كتاب إحياء الموات
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "موتان الأرض لله ولرسوله ﴿84/ ب﴾، ثم هي لكم مني" 1 وقال: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له".
2
والموات الذي يجوز إحياؤه ويملك بالإحياء هو: كل أرض لم يجر عليها ملك مسلم، وهي على ضربين: موات دار الحرب، وموات دار الإسلام، فموات دار الحرب يعتبر في جواز تملكه ألا يكون له مالك باق، فإن كان قد جرى عليه ملك مالك وباد المالك جاز إحياؤه.
وموات دار الإسلام يعتبر أن لا يكون قد سبق إليه أحد، فإن كان قد سبق إليه أحد من المسلمين وباد أهله عاد إلى بيت المال فصار لجماعة المسلمين، وللإمام أن يخص به من رأى.
فأما القرى الخراب التي لا يعلم هل جرى عليها ملك مسلم أم لا ففي جواز إحيائها روايتان، أصحهما: الجواز، لأن الأصل عدم الملك من جهة المسلم، فلا يثبت ما ينفي الأصل إلا ظاهر يدل على ذلك، فلا يمنع جهة ﴿85/ أ﴾ من جهات الملك بالشك.
وإحياء الأرض على ما جرت به العادة، فإن أرادها للزراعة فإحياؤه أن يحفر فيها بئراً، ويقطعها تقطيع الزرع ويسقيها الماء، ويحيط عليها بمرز، أو رهص أو ما شاكل ذلك.
وإن أرادها للبناء فأحياؤها تقطيع البيوت، وإدارة السور، فإن حوط
الجزء: 1 - الصفحة: 172
حائطاً ولم يقطعها بيوتاً، ولا قطع الأرض أبواباً للزراعة لم يحصل الإحياء بنفس التحويط في أصح الروايتين (1). فإن حفر بئراً كان له حريمها خمس وعشرون ذراعاً، فإن سبق إلى بئر عادية كان له حريمها خمسون ذراعاً لمد الحبل، وإقامة المواشي.
فصل
في القطائع
وللإمام أن يقطع الموات لمن شاء من المسلمين على وجه المصلحة والإرفاق لمن يرى إرفاقه مصلحة للإسلام.
فهذا إقطاع إملاك، وله أن يقطع إقطاع ﴿85/ ب﴾ إرفاق، وذلك أن يأذن لبعض السوقة في البيع في بقعة من الطريق معينة.
فلا يملك غيره أن يسبق إليها بعد إقطاع الإمام، وكذلك رحاب المساجد، ولا يملك ذلك بحيث يبيعه ويهبه بخلاف إقطاع الأحياء، لأن ذلك يملك.
فإن سبق إليه غيره كان له أن يقيمه بعد إن لم يكن له ذلك قبل إقطاع الإمام.
وأما ما يطلب منفعته من الأراضي، كالمعادن الظاهرة، والباطنة، فالظاهرة كالقار، والنفط، والملح.
والباطنة كالذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، ويكون السابق إلى المشرعة أحق بالمقام فيها ما دام يأخذ، فإذا فرغ وجب عليه الخروج ليتقدم غيره، كما نقول في مشارع الأنهار.3
الجزء: 1 - الصفحة: 173