أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب من أجوبة الحمقى

ومراجعة السخفاء، وألفاظ النوكى والجهلاء استعمل معاوية رجلا من كلب، فذكر المجوس يوما، فقال: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت عشرة آلاف درهم، ما نكحت أمي فبلغ ذلك معاوية، فقال: قبحه الله! أترونه لو زيد فعل؟!! قال أبو عبيدة: أجريت الخيل فطلع منها فرس سابق، فإذا رجل من النظارة يكر ويثب من الفرح، فقال له رجل إلى جنبه: يا فتى! هذا الفرس فرسك؟ قال: لا،ولكن اللجام لجامي.

أرسل رجل من بنى عجل بن لجيم فرسا في الحلبة،فجاء سابقا،فقال لابنه: يا بنى! بأى شئ أسميه؟ فقال:ياأبت افقأ عينه وسمه الأعور.
قال الشاعر:

رمتنى بنو عجل بداء أبيهم ... وأى عباد الله أنوك من عجل

أليس أبوهم عار عين جواده ... فأضحت به الأمثال تضرب بالجهل

قال أبو كعب القاص في قصصه:إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في كبد حمزة ما علمتم، فادعوا الله أن يطعمنا من كبد حمزة.

وقال أيضا في قصصه:إن اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا،قالوا له:فإن يوسف لم يأكله الذئب،قال:فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.

وتلا في قصصه يوما قول الله عز وجل: " يتجرعه ولا يكاد يسيغه.

فقال:اللهم اجعلنا ممن يتجرعه ويسيغه.

قيل لبرذعة الموسوسر:أيما أفضل غيلان أم معلى؟ قال:معلى، قالوا: ومن أين؟ قال: لأنه لما مات غيلان،ذهب معلى إلى جنازته، فلما مات معلى لم يذهب غيلان إلى جنازته.

رفع رجل من العامة ببغداد إلى بعض ولاتها على جار له أنه يتزندق،فسأله الوالي عن قوله الذي نسبه به إلى الزندق،فقال:هو مرجى قدرى ناصبي رافضى،من الخوارج،يبغض معاوية بن الخطاب الذي قتل على بن العاص.
فقال له ذلك الوالي:ما أدرى على أي شيء أحسدك؟ أعلى علمك بالمقالات،أم على بصرك بالأنساب.

كان قوم من أهل العلم يتناظرون في أمر معاوية وعلى،ويذكرون أبا بكر وعمر، وكان قريبا منهم رجل من العامة،ينسب إلى أنه من أعقلهم،وكان ذا سبلة طويلة،فقال لهم:كم تطنبون في أمر على ومعاوية وفلان وفلان!! فقال له أحد القوم:وتعرف أنت من على ومعاوية وفلان وفلان؟ قال:نعم! أو ليس هو أبو فاطمة؟ قال:ومن كانت فاطمة؟ قال:امرأة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنت عائشة أخت معاوية.
قال:فما كان قصة على؟ قال:قتل في غزاة حنين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

دخل رجل من العامة الجهلة الحمقاء على شيخ من شيوخ أهل العلم،فقال:أصلح الله الشيخ،لقد

سمعت في السوق الساعة شيئا منكرا،ولا ينكره أحد قال:وما سمعت؟ قال:سمعتهم يشتمون الأنبياء! قال:ومن المشتوم من الأنبياء؟ قال:سمعتهم يشتمون معاوية.
قال: يا أخي ليس معاوية بنبى.
قال:فهبه نصف نبى لم يشتم.

قال عمرو بن بحر:ذكر لي شيخ من الإباضية أنه جرى عنده ذكر الشيعة يوما فغضب وشتمهم،وأنكر ذلك عليهم إنكارا شديدا.
قال فأتيته يوما فسألته عن سبب إنكاره على الشيعة ولعنه لهم فقال:لمكان الشين في أول الكلمة،لأني لم أجد ذلك قط إلا في مسخوط،مثل شوم وشر وشيطان وشيص وشح وشغب وشعب وشرك وشتم وشقاق وشطرنج وشين وشانى وشحط وشوصة وشوك وشكوى وشنآن.
فقلت له:إن هذا كثير،ما أظن أن القوم تقيم لهم علما مع هذا أبدا كان عندنا رجل شاهدناه،وكان من جيراننا على غاية من الجهل والغباوة،وكان إذا سلم من صلاته في جماعة أو وحده،يقول:السلام على الملكين الكاتبين لأبي بكر وعمر،وكان ألثغ يجعل مكان الكاف تاء.

اشترى باقل،وهو رجل من قيس بن ثعلبة عنزا بأحد عشر درهما،فقالوا له:بكم اشتريت الغز؟ ففتح كفيه وفرق أصابعه،وأخرج لسانه،يريد أحد عشر درهما،فلما عيروه،قال:

يلومون في حمقه باقلا ... كأن الحماقة لم تخلق

فلا تكثروا العذل في عيه ... فللعى أجمل بالأحمق

خروج اللسان وفتح البنان ... أحب إلينا من المنطق

ذكر الصولى عن ابن الجوهري ضروبا من العى والحماقة والجهل،وكان له تسبيح ظريف يسبحه بإثر كل صلاة:سبحانك يا عالمين،والحمد لله الأكرمين،ولا إله إلا الله الطيبين،والصلاة على النبي المباركين،وأزواجه أمهات المؤمنين،ونسأل الله خير عوائق الأمور.

رأى معاوية بن مروان بن الحكم حمار طاحونة في عنقه جلجل في حانوت طحان،فقال له: ما بال هذا الحمار في عنقه جلجل؟ فقال:أنا مشتغل في علاجى وطلب معيشتى خارج الحانوت،وبحركة الجلجل أعرف وقوف الحمار فأحركه للمشى،فقال له معاوية له:أرأيت إن وقف الحمار وحرك رأسه فتحرك الجلجل؟ قال الطحان:ومن لحمارى بمثل عقل الأمير؟! ومعاوية هذا هو الذي أمر بغلق باب المدينة إذ انفلت له البازى.

قال طحطاح لابنه يوما:ما الذي تشتهى؟ قال: رأسي كبش.

فقال له أبوه: لا يكون للكبش رأسان، قال: فرأس كبشين، فضحك منه.

قيل لمخنث: مالكم تحلقون لحاكم؟ فقال: إن البرد لا تعرف إلا بحذف أذنابها.

دخل راكب البريد يوما على المأمون، فقال له: متى خرجت، أو متى قدمت؟ فقال له:بعد غد يا أمير المؤمنين.
فقال له المأمون: فإذا أتيتنا وبيننا وبينك مرحلتان.

مرض رجل من الأعراب، فعاده جاره، وقال له: ماتجد؟ قال: أشكو دملا أهلكني، وزكاما أضربى.
قال له: فقد بلغنا أن إبليس لا يحسد على شئ من الأمراض إلا على هاتين العلتين لما فيهما من الأجر والمنفعة.
فأنشأ الأعرابي يقول:

أيحسدني إبليس داءين أصبحا ... برأسي وإستى دملا وزكاما

فليتهما كانا به وأزيده ... رخاوة زب لا يطيق قياما

وقال أبو نواس:

قد أضرت بي دمامي ... ل على الظهر ملحه

ليتها في عين من يح ... سبه مالا وصحه

سلم فزارة صاحب المظالم بالبصرة على يساره في الصلاة، فقيل له في ذلك فقال: كان على يميني إنسان لا أكلمه.

وقال فزارة يوما في مجلسه: لو غسلت يدى مائة مرة ما تنظفت، أو أغسلها مرتين وفيه يقول ابن المعذل:

ومن المظالم أن تكو ... ن على المظالم يا فزارة

تقديم رجل مع خصمه إلى قاض، فقال: أصلح الله القاضى، لي عند هذا الزاني ابن الزانية كذا وكذا.
فقال القاضي لخصمه: ما تقول فيما سمعت من دعوى خصمك؟ فقال: لا أعرف شيئا فيما يقول، وأنا منكر لما يدعيه.
فقال للمدعى: هات بينه إن كان لك.
فأتاه برجلين فجلسا بين يديه، فقال لهما: بم تشهدان؟ قالا: نشهد أن لهذا الرجل على هذا الزاني ابن الزانيه كذا وكذا لدعوى خصمه.

فقال لهما:قد قبلتكما.
قم يازاني ابن الزانية،فأد ما شهدا به.
فقال المشهود عليه:

أيها القاضي! إن كان هؤلاء استحلوا قذفى وقذف أمي بجهلهم، فما الذي استحللت به أنت ذلك منى؟ فقال: والله يا ابن أخي ما حسبت إلا أنه اسمك واسم أمك، لأنك لم تنكر ذلك على خصمك ولا على شاهديه.

مر قاض بواسط أو بحمص على السوق في يوم رمضان، فرأى رجلا قد صنع معزفا، فوقف عليه وقال: أيها الفاسق في الشهر المبارك تعمل آلات اللهو وظروف الشر فقال: أصلح الله القاضي، إنما هي مقلاة قال: لعن الله الشيطان ما حسبتها إلا معزفا،فنهض شيئا ثم عاد إليه، فقال له:يا فاسق؟؟؟؟؟؟؟؟ وكيف تكون مقلاة من خشب؟ هذا محال.
فقال له:يا قاضي إني أطليها بالقار، فلا تؤثر فيها النار.
قال:صدقت، ثم انصرف عنه.

ولى رجل مقل قضاء الأهواز، فأبطأ عليه رزقه، وحضر عيد الأضحى وليس عنده ما يضحى به ولا ما ينفق، فشكا ذلك إلى زوجته، فقالت له: لا تغتم، فإن عندي ديكا جليلا قد سمنته، فإذا كان عيد الأضحى ذبحناه.
فلما كان يوم الأضحى، وأرادوا الديك للذبح، طار على سقوف الجيران، فطلبوه وفشا الخبر في الجيران، وكانوا مياسير، فرقوا للقاضي، ورثوا لقلة ذات يده،فأهدى إليه كل واحد منهم كبشا، فاجتمعت في داره أكبش كثيرة، وهو في المصلى لا يعلم، فلما صار إلى منزله، ورأى ما فيه من الأضاحي قال لامرأته:من أين هذا؟ قالت أهدى إلينا فلان وفلان - حتى سمت جماعتهم - ما ترى.
قال: ويحك احتفظي بديكنا هذا فما فدى إسح اق بن إبراهيم إلا بكبش واحد،وقد فدى ديكنا بهذا العدد.

فصول الكتاب · 124 فصل · 256 صفحة
بهجة المجالس وأنس المجالس
تأليف ابن عبد البر
تقدّمك في الكتاب: باب من أجوبة الحمقى — 64 من 124
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد اللسان وفضل البيانباب ذم العي وحشو الكلامباب في اجتناب اللحن وتعلم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصمت وذم المنطقباب من مزدوج الكلامباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةباب الرزقباب الحرص والأملباب الطمع واليأسباب ذم السؤالباب انتظار الفرجباب الجد والحدباب المال حمدا وذماباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدينباب الاقتصاد والرفقباب السفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرسول ﷺباب الهديةباب الجارباب الضيفباب المعروفباب الشكرباب في طلب الحاجاتباب السلطان والسياسةباب الكتاب والكتابةباب الظلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطبباب الطاعة والمعصيةباب الغيبة والنميمةباب البغي والحسدباب السباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتيهباب التواضع والإنصافباب الرأى والمشورةباب كتمان السر وإفشائهباب الحرب والشجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيون من المدحباب عيون من الذمباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحق والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسؤددباب حمد الحلم وذم السفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرجالباب التودد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصديق والعدوباب جامع متخير في الإخوانباب العتابباب الثقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءباب اللباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثة من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
جارٍ التحميل