التذكرة في الفقه لابن عقيلكتاب النفقات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 1 الآية.
والنفقة تستحق بأحد أربعة أشياء: الرحم؛ وهو كل من ورثه بفرض أو تعصيب، ولا تجب نفقة ذوي الأرحام الذين لا فرض لهم.
والنكاح، والملك، والولاء.
إلا أن الرحم يخالف ما عداه من الثلاثة أشياء بأن اختلاف الدين يمنع وجوب النفقة.
وأما النكاح فيجب به النفقة مع اتفاق الدين، واختلافه، لأنه يجب على طريق المعاوضة، ويجب مع الإيسار والاعسار، وكذلك الملك.
ونفقة الأقارب لا تجب إلا مع الإيسار.
فعلى هذا [يجب عليه نفقة] 2 زوجته الكافرة، وعبده الكافر ﴿161/أ﴾ ومعتقته الكافرة، لأن النفقة لأجل الملك لا لأجل الموالاة والنصرة بخلاف نفقة الأقارب، ألا ترى أن الولاء يورث مع اختلاف الدين، والنسب بخلافه.
والملك على ضربين: عبيد، وبهائم.
فالبهائم تجب نفقتها على حد وجوب نفقة العبيد مع اليسار والإعسار.
وكل الأقارب ينفقون على قدر مواريثهم إلا الولد مع والده، والوالد مع ولده، فإنه يجب على الواحد منهم لصاحبه جميع نفقته، فعلى هذا إذا كان له أخ وأخت وجبت النفقة على ثلاثة على الأخ سهمان، وعلى الأخت سهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 276

وتجب نفقة الزوجة على قدرها فإن كانت ممن جرت عادتها بأكل الطيب من الطعام، وبلبس الناعم لزمه ذلك، وإن كان معسراً ملكت الفسخ إذا عجز عن القيام بحقها.
ويلزمه اخدام من جرت عادتها بالاستخدام، وليس في ذلك توقيت.
وإذا لم يعطها ما يكفيها ملكت أن تأخذ من ماله تمام نفقتها ﴿161/ب﴾ بالمعروف، كما روي عن هند امرأة أبي سفيان لما شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شح أبي سفيان قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 3. وهذا منه فتياً لا حكماً إذا لو كان حكماً لما سمع قولها عليه.
وهذا في الزوجية خاصة، وأما سائر الغرماء فلا يجوز لهم أخذ ديونهم مما تحت أيديهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك 4 ". وللزوجة من التسلط على مال الزوج ما ليس لغيرها.
ويجب على المكاتب نفقة نفسه، وعلى من نصفه حر نصف نفقته عليه، ونصفها على سيده.
وإذا كانت أمته مزوجة فنفقتها على زوجها، فإن اشترط السيد أن تكون عنده نهاراً، وعند زوجها ليلاً وجب على كل واحد نفقة الزمان الذي تكون فيه عنده.

الجزء: 1 - الصفحة: 277

ونفقة أولاد الأمة على سيدها دون أبيهم سواء كان زوجها عبداً أو حراً، لأنهم رقيق ﴿162/أ﴾ لسيدها.
وإذا تزوجت المكاتبة وجب على سيدها نفقة أولادها دون أبيهم المكاتب، لأنهم يتبعونها في العتق إن أدت، والرق إن عجزت.
وعلى المكاتب نفقة زوجاته وإمائه، وعلى الزوج نفقة زوجته الصغيرة التي يوطأ مثلها، ولا يجب عليه نفقة التي لا يوطأ مثلها.
وإذا كان الزوج صغيراً لا يطأ مثله والزوجة كبيرة كانت النفقة في ماله لوجود التسليم من جهتها، والتعذر من جهته لا يسقط النفقة، كالعنين، والمريض.
والنفقة للبائن غير واجبة، وتجب للرجعية في العدة، وإن كانت حاملاً وجبت نفقتها، وهل تجب لأجلها أم لأجل الحمل؟ على روايتين، أصحهما: أنها لها لأجل الحمل (1). وإذا خالعته وأبرأته من نفقة حملها لم يكن ﴿162/ب﴾ لها نفقة.
ولا نفقة لناشز.

فصل

في الكفالة

والأم أحق بكفالة الطفل والمجنون إذا فارقها الزوج إلى سبع سنين، ثم تكون الجارية عند أبيها، يخير الغلام بين أبويه، فأيهما اختار كان عنده، فإن عاد فاختار الآخر نقلناه إليه، لأنه تخيير شهوة وليس بتخيير إلزام، فإذا مات5

الجزء: 1 - الصفحة: 278

أبواه، وكان له جدتان إحداهما لأمه، والأخرى لأبيه ففيهما روايتان، إحداهما: أم الأم أولى، لأنها تدلي بالأم، ومن تدلي به كان أولى.
الثانية: أم الأب أولى 6، لأنها تدلي برحم وتعصيب.
والأولى أصح، لأن الأب مع قوة عصبته لم يسقط حضانة الأم، كذلك من تدلي به لا يسقط من تدلي بالأم.
وأم الأب أحق من الخالة، والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم، وأحق من الخالة، وخالة لأب أحق من خالة ﴿163/أ﴾ الأم، ويجب أن يتخرج القول في هؤلاء على الروايتين في الجدة للأم مع الجدة للأب، لأن الخالة تدلي بالأم، كما أن الجدة للأم تدلي بالأم، فيكون القول فيها كالقول في الجدات، كذلك الأخت للأم على ما تقدم.
ولا يمنع الأب من زيارة ولده إذا كان عند الأم، فإن كان عند الأب حمل إلى عند أمه إذا اشتاقت إليه، ولا تجيء هي إلى بيت مطلقها إلا أن تكون جارية فيكون مجيء الأم عندها أولى من خروج الطفلة، ولا تطيل المقام عندها.
وإذا لم يكن للطفل عصبة ولا ذوو فرض فهل تنتقل الكفالة إلى ذوي أرحامه؟ قال شيخنا: أما الخالة والعمة فإنهما يستحقان ذلك، وأما بقية الأرحام فيحتمل أن يستحقوا لأجل الحنو والشفقة، ويحتمل أن تنتقل إلى الحاكم.
وإذا ﴿163/ب﴾ أراد أحد الأبوين سفراً، فإن كان دون الستة عشر فرسخاً

الجزء: 1 - الصفحة: 279

فهو كالإقامة، وأما إذا كان مسافة القصر فالأب أحق به سواء كان هو المسافر أو الأم.
وإذا زوجت الأم سقطت حضانتها، فإذا فارقها الزوج عادت حضانتها.
وإذا تزوجت المرأة فلزوجها منعها من رضاع ولدها إلا أن يحتاج إليها لكونه لا يشرب من لبن غيرها.
وعلى الأب الاسترضاع لولده إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجرة مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة.
وإذا امتنع الرجل من النفقة على مماليكه وبهائمه جبره الحاكم، فإن فعل وإلا باع عليه، ويحتمل ألا يجبره لكن يأمره كما يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.

الجزء: 1 - الصفحة: 280

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول التذكرة في الفقه لابن عقيل
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيوعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركةكتاب المضاربةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب إحياء المواتكتاب الوصيةكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب المرتدكتاب البغاةكتاب الحدودكتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب الجهاد والفيء والغنيمةكتاب الخراجكتاب الجزيةكتاب الصيودكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب الكفاراتكتاب النذوركتاب أدب القضاةكتاب الشهاداتكتاب الدعاوىكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل