باب الطعام والأكل
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعجبه الذراع.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " سيد أدام الدنيا والآخرة، اللحم ".
قال سفينة: أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحم حباري، وقال في الضب: " لست بآكله ولا بمحرمه ".
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فلا تأكلوا الثوم ولا البصل، ومن أراد أكلهما فليمتهما طبخا ".
والكراث والفجل في معنى الثوم والبصل.
قال عمر بن الخطاب: إياكم واللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر.
إنما كره الإدمان عليه، والله أعلم، لما فيه من التنعم والتشبه بالأعاجم، ألا ترى أنه كتب إلى عماله: اخشوشنوا، وإياكم والتنعم وزي العجم.
ذكر عند بعض العرب اللحم، فقال: إنه ليقتل السباع.
يريد إدخال بعضه على بعض قبل تمام الهضم - والله أعلم.
خطب عمر بن الخطاب يوما، فقال: إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم.
وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد من الأشر، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة، وإن امرءا لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
مر علي بن أبي طالب بمجلس من مجالس الأنصار، فسلم عليهم، فقاموا له وحفوا به ورحبوا وقالوا: لو نزلت فأكلت من طعامنا، فقال لهم: إما حلفتم علينا، وإما انصرفنا.
قال علي بن أبي طالب: المعدة حوض البدن، والعروق واردة عليها وصادرة عنها، فإذا صحت صدرت العروق عنها بالصحة، وإذا سقمت صدرت العروق بالسقم.
قال بعض الأطباء: اللحم ينبت اللحم، والشحم لا ينبت اللحم ولا الشحم.
قال علي بن أبي طالب: الشحم يخرج مثله من المدا.
أتى عمر بن عبد العزيز بيته يوما، فقال: هل عندكم من طعام؟ فأصاب تمرا وشرب من ماء، وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله.
قيل للشعبي: أي الطعام أحب إليك؟ قال: ما صنعه النساء، وقل فيه العناء.
قال سلمان: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنا نجد في التوراة أو قال في الإنجيل: البركة في الطعام غسل اليد قبله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " البركة في الطعام غسل اليد قبله وبعده ".
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن للطعام حقا.
قيل: وما حقه يا رسول الله؟ قال: ذكر الله في أوله وحمده في آخره ".
ومن حديث على بن ثابت، عن حمزة بن أبي حمزة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من نسى أن يسم الله على طعامه، فليقرأ: قل هو الله أحد ".
نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الأكل بالشمال، والشرب بالشمال، وعن الاستنجاء باليمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لربيبه عمر بن أبي سلمة: يا بني: " قل بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك ".
كان علي بن أبي طالب إذا دعى إلى طعام أكل شيئا قبل أن يأتيه، ويقول: قبيح بالرجل أن يظهر نهمته في طعام غيره.
وقال رحمه الله: من أراد البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء، وليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء.
قال منصور الفقيه:
قارب فديتك إن أكل ... ت وإن شربت وإن غشيتا
وأنا الكفيل لك الحيا ... ة بأن تعافى ما حييتا
قال قيس بن أبي حازم: نزل بي أعرابي من أحمس، فلم آله تكرمة، فقال لي: أكل الحي يجد مثل هذا الذي أرى عندك؟ فقلت: إن أخبثهم عيشا يشبع من الخبز والتمر، فقال: أقسم بالله لئن كنت صادقا ليوشكن أن يقتتلوا، فإن العرب - والله - ما زالت إذا شعبت اقتتلت.
قال قيس: فلم ألبث إلا أربعة أشهر حتى قتل عثمان، ثم كانت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين والنهروان.
قال الشعبي: الناس في جنة الله تعالى ستة أشهر - يعني أيام الرطب.
ذكر أبو الحسن بن مقسم، قال: سمعت محمد بن مسلم الزجاج جارنا، قال: سمعت عباس الدوري، يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لا يمل الباذنجان عاقل.
وسمعت القاضي أبا عمرو، يقول: لو علم الثور الذي يحمل الباذنجان أنه عليه، تاه على الثيران.
قلت: هذا لمن استطابه، وعذب عنده، وأما من جهة الطب، فذمه عندهم أكثر من مدحه.
قال طريح بن إسماعيل الثقفي:
دع بعض أكلك رب آكل أكلة ... يوما سيلفظها إذا هو لاكها
ولبعض المتأخرين في رجل مات من أكلة أكلها في شعر له فيه:
يا من جنت كفه على جسده ... يرحمك الله يا قتيل يده
قال الفضيل بن عياض: خصلتان يقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل.
قال حميد الأرقط:
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل
دعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى غدائه، فقال له قد تغديت.
قال عبد الملك: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا تكون فيه بقية للطعام! فقال: يا أمير المؤمنين! بي فضل، ولكنى كرهت أن آكل فأصير إلى ما استقبح أمير المؤمنين.
قال إبراهيم النخعي: ما رأيت راكبا أحسن من زبد على تمر.
قال الشاعر:
ألم تر أن الزبد بالتمر طيب ... وأن الحباري خالة الكروان
قال عمر بن بحر: العامة لاتشك بأن الكروان ابن الحباري.
وقال آخر:
ننافس في طيب الطعام وكله ... سواء إذا ما جاوز اللهوات
دعا الحجاج رجلا إلى غدائه، فقال: قد تغديت.
قال: إنك لتباكر الغداء قال: لخلال ثلاث: إن ناجيت رجلا لم يجد في خلوفا، وإن شربت ماء شربته على ثقل، وإن حضرت قوما على طعام حضرتهم ومعي بقية من غرض.
فعجب منه.
قال سليمان بن عبد الملك لسالم بن عبد الله، وقد رآه حسن السحنة: أي شيء تأكل؟ قال: الخبر والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته.
قال له: وتشتهيه؟ قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.
قيل لأعرابي: أتحسن تأكل الرأس؟ قال: نعم.
فقيل له: كيف تأكله؟ فقال: أبخص عينيه، وأسحي خديه، وأفك لحييه، وأعفص أذنيه، وأرمى بالدماغ إلى من هو أحق به مني.
قيل لبعض العقلاء: أي الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم.
كان يقال: نعم الإمام الجوع، ما ألقيت إليه شيئا إلا قبله وطاب عنده.
روى معن بن عيسى، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: الخبيص يزيد في الدماغ.
وروى عن جعفر بن محمد رحمه الله، أنه قال: الخلال بعد الطعام يشد اللثات، ويجلب الرزق، ويطيب نكهة الفم.
دخل جنادة بن أبي أمية على معاوية، وهو يأكل، فدعاه إلى الأكل، فقال: أنا صائم، قلم تزل الألوان تختلف بين يدي معاوية حتى جئ بجدي محنوذ سمين، فقال جنادة: ليأمر لي أمير المؤمنين بماء أغسل يدي وآكل من هذا الجدي.
فقال له: ألم تقل إنك صائم؟ قال: بلى.
ولكنى على رد يوم أقدر منى على رد مثل هذا الجدي.
فضحك معاوية وأمر بالماء، فغسل يده وأكل معه.
قال الحسن البصري: غسل اليد قبل الطعام ينفي الفقر.
وبعد الطعام ينفي اللحم.
كان يقال: أحب الطعام إلى الله عز وجل ما كثرت عليه الأيدي.
قال أبو بكر الهذلي: إذا جمع الطعام أربعا كمل، إذا كان حلالا، واجتمعت عليه الأيدي، وسمى الله في أوله، وحمد في آخره.
كان يحيى بن معين يتمثل:
المال ينفد حله وحرامه ... يوما وتبقى في غد آثامه
ليس التقى بمتق في دينه ... حتى يطيب شرابه وطعامه
قال لقمان لابنه: يا بني! لا تأكل شيئا على شبع، فإنك إن تركته للكلب خير لك من أن تأكله.
كان الحسن بن علي رضي الله عنه، يقول: ائتونا بالخوان نأتنس به حتى يأتي الطعام.
كان لكسرى جام فيه حب رمان يسف منه بين كل لونين ملعقة ليعرف اختلاف الألوان.
روى عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رجل من أهل الشام: أنعت لكم الأكل؟ قالوا: نعم.
قال: إذا أكلت فابرك على ركبتيك.
وافتح فاك، وأحدج عينيك، وفرج أصابعك، وعظم لقمتك، واحتسب نفسك.
قال عبد الله بن دينار: ما سمعت عبد الله بن عمر يحدث بهذا الحديث قط، فبلغ قوله: واحتسب نفسك، إلا ضحك حتى بدت نواجذه.
قال أبو الهندي، وهو من ولد شبث بن ربعي:
أكلت الضباب فما عفتها ... وإني لأهوى قديد الغنم
وركبت زبدا على تمرة ... فنعم الطعام ونعم الأدم
وما في البيوض كبيض الدجاج ... وبيض الجراد شفاء القرم
ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم
قال عمرو بن بحر: الجراد المأكول منه، ضروب: منه الأهوازي، وفيه المذنب، وأطيبه الأعرابي، وأهل خراسان لا يأكلونه.
قال: والجراد الأعرابي لا يتقدمه في الطيب شيء، وما أحصى كم سمعت من الأعراب من يقول: ما شبعت منه قط، وما أدعه إلا خوفا من عاقبته، أو لأني أعيا فأترك.
قال: والجراد يطيب حارا وباردا ومشويا ومطبوخا، منظوما في الخيط، أو مجعولا في المسلة.
قال: والبيض المقدم في الطيب ثلاثة أجناس: بيض الأشبور، وبيض الدجاج، وبيض الجراد.
- وبيض الجراد - فوق بيض الأشبور في الطيب؛ وبيض الأشبور فوق بيض الدجاج.
قال: والجرد يؤكل يابسا وغير يابس، ويجعل إداما ونقلا.
قال: وذكرت امرأة الجراد، فقالت لها أخرى: كيف حبك فيه؟ قالت: والله إنه لأحب إلى من الحبل.
كان بشر بن المعتمر، خاصا بالفضل بن يحيى، فقدم عليه رجل من مواليه - وهو أحد بني هلال - فجاء به يوما إلى الفضل ليكرمه بذلك، وحضرت المائدة، وذكر الضب ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمه وتابعه القوم، ونظر الهلالي فلم ير على المائدة عربيا غيره، وغاظه كلامه، فلم يلبث أن أتى الفضل بصفحة ملأى من فراخ الزنابير ليتخذ له منها بزماورد، والدبر والنحل عند العرب أجناس من الذبان، فلم يشك الهلالي أن الذي رأى من ذبان البيوت والخشوش، وكان الفضل حين ولي خراسان، قد استطرف بها بزماورد الزنابير، فلما قدم العراق كان يتشهاها، فتطلب له وتساق من كل مكان، فشمت به وأصحابه لما رأى من ذلك، وخرج وهو يقول:
وعلج يعاف الضب لؤما وبطنة ... وبعض إدام العلج هام ذباب
ولو أن ملكا في الوري ناك أمه ... لقالوا له: أوتيت فصل خطاب
قال الحسن بن هانئ:
إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل: عد عن ذا، كيف أكلك للضب
تفاخر أبناء الملوك سفاهة ... وبولك يجري فوق ساقك والكعب
وقال ابن المعتز:
رأيت بيوتا زينت بنمارق ... وزين ما فيهن بالوشي والطرز
فلم أر ديباجا ولم أر سندسا ... بأحسن في بيت الكريم من الخبز
وقال آخر:
فكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يسعى لشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري
قال المأمون: سبعة أشياء لا تمل، أكل خبز البر، وشرب ماء العنب، وأكل لحم الضان، والثوب اللين، والرائحة الطيبة، والفراش الوطئ، والنظر إلى كل شيء حسن.
فقال له الحسن ابن سهل: أين محادثة الإخوان يا أمير المؤمنين؟ قال: هن ثمان وهي أولهن.
وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم من يرويه عن علي، أنه قال: لا يقام عن الطعام حتى يرفع.
قال ابن عباس: من السنة إذا دعوت أحدا إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج.
روى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، أنه قال: رب البيت آخر من يغسل يديه.
وقال أبو الزناد: من إكرام الضيف وحسن الأدب في مؤاكلته، أن تغسل يديك قبله أولا، وبعده آخرا.
لعبد الله بن المبارك، وتمثل بها المأمون:
احضر طعامك وابذله لمن أكلا ... واحلف على من أبى، واشكر لمن فعلا
ولا تكن سابري العرض محتشما ... من القليل، فلست الدهر محتفلا
وقال آخر في ذم الشراب:
لا تفتكن على الكؤوس بشربها ... فهي التي بك عن قليل تفتك
يكفيك منها أن عقلك تارة ... يبكي عليك، وأن جهلك يضحك
وقال آخر:
وإني لأستحيي أكيلي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
أبيت هضم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أحشى الذم أن أتضلعا
وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقال كعب بن سعد الغنوي:
وزاد رفعت الكف عنه تجملا ... لأوثر في زادي على أكيلي
وما أنا للقول الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول