أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب من نوادر الأخبار

أخبرنا أحمد بن عمر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا علي بن عمرو، حدثنا أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن إبراهيم الكاتب الحكمي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: حدثنا محمد ابن يزيد بن سنان الزيادي، قال: حدثنا شرقي بن قطامي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لهم: فيكم أحد من إياد؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل لكم علم بقس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: هلك يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كأني أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر، يقول: أيها الناس! اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، أما بعد: فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، نجوم تغور وتمور، ونجوم تغور ولا تمور، وسقف ومرفوع، ومهاد موضوع، أقسم قس قسما، ما كذب ولا أثم، لئن كان في الأمر رضا، ليكونن بعده سخط، وما هذا بلعب، وإن من وراء هذا لعجبا، أقسم قس قسما، فما كذب ولا أثم، إن لله دينا هو أرضى من دين نحن عليه، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا.
قال النبي عليه السلام: وسمعته ينشد شعرا فأيكم يحفظه؟ فقال بعضهم: أنا.
فأنشده يا رسول الله؟ قال: نعم.
فقال:

في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر

لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر

ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغر

لا يرجع الماضي إلى ... ولا من الباقين غابر

أيقنت أني لامحا ... له حيث صار القوم صائر

بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالس مع أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيهم علي بن أبي طالب وجماعة من المهاجرين، فالتفت إليهم، فقال: إني سائلكم عن خصال فأخبروني بها، أخبروني عن الرجل بينما هو يذكر الشيء إذ نسيه، وعن الرجل يحب الرجل ولم يلقه، وعن الرؤيين إحداهما حق، والأخرى أضغاث أحلام، وعن ساعة من الليل ليس أحد إلا وهو فيها مروع، وعن الرائحة الطيبة مع الفجر، فسكت القوم.
فقال: ولا أنت يا أبا الحسن؟ فقال: بلى والله.
إن عندي من ذلك لعلما، أما الرجل بينما هو يذكر الشيء إذ نسيه، فإن على القلب طخاء كطخاء القمر، فإذا سرى عنه ذكر، وإذ أعيد عليه نسى وغفل.
وأما الرجل يحب الرجل ولم يلقه فإن الأرواح أجناد مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
وأما الرؤيا إحداهما حق والأخرى أضغاث؛ فإن في ابن آدم روحين، فإذا نام خرجت روح فأتت الحميم والصديق، والبعيد والقريب والعدو، فما كان منها في ملكون السموات فهي الرؤيا الصادقة، وما كان منها في الهواء فهي الأضغاث، وأما الروح الأخرى فللنفس والتقلب، وأما الساعة من الليل التي ليس أحد إلا وهو فيها مروع، فإن تلك هي الساعة التي يرتفع فيها البحر يستأذن في تغريق أهل الأرض، فتحسه الأرواح فترتاع له، وأما الرائحة الطيبة مع الفجر، فإن الفجر إذا طلع خرجت ريح من تحت العرش حركت الأشجار في الجنة فهي الرائحة الطيبة.
خذها يا عمر، قال: صدقت.

قال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: دخلت على عمر بن عبد العزيز، وعنده رجل من النصاري، فقال له: من تجدون الخليفة بعد سليمان قال النصراني: أنت.
قال: فأقبل عمر بن عبد العزيز علي فقال: دمي في ثيابك يا أبا عبد الله، قال: فقلت: سبحان الله! المجالس بالأمانة.
قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني من بالي، فرأيته يوما فأمرت غلامي أن يحبسه علي، وذهبت به إلى منزلي، وسألته عما يكون، وقلت: عد لي خلفاء بني مروان واحدا واحدا.
فعد لي خلفاء بني مروان واحدا واحدا.
وتجاوز عن مروان بن محمد، قال محمد بن علي، فقلت له: ثم من؟ قال: ثم ابنك من الحارثية، وهو اليوم حمل.

كتب صاحب الروم إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام وما هو؟ والثاني والثالث والرابع؟ وكتب إليه يسأله عن أكرم الخلق على الله، وعن أكرم الإماء على الله، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن المجرة، وعن القوس، وعن مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع فيه قبل ذلك ولا بعده.
فلما قرأ معاوية الكتاب قال: أخزاه الله! وما علمي بما ها هنا؟ فقيل: اكتب إلى ابن عباس، فكتب إليه ابن عباس: أفضل الكلام لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص لا عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده، صلاة الخلق، والتي تليها الحمد الله، كلمة الشكر، والتي تليها الله أكبر، فاتحة الصلوات والركوع والسجود.
وأكرم الخلق على الله آدم عليه السلام، وأكرم إماء الله مريم عليها السلام.
وأما الأربعة الذين لم يركضوا في رحم: فآدم وحواء والكبش الذي فدى به إسماعيل، وعصا موسى حيث ألقاها فصارت ثعبانا مبينا، وأما القبر الذي سار بصاحبه فالحوت الذي التقم يونس، وأما المجرة فباب السماء، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض من الغرق بعد نوح، وأما المكان الذي طلعت عليه الشمس، لم تطلع فيه قبله ولا بعده، فالمكان الذي انفرج من البحر لبني إسرائيل مع موسى عليه السلام.
فلما قدم عليه الكتاب أرسله إلى ملك الروم، فقال: لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم، وما أصاب هذا إلا من أهل بيت النبوة.

وجه ملك الروم إلى معاوية بقارورة، فقال: ابعث إلى فيها من كل شيء حي، فبعث بها إلى ابن عباس، فقال: تملأ له ماء.
فلما ورد به على ملك الروم، قال له أخوه: ما أدهاه! فقيل لابن عباس: كيف اخترت ذلك؟ قال: يقول الله عز وجل: " وجعلنا من الماء كل شيء حي ".

قال المسيب بن واضح: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: حصر حصن بخراسان فأصابوا فيه رأس إنسان، فوزنوا سنا من أسنانه فوجدوها قدر منيين، فأنشأ عبد الله يقول:

أتيت بسنين قد رمتا ... من الحصن لما أثاروا الدفينا

على وزن منيين إحداهما ... تقل به الكف شيئا رزينا

ثلاثون أخرى على قدرها ... تباركت يا أحسن الخالقينا

فماذا يقوم لأفواههم ... وما كان يملأ تلك البطونا

إذا ما تذكرت أجسامهم ... تقاصرت النفس حتى تهونا

وكل على ذاك ذاق الردى ... وبادوا جميعا فهل خالدونا

روى أسامة بن زيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخبرني عمر بن الخطاب قال: خرجت مع أناس من قريش في الجاهلية في تجارة إلى الشام، فبينما أنا في سوق من أسواقها بدمشق إذ أنا ببطريق قد جاءني فأخذ بعنقي، فذهبت أنازعه نفسي، فقيل لي: لا تفعل فليس لك منه النصف، قال: فخرجت معه فأدخلني كنيسة فإذا تراب كثير متراكم بعضه على بعض، فدفع إلى بمجرفة وفأسا وزنبيلا، فقال لي: انقل هذا التراب واحفر لي هاهنابئرا، قال: فجلست أفكر في أمري كيف أصنع، قال: فأتاني في الهاجرة وعليه سبنية قصب، أرى سائر جسده منها، ولم أحرك شيئا، فقال لي: وإنك على ما أرى ما حركت شيئا، ثم ضم كفه وأصابعه يضرب بها وسط رأسي، فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا عمر، أو قد بلغت ما أرى! قال: فقمت إليه بالمجرفة فضربت بها رأسه فنثرت دماغه وخر ميتا، وخرجت إلى الطريق، وأنا لا أدري أين أسلك من بلاد الله تعالى، فمشيت بقية يومي وليلتي من الغد حتى أصبحت، ثم انتهيت إلى دير فاستظللت بظله، فخرج إلى رجل من أهل الدير، فقال: يا عبد الله! ما يقعدك ها هنا؟: فقلت: أضللت أصحابي.
قال: والله ما أنت على طريق، وإنك لتنظر بعين خائف، قم فادخل الدير فأصب من الطعام والشراب، وأقم ما بدا لك، قال: فدخلت فأتاني بطعام وشراب وألطف لي، ثم صعد في النظر وخفضه، ثم قال: يا هذا! لقد علم أهل الكتاب أنه لم يبق على وجه الأرض رجل أعلم مني اليوم، وإني أجد صفتك، إنك الذي تخرجنا من هذا الدير، وتغلب على هذا البلاد.
فقلت: أيها الرجل! ذهبت من الأمر في غير مذهب.
قال: ما اسمك؟ قلت: عمر بن الخطاب.
قال: أنت والله الذي لا إله إلا هو صاحبنا من غير شك، فاكتب لي على ديري هذا وأهله وما فيه أمانا، قال: قلت: أيها الرجل! قد صنعت معروفا فلا تكدره، قال: إنما هو كتاب في رق، وليس عليك فيه مؤونة ولا شيء، فإن كنت صاحبنا فهو الذي أريد، وإن تكن الأخرى فأي شيء يضرك؟ قلت: هات، فكتبت له أمانا ثم ختمته ودفعته إليه.
قال: فدعا بنفقة وثوب فدفعها إلي، ثم دعا بأتان قد أوكفت، فقال: أتسمع؟ قلت: نعم.
قال: اخرج على هذه الأتان فإنها لا تمر بقوم ولا أهل دير إلا علفوها، حتى إذا بلغت مأمنك فخل عنها واضرب وجهها مدبرة، فإنها تعلف وتسقي حتى تصل.
قال: فركبتها ثم سرت عليها حتى أدركت أصحابي وهم متوجهون، فلم أمر بقوم إلا سقوها وعلفوها حتى لحقت أصحابي، فنزلت عنها، وضربت وجهها مدبرة، ثم سرت معهم حتى قدمت على أهلي.
قال أسلم: فلما قدم عمر بن الخطاب الشام أتاه ذلك الراهب في خلافته، وهو صاحب دير العدس بذلك الكتاب، فلما قرأه عمر عرفه، فقال له الراهب: ف لي بشرطي، فقال له عمر: جاء أمر غير ذلك، جاء ما ليس لعمر ولا لأبي عمر فيه شيء، فاستشار فيه عمر المسلمين، فقالوا: نرى أن تفي له يا أمير المؤمنين، قال عمر: هل عندك للمسلمين منفعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأنشأ عمر يحدثنا حديثه حتى أتى على آخره، ثم قال عمر للراهب: إن أضفتم المسلمين، وأرشدتموهم الطريق، وهديتم الضال، ومرضتم المرضى ممن يمر بكم من المسلمين فعلنا، قال: نعم يا أمير المؤمنين نفعل.
قال: فوفي له عمر.

روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، قال: خرجت في الجاهلية بتجارة إلى الشام فنزلت في بعض الطريق لقضاء حاجة، وتقدمتني القافلة، فإني لكذلك إذ أقبل إلى راهب على أتان له قد خرج في بعض الزيارات يريد فلسطين وهو يذهب عطشا، وكان يوما صائفا، فسلم على واستسقاني ماء.
ولم يكن معي غير فضلة في إداوة معلقة على كفل الفرس، فآثرته بها، وتبين له ذلك، فشكر لي فعلى، وشكا تعبا لحقه، وأنه يريد النزول والراحة قليلا، وهو خائف من الوحدة وفساد الطريق، وكأنه أراد الأنس بي.
فقلت له: انزل فإني أونسك ولا أتركك.
وكنت عارفا بالطريق، فعرجنا إلى ظل شجرة أرز فعرسنا تحتها، وقلت: أعينه، ثم ألحق القافلة بعد تعريسها بساعة، وكان له غلام ورحل قد تأخرا عنه، فكان مع ذلك ينتظر، فلما نزلنا استلقى على جنبه ونام، وركبت فرسي أطلب بعض الحياض التي كنت أعرفها لأملأ إداوتي منها، فوجدت واحدا منها فملأت الإداوة، ورجعت والراهب نائم بحاله، وإذا بثعبان عظيم يسير إليه لينهشه، فاخترطت سيفي ونزلت إليه فلحقته، وقد كاد ينقره فقتلته، وجلست أخفر الراهب إلى أن قام وقد استراح من تعبه، فعرضت عليه الماء فشرب، ونظر إلى الثعبان فهاله أمره، فعرفته أنه قصده وأني قتلته فشكر، وقال: قد أحييتني مرتين، ووجب حقك علي، قد حبست نفسك علي، ونزلت معي حتى استرحت، وآنستني من الوحدة ووحشة الطريق، وأنا مع ذلك في غربة.
ولا أدري بماذا أكافئك، ثم ركبنا وسرنا فما لحقنا القافلة إلا مساء، وطلبت رحلي وغلاما كان معي إلى أن وجدته، فأنزلت الراهب معي إلى أن أصبحنا، فجاءه غلامه ورحله، فقال لي: أين تريد؟ فعرفته أني أريد دمشق بتجارة معي، فسألني عنها فأخبرته، فقال لي: أي تريد؟ تدخل معي إلى مصر فإن لي بها حالا جميلة وجاها عريضا، ولعلي أكافئك على ما أوليتني، فإن يدي تقصر هاهناعن مكافأتك، وعلي أن أربحك في تجارتك ضعف ما تأمله من الربح منها، فوقع كلامه بقلبي، فقلت له: على أن تخرج معي من يكفلني ويحملني في طريقي، أو تضيفني إلى من يبلغني هذا هذا المكان، فإني إذا بلغته عرفت الطريق إلى موضعي.
قال: بل أردك إليه من طريق هو أقرب من طريقك هذا.
فسرت معه فرأيت رجلا جميل الصحبة والمرافقة، وكان فيه مع ذلك فهم وعلم، وكان من أبناء القبط الأولين، وكان يخبرني عن مصر وأهلها في القديم، وعن عجائبها وطلسماتها وملوكها، وخبر بخت نصر وكيف دخل البلد وأخذه بالحيلة التي تمت له حتى وصل إليه وما كان بعد ذلك، ولم نزل في أنس إلى أن دخلنا مصر، فلم نكن نمر بموضع ولا دير إلا تلقونا بالإكرام والجميل، وعدينا النيل، وسرنا حتى دخلنا الإسكندرية، فأنزلني عنده وأتاه جماعة من أهله وذوي قرابته وجماعة من وجوه أهل البلد، وكان مقدما عندهم، فسلموا عليه وهنأوه بالسلامة وقضوا حوائجه وأكرموه وأتحفوه، ولم يكن يدخل إليه أحد من أهله وغيرهم إلا أخبرهم بخبري، وأني خلصته من العطش بما كان معي من الماء، وأني آثرته على نفسي، وخبرهم بما كان من أمر الثعبان.
فما منهم أحد إلا برني وأكرمني.
واجتمعت لي دنانير كثيرة، ووجه أقاربه وباع منهم ومن غيرهم البضاعة التي كانت معي، وأفضلت فيها فضلا كثيرا، وأقمت أكثر من شهر وأنا أطوف بالإسكندرية، وأنظر إلى عجائبها ومنارها ثم استأذنته للخروج، فقال لي: إن لنا عيدا وقد حضر، فأقم عندي حتى تشاهده وأوجه معك من يخفرك إلى حدود أرض الحجاز، فأجبته إلى ذلك، وحضر العمد، وزينت كنائس الإسكندرية، وخصوا منها كنيسة مرخمة عظيمة كانوا يجتمعون إليها بأحدث الزي، وكان خارج الكنيسة أسطوان كبير واسع مفروش بالبسط، وقد جلس عليه رؤساؤهم وبطارقتهم، وكان من عاداتهم أن يضربوا خارج الأسطوان في فسيح هناك بصولجان وكرة تطير إلى ذلك الأسطوان، فمن وقعت في حجره الكرة من أولئك البطارقة والرؤساء، حكم له بولاية مصر، قال عمرو: فأجلسني وسط أولئك الوجوه والبطارقة فإني لمشغول بالنظر إليهم وإلى زيهم، وأولئك خارج الأسطوان يضربون تلك الكرة إذ طارت إلى فسقطت في حجري فأكبروا ذلك، وجعلوا يتأملوني ويعجبون مني، ومن سقوط الكرة في حجري، ثم ردوا الكرة إلى خارج، وضربوها أيضا مرة أخرى، فطارت حتى سقطت ثانية، فازدادوا عجبا، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويزمزمون بكلامهم، وأنا لا أعرف ما يقولون.
ثم

أخوجوا الكرة وضربوها مرة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمي، فزاد تعجبهم وقالوا: إن هذا الأمر يراد أو بطل فعل الكرة.
وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم، فسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز، فأذن لي في ذلك، بعد أن شرط على أن لا أترك زيارته في كل وقت يمكني، وأنفذني مع غلام له وجهزني بطريف من ثياب الوشي التي كانت تعمل بالإسكندرية، وثياب من دبيق دمياط، وأكسية رقيقة من صوف، وفصوص وغير ذلك، فانصرفت إلى أهل بوفر حال، وأخرجني الغلام من ناحية أستغني فيها عن الخفير، وكان الغلام الذي وجهه به معي يدري أمرهم، فسألته عن أمرة الكرة فعرفني أن من عاداتها ذلك اليوم، ألا يقع في حجر أحد إلا ولي مصر، وأنهم عجبوا من ذلك، وقالوا: هذا رجل عربي وغريب.
وكيف يلي هذا مصر؟! وصرفوا الأمر إلى فساد فعل الكرة، قال عمرو: فوقع في نفسي من ذلك أمر لم أعرف الوجه فيه، وسرت إلى منزلي وأنا أوفر التجار الذين خرجت معهم إلى الشام وأحسنهم حالا، وعرض في نفسي شيء من أمر مصر، فقلت: أحمل تجارة إلى بلد الروم، وأدخل إلى الملك ولعله أن يقلدني أمر مصر، ثم قلت: إن هذا النظر فاسد، وهل يترك الملك بطارقته وأصحابه ويوليني أنا وأنا عربي على غير دينه؟ فسمعت قائلا يقول: لابد لفلان من ذلك ويصير منه إلى ما يحب.
فزاد ذلك في قوة أملي في الولاية على مصر إلى أن كان من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان، وجاءته هدية المقوقس، وقال: " إنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، وجازوا أهلها بالجميل، فإنهم خؤولة إبراهيم "، فلما سمعت ذلك تحققت أنه سيكون لي يد على مصر.
وا الكرة وضربوها مرة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمي، فزاد تعجبهم وقالوا: إن هذا الأمر يراد أو بطل فعل الكرة.
وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم، فسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز، فأذن لي في ذلك، بعد أن شرط على أن لا أترك زيارته في كل وقت يمكني، وأنفذني مع غلام له وجهزني بطريف من ثياب الوشي التي كانت تعمل بالإسكندرية، وثياب من دبيق دمياط، وأكسية رقيقة من صوف، وفصوص وغير ذلك، فانصرفت إلى أهل بوفر حال، وأخرجني الغلام من ناحية أستغني فيها عن الخفير، وكان الغلام الذي وجهه به معي يدري أمرهم، فسألته عن أمرة الكرة فعرفني أن من عاداتها ذلك اليوم، ألا يقع في حجر أحد إلا ولي مصر، وأنهم عجبوا من ذلك، وقالوا: هذا رجل عربي وغريب.
وكيف يلي هذا مصر؟! وصرفوا الأمر إلى فساد فعل الكرة، قال عمرو: فوقع في نفسي من ذلك أمر لم أعرف الوجه فيه، وسرت إلى منزلي وأنا أوفر التجار الذين خرجت معهم إلى الشام وأحسنهم حالا، وعرض في نفسي شيء من أمر مصر، فقلت: أحمل تجارة إلى بلد الروم، وأدخل إلى الملك ولعله أن يقلدني أمر مصر، ثم قلت: إن هذا النظر فاسد، وهل يترك الملك بطارقته وأصحابه ويوليني أنا وأنا عربي على غير دينه؟ فسمعت قائلا يقول: لابد لفلان من ذلك ويصير منه إلى ما يحب.
فزاد ذلك في قوة أملي في الولاية على مصر إلى أن كان من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان، وجاءته هدية المقوقس، وقال: " إنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، وجازوا أهلها بالجميل، فإنهم خؤولة إبراهيم "، فلما سمعت ذلك تحققت أنه سيكون لي يد على مصر.

روى ابن جريج، قال: حدثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير، أنه قال: سمعته يقول: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ، فإذا بلغ " بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد " بكى وفاضت عيناه، ثم يطبق المصحف.
فعل ذلك ما شاء الله من الزمان، ثم قال: أي رب! أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه، فأرى في المنام مسكينا سائلا يقال له: بخت نصر ببابل، فانطلق بمال وأعبد له، وكان رجلا موسرا، فقيل له: أين تريد؟ فقال: أريد التجارة.
فنهض حتى نزل ببابل فاكتري بها منزلا ليس فيه أحد غيره، وجعل يدعو المساكين ويعطيهم ويلطف بهم حتى لم يبق أحد منهم إلا جاء، فقال: هل بقى مسكين غيركم؟ قالوا: نعم، مسكين بفج آل فلان مريض يقال له: بخت نصر.
فقال لغلمته: انطلقوا وانطلق معهم حتى أتاه، فقال له: ما اسمك؟ قال: بخت نصر، قال لغلمته: احتملوه.
فنقله إليه فمرضه حتى برا، وكساه وأعطاه نفقة، ثم أذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بخت نصر، فقال له الإسرائيلي: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت معي ما فعلت ولا أجد شيئا أجزيك به.
قال: بل شيئا يسيرا إن ملكت أطعتني.
فجعل بخت نصر يلتوي ويقول: تستهزئ بي؟ ولا يمنعه أن يعطيه ما سأل إلا أنه يستهزئ به، وأبي عليه.
فبكى الإسرائيلي وقال: لقد علمت أنه ما يمنعك أن تعطيني ما سألت إلا أن الله تعالى يريد أن ينفذ ما قضى وما قد كتبه عنده في كتابه، ثم ضرب الدهر ضرباته، فقال سيحون وهو ملك فارس ببابل: إنا لو بعثنا طليعة إلى الشام كان حسنا.
قالوا: وما يمنعك؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان.
فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف، فخرج وخرج بخت نصر في مطبخه لا يخرج إلا أن يأكل، لا همة له غير شبع بطنه، فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أرضا أكثر أرض الله خيلا ورجلا وسلاحا، فكسر ذلك في ذرعه، فلم يسأل ولحقه جزع، وجعل بخت نصر يمشي في مجالس أهل الشام فلا يدع مجلسا إلا وهو يقول لأهله: ما يمنعكم أن تغزوا بابل مع كثرة ما أرى معكم من الخيل والرجل، فلو غزو تموها لأصبتم بها المال والعيال.
قالوا: فلا نحسن القتال ولا نعرفه، حتى استنفد مجالس أهل الشام، ثم رجع إلى الطليعة ولم ينل منهم كثير نيل لما رأى، وجعل بخت نصر يقول لمن يلج على الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما يخبره فلان - يعني الطليعة - فرفع ذلك إليه، فدعاه، فأخبره الخبر، وقال: إن فلانا لما رآها أكثر أرض الله خيلا ورجلا حسبهم أجلد الناس، فكسر ذلك في ذرعه، ولم يسألهم عن شيء، وإن لم أدع مجلسا بالشام إلا جالست أهله، فقلت لهم كذا فقالوا لي كذا، فقال الطليعة لبخت نصر بعد خروجه من عند الملك: فضحتني أيها الرجل، فهل لك في مائة ألف تأخذها وتنزع عما قلت؟ قال: لو أعطيتني بيت مال بابل لما نزعت.
ثم أن الدهر ضرب ضربه، وقال الملك: لو بعثنا جريدة خيل إلى الشام، فإن وجدوا مساغا ساغوا، وإلا انهبوا ما قدروا عليه؟ قالوا: فما ضرك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان أو فلان.
قال لهم: بل الرجل الذي أخبرني بما أخبر.
فدعا بخت نصر، فأرسله وأرسل معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاءوا وخربوا ولم يقتلوا، ورمى في جنازة سيحون فمات، فقالوا: استخلفوا رجلا.
فقالوا: على رسلكم حتى يأتي أصحابكم من وجهتهم، فأمهلوا حتى جاء بخت نصر فقسم ما جاء به في الناس، فقالوا: ما رأينا أحق بالملك من هذا؟ فملكوه.
فلم ضرب له ملكه بجرانه، قال لهم يوما: موعدكم ثالثة فمن استأخر بعدها منكم فليمش إلى خشبته، فغزا الشام، فذلك حين قتل، وخرب بيت المقدس وانتزع حليته وحملها، وجعل يشرب فيها الخمور وخوانا يأكل عليها الخنازير، وحمل التوراة معه ثم ألقاها في النار، وقدم فيما قدم بمائة وصيف منهم دانييل وعزير، وكان يقال له عزريا، وحنانيا وميشائيل، فقال لإنسان: أصلح لي أجسام هؤلاء، لعلي أختار منهم أربعة يخدمونني.
فقال دانييل لأصحابه: اعلموا أنهم إنما نصروا عليكم بما غيرتم من دين آبائكم.
لا تأكلوا لحم الخنزير، ولا تشربوا الخمور.
فقالوا للذي يصلح أجسامهم: هل لك أن تطعمنا طعاما هو أهون عليك في المؤونة مما تطعم أصحابنا، فإن لم نسمن قبلهم أكثر من سمنهم رأيت رأيك؟ قال: ماذا؟ قالوا: خبز الشعير والكراث.
ففعل، فسمنوا قبل أصحابهم.
فأخذهم بخت نصر يخدمونه.
قال: فبينما

هو كذلك إذ رأى بخت نصر رؤيا، فجلس ثم نسيها، ثم عاد فرآها، ففزع فقام من نومه، ثم عاد فرقد فرآها، فخرج إلى الحجر فنسيها، فلما أصبح.
دعا العلماء والكهان، فقال: أخبروني بشيء رأيت البارحة، وإذا أخبرتموني بما رأيت.
فأولوا لي رؤياي، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته، موعدكم ثلاث.
فقالوا: هذا خبر قد أظلنا منه بلاء، فكيف بالنجاة منه، فجعل دانييل يقول كلما مر به رجل من رجاله: لو دعاني الملك لأخبرته بما رأى وأولت ذلك.
فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي! إلى أن مر به كهل فقال ذلك له، فرفعه إلى الملك وقال له: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تمثالا.
قال: إيه.
قال: ورأسه من ذهب.
قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه: قال وصدره من حديد.
قال: إيه.
قال وبطنه من صفر.
قال: إيه: قال ورجلاه من آنك.
قال: إيه.
قال: وقدماه من فخار.
قال: نعم، هذا الذي رأيت.
قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه فأهلكته، قال: نعم، فما تأويل هذا؟ قال: أما الذهب فملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، وأما الفخار فملك النساء.
فكساه جبة سبنية وسوره وأجازه وأمر أن يطاف به في القرية، وأخبر أن خاتمة جائز على ما ختم، فلما رأت ذلك فارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي فكيف نهدمه؟ قالوا: ائتوه من نحو الفتية الثلاثة أصحابه، ولا تذكروا له دانييل فإنه لا يصدقكم عليه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك، وهم يكرهون ما تستحسنه، وآية ذلك أنك إذا قربت إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا، فأمر بحطب كثير فوضع، ثم أوقدت النار ورماهم فيها، فلما كان من آخر الليل أمر بالنظر إليهم فإذا هم يتحدثون، وإذا معهم رابع يروح عليهم ودانييل يصلي، قال: من هذا يا دانييل؟ قال: هذا جبريل، ظلمت القوم.
فأمر بهم فأنزلوا.
قال: ومسخ الله عز وجل بخت نصر من الدواب كلها، فجعله من كل صنف من الدواب رأسه من السباع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه بعده، وكان دانييل يسدده، وكان معه ثم رماه عنه وأقصاه، ثم أنه رأى كفا فرجت بين لوحين مكتوب فيها سطران، فدعا الكهان والعلماء، فلم يجد عندهم منه علما، فقالت أمه: إنك لو دعوت دانييل وأعدت إليه منزلته ومنك ومن أبيك عرفك، فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟ قال: أما معيد لي منزلي من أبيك فلا حاجة لي بذلك، وأما السطران فإنك تقتل الليلة.
فال: فأمر أن يخرج كل من في القصر، فأخرجوا أجمعين، وأمر بقفل أبوابه فغلقت الأبواب، وأدخل معه رجلا وضع بيده سيفا، وقال له: كل من جاءك من خلق الله الليلة فاقتله، ولو قال: أنا فلان - يعني نفسه - وبعث الله عليه البطن، فجعل يمشي والآخر نائم، فبينما هو كذلك إذ استيقظ ونهض إليه، فقال: أنا فلان.
فضربه بالسيف فقتله؟ قال الله تعالى: " وإن عدتم عدنا ". قال: فبعث الله عليهم العرب، فلم يزالوا يسومونهم سوء العذاب، ولا يزالون إلى يوم القيامة في ذلة وصغار.
قال ابن جريج: فبلغني أن سعيد بن جبير كان يحدث بهذا الحديث، فلما بلغ هذا الموضع أخذه رسول الحجاج بن يوسف.
كذلك إذ رأى بخت نصر رؤيا، فجلس ثم نسيها، ثم عاد فرآها، ففزع فقام من نومه، ثم عاد فرقد فرآها، فخرج إلى الحجر فنسيها، فلما أصبح.
دعا العلماء والكهان، فقال: أخبروني بشيء رأيت البارحة، وإذا أخبرتموني بما رأيت.
فأولوا لي رؤياي، وإلا فليمش كل رجل منكم إلى خشبته، موعدكم ثلاث.
فقالوا: هذا خبر قد أظلنا منه بلاء، فكيف بالنجاة منه، فجعل دانييل يقول كلما مر به رجل من رجاله: لو دعاني الملك لأخبرته بما رأى وأولت ذلك.
فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيلي! إلى أن مر به كهل فقال ذلك له، فرفعه إلى الملك وقال له: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تمثالا.
قال: إيه.
قال: ورأسه من ذهب.
قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه: قال وصدره من حديد.
قال: إيه.
قال وبطنه من صفر.
قال: إيه: قال ورجلاه من آنك.
قال: إيه.
قال: وقدماه من فخار.
قال: نعم، هذا الذي رأيت.
قال: فجاءت حصاة فوقعت في رأسه ثم في عنقه ثم في صدره ثم في بطنه ثم في رجليه ثم في قدميه فأهلكته، قال: نعم، فما تأويل هذا؟ قال: أما الذهب فملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك ثم ملك ابن ابنك، وأما الفخار فملك النساء.
فكساه جبة سبنية وسوره وأجازه وأمر أن يطاف به في القرية، وأخبر أن خاتمة جائز على ما ختم، فلما رأت ذلك فارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيلي فكيف نهدمه؟ قالوا: ائتوه من نحو الفتية الثلاثة أصحابه، ولا تذكروا له دانييل فإنه لا يصدقكم عليه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتية الثلاثة ليسوا على دينك، وهم يكرهون ما تستحسنه، وآية ذلك أنك إذا قربت إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكلوا ولم يشربوا، فأمر بحطب كثير فوضع، ثم أوقدت النار ورماهم فيها، فلما كان من آخر الليل أمر بالنظر إليهم فإذا هم يتحدثون، وإذا معهم رابع يروح عليهم ودانييل يصلي، قال: من هذا يا دانييل؟ قال: هذا جبريل، ظلمت القوم.
فأمر بهم فأنزلوا.
قال: ومسخ الله عز وجل بخت نصر من الدواب كلها، فجعله من كل صنف من الدواب رأسه من السباع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه بعده، وكان دانييل يسدده، وكان معه ثم رماه عنه وأقصاه، ثم أنه رأى كفا فرجت بين لوحين مكتوب فيها سطران، فدعا الكهان والعلماء، فلم يجد عندهم منه علما، فقالت أمه: إنك لو دعوت دانييل وأعدت إليه منزلته ومنك ومن أبيك عرفك، فدعاه فقال: إني معيد إليك منزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟ قال: أما معيد لي منزلي من أبيك فلا حاجة لي بذلك، وأما السطران فإنك تقتل الليلة.
فال: فأمر أن يخرج كل من في القصر، فأخرجوا أجمعين، وأمر بقفل أبوابه فغلقت الأبواب، وأدخل معه رجلا وضع بيده سيفا، وقال له: كل من جاءك من خلق الله الليلة فاقتله، ولو قال: أنا فلان - يعني نفسه - وبعث الله عليه البطن، فجعل يمشي والآخر نائم، فبينما هو كذلك إذ استيقظ ونهض إليه، فقال: أنا فلان.
فضربه بالسيف فقتله؟ قال الله تعالى: " وإن عدتم عدنا ". قال: فبعث الله عليهم العرب، فلم يزالوا يسومونهم سوء العذاب، ولا يزالون إلى يوم القيامة في ذلة وصغار.
قال ابن جريج: فبلغني أن سعيد بن جبير كان يحدث بهذا الحديث، فلما بلغ هذا الموضع أخذه رسول الحجاج بن يوسف.

وروى حماد، عن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رجلا من علماء أهل الشام وجد نعت بخت نصر وأنه غلام يتيم، وله والدة، وله ذؤابة في رأسه من أهل بابل، وأنه تقدم فسأل عنه وعن أمه حتى عرفهما بالنعت، فنزل عليهما وكان وهو غلام يسوق العجاجيل والدجاج، فقال له ذات يوم: إنك ستملك فارس والشام، فاكتب لي أمانا ولقومي.
قال: ما أدري ما هذا الذي يذكر، فلم يزل به حتى قال له: اكتب أنت ما شئت، وكتب له ولقومه أمانا، فأراد أن يختمه، فلم يكن لبخت نصر خاتم فأخذ خاتم حديد من نطاق أمه فختمه، ثم أنه دخل الشام، فأتاه الرجل فحيل بينه وبينه، فقال لمقدمته: إن للملك ودخل عليه، فقال: ما تعرفني؟ قال: ما أعرفك.
فقص عليه القصة وذكره، ودفع إليه الأمان.
فقال: ما أدري ما هذا الذي تذكر، ورثث هذا كابرا عن كابر عن آبائي.
فلم يزل به حتى أقر.
فوفي له وأمنه، وقال: لا يسمع هذا منك أحد.
ولما ظهر على الشام، إذ هو بدم يحيى بن زكريا يغلي، فقال: لأقتلن على هذا الدم حتى يسكن، فقتل عليه سبعين ألفا، فجاء قاتله فقال: إن هذا الدم لا يسكن أبدا حتى تقتلني فأنا قتلته فقتله وسكن الدم، وظهر على الشام وخرب بيت المقدس وحرق التوراة، وجاء معه دانييل وميخائيل وعزير وحزقاييل ودفعهم إلى صاحب مطبخه، ثم ذكر الرؤيا وزاد فيها فيجىء بني من العرب فيغلب وينقض تلك الأوثان كلها ويكون الدين كله لله.

وقال ابن الكلبي: كان سنمار الرومي من أصنع الناس للبنيان، فبنى لبعض ملوك العرب بنيانا سر به وأعجبه، وخاف إن استبقى سنمار بني بعده مثل ذلك البنيان، لغيره من الملوك، فأمر به فرمى من فوق القصر فمات، فضربت به العرب الأمثال في سوء الجزاء، حتى قال بعضهم:

جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان عن ذنب

سوى رصه البنيان سبعين حجة ... يعلى عليه بالقراميد والسكب

فلما رأى البنيان تم سحوقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب

وظن سنمار به كل حظوة ... وفاز لديه بالمودة والقرب

فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهق ... فذاك لعمر الله من أعظم الخطب

كتب ملك الروم إلى معاوية: إن الملوك لم تزل تراسل بعضهم بعضا، وتجتهد أن يغرب بعضهم على بعض، أفتأذن في ذلك؟ فأذن له.
فوجه إليه رجلين أحدهما طويل والآخر أيد، فقال معاوية لعمرو: أما الطويل فقد أصبنا كفؤا له وهو قيس بن سعد بن عبادة، وأما الآخر الأيد فقد احتجنا إلى رأيك فيه.
فقال: هاهنا رجلان كلاهما إليك بغيض: محمد بن الحنفية، وعبد الله بن الزبير.
قال معاوية: الذي هو أقرب إلينا منهما فلما دخل الرجلان وجه إلى قيس ابن سعد فدخل، فلما مثل بين يديه معاوية نزع سراويله فرمى بها إليه فلبسها فبلغت ثندوته، فأطرق مغلوبا.
وقيل لقيس في ذلك: لم تبذلت في حضرة معاوية؟ هلا فعلت غير ذلك؟ فقال:

أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود

وألا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي نمته ثمود

وإني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود

وب جميع الناس أصلي ومنصبي ... وجسم به أعلو الرجال مديد

ثم وجه إلى محمد بن الحنفية، فدخل فخبر بما دعى إليه، فقال: قولوا له: إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنا القاعد، فاختار الرومي الجلوس، فأقامته، فانصرف الطويل والأيد مغلوبين.

قلت: أما هذا الخبر فمنكر ليس بصحيح، ولا له أصل لأنه يخالف أخلاق قيس ومحمد، وليس فيه كبير فائدة لمنزلتهما.

فصول الكتاب · 124 فصل · 256 صفحة
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد اللسان وفضل البيانباب ذم العي وحشو الكلامباب في اجتناب اللحن وتعلم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصمت وذم المنطقباب من مزدوج الكلامباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةباب الرزقباب الحرص والأملباب الطمع واليأسباب ذم السؤالباب انتظار الفرجباب الجد والحدباب المال حمدا وذماباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدينباب الاقتصاد والرفقباب السفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرسول ﷺباب الهديةباب الجارباب الضيفباب المعروفباب الشكرباب في طلب الحاجاتباب السلطان والسياسةباب الكتاب والكتابةباب الظلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطبباب الطاعة والمعصيةباب الغيبة والنميمةباب البغي والحسدباب السباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتيهباب التواضع والإنصافباب الرأى والمشورةباب كتمان السر وإفشائهباب الحرب والشجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيون من المدحباب عيون من الذمباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحق والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسؤددباب حمد الحلم وذم السفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرجالباب التودد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصديق والعدوباب جامع متخير في الإخوانباب العتابباب الثقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءباب اللباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثة من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
بهجة المجالس وأنس المجالس
تأليف ابن عبد البر
تقدّمك في الكتاب: باب من نوادر الأخبار — 108 من 124
جارٍ التحميل