التذكرة في الفقه لابن عقيلكتاب القطع في السرقة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 1 الآية.
ولا يجب القطع إلا بست شرائط: ﴿182/ ب﴾ أن يكون مكلفاً، آخذاً نصاباً من حرز مثله، لا شبهة له فيه، على وجه الاستخفاء، وهو مما يتمول في العادة.
وقولي "مكلف" احتراز من الصبي، والمجنون.
"من حرز مثله" احتراز من غير حرزه، أو من حرز لا يكون لمثل المسروق حرزاً.
"لا شبهة له فيه" احتراز من الشريك، والأب، والغانم إذا سرقوا من مال الشركة، والولد، والغنيمة.
"أو سرق من بيت المال مسلم على وجه الاستخفاء" احتراز من المنتهب، والمستلب لا قطع عليه، لأنه لا يسمى سارقاً.
وقولنا: "مما يتمول في العادة" احتراز من الماء فإنه لا قطع فيه، لأنه لا يتمول غالباً.
وقولنا: "نصاباً" احتراز مما دون النصاب.
﴿182/ ب﴾ ويخرج في هذا استحساناً لأجل النص الثمر، والكثر 2، وهو الحمار، فإنه لا يقطع سارقه، وعليه الغرم، والتعزير.
واختلف أصحابنا في الكلأ، وهو الحشيش النابت في الأرض إذا سرقه من

الجزء: 1 - الصفحة: 303

الأرض المملوكة على وجهين 3. وللسرقة نصابان، إحداهما من الورق، وقدره ثلاثة دراهم.
والثاني: من الذهب، وهو ربع دينار، وما عداهما مقوم بهما، ويقطع من ثلاثة دراهم إن لم يبلغ ربع دينار، وتبرها كالمضروب سواء.
ويجب القطع بسرقة الأشياء الرطبة، كالهريسة، والشواء، وما أشبهها.
ويقطع في الصيد المملوك، والخشب، والقصب، وفي التمر إذا أواه الجرين وهو موضع تشميسه وجمعه.
وإذا اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا سواء كان ﴿184/ أ﴾ من الأشياء الثقيلة التي تحتاج إلى معاونة أو لم تكن.
وإذا اشترك جماعة في الدخول إلى الحرز، وأخرج أحدهم المتاع فالقطع على جميعهم.
فإن نقب نفسان، فدخل أحدهما فأخذ المتاع ودفعه إلى من خارج الحرز فالقطع على الداخل، فإن قرب المتاع إلى النقب، فأدخل الخارج يده فأخذه فالقطع عليهما.
وإذا دخل فأخذ العين ورمى بها خارج الحرز، أو تركها على دابة وفتح لها الباب فخرجت بالمتاع، أو تركه في جفنة، وترك الجفنة في نهر يخرج ماؤه من الدار، فخرجت الجفنة بالمتاع، أو أخذ ثياباً فتركها على سطح في يوم ريح فطارت بها الريح فالقطع عليه في جميع ذلك، لأن الريح، والماء لا احتراز لهما، فإذا انضم إلى ﴿184/ ب﴾ فعل من له اختيار غلب ذلك في السرقة،

الجزء: 1 - الصفحة: 304

كما لو دفعه من شاهق فأعانت الريح على إلقائه، فإن الضمان يجب على الدافع، ويسقط حكم الريح، كذلك هاهنا.
وعلى قياسه لو حرض الكلب العقور على إنسان فجرحه، وكما لو صاح بصبي من شاهق فسقط كان الضمان على الصائح به، ولا يعتبر بفعل الصبي بخلاف البالغ لعدم قصده.
وإذا نقصت قيمة المسروق عن النصاب بعد إخراجه من الحرز لم يسقط القطع، كما لو خرب الحرز.
وكذلك لو أخرج العصير فصار خمراً لم يسقط، كما لو سرق حيواناً فمات بعد إخراجه.
وكذلك إذا ملك العين المسروقة بجهة من جهات الملك لم يسقط القطع إذا كان ذلك بعد وجوبه.
ولا يقطع بسرقة الحر الصغير، ولا بسرقة ﴿185/ أ﴾ المصحف، ولو كانت عليه حلية قدرها نصاباً.
ويجب قطع سارق الكفن، وهو النباش، ولا يقطع بسرقة ما دفن مع الميت ولم يكفن به، لأن القبر ليس بحرز لذلك، ولهذا ينسب تاركه إلى التفريط بخلاف الكفن.
ويجب القطع بسرقة ستارة الكعبة، والمطالب بذلك الإمام.
وإذا كانت العين المسروقة باقية وجب ردها والقطع، وإذا كانت قد تلفت وجب ضمانها مع القطع.

الجزء: 1 - الصفحة: 305

ولا يقطع السارق في الدفعة الثالثة 4، لكن تقطع في الثانية رجله اليسرى لئلا يعجز عن العبادات، وبذلك علل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال: "إني لأستحي [من الله] 5 أن لا أترك له يداً يبطش بها" 6. وفيه رواية أخرى: أنه يقطع في الثالثة اليد الأخرى.
والأولى أصح.
ولو سرق العين دفعتين قطع بها، كما إذا زنى بامرأة ﴿185/ ب﴾ زنايين.
ولا تثبت السرقة إلا بإقرار دفعتين، أو شهادة اثنين.
ويقطع بسرقة أقاربه سوى ولده وإن سفل، ووالده وإن علا.
ويقطع المستأمن بسرقة مال المسلم، والمسلم بسرقة مال الذمي والمستأمن.
وإذا سرق إناء فيه خمر لم يقطع وإن بلغت قيمته النصاب، لأنه تابع، ولو كان قصده الإناء لأراق الخمر.
ولو سرق صليباً، أو صنماً من ذهب، أو فضة فلا قطع عليه، لأنه يقصد به المعصية، أشبه الخمر، وكذلك آلات اللهو.
وإذا سرق صندوقاً لا حافظ معه لم يقطع، وكذلك لو سرق دابه على ظهرها متاع، لأنه سرق الحرز جميعه ولم يسرق من الحرز، فهو كما لو سرق سفينة فيها متاع، فسيرها ولا حافظ معها، فإنه لا يقطع ولو سرق من المتاع الذي فيها قطع.
وإذا سرق من الحمام وهناك حافظ ﴿186/ أ﴾ قطع.

الجزء: 1 - الصفحة: 306

وإذا أقر العبد بسرقة مال في يده لزمه القطع دون المال.
وإذا سرق عيناً، فسرقها منه آخر لم يقطع الثاني، وكذلك السارق من الغاصب، لأن حرزه كلا حرز، لأنه لا حرمة له، ولهذا يجوز هتكه، وأخذ العين منه.
وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكاً له سقط القطع، لأجل الشبهة.
ولا قطع في السرقة إلا بعد مطالبة المسروق منه، لأنه متى لم توجد مطالبة لم يأمن أن يكون أباحها له، أو وهبها منه، ونحن لا نعلم.
وإذا وجد رجل قتيل في دار رجل، فقال صاحب الدار: أنا قتلته، لأنه هجم عليّ متلصصاً، أو طالباً لقتلي ولم أستطع دفعه إلا بالقتل.
وجب القصاص ما لم يقم بينة بما ادعاه.

الجزء: 1 - الصفحة: 307

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول التذكرة في الفقه لابن عقيل
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيوعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركةكتاب المضاربةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب إحياء المواتكتاب الوصيةكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب المرتدكتاب البغاةكتاب الحدودكتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب الجهاد والفيء والغنيمةكتاب الخراجكتاب الجزيةكتاب الصيودكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب الكفاراتكتاب النذوركتاب أدب القضاةكتاب الشهاداتكتاب الدعاوىكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل