي يعمى بها النظر

وقال أيضا ينقضه:

ما إن يمتع بالمعشوق عاشقه ... سمع إذا لم يمتعه به البصر

وكل قلب له حب يقلبه ... وأعذب الحب ما أحباكه النظر

ولو تكافي الهوى مرأى ومستعما ... لما تباينت الأصوات والصور

أنشد إسحق بن إبراهيم لعمر بن أبي ربيعة في محمد بن عروة بن الزبير، وكان جميلا:

إني امرؤ مولع بالحسن أتبعه ... لاحظ لي فيه إلا لذة النظر

وقال محمود الوراق:

من أطلق الطرف اجتنى شهوة ... وحارس الشهوة غض البصر

والطرف للقلب لسان فإن ... أراد نطقا فليكر النظر

يفهم بالعين عن العين ما في ال ... قلب من مكنون خير وشر

يطوي لسان المرء أخباره ... والطرف لا يملك طي الخبر

وقال آخر:

لا تكثرن تأملا ... واملك عليك عنان طرفك

فلربما أرسلته ... فرماك في ميدان حتفك

وقال أعرابي:

نظرت إليها نظرة ما يسرني ... وإن كنت محتاجا بها ألف درهم

قال شيخ من بني نمير: نظرت إلى مولدة باليمامة، فقالت: ملأت عينيك وملك غيرك.

وقال ذو الرمة:

على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا

ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... ولو كان لون الماء أبيض صافيا

وقال بعض الأعراب:

جزى الله البراقع من ثياب ... عن الفتيان شرا ما بقينا

يوارين الملاح فلا أراها ... ويوهمن القباح فيزدهينا

وقال آخر:

لقد أعجبتها نفسها فتملحت ... بأي جمال ليت شعرى تملح

وقال إسماعيل القراطيسي:

وقد أتاني خبر راعني ... من قولها في السر واضيعتاه

أمثل هذا يبتغى وصلنا ... أما يرى ذا وجهه في المراه

وقال عباس بن الأحنف:

همت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المراة نهاها وجهها الحسن

ما كان هذا جزائي من محاسنها ... أغرت بي الشوق حتى شفني الشجن

كان يقال: أربعة تزيد في البصر: النظر إلى الوجه الحسن، وإلى الخضرة وإلى الماء الجاري، والنظر في المصحف.

دخل الشعبي سوق الرقيق، فقيل له: هل من حاجة؟ فقال: حاجتي صورة حسنة، يتنعم فيها طرفي، ويلتذ بها قلبي، وتعينني على عبادة ربي.

أدام إبراهيم النظام النظر إلى جارية حسناء، فقال مولاها: أراك تديم النظر إليها، فقال: مالي لا أتأمل منها ما أحل الله، وفيه دليل على حكمة صنعة الله، ومعه اشتياق إلى ما وعد الله.

قال الحسن البصري: ينبغي للوجه الحسن ألا يشين وجهه بقبيح فعله وينبغي لقبيح الوجه ألا يجمع بين قبيحين.

قال الشاعر:

إن حسن الوجه يحتا ... ج إلى حسن فعال

حاجة الصادي من الما ... ء إلى العذب الزلال

فصول الكتاب · 124 فصل · 256 صفحة
الانتقال إلى صفحة
بهجة المجالس وأنس المجالس
تأليف ابن عبد البر
تقدّمك في الكتاب: باب النظر إلى الوجه الحسن — 91 من 124
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد اللسان وفضل البيانباب ذم العي وحشو الكلامباب في اجتناب اللحن وتعلم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصمت وذم المنطقباب من مزدوج الكلامباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةباب الرزقباب الحرص والأملباب الطمع واليأسباب ذم السؤالباب انتظار الفرجباب الجد والحدباب المال حمدا وذماباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدينباب الاقتصاد والرفقباب السفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرسول ﷺباب الهديةباب الجارباب الضيفباب المعروفباب الشكرباب في طلب الحاجاتباب السلطان والسياسةباب الكتاب والكتابةباب الظلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطبباب الطاعة والمعصيةباب الغيبة والنميمةباب البغي والحسدباب السباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتيهباب التواضع والإنصافباب الرأى والمشورةباب كتمان السر وإفشائهباب الحرب والشجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيون من المدحباب عيون من الذمباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحق والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسؤددباب حمد الحلم وذم السفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرجالباب التودد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصديق والعدوباب جامع متخير في الإخوانباب العتابباب الثقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءباب اللباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثة من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
جارٍ التحميل