كتاب الجهاد والفيء والغنيمة
قال الله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ 1 الآية.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الغنم لمن حضر الوقعة" 2.
اعلم أن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقيا تعين الثبوت، وحرم الانصراف إلا متحرفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة.
وإذا كان المسلم ﴿190/ أ﴾ في دار الحرب فلا يخلو من ثلاث أحوال: إما أن يكون قادراً على إظهار الإسلام فلا تجب عليه الهجرة لكن تستحب له.
ومن لم يقدر على إظهار دينه وجب عليه الهجرة.
ومن كان زمناً لا يقدر على الهجرة، ولا على إظهار دينه فلا هجرة عليه.
والشرط الذي يعتبر في الشخص لو وجب الجهاد عليه أربعة: الحرية، والذكورية، والبلوغ، والعقل.
فمن اجتمعت فيه هذه الأربعة أوصاف وجب عليه الجهاد، وعلى قدر خطر الجهاد تكون فضيلته، فكلما كان الخطر أكثر كان الثواب أوفر.
ويخرج المسلمون مع الأمراء من كل بر وفاجر لئلا يسقط العلم الظاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 313
وتمام الرباط أربعون ليلة.
وإذا كان أبواه حيين لم يجاهد إلا بإذنهما، فإذا تعين بالنفير، أو التقاء الصفين لم يعتبر إذنهما في ذلك.
ولا يدعى قبل القتال من بلغته الدعوة، ويدعى من لم تبلغه الدعوة.
فأما عبدة ﴿190/ ب﴾ الأوثان إما الإسلام أو السيف، وأهل الكتاب "ومن له شبهة كتاب إما الإسلام، أو بذل الجزية، أو السيف.
والذي يستحقه الفارس ثلاثة أسهم إذا كان فرسه عربياً، وإن كان هجيناً 3 استحق سهمين، ويسهم [لمن غزا على فرسين] 4 سهمين، ولا يسهم لما زاد على ذلك، لأن الغالب الحاجة إلى فرسين يتراوح عليهما كما أعيا واحد ركب الآخر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لفرس الزبير.
ويسهم للبعير سهم.
وإذا دخل دار الحرب فارس ثم نفق فرسه قبل أن تقضى الحرب استحق سهم راجل اعتباراً بتقضي الحرب لا بدخول دار الحرب.
وثلاثة لا يسهم لهم لكن يرضخ لهم: الصبي، والعبد، والمرأة.
ولا يجوز أن يستعان بالمشركين، فإن حضروا معنا استحقوا سهماً كاملاً.
ويصح أمان العبد والصبي الذي يعقل الأمان.
والأمان ألفاظ، مثل قوله ﴿191/ أ﴾: ألق سلاحك، ولا بأس عليك.
وقف.
وأنت آمن.
وقد أمنتك.
ولا خوف عليك.
إلى ما شاكل ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 314
وتجار العسكر كالمقاتلة في استحقاق السهم.
ومن قتل قتيلاً فله سلبه سواء شرط الإمام ذلك أو لم يشرط، والسلب ثيابه، وجنة القتال، وليس دراهمه، ولا دنانيره من السلب، بل هو مردود في المغنم.
ويخير الإمام في الأسارى بين أربعة أشياء: القتل، أو الاسترقاق، أو المن، أو الفداء وذلك تخيير مصلحة لا تخيير شهوة.
وإذا مات بعض الغانمين بعد تقضي الحرب وحصول الغنيمة في أيديهم فسهمه لورثته.
ولو وطء بعضهم أمة من المغنم سقط الحد، وأخذ منه مهرها فرد في المغنم، فإن استولدها وجبت قيمتها فرد في المغنم، وقيمة الولد، لأن ولده منها حر.
وإذا سبي الطفل مع أحد أبويه لم نحكم ببيعه لهما، ويتبع السابي فيكون مسلماً.
﴿191/ ب﴾ وإذا هرب أسير من المشركين ولحق بالجيش قبل تقضي الحرب كان له سهم كامل.
وتجوز قسمة الغنائم في دار الحرب.
وإذا أسر من لاكتاب له ولا شبهة كتاب لم يجز استرقاقه في أصح الروايتين 5.
فعلى هذا يكون الإمام مخيراً فيه بين ثلاثة أشياء.
وإذا ظهر المشركون على أموال المسلمين ملكوها بالقهر والغلبة قبل احازتها
الجزء: 1 - الصفحة: 315
إلى دار الحرب، وبعد الاحازة، فإن عاد المسلمون فأخذوه منهم ثم وجده صاحبه، فإن كان قبل القسمة فهو أحق به من غير عوض، وإن كان بعد القسمة فعلى روايتين، إحداهما: لا حق له فيه 6، والثانية: هو أحق به بالقيمة.
وما أخذه من مباحات دار الحرب، كالحشيش، والحطب قسم بين الغانمين.
ولا يجوز إتلاف مواشي أهل الحرب، ولا يجوز قتل النساء، ولا الصبيان، ولا الشيوخ الذين لا رأي لهم ﴿192/ أ﴾ في الحرب، ولا أرباب الصوامع، ولا الزمنى، وإذا قاتل هؤلاء قتلوا.
وإذا أبق عبد المسلم ودخل دار الحرب فأخذوه ملكوه.
ولو أسلم واحد من دارهم أحرز أملاكه خرج إلينا أم لم يخرج، ولا يجوز استرقاق أولاده.
ولو علقت الحربية في دار الحرب من مسلم لم يجز استرفاق الولد، وجاز استرفاق الأم.
ولو تزوجت المستأمنة بمسلم في دار الإسلام لم يلزمها المقام إذا رضي زوجها بخروجها.
ولو دخل مستأمن إلى دار الإسلام، فأودع ماله مسلماً، ثم مات، أو لحق بدار الحرب بعث بماله إلى ورثته.
وإذا لحق المدد بالجيش بعد تقضي الحرب فلا حق لهم في الغنيمة.
ولو أهدى إلى الأمير هدية كانت كسائر مال الفيء، لأنه إنما ﴿192/ ب﴾ أهدي له بظهر الإسلام.
الجزء: 1 - الصفحة: 316
وإذا ند بعير من دار الحرب، أو عبد، فأخذه مسلم فهو له.
وإذا غلّ بعض الغانمين من الغنيمة حرق رحله ولم يقطع للشبهة الحاصلة وهي مشاركته لهم في الاستحقاق.
فصل
في أموال الفيء والغنائم وأرض الصلح والعنوة
اعلم أن الأموال ثلاثة: فيء، وغنيمة، وصدقة.
فالفيء: ما أخذ من مال مشرك بحق الكفر بغير قتال، وهو ما أخذ مما تركوه فزعاً وهربوا، والأعشار المأخوذة من تجارهم إذا دخلوا إلينا، وأموال الخراج، وما صولحو عليه، ومن مات ولا وارث له.
والغنيمة: ما أخذ منهم بالقتال، وإيجاف الخيل والركاب.
والصدقة: هي الزكاة، وقد ذكرنا الأموال التي فيها الزكاة ﴿193/ أ﴾ وكم نوع هي فيما تقدم.
وأما مال الفيء والغنيمة فإنه يخرج خمساهما ويقسم على خمسة أسهم: سهم للرسول ينصرف في مصالح المسلمين؛ وسهم لذي القربى وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.
وأربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الوقعة، وأربعة أخماس الفيء لمصالح المسلمين.
والغنيمة مقسومة على التفضيل: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم.
وأما الصدقة فقد ذكرنا مصرفها إلى ثمانية أصناف في باب الزكاة، فلا وجه للإعادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 317
ولو اقتصر في الزكاة على صنف أجزأه، ولو اقتصر على بعض أصناف أهل الخمس لم يجزئه، لأن الخمس لا يختص بجهة مغزاه، والصدقة تختص ببلدها.
ولا يستحق القاتل السلب (1) إلا بأربعة شرائط: ﴿193/ ب﴾ أن يقتله والحرب قائمة، فأما إن قتله بعد تقضيها فلا سلب له.
الثاني: أن يغرر بنفسه بأن يحمل عليه وهو في الصف فيقتله، فإن رماه بسهم، أو ما شاكله فقتله لم يستحق السلب.
الثالث: أن يقتله ممتنعاً عن القتل، فأما إن قتله وهو طريح مثخن بالجراح فلا سلب له.
الرابع: أن يكون قد كفى المسلمين شره، فإن قتله وهو أسير لم يستحق.
واختلفت الرواية في الشرط الخامس، وهو إذن الإمام في ذلك، وشرطه لمن قتل قتيلاً سلبه على روايتين، إحداهما: لا يستحق السلب إلا به (2).
والثانية: لا يفتقر استحقاق السلب إليه.
فصل
في السبي
السبي على ضربين: من يحصل رقيقاً بنفس الأسر، وهم النساء والصبيان، فيصيرون أموالاً للمسلمين فلا يجوز قتلهم لعلتين، إحداهما: حراسة مال ﴿194/ أ﴾ المسلم، وهو الرق.78
الجزء: 1 - الصفحة: 318
والثاني: كونهم ليسوا من أهل القتال.
ومن يكون الإمام مخيراً فيهم بين أربعة أشياء، وهم البلغ من الذكور بين المن، والفداء، والاسترقاق، والقتل، وذلك تخير مصلحة لا شهوة.
فصل
ومصرف خمس الفيء والغنيمة على خمسة أسهم: للرسول صلى الله عليه وسلم مصروف في الكراع، والسلاح، ومصالح المسلمين.
وخمس مقسوم في بني هاشم، وبني المطلب ابني عبد مناف حيث كانوا.
للذكر مثل حظ الأنثيين غنيهم وفقيرهم فيه سواء.
والخمس الثالث في اليتامى.
والخمس الرابع في المساكين.
والخمس الخامس في أبناء السبيل.
وأربعة أخماس الفيء لجماعة المسلمين بالسوية غنيهم وفقيرهم إلا العبيد، وأربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الواقعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 319