أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعه

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " حبك الشئ يعمي ويصم ".

قال وهب بن ممبه: العقل والهوى يصطرعان، فإيهما غلب مال بصاحبه.

قال ابن دريد:

وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا

قال عمر بن عبد العزيز: أفضل الجهاد جهاد الهوى.

قال بعض الحكماء: من نظر بعين الهوى خاف، ومن حكم بالهوى جار قال سفيان الثوري: أشجع الناس أشدهم من الهوى أمتناعا.

وقال: من المحقرات تنتج الموبقات.

ويقولون: إن هشام بن عبد الملك لم يقل بيت شعر قط إلا هذا:

إذا أنت لم تعصي الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال

" قلت: لو قال: إلى كل ما فيه عليك مقال " كان أبلغ وأحسن.

قال بعض الحكماء: إنما يحتاج اللبيب ذو الرأى والتجربة إلى المشاورة ليتجرد له رأيه من هواه.

قال بعضهم: اعص النساء وهواك، واصنع ما شئت.

قلت: لو قال اعص الهوى لا كتفي.

قيل للمهلب: بم ظفرت؟ قال: بطاعة الحزم وعصيان الهوى.

قالوا: ما ذكر الله تعالى الهوى في شيئ من القرآن إلاذمه.

قيل لشريح: أحمد الله لما سلمك من الفتن.
قال: كيف أصنع بقلبي وهواي؟ قال: الهوى غالب، والقلوب مغلوبة.

قال امتدح بترك الهوى من الحكماء، قال الزبير بن عبد المطلب:

وأجتنب البوائق حيث كانت ... وأترك ما هويت لما خشيت

أخبرنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا نصر بن محمد الأسدي الكوفي، حدثنا إبراهيم بن عثمان المصيصي، حدثنا مخلد بن حسين، حدثنا هشام ابن حسان، عن محمد بن سيرين قال: بيتا عمر بن الخطاب يجوس ذاتة ليلة إذ سمع امرأة وهي تقول:

هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج

فلما أصبح قال: علي بنصر.
فجيء به، فإذا هو أجمل الناس، فقال: إنها المدينة فلا تساكني فيها.
فخرج إلى البصرة فنزل على ابن عم له، هو أمير البصرة، فبينما هو جالس مع ابن عمه وامرأته، إذ كتب في الأرض: إني لأحبك حبا لو كان فوقك لأظلك، ولو كان تحتك لأقلك.
فقرأته وكتبت تحته: وأنا.
وكان الأمير لا يقرأ، فعلم أنه جواب كلام، فأكفأ عليه إناء وقام وبعث إلى من يقرأه، فبلغ ذلك نصرا، فلم يجئ إليه، ومرض حتى سل وصار شبه الفرخ، فأخبر الأمير بذلك، فقال: اذهبي إليه، فأبت، فقال: عزمت عليك إلا ذهبت إليه وأسندته إلى صدرك وأطعمته.

قال: فلما أتت الباب قيل له: هذه فلانة.
فكأنه انتعش شيئا، فصعدت إليه وأسندته إلى صدرها وأطعمته، فأفاق، فخرج من البصرة واستحيا من ابن عمه فلم يلقه بعدها.

قال إبراهيم بن عثمان: الأمير مجاشع بن مسعود السلمى، وامرأته الخضراء.

قال إبراهيم بن عثمان: وأخبرني محمد بن كثير، أن نصر بن حجاج كتب إلى عمر رضي الله عنه:

لعمري لئن سيرتني وحرمتني ... وما جئت ذنبا إن ذا لحرام

ومالي ذنب غير ظن ظننته ... وفي بعض تصديق الظنون أثام

أأن غنت الذلفاء يوما بمنية ... وبعض أماني النساء غرام

ظننت بي الأمر الذي لو أتيته ... لمل كان لي في الصالحين مقام

ويمنعني مما تمنت حفيظتي ... وآباء صدق صالحون كرام

ويمنعها مما تمنت صلاتها ... وبيت لها في قومها وصيام

فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جب مني غارب وسنام

قال بعض الحكماء: الهوى عدو العقل، فإذا عرض لك أمران ولم يحضرك من تشاوره فاجتنب أقربهما إلى هواك.

ومما ينسب إلى الشافعي، وأظنه لسهل الوراق:

إذا حار ذهنك في معنيين ... وأعياك حيث الهوى والصواب

فدع ما هويت فإن الهوى ... يقود النفوس إلى ما يعاب

قال غيره: اغتنم من الخير ما عجلت، ومن الهوى ما سوفت.

كان يقال: إذا غلب عليك عقلك فهو لك، وإن غلب عليك هواك فهو لعدوك.

قال عمر لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: من كان رأيه رادا لهواه.

قال أعرابي: ما أشد جولة الرأي عند الهوى، وأشد فطام النفس عند الصبر.

قال نفطويه:

إن المرائي لا تريد ... ك خدوش وجهك في صداها

وكذلك نفسك لا تريد ... ك عيوب نفسك في هواها

وعن نفطويه، قال: تضيف صديق لي من أهل الأدب إلى إمرأة من أهل البصرة، فتعرض لها، فقالت: أيها الرجل مالك حظ في غيرة الرجال على الحرم، فيكون ذلك زاجرا لك عن التعرض لحرم غيرك، إن لم يكن لك ناه من دين؟ أما علمت أن الأمور إلى أواخرها تؤول إلى أوائلها، وإن من عود نفسه الرفث والخنا كان كمن اتخذ المزابل مجلسا، وقلما مجن رجل إلا هلك.

قال الشاعر:

الحب زور والهوى باطل ... والقلب ما أجريته يجري

وترك ما تهوى يسير إذا ... أعملت فيه سعة الصدر

وقال منصور النمري:

وإن امرءا أودى الغرام بلبه ... لعريان من ثوب الفلاح سليب

قال آخر:

عين المحب كليلة ... عن عيب كل فتى يود

قال عمر بن أبي ربيعة:

حسن في كل عين من تود

وقال روح أبو همام:

وعين السخط تبصر كل عيب ... وعين أخي الرضا عن ذاك تعمى

وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:

فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا

قال أبو العتاهية:

والمرء يعمى عمن يحب فإن ... أقصر عن بعض ما به أبصر

فصول الكتاب · 124 فصل · 256 صفحة
بهجة المجالس وأنس المجالس
تأليف ابن عبد البر
تقدّمك في الكتاب: باب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعه — 89 من 124
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد اللسان وفضل البيانباب ذم العي وحشو الكلامباب في اجتناب اللحن وتعلم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصمت وذم المنطقباب من مزدوج الكلامباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةباب الرزقباب الحرص والأملباب الطمع واليأسباب ذم السؤالباب انتظار الفرجباب الجد والحدباب المال حمدا وذماباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدينباب الاقتصاد والرفقباب السفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرسول ﷺباب الهديةباب الجارباب الضيفباب المعروفباب الشكرباب في طلب الحاجاتباب السلطان والسياسةباب الكتاب والكتابةباب الظلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطبباب الطاعة والمعصيةباب الغيبة والنميمةباب البغي والحسدباب السباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتيهباب التواضع والإنصافباب الرأى والمشورةباب كتمان السر وإفشائهباب الحرب والشجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيون من المدحباب عيون من الذمباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحق والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسؤددباب حمد الحلم وذم السفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرجالباب التودد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصديق والعدوباب جامع متخير في الإخوانباب العتابباب الثقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءباب اللباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثة من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
جارٍ التحميل