التذكرة في الفقه لابن عقيلكتاب الصلاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (1). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس بيننا وبينهم إلا ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر".
(2) والصلوات على أربعة أضرب: فرض على الأعيان، وهي الصلاة المؤقتة والجمعة منها.
وفرض على الكفاية، وهي صلاة العيدين والجنازة.
وسنة راتبة، وهي التابعة للمؤقتة، كركعتي الفجر، والمغرب، وصلاة الكسوف، والاستسقاء.
ونفل يفعله الإنسان، كصوم نفسه كيف أحب.
وأفضل أوقات التطوع ما كان جوف الليل بعد الهجوع، وهي الناشئة.

فصل

﴿8/ ب﴾ فأما الصلوات المؤقتة فلكل واحدة منها وقتان: أول وآخر، فأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، ومعرفة الزوال بزيادة ظل الشخص بعد تناهي قصره، وآخر وقتها إذا صار الظل مثله سوى ما زالت عليه الشمس، ويختلف ما تزول عليه من الاقدام باختلاف الزمان ففي الصيف يقصر الظل، وفي الشتاء يطول، لأن الشمس في جوانب السماء.
وأول وقت العصر إذا زاد على المثل يسيراً، وآخر وقت العصر إذا صار12

الجزء: 1 - الصفحة: 42

الظل مثليه، ووقت الضرورة ما لم تغب الشمس، فمتى أحرم بها قبل غيبوبة الشمس كان مؤدياً.
وأول وقت المغرب غيبوبة الشمس، وآخر وقتها ما لم يغب الشفق وهو الحمرة.
وأول وقت عشاء الآخرة آخر وقت المغرب، والوقت مبقى إلى نصف الليل في أصح الروايتين 3، أعني ﴿9/ أ﴾ وقت الفضيلة، ووقت الإدراك ما لم يطلع الفجر الثاني.
ووقت صلاة الفجر إذا طلع الفجر الثاني، وآخر وقتها المختار أول الأسفار، ووقت أهل الأعذار ما لم تطلع الشمس، فإن أدرك تحريمها قبل طلوع الشمس فقد أدركها.
والفضيلة عندنا التغليس، وفي كل صلاة أول وقتها أفضل إلا صلاتين: صلاة الظهر في الحر، والعشاء الآخرة في عموم الأزمان.
ويبيح السفر الجمع بين أربع صلوات: بين الظهر والعصر، ويكون مخيراً بين تقديم الأخيرة إلى الأولى، أو تأخير الأولى إلى الثانية، والمغرب والعشاء كذلك، والفجر لا تجمع بما قبلها ولا بما بعدها، لأن وقتها منقطع عن التي قبلها وعن التي بعدها من الصلوات، وبعيد عن ﴿9/ ب﴾ التي تليها والتي قبلها فلا يشق النزول لها.
وكل صلاة جمعت بالتي قبلها لزمت الأولى منها بإدراك وقت الثانية، وهل تلزم الثانية بإدراك وقت الأولى مع وجود العدد المسقط للثانية؟ على روايتين والناس في الأوقات على أربعة أضرب: من يعلم الوقت يقيناً، وهو

الجزء: 1 - الصفحة: 43

العالم بتسير الشمس ومنازلها، ففرضه اليقين.
وجاهل لا يعرف ذلك، ففرضه التقليد للعالم بذلك.
ومن لا يعلم ولا يجد من يقلده، ففرضه التأخير ليعلم دخول الوقت أو يظن دخوله، ولا يستبيح فعل الصلاة مع الشك في دخول الوقت.
ومن لا يمكنه التوصل إلى اليقين وهو المطمور الذي لا يعلم الليل من النهار، ففرضه التحري والتأخير بجهده ليعلم أو يغلب على ظنه دخول الوقت، ﴿10/ أ﴾ فإن وافقت صلاته ما قبل الوقت أعاد.

فصل

في الأذان

الأذان فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين، وليس بشرط في الصلاة، والصلوات على أربعة أضرب: صلاة شرع لها الأذان والإقامة، وهي صلاة الوقت المؤداة.
وما شرع لها الإقامة دون الأذان، وهي الفائتة من الفوائت، والثانية من صلاتي الجَمع.
وما شرع لها الدعاء إلى الصلاة مثل قوله: الصلاة جامعة.
وهي صلاة العيدين، والكسوف، والاستسقاء.
وصلاة لم يشرع لها أذان ولا إقامة ولا دعاء، وهي صلاة الجنازة والتراويح.
وهي خمسة عشر كلمة: التكبير في أوله أربعاً، والشهادتان أربعاً،

الجزء: 1 - الصفحة: 44

والدعاء إلى الصلاة أربعاً، والتكبير في آخره مرتين، وكلمة الإخلاص مرة واحدة.
والإقامة إحدى ﴿10/ ب﴾ عشرة كلمة: التكبير مرتان، والشهادتان مرتان، والدعاء إلى الصلاة مرتان، وذكر الإقامة مرتان، والتكبير في آخره مرتان، وكلمة الإخلاص مرة.

فصل

وتشتمل على شرائط وآداب، فالشرائط تنقسم بعضها معتبر في المؤذن، وبعضها في الأذان، وبعضها في محل الأذان.
فأما المؤذن فمن شرطه أن يكون مسلماً، فإن أذن كافر حكم بإسلامه، ويحتاج إلى إعادة الأذان، كما قلنا في الكافر إذا صلى حكم بإسلامه، ويحتاج إلى إعادة الصلاة.
وألا يلحن لحناً يحيل معنى الأذان، مثل أن يقول: الله وأكبر، أشهد وأن لا إله إلا الله كعادة أهل وقتنا.
وألا يكون محدثاً الحدث الأكبر، فإن أذن جنباً أعاد.
وهو اختيار الخرقي 4 يستحب أن يكون ثقة أميناً عالماً بالأوقات، فإن لم يكن عالماً قلد في الأذان من يعلم الوقت وصح ﴿11/ أ﴾ أذانه.
وروي عن أحمد اعتبار العدالة، فإن كان فاسقاً لم يصح أذانه، كما لا

الجزء: 1 - الصفحة: 45

تصح إمامته، ولأنه أمين على الأوقات ومع الفسق لا يعلم دخول الوقت بقوله، ولا يؤمن على العبادة.
ومن شرط الأذان أن يكون مكانه حلالاً، فإن كان غصباً لم يصح على قياس المذهب في الصلاة.
ووقت صحته بعد دخول وقت الصلاة، فإن قدمه على الوقت أعاد إلا أذان الفجر.
ويعم الجهر به بحيث يسمع الناس، فمتى أسر به أعاده، لأنه فوت المقصود وهو الإعلان.
وألا ينكسه ولا يقطعه بحيث يخرج عن عادته إيصال كلام الناس فيما بينهم.
ولا يرفع رأسه إلا عند شروعه في كلمة الإخلاص، ويدير وجهه عن يمينه إذا قال: حي على الصلاة، وعن شماله إذا قال: حي على الفلاح.
ولا يزيل قدمه، ويضع سباحيه ﴿11/ ب﴾ في أذنيه، لأنه أخرس للصوت.
ويستحب أن يكون طاهراً في ثياب طاهرة.
ويستحب أن يقول خفية كما يقول جهرة.
ويستحب لمن سمعه أن يقول كما يقول إلا في قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
لأن الدعاء يراد للإعلام وليس يتضمن ذكر الله فكان الإسرار بذكر الله أولى من الإتيان بالدعاء على وجه لا يحصل به فائدة، ولأن تقديره لا حول لنا على قوة إجابة داعي الله إلا بالله سبحانه.
ولا يستحب إكثار عدد المؤذنين إلا عند الحاجة

الجزء: 1 - الصفحة: 46

ويستحب أن يتولى الإقامة من أذن.
ويستحب الإقامة في موضع الأذان.
ويستحب أن ي

فصل

بين الأذان والإقامة بركعتين مقدار ما يتوضأ السامع.
ويجعل الجلسة بين الأذان للمغرب والإقامة مقام الركعتين.
وإذا تشاح اثنان أقرع بينهما، إلا أن يكون لأحدهما ميزة (1)، وفيه رواية أخرى: يقدم من يرضاه الجيران.

﴿12/ أ﴾

فصل

في استقبال القبلة

الناس في القبلة على أربعة أضرب: من فرضه المشاهدة، وهو من كان بمكة من أهلها أو من غير أهلها إلا أنه مقيم فيها، فهذا فرضه مشاهدة البيت، أو القطع على أنه متوجه إلى البيت.
ومن فرضه الاجتهاد، وهو من كان عارفاً بدلائل القبلة ففرضه الاجتهاد في استقبالها.
ومن فرضه الاخبار، وهو من كان بينه وبين الكعبة حائل، كجبل، أو تل عال ففرضه أن يخبره مخبر ثقة بأنه في مقامه متوجه إلى البيت.
ومن فرضه التقليد على الإطلاق، وهو الأعمى، والعامي الذي لا معرفة له بدلائلها، فمتى صلى أحد هؤلاء قبل فعل ما يجب عليه من اجتهاد، أو دليل، أو مخبر، أو متبع يقلده أعاد، وإن دلو أصابوا.5

الجزء: 1 - الصفحة: 47

ويسقط استقبال القبلة في صلاتين: النافلة على الراحلة، وفي شدة الخوف، فإنه يبتدئ التكبيرة إلى القبلة ثم يصلي كيف أمكنه.
والذي يستدل به على القبلة ستة أشياء: النجوم (1) ﴿122/ ب﴾ وهو أن كل جبل متوجه إلى القبلة، ويعرف وجهها سكانها، ومحاريب مساجد بلاد الإسلام دليل يغني عن الاجتهاد والتقليد، فأما محاريب البلاد الدارسة فلا يجوز أن يصلى إليها لجواز أن تكون بلاد للمشركين ومساجد لهم.
ولا تسل عن القبلة إلا مسلماً ثقة عدلاً، فإن دله كافر، أو فاسق فإن كان عارفاً بالنجوم لم يتبعه، لأنه قد يمجن به ويدله على غير القبلة.

فصل

ويتقدم الصلاة خمسة أشياء: الطهارة، والستارة، والبقعة الطاهرة، واستقبال القبلة، والعلم بدخول الوقت، أو يغلب على ظنه دخوله، ويجب استدامتها جميعاً، إلا أن يكون ضرر فيسقط اعتبار الاستدامة، وحكم هذه الشرائط أن الصلاة لا تنعقد إلا بها.
وتشتمل الصلاة بنفسها على أربعة أشياء: أركان، وواجبات، ﴿123/ أ﴾ ومسنونات، وهيئات.
فالأركان: النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام، والقراءة، وهل يتعين بالفاتحة 7؟ على روايتين.
والركوع وطمأنينته، والرفع منه حتى يطمئن في6

الجزء: 1 - الصفحة: 48

رفعه، والسجود وطمأنينته، والجلسة بين السجدتين وطمأنينتها، والسجدة الثانية، والتشهد الأخير، والسلام.
وحكم هذه أنها لا تتم الصلاة مع تركها عمداً ولا سهواً.
والواجبات: تكبيرات الخفض والرفع، والتسبيحة الأولى في الركوع والسجود، وقول رب اغفر لي، والتشهد الأول، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير في إحدى الروايتين 8، وقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد في حق الإمام والمنفرد.
وربنا لك الحمد في حق المأموم.
وحكم هذه أنها تبطل الصلاة بتركها عمداً، وتجبر بالسجود إذا تركت سهواً.
وأم المسنونات: فالاستفتاح، والاستعاذة، وقول آمين، ﴿220/ ب﴾ وقراءة السورة بعد الفاتحة، والتسبيحات الثواني والثواليث.
في الركوع والسجود، وقول رب أغفر لي ثانية وثالثة بين السجدتين، وقوله عند الرفع من الركوع: ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد.
وأما الهيئات: فما كان وصفاً في غيره من الأفعال والأقوال، كالجهر بالقراءة في موضع الجهر، والاخفات في موضعه، والخشوع، وهو قصر النظر على موضع السجود، ووضع اليمين على الشمال، والافتراش في التشهد الأول، والتورك في الثاني، والتجافى في الركوع والسجود، وهو نشر أعضائه بعضها عن بعض.
فهذه الهيئات، وما تقدمها من المسنونات حكمها أن تركها نقصان فضيلة، ولا يؤثر بطالاً، ولا يوجب جبراً بسجود السهو.

الجزء: 1 - الصفحة: 49

فصل

في صفة الصلاة

يستقبل القبلة ناوياً لصلاة معيناً ﴿221/ أ﴾ لها بالنية، يبتدئ بتكبيرة الإحرام رافعاً يديه مضمومتي الأصابع، أعني غير مفرجة، ولا مفرقة مبسوطة منقبضة إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ويكون الرفع مع ابتداء افتتاحه بالتكبيرة منتهى به إلى حين، ويحطهما ساذجتين من ذكر، فيضع اليمنى على كوع اليسرى قابضاً له بها ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم يقرأ الفاتحة معربة، ويأتي بالتشديد في مواضعه، وتتضمن إحدى عشرة تشديدة متى ترك واحدة منها مع القدرة لم تصح قراءته، فإذا قال: ولا الضالين.
جهر بآمين الإمام والمأموم، ثم يعقبها بقراءة سورة يفتتحها ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ويطيل في الأولى ويقصر في الثانية، ولا يقرأ سورة من الطوال بحيث يشق بقراءتها على المأمومين إذا كان إماماً، ولا بحيث يخرج الوقت إن كان منفرداً، وتكون قراءته ﴿221/ ب﴾ مرتلة محققة ليفهم السامع معاني القرآن، قال سبحانه ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.
9 والأفضل للمأموم الصمت وترك القراءة وراء إمامه إذا كان يجهر، فإن خافت قرأ الفاتحة فقط، وتشاغل بسماع قراءة إمامه لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ 10، ثم يكبر فيكون ابتداء تكبيره مع ابتداء انحطاطه إلى ركوعه، وانتهاؤه عند استوائه راكعاً، ويكون معتدلاً فيجافي

الجزء: 1 - الصفحة: 50

عضديه عن جنبه، ويفرج أصابعه على ركبتيه قابضاً لها، ويمد ظهره، ولا يرفع رأسه ولا يخفضه، ويقول: سبحان رب العظيم ثلاثاً.
ثم يرفع قائلاً: سمع الله لمن حمده.
إلى أن ينتهي إلى قوله: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، والمأموم يرفع بعد رفع إمامه قائلاً: ربنا ولك الحمد.
ليقع قوله بعد قول إمامه سمع الله لمن حمده، ثم ينحط مكبراً، ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء انحطاطه وانتهاؤه مع انتهاء انحطاطه، فأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه، ويكون على أطراف أصابعه ﴿222/ أ﴾، ويجافي عضديه عن جنبيه، وثقل بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويكون على أطراف أصابع رجليه باسطاً لراحته على الأرض مستقبلاً برؤوس أصابع يديه القبلة غير مفرج لها، ثم يقول في سجوده: سبحان رب الأعلى.
ثلاثاً إن أحب، وإن اقتصر على مرة أجزأه، وإن زاد كان أفضل إلا أن يكون إماماً فالاقتصار على الثلاث أولى به لئلا يشق على من خلفه، ثم يرفع رأسه مكبراً فيكون ابتداء تكبيره مع ابتداء رفعه، وانتهاؤه مع استوائه جالساً، ويكون جلوسه على صفة جلوس تشهده الأول يفترش رجله اليسرى تحت اليته اليسرى، وينصب رجله اليمنى ويضع يده اليمنى، على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى مضمومة أصابعها مستقبلاً بها القبلة، ويقول: رب اغفر لي.
ثلاثاً إن أحب، ويجزئه مرة واحدة، ثم يعود فينحط مكبراً كما وصفنا إلى السجدة الثانية فيفعل كما فعل في الأولى ﴿222/ ب﴾، فإذا فرغ من سجدة الركعة الثانية رفع رأسه مكبراً فجلس للتشهد الأول إذا كان في صلاة رباعية، كجلوسه بين السجدتين مفترشاً، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى قابضاً أصابعها كعقد ثلاثة

الجزء: 1 - الصفحة: 51

وستين، ويبسط السبابة نحو القبلة، ويبسط يده اليسرى على فخذه اليسرى ويقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم يقوم إلى الثانية على صدور قدميه معتمداً بيديه على ركبتيه إلا أن يشق ذلك عليه فيعتمد على الأرض ويكون حال قيامه مكبراً على ما وصفنا يكون ابتداء تكبيره مع ابتداء قيامه وانتهاؤه مع استوائه قائماً، ثم يستعيذ فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع ﴿223/ أ﴾ العليم.
ويقرأ ولا يستفتح، لأن الاستعاذة للقراءة، والقراءة تتكرر، والاستفتاح الابتداء، وذلك لا يتكرر، ويفعل في الثانية كما فعل في الأولى، فإن كانت الصلاة رباعية قرأ في الأخرتين بالفاتحة من غير سورة، ويتورك في التشهد الأخير، فيجعل اليته على الأرض، ويترك باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمنى، وينصب رجله اليمنى، ويأتي بما أتى به في التشهد الأول، ويزيد عليه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
ويتعوذ فيقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، وأعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال، ﴿223/ ب﴾ وأعوذ بالله من فتنة المحيا والممات.
وإن أحب أن يدعو بما ذكر في السنن فلا بأس، مثل قوله: اللهم إني أسألك الخير كله عاجله وآجله، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله.
إلى أشباه ذلك، ثم يسلم عن يمينه، ويشير بوجهه إلى القبلة في

الجزء: 1 - الصفحة: 52

ابتداء سلامه، ولا ينوي بسلامه ملكاً، ولا مأموماً، وإنما ينوي به الخروج من الصلاة، فإن نوى به غير الخروج لم تبطل صلاته على قول -أحمد رضي الله عنه- واختلف أصحابنا على وجهين (1)، ويسلم الثانية عن يساره، ويكون إدارة وجهه في التسليمة الثانية أوفى، وصوته بها أخفى.

فصل

في سجود السهو

فإن دخل على صلاته نقصان بترك واجب من قول أو فعل فعليه سجود السهو داخل الصلاة بعد استيفاء التشهد، وقيل: يسلم ويكبر إذا سجد ويسلم إذا رفع، إلا في موضعين فإنه يسجد لهما بعد السلام: الإمام ﴿22/ أ﴾.
إذا شك فلم يدر كم صلى، وقلنا يبني على غالب ظنه، وإذا سلم المصلي من نقصان إماماً كان أو مأموماً، أو منفرداً فإنه يتمم صلاته ويسلم، ثم يكبر ويسجد سجدتين بعد سلامه ويرفع منهما فيتشهد تشهده الأخير ويسلم.
وإذا نسي سجود السهو سجد ما دام في المسجد، فإن خرج لم يعد.
ويحتاج سجود السهو خارج الصلاة إلى ما تحتاج إليه الصلاة من الطهارتين عن الحدث، والنجس، والستارة والاستقبال، وطهارة البقعة إلى ما شاكل ذلك، وإذا فعل فيها كان تبعاً لها، ولا يسجد المأموم إلا أن يسجد إمامه، لأن إمامه يتحمل عنه القراءة إذا سبقه بالإجماع، فإن وجب على إمام المسبوق سجود السهو فلم يسجد الإمام وجب أن يسجد هو رواية واحدة.11

الجزء: 1 - الصفحة: 53

فصل

والسنن الراتبة لصلاة الوقت ثلاث عشرة ﴿224/ ب﴾ ركعة: ركعتان قبل الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وخمس بعد العشاء يوتر بواحدة.
ويستحب قضاؤها إذا تركها مع الفرائض، أو تركها مفردة.

فصل وصلاة الجمعة واجبة على الأعيان، ولا تجب إلا على من اجتمعت فيه سبع شرائط: البلوغ، والعقل، والإسلام، والصحة، والحرية، والذكورية، والوطن.
ومن شرطها في نفسها العدد، وهو أربعون ممن اجتمعت فيه الشرائط المقدم ذكرها، وفي إذن الإمام روايتان، إحداهما: ليس ذلك شرطاً 12. وتجب على أهل القرى ولا تجب على أهل الحلل، والبوادي، والخطبان.
وتشتمل على أربعة أشياء، حمد الله.
والثناء عليه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية من القرآن، والموعظة، والثانية منها كالأولى إلا أنها ﴿522/ أ﴾ أقصر وأخصر، ويجلس بينهما جلسة خفيفة للفصل، وليست واجبة في أصح الروايتين.
ويجب الإنصات لسماعها على من حضرها ممن قرب من الإمام.
ومن دخل والإمام على المنبر صلى ركعتين يتجوز فيهما.
ومن سلم لم يرد عليه الحاضرون إلا بالإشارة، ويجوز للخطيب أن يرد عليه ويتكلم، لأن

الجزء: 1 - الصفحة: 54

النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ولأن كلامه لا يمنع الاستماع.
ويحرم البيع وما في معناه من العقود في وقت النداء، وهل هو الأذان على المنارة، أو الذي بين يدي المنبر؟ على روايتين، أصحهما أنه الأذان الثاني، لأن الأول محدث.
ومن أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها، ومن أدركهم في التشهد نوى متابعتهم في الجمعة وصلى أربعاً.
وإذا خرج الوقت وهم في الصلاة بنى على الجمعة.
وإذا ﴿225/ ب﴾ حضر المريض الجامع تعينت عليه الجمعة.
وإذا اتفق عيد وجمعة أجزأ حضور العيد عنها.
وأول وقتها وقت جواز صلاة العيد.

فصل

في صلاة القصر

وصلاة القصر ركعتان إلا المغرب والفجر على حكم أصلها لا يقصران، والمقصورات ثلاث صلوات: الظهر، والعصر، والعشاء.
والسفر الذي يبيح القصر ستة عشر فرسخاً، ولا يباح إلا في السفر المباح، فأما سفر المعصية فلا يبيح رخصة لا قصراً، ولا فطراً، ولا مسحاً، ويبيح ما يباح من الرخص في الحضر من المسح يوماً وليلة، والتيمم عند عدم الماء إلا أنه لا يبيح أكل الميتة.
ويحتاج القاصر إلى نية القصر، وقد يجتمع لنيته أحوال ستة: فينوي أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 55

يصلي الظهر مفروضة مقصورة مجموعة إماماً أو مأموماً، وعلى قول شيخنا ﴿226/ أ﴾ لا يحتاج أن ينوي الفرض، لأن الظهر لا تكون إلا فرضاً.
وقال ابن حامد (1) شيخه: ينوي الفرض، لأن الظهر قد تقع نفلاً، وهي ظهر الصبي.
ويجوز للمقيم أن يأتم بالمسافر، فإذا سلم إمامه قام فأتم.
ويجوز للمقيم أن يؤم المسافرين، ويجب عليهم الإتمام اتباعاً له.
وإذا خرجت به السفينة من الحضر إلى الموضع الذي يبيح القصر، وهو إذا ترك البلد وراء ظهره، وقد أحرم بالصلاة في الحضر لم يجز له القصر، ولو خرج وقد نوى الصوم وشرع فيه جاز له الفطر، لأن الصلاة يلزمه حكم الإتمام لها بالنية، والمتابعة، والصوم والسفر لا يلزم إتمامهما بالنية، بل يجوز له الفطر بعد أن شرع فيه.
وإذا أحرم بالصلاة ينوي القصر في السفر، ثم قدمت به السفينة لزمه الإتمام، وإذا كان على قتب لزمه النزول لصلاة الفروض إلا أن لا ﴿123/ ب﴾ يمكنه ذلك فيصلي على حسب حاله ولا إعادة عليه، ويدور إلى القبلة كيف أمكنه، ولا يجب عليه أن يدور في صلاة النفل.

فصل

في الجمع

والأعذار المبيحة للجمع بين الصلاتين: السفر، والمرض، والمطر، والوحل، وهو مخير بين تقديم الأخيرة إلى وقت الأولى، وتأخير13

الجزء: 1 - الصفحة: 56

الأولى إلى وقت الثانية، كثير حاجة بأن يعلم أن القافلة تسير في وقت العصر فيقدمها إلى الظهر، أو يعلم أنها تنزل في وقت العصر ويبعد نزولها في وقت الظهر، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر، وهذا لما يلحقه من الانزعاج بالنزول، وفوات القافلة باشتغاله بها.
وأما المرض فإذا علم أنه تجيئه نوبة الحمى وقت العصر قدمها إلى صلاة الظهر وإن جاءته وقت الظهر أخرها إلى وقت العصر، فأما المطر فيبيح الجمع بين المغرب والعشاء ﴿124/ أ﴾ وأما الظهر والعصر فلا، وكذلك الريح الباردة، والوحل، والثلج، وما أشبه المطر من الحوادث المانعة.
فأما السفر والمرض فيستوي فيه الليل والنهار.

فصل

والصلوات التي تجمع أربعة: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولا تجمع الفجر بما بعدها ولا بما قبلها، لأن وقتها منفرد عن هذه الصلوات، ولأن الشرع لم يرد بجمعها.
ويحتاج إلى نية الجمع في الأولى، ويعلم المأمومين لينووا.
فإن انقطع المطر، وزال العذر في الجملة قبل الشروع في الثانية ترك فعلها في وقت غيرها إذا كانت مقدمة، فإن كانت مؤخرة فذلك وقتها لا وقت لها غيره.
وإن زال عذره وقد شرع في الثانية مضى سواء كان تقديماً أو تأخيراً.

الجزء: 1 - الصفحة: 57

فصل

وأما صلاة العيدين فمن شرطها ما اشترط {} (1) ﴿20/ ب﴾ ويعقبها بسورة الأعلى، ويقرأ في الثانية بهل أتاك حديث الغاشية.
ومن فاتته صلاة العيد قضاها، وفي كيفية القضاء ثلاث روايات: أحدها: ركعتان.
(2) والثانية: أربع ركعات.
والثالثة: هو مخير بين الركعتين والأربع.
ويستحب تأخير الفطر وتقديم الأضحى ليرجع الناس فيأكلوا من أضاحيهم، وأما في الفطر فإنهم يفطرون قبل الصلاة.
ووقت إقامتها إذا انبسطت (3) الشمس وابيضت، والوقت باق إلى ما قبل الزوال، فلو جاء الخبر برؤية الهلال قبل زوال الشمس أقامها.
ويخرج الشباب إلى المصلى، ويتخلف المشايخ ليصلوا في جامع المصر، ويترك معهم إماماً يصلي بهم في الجامع.

فصل

في صلاة الخوف

اعلم أن الخوف على ضربين: خوف يمكن معه قسم الجيش قسمين طائفة تصلى مع الإمام، وطائفة تحرس المصلين وتقاتل، فإذا صلت الطائفة مع الإمام141516

الجزء: 1 - الصفحة: 58

ركعة وقام إلى الثانية ﴿أتمت الطائفة الأولى﴾ (1) لنفسها ﴿21/ أ﴾ بركعة أخرى، وسلمت، وخرجت والإمام يطيل قيام الثانية إلى أن تجيء الطائفة التي كانت تحرس فتصلي معه الركعة التي أدركته فيها فإذا جلس للتشهد أطال حتى تقضي الركعة وتسلم معه فتدرك الأولى فضيلة التحريم، والثانية فضيلة التسليم.

فصل

فأما شدة الخوف فهو عند التحام الحرب، واختلاط القوم بعضهم ببعض وانغماسهم في العدو، وعدم إمكان الانقسام فإنه يستقبل بوجهه للقبلة عند التحريمة، ويكون مصلياً على حسب حاله مقبلاً ومدبراً إلى القبلة وغيرها، ويومئ بالركوع والسجود إيماء، إلا أن سجوده اخفض من ركوعه.

فصل

في صلاة الكسوف

إذا كسفت الشمس، أو خسف القمر فزع الناس إلى الصلاة لما دخل على النير من العارض {} 18 بالله سبحانه خوفاً أن يكون عذاباً فينزل بكم {} (2) الزلازل لا يصلى لها ﴿21/ ب﴾، لأنها قد كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فلم يصلوا لها، ولسنا نريد بقولنا "لا يصلي" لا يتنفل بل لا يرسم لذلك صلاة تخصه، فإن تنفل كان حسناً، لأن الاشتغال بعبادة الله حسن في كل حال، لكن لم يشرع لها صلاة مخصوصة بها.
وفي صفة صلاة الكسوف روايتان: إحداهما: ركعتان في كل ركعة ركوعان.17

الجزء: 1 - الصفحة: 59

والثانية: ركعتان في كل ركعة أربعة.
والأولى أصح.
فيطيل القراءة في الأولى، ثم يركع فيطيل الركوع، ثم يرفع فيطيل القيام، ويكون دون القيام الأول، فيقرأ فيه، ثم يعود، فيركع فيطيل الركوع هو دون الركوع الأول، ويفعل في الثانية كذلك ويسجد فيهما أربع سجدات.

فصل

في صلاة الاستسقاء

الصلاة للاستسقاء مشروعة وتتضمن طلب الرزق من الله سبحانه عقيب الجدب بانقطاع ماء السماء، أو ﴿دام على﴾ 19 الأرض وهي ﴿22/ أ﴾ على صفة صلاة العيد، إلا أنه يكون في دعائه مستقبل القبلة، ويحول رداءه.
ويستحب أن يخرج إلى الصحراء، ويكثر لها الجمع، فإن الناس مشتركون في طلب الرزق من الله، وحاجتهم إليه طائعهم وعاصيهم، إلا أنه يستحب أن يكونوا في خروجهم على غاية الذل، والتضرع، والانكسار، والافتقار، ويقدموا على خروجهم التوبة، والخروج من المظالم، ويكثرون في دعائهم الاستغفار، لأن الله سبحانه وتعالى قرن سائل السماء بذلك، فقال سبحانه: ﴿. . . اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)﴾ 20.

الجزء: 1 - الصفحة: 60

فصل

فأما صلاة الجنازة ففرض على الكفاية، وتفعل بعد الغسل ولا تصح قبله، ويجب لها ما يجب لسائر الصلوات من الشروط، وتخالفها في الأركان، فتشمل أربع تكبيرات يرفع يديه مع كل تكبيرة إلى حذو منكبيه في أصح الروايتين، ويقول عقيب الأولى: سبحانك اللهم ﴿22/ ب﴾ وبحمدك إلى آخر الاستفتاح، ويستعيذ، ويقرأ الفاتحة ولا يعقبها سورة، ، ثم يكبر الثانية فيدعو لنفسه، وللمسلمين، وللميت، فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا، وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا إنك على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم إنه عبدك ابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به، ولا نعلم إلا خيراً.
إن كان يعلم الخير، وإلا أمسك عن هذا، اللهم إن كان محسناً فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وكن لنا وبه رؤوفاً رحيماً.
ومن فاته شيء من تكبيراتها قضاه متتابعاً، ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر منذ الموت.

فصل

في صفة تجهيز الميت

لغسل الميت حالتان: حالة كمال، وحالة إجزاء.
فحالة الكمال ﴿23/ أ﴾: أن يغسل ما به من الأذى، ويمر بيده على بطنه بعد التلين، فيخرج شيئاً إن كان، ويوضئه وضوءه للصلاة من غير إدخال الماء

الجزء: 1 - الصفحة: 61

في فيه، ولا أنفه، ويسخن الماء في الشتاء لتتخلل أعضاؤه، ويغسله بالبارد في الصيف ليشده، ويكون في كل المياه شيء من السدر المطحون، ويزيل درنه، ويقص شاربه وأظفاره، وتركه معه، ولا يحلق رأسه، ولا يختنه إن كان أقلف، ولا يكبه على وجهه، ولا يسرح شعره، لأن عائشة -رضي الله عنها- نهت عن إنضائه.
21 ويغسل رأسه ولحيته برغون السدر، ولا يحضر غسله إلا من يعين في أمره، ولا ينظر الغاسل إلا لما لابد منه، ويُسّر ما يجد من أمارات الشر، ويظهر ما يجد من دلائل الخير ليرغب الناس في ذلك، ويقطع في غسله على وتر، ثلاثة، أو خمسة، أو سبعة، فإن خرج منه شيء غسل ما أصابه وأعاد غسل جميع بدنه إذا كان على المغسل، فإن كان في الكفن لم يعده إلى الغسل، فإن غلب الخارج وهو على المغسل حشاه بالقطن، فإن زاد فالطين الحر، ويجعل في الغسلة الأذخر وكافوراً.
وحالة ﴿23/ ب﴾ الإجزاء: أن يعم الماء سائر جسده، ويجمر أكفانه بالعود، ويكفنه فى ثلاثة أثواب بيض، لا يكون فيها قميص ولا عمامة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في مثل ذلك، ويذر الحنوط بينهما، ولا يجعله مما يلي جسمه، ويطيب مواضع سجوده، ومغابنه بالغالية، ويترك الطيب في المواضع التي يخاف إسراع الفساد إليها، ويحمل على السرير، ويحمله أربعة رجال، ولا يحمل على بهيمة، فإن ثقل حمل بالدهوق وتكاثرت عليه الرجال، والأفضل الإسراع بها، فإن كان خيراً عجل إليه، وإن كان شراً وضعوه عن أكتافهم، ويكون مشي الراجل أمامها والراكب وراءها، ويستحب

الجزء: 1 - الصفحة: 62

أن يتبع بذكر الله، والقراءة، ولا يتبع بالصراخ، ولا البكاء ولا رفع الأصوات بشيء من ذكر أو غيره، ولا يضرب بالأيدي، وأطراف الثياب، لأن كل ذلك محدث، وتستر جنازة المرأة بالمكبة ﴿24/ أ﴾ ولا تستر جنازة الرجل، ويستحب أن يكون دفنه في التراب، ويستر بالقصب، وهي الشريحة، ويدخل الميت من رجل القبر، ويؤخذ برأسه سلاً لا حدباً، ويسوي عليه التراب، ثم يلقن 22 إن كان مكلفاً، ويعلا القبر على الأرض شبراً ويسم، ولا يسطح، ولا يجصص، ولا يخلق، ولا يزوق، ولا يدخل أجراً، ولا شيئاً مسته النار.
وتعزية أهل الميت بعد الدفن وقبله جائزة.
وينبش القبر في عدة مواضع: إذا نسي غسله، أو تكفينه، أو الصلاة عليه رأساً، أو نسي الحفار مساحته، أو سقط فيه مال لإنسان.
وشهيد المعركة فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ويدفن على هيئته إلا أنه ينحى ما عليه من جلود وسلاح.
ويدفن المحرم بشعث إحرامه، ولا يغطى منه ما يكشفه في الإحرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الشهداء: "زملوهم في كلومهم ودمائهم" 23 وقال في المحرم الذي مات ﴿24/ ب﴾: "لا تقربوه طيباً، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" وروي "ملبداً".
24

الجزء: 1 - الصفحة: 63

فصل

ويبطل جميع هذه الصلوات المقدم ذكرها عشرة أشياء: الحدث، والكلام، والقهقهة، والعمل الكثير لغير الضرورة، والسلام عامداً، والقدرة على استعمال الماء في حق المتيمم، ورؤية الستارة 25 وهي بالبعد منه، وانقطاع دم المستحاضة، وسلس البول، وظهور قدم الماسح من الخف الممسوح عليه، والإخلال بشيء من الشرائط والأركان.

فصل ويكره ما نهي عنه في الصلاة من السدل، والتخصر، وفرقعة الأصابع، والقرن، والإقعاء، واشتمال الصماء، ونفخ موضع السجود، وتقليب الحصى، والتروح، وعمل كثير يخرجه عن هيئة الخشوع.
والسدل إسبال الثوب، والإقعاء قعوده على عقبيه، والقرن إلصاق كعبيه، والاشتمال بالثوب الواحد على بدنه هو الصماء، والباقي معلوم.
ولا يكره عدد الآي، ولا التسبيح في الصلاة ﴿25/ أ﴾ ويكره التلثم على الأنف والفم، وشد الوسط، وتشمر الأكمام، والصلاة في الثوب المعصفر.
والأكل في الصلاة كالعمل.

فصل ويحرم فعل النافلة في خمس أوقات: بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى تبيض، وحين الزوال حتى تزول، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وحين غروبها حتى يتكامل غروبها.

الجزء: 1 - الصفحة: 64

وتختلف علة النهي فيها فبعضها التحريم لأجل الوقت، وبعضها لأجل الفعل، فالأوقات الأربعة النهي فيها لأجل الوقت إلا صلاة العصر، فإن النهي يتعلق بفعلها لا بوقتها، فلو أخر الصلاة عن الوقت جاز له التنفل ما لم يفعلها، فإذا فعل الصلاة حرم عليه التنفل بعدها.

فصل

فيما يجوز فعله فيها من الصلوات وما لا يجوز فالذي يجوز فعله كل فائتة من الفرائض يجوز قضاؤها في كل هذه الأوقات، فأما النوافل التي لا سبب لها فلا يجوز أداؤها واحدة.
وأما التي لها سبب فيجوز منها ركعتي الطواف، ﴿25/ ب﴾ ولا يجوز ما عداها في الصحيح من المذهب، وعندي أنه يجوز فعلها مقضية مع الفرائض، ولا تجوز مفردة، كما تجوز ركعتا الطواف تبعاً.
ويجوز إعادة الجماعات أيضاً في جميعها.
فأما صلاة الجنازة فتجوز في وقتين منها، ولا تجوز في ثلاثة أوقات، فالوقتان بعد طلوع الفجر، وبعد صلاة العصر، لأن انتظار خروج الوقت ربما عاد بفساد الميت، وبقية الأوقات يسرع خروجها، فلا يخاف عليها الفساد.

فصل والفوائت تقضى في كل وقت ذكرت من ليل أو نهار إلا أن يضيق وقت الحاضرة فيبدأ بها لئلا تفوت الأخرى.
ويجب قضاء الفوائت إذا كثرت على قدر إمكانه بحيث لا ينقطع عن

الجزء: 1 - الصفحة: 65

أشغاله ومهماته، ويجب قضاؤها إذا اجتمعت على الترتيب، فإن أخل بالترتيب لم يجزئه، والترتيب أن يصلي فجراً، ثم ظهراً، ثم عصراً، والوسطى صلاة العصر قال صلى الله ﴿26/ أ﴾ عليه وسلم يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" (1)

فصل

والتراويح سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، وليست مما أحدثها عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهي من أعلام الدين الظاهرة، وهي عشرون ركعة، ينوي عند ابتداء كل تسليمة صلاة سنّة التراويح، ولها آداب منها: أن يبدأ في أول ركعة منها من أول ليلة من ليالي شهر رمضان بسورة "اقرأ بسم ربك الذي خلق" 27، لأنها أول ما أنزل من القرآن.
ولا يستحب الزيادة على الجزء لئلا يشق على المأمومين، ولا يقصر عنه لئلا يبقى شيء من القرآن لا يسمع في شهر رمضان، لأن في سماع جميعه اتعاظاً بمواعظه، وتدبراً بآياته.
ويصلي قبل التراويح وبعد العشاء ركعتين هي سنّة العشاء، فإذا مرت به آية سجدة سجد وسجدوا معه، ويصلي بعدها ثلاث ركعات يوتر بواحدة منفصلة عما قبلها، ويقرأ في الأولى منها بـ "سبح اسم ربك الأعلى" وفي الثانية بـ "قل يا أيها الكافرون" ويقنت ﴿26/ ب﴾ في الوتر بعد الركوع، ودعاء القنوت بما رواه الحسن بن علي كرم الله وجهه وهو اختيارنا: "اللهم اهدنا فيمن26

الجزء: 1 - الصفحة: 66

هديت، وتولنا فيمن توليت، وعافنا فيمن عافيت، وبارك لنا فيما أعطيت.
وقنا شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت.
ولا يعز من عاديت.
تباركت ربنا وتعاليت".
ولا يقرأ، لأن هذا موطن دعاء لا موطن قراءة.
والمأموم يقول عقيب كل دعوة آمين.
آمين، ولا يقول كما يقول إمامه.
والقنوت مشروع في جميع السنّة في أصح الروايتين (1)، والثانية: أنه يختص النصف الثاني في شهر رمضان.

فصل

ولا تصح هذه الصلوات كلها في تسع بقاع: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحمام، والحش 29، وقارعة الطريق، وسطح بيت الله الحرام، والبقعة المغصوبة، وأعطان 30 الإبل، لأن النهي ورد عن الصلاة فيها، ويدخل في النهي كل ما يقع عليه الاسم ﴿27/ أ﴾ على الإطلاق، فيدخل في الحمام جميع مرافقه وسطوحه، وكذلك في بقية البقاع ما يدخل في بيعه من حقوقه.
وأما أرض 31 بيت الله الحرام فيصح فيها صلاة النفل في أصح الروايتين، ولا يصح الفرض رواية واحدة، وكان الفرق أن النافلة قد دخلها التخفيف في باب القبلة بدليل ترك التوجه فيها على الراحلة.28

الجزء: 1 - الصفحة: 67

فصل

في الإمامة

وهذه الصلوات جميعها تصح الإمامة فيها والإتمام، ويعتبر شرائط لا تصح إمامته إلا بها: أن يكون عاقلاً، مسلماً، عدلاً.
فمن لم تجتمع فيه هذه الشرائط الثلاثة لم تصح إمامته في شيء من الصلوات.
فأما البلوغ فمعتبر في إمامة الفرض دون النفل، فيصح إمامة الصبي في النوافل.
وأما الذكورية فمعتبرة في الصلاة بالذكور، فأما الإمامة بالنساء فيصح من المرأة وأما الحرية فمعتبرة في الإمامة في صلاة الجمعة دون غيرها من الصلوات ﴿27/ ب﴾ في إحدى الروايتين 32، والأخرى تصح إمامة العبد في الجمعة وغيرها.
ويعتبر أن يكون قارئاً إذا أمّ القراء، فإن أمّ الأميين صحت إمامته.
ويعتبر أن يكون قادراً على القيام إذا أمّ القادرين، فإن كان زمناً لم يصح أن يؤم إلا الزمنين، فأما إن كانت قعدته لمرض عارض الغالب تعجل زواله صحت إمامته بشرط أن يكون إمام الحي، ولا يصح إذا لم يكن إمام الحي.
فأما الخنثى المشكل فلا يصح أن يؤم الخناثى، لجواز أن يكون من ورائها رجالاً وتكون امرأة، ويصح أن يأتم بها النساء لأن أقل أحوالها أن تكون أنثى، وإمامة المرأة بالنساء صحيحة، وفيها ذكورية خنثى يعني مجوزة، فهي أكمل

الجزء: 1 - الصفحة: 68

منهن بكل حال، فإذا أثبت جواز إمامتها بهن، فإنها تكون معهن في الصف وسطاً.
ويصح أن يأتم الرجال بالمرأة في التراويح إذا كانت قارئة، وكانوا أميين، فإنهم يصلون بقراءتها وتكون وراءهم تتبعهم في الموقف ويتبعونها في القراءة لحديث أم ورقة الأنصارية 33. فهذه الشرائط المعتبرة.
فأما ﴿28/ أ﴾ تقديم الاستحباب والفضيلة: فيستحب أن يؤم القوم أقرأهم، فإن استووا في القراءة فأفقههم، فإن استووا في الفقه فأسنهم، فإن استووا في السن فأشرفهم، فإن استووا في الشرف فأقدمهم هجرة لدار الحرب إلى دار الإسلام، فإن استووا في جميع ذلك فصاحب البيت، فإن استووا في جميع ذلك بأن كانوا جميعهم أهل دار واحدة، وهم على هذه الصفات متساويين فيها قدم السلطان، وهو الإمام، أو القاضي، قاضي القضاة مقدم على سائر القضاة.
ويقدم على جميع هؤلاء من وصى الميت أن يصلي عليه، لأن الصحابة قدموا صهيباً على جنازة عمر بن الخطاب.
والمخالفون في المذاهب على ضربين، من خالف في الفروع التي يسوغ فيها الاجتهاد، وهم الفقهاء، فتجوز الصلاة وراءهم إلا أن يتركوا ما يعتقده ركناً مثل: أن يتركوا تكبيرة الإحرام، أو الفاتحة، أو الطمأنينة في الركوع أو السجود.

الجزء: 1 - الصفحة: 69

ويجوز للحنبلي أن ﴿28/ ب﴾ يصلي وراءهم، فإن صلى وجبت الإعادة.
وأما المخالفون في الأصول فإمامتهم باطلة.
ويعتبر أن يكون موقف الإمام في مكان ليس بينه وبين المأموم طريق ولا نهر جارٍ، ولا يكون بينه وبينهم حائل يمنع الاستطراق.
ويكره أن يكون أعلى من المأموم.
ويستحب أن تقع أفعال المأموم بعد أفعال الإمام.
ويكره للإمام أن يطيل إطالة تشق على المأمومين، بل يصلي بهم بصلاة أضعفهم، ومتى كبر المأموم مع الإمام لم تنعقد صلاته معه حتى يكبر بعد فراغ الإمام من التحريمة، ولا يسبقه بشيء من الأفعال، فإن سبقه عاد فتابعه فيما هو عليه، فإن لم يفعل واستدام الركن الذي سبقه به كانت صلاته ناقصة، وإن سبق فركع، ثم رفع إمامه قبل ولم يتبعه في شيء من الركوع فهل تبطل صلاته؟ قال شيخنا: تبطل في الركوع خاصة، فأما السجود فلا تبطل حتى يسبقه بالسجدتين معاً، لأن الركوع أعظم أركانها، فهو كالوقوف في الحج، ولذلك يحصل به الإدراك، وبفواته الفوات.
وعن أحمد رضي الله عنه: لا تبطل الصلاة إلا أن يسبقه بركنين وأطلق.
وعنه: أنها تبطل بسبقه {} 34. ﴿30/ أ﴾ بطلت صلاته وصلاتهم.
فإن قام إلى الثالثة قبل التشهد الأول، فإن كان قبل أن يستوي قائماً وجب الرجوع قولاً واحداً، وإن انتصب ولم يقرأ ففيه روايتان، إحداهما: يرجع.
والثانية: هو مخير.
35

الجزء: 1 - الصفحة: 70

وإن شرع في القراءة لم يرجع رواية واحدة، لأنه شرع في ركعتين فلم يرجع عنهما إلى واجب ليس بركن.
فإن انتصب الإمام والمأموم جالس ذاكراً للتشهد أتى به ولم يتبعه في القيام، فإن تبعه بطلت صلاته، لأن الإمام سهوه عذر في عدم بطلانها، فأما المأموم فلم يسه، والإمام فلا يتحمل عنه العمد، وإنما يتحمل عنه السهو.
ويصح أن يأتم المتوضئ بالمتميم، والمتمم بالقاصر، فأما المفترض بالمتنفل، والمؤدى خلف القاضي، والعصر خلف من يصلي الظهر فهل تصح؟ على روايتين، أصحهما: لا تصح (1)، لاختلاف النيتين.
ولا يصح أن يصلي رباعية من ظهر وعصر وعشاء خلف من يصلي فجراً وجمعة لم يصح قولاً واحداً.

فصل

ولا يقطع صلاة المصلي شيء مر بين يديه إلا الكلب الأسود الذي لا يغادر لونه غير الاسوداد، فإن مر بين يديه قطع صلاته ﴿30/ ب﴾، فإن كان بين يديه خط أو شيء متشاخص فمر من ورائه لم يقطع.
ويكره لكل أحد أن يمر بين يدي المصلي، فإن كان مما لابد له منه ترك بين يديه شيئاً يستره ولو حجراً وجاز من ورائه.
وما دامت سترة الإمام محروسة فصلاة المأموم صحيحة، وإن بطلت سترة الإمام بطلت سترة المأموم.36

الجزء: 1 - الصفحة: 71

فصل

والسجود المفعول خارج الصلاة على ثلاثة أضرب: سجود التلاوة، وسجود الشكر، وسجود السهو في الحالتين اللتين ذكرناهما في باب سجود السهو.
فأما سجود التلاوة فمستحب.
وفي القرآن خمس عشرة سجدة معها سجدة "ص" في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى: أربع عشرة 37، وليس فيها سجدة "ص".
ويكبر مستقبل القبلة إذا سجد، ويسلم إذا رفع، ولا يسجد السامع حتى يسجد القارئ، ولا يسجد في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
وسجود الشكر عند بشارته بالنعمة لما روي أن النبي صلى ﴿31/ أ﴾ الله عليه وسلم كان يسجد إذا بشر بما يسره، من ذلك أنه رأى نغاشاً، فسجد شكراً لله، والنغاشي الناقص الخلق.
وعلي سجد لما وجد ذا الثدية في قتل الخوارج لتصديقه فيما حكاه لأصحابه عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الخوارج ومروقهم عن الدين.

فصل ويخاطب الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، ويضرب عليها إذا تم له من عمره عشر سنين، ليمرن عليها ويعتاد، وليس بخطاب إيجاب يوجب عقاباً، لأنه لم يجر عليه القلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 72

فصل

ومن ترك الصلاة وهو بالغ عاقل لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يكون قريب عهد بالإسلام فيعرف ذلك ولا يقتل قبل تعريفه، أو يكون معتقداً تركها فيقتل مرتداً بعد عرض الإسلام عليه ثلاثاً.
الحالة الثالثة: أن يتركها تكاسلاً، فيعرف بما يجب عليه من القتل ويدعى إليها ثلاث صلوات، فإن صلى وإلا ﴿31/ ب﴾ قتل في آخر وقت الرابعة من الصلوات كافراً في أصح الروايتين 38.

الجزء: 1 - الصفحة: 73

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول التذكرة في الفقه لابن عقيل
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيوعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركةكتاب المضاربةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب إحياء المواتكتاب الوصيةكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب المرتدكتاب البغاةكتاب الحدودكتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب الجهاد والفيء والغنيمةكتاب الخراجكتاب الجزيةكتاب الصيودكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب الكفاراتكتاب النذوركتاب أدب القضاةكتاب الشهاداتكتاب الدعاوىكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل