كتاب الحج
قال الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (1).
ولا يجب إلا على من كملت فيه خمسة شرائط: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، ووجود الزاد والراحلة.
فهذه في حق الرجل، وتزيد المرأة باعتبار المحرم، فإن لم تجد محرماً فلا حج عليها (2)، وفي المحرم رواية أخرى ليس من شرائط الوجوب، لكن من شرط لزوم السعي.
وأما تخلية الطريق وإمكان السير فهما شرطان للزوم السعي، والفرق بين شرط الوجوب وشرط لزوم السعي إنما كان شرطاً للوجوب أنه إذا مات قبل حصوله لم تجب الحجة في ماله، وإذا كان شرطاً للزوم السعي إذا مات قبل حصوله ﴿44/ أ﴾ كانت الحجة في تركته.
فأما إمكان المسير فإن يكون الوقت متسعاً لمسيره من إكمال شرائط الوجوب فيه.
والتخلية ألا يكون في الطريق مانع، ولا ما يحتاج فيه إلى خفاير.
فصل
فإن وجدت هذه الشرائط كلها إلا أن الشخص معضوب سقط عنه الحج بنفسه، ووجبت عليه استنابة غيره، ويجب أن يكون ذلك الغير ممن أسقط الحج عن نفسه، ويكون ما يأخذه نفقة طريقه، لا أجرة، وإن فضل شيء رده إلا أن يهبه منه، فإن استناب ضرورة وقع الحج عن الحاج دون المحجوج عنه في أصح الوجهين 3، والوجه الآخر لا يجزئه، ولا يقع عن الغير.12
الجزء: 1 - الصفحة: 99
ويصح حج الصبي، ولا يسقط فرضه بذلك، وكذلك العبد.
فصل
وللحج ميقاتان، ميقات مكان، وميقات زمان.
فميقات الزمان لا يختلف باختلاف البلدان، بل هو في ثلاثة أشهر: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، آخرها يوم النحر، ووضعت هذه لترك التقدم عليها.
ويجوز الإحرام في جميع السنة إلا أن المستحب فعله في أشهره.
وميقات المكان وضع لئلا يتجاوز عنه، ويجوز التقدم عليه إلا أن المسنون ﴿44/ ب﴾ أن يحرم منه، لأنه لا يأمن أن يطول عليه الإحرام فيواقع محظوراته.
ومواقيت المكان خمسة: ميقات أهل العراق، وخراسان، والمشرق ذات عرق وبينه وبين مكة ليلتان.
وميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وهو أبعدها من مكة، وبينه وبينها نيف وتسعون فرسخاً.
وميقات أهل مصر والشام، والمغرب، وتلك النواحي من الجحفة.
وميقات أهل اليمن يلملم.
والأربعة تتقارب إلى مكة ليلتين ليلتين إلا ذو الحليفة فإنه على عشرة أيام من مكة، وجميع هذه تثبتت بالنص، ومن مر عليها فهي ميقاته، فعلى هذا العراقي إذا مر على ميقات أهل الشام فهو ميقاته.
الجزء: 1 - الصفحة: 100
ولا يجوز لأحد أن يمر عليها محلًا إلا من يتكرر دخوله إلى مكة فيشق عليه اعتبار الإحرام عليهم، وهم الحشاشة، والحطابة، ومن يدخل لمرافق الناس.
ومن جاوزها محلاً، وهو يريد النسك وجب عليه العود للإحرام من الميقات، فإن أحرم دونه عاد فأحرم منه، وعليه دم، ولا يسقط بعوده.
فصل
ويكون الإحرام بأحد ثلاثة أنساك: إما التمتع، أو القران، أو الإفراد.
فالتمتع أفضلها عندنا، وصفته: أن يحرم بالعمرة من الميقات، ثم يمضي إلى مكة معتمراً ﴿45/أ﴾ فيقضي نسكه، وهو طواف، وسعي، وحلاق، ثم يخرج مع أهل مكة فيحرم من جرف مكة بالحج على صفة المكيين.
وصفة الإفراد: أن يحرم بالحج من الميقات.
وصفة القران: أن يحرم بالحج والعمرة معاً من الميقات، فيدخل أفعال إحداهما في أفعال الآخر، وهل يجزئه لهما طواف واحد وسعي واحد؟ على روايتين، أحدهما: يجزؤه.
والثانية: لا يجزؤه إلا طوافان وسعيان 4.
فصل
والذي يفعله عند إحرامه يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين، ويصلي ركعتين، ثم يقول: اللهم إني أريد الحج.
إن أراد الإفراد، أو أريد العمرة.
إن أراد التمتع، أو أريد العمرة والحج.
إن أراد القران فيسرهما لي وتقبلهما مني، فإن حبسني حابس دون بيتك الحرام فمحلي حيث حبستني، ويفيده هذا الشرط
الجزء: 1 - الصفحة: 101
سقوط دم الإحصار إن حصر عن البيت.
ويلبي فيقول: لبيك اللهم لبيك.
لبيك لا شريك لك لبيك.
إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وليست التلبية واجبة.
فصل
والتلبية في ثمانية مواطن: عقيب الصلوات، وإذا أشرف على نشر، أو هبط وادياً، وبالأسحار، وإذا التقت الرفاق، وإذا تلبس بمحظور ناسياً رفضه وفزع إلى التلبية، وإذا رأى البيت.
فصل
ويشتمل الحج على خمسة أشياء: شرائط ﴿54/ب﴾ وأركان، وواجبات، ومسنونات، وهيئات.
فالشرائط ما وجب لها قبلها، وهي الخمسة التي ذكرناها: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والزاد، والراحلة.
والأركان ثلاثة: الإحرام، والوقوف، والطواف، وفي السعي روايتان 5.
والواجبات طواف الوداع، والبيتوتة بالمزدلفة ليالي منى، ورمي الجمار أيام منى، ودم التمتع، والحلاق إذا قلنا إنه نسك في إحدى الروايتين 6.
الجزء: 1 - الصفحة: 102
فصل
ولا يجب دم التمتع إلا بستة شرائط: أن يحرم بالعمرة من الميقات، وأن يكون إحرامه في أشهر الحج وأن يحج من سنته، وألا يكون من حاضري المسجد الحرام، وألا يسافر بين الحج والعمرة سفراً يقصر في مثله الصلاة، وأن يحرم بالحج من مكة، فمتى لم تكتمل هذه الستة شرائط فلا دم عليه.
والهدي شاة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة، وسبعة إن شاء صامهن في طريقه، وإن شاء إذا رجع إلى أهله.
فصل
المسنونات
وأما المسنونات فطواف القدوم، والأدعية عند الميزاب، وعلى الصفا والمروة، وعند الملتزم، وسنذكرها في مناسك الحج إن شاء الله.
فصل
الهيئات
فأما الهيئات، فالكرمل ﴿46/أ﴾، والاضطباع في الطواف، والهرولة في السعي من الميل الأخضر إلى الميل الخضر، ويمشي من الصفا إلى الميل الأول، ومن الميل الثاني يمشي إلى الميل، ومن الميل إلى المروة، وكلما كان صفة في غيره فهو هيئة.
فحكم الشرائط أنه لا يحصل وجوب الحج إلا بتقدمها على فعل الإحرام، وحكم الأركان أنه لا يتم الحج إلا بها، وينفرد الوقوف بحكم
الجزء: 1 - الصفحة: 103
يختصه يفضل به على سائر الأركان وهو فوات الحج بفواته.
وحكم الواجبات أنه يجب بتركها دم، والحج صحيح تام، وحكم المسنونات والهيئات أنها تسقط لا إلى جبران، كما قلنا في مسنونات الصلاة وهيئاتها.
فصل
فأما محظورات الإحرام فعلى ثلاثة أضرب: اتلاف، وترفة، وما لا يليق به من الكلام.
قال سبحانه: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ 7 فالرفث: الجماع ودواعيه، والفسوق: السباب، والجدال: المماراة فيما لا يعني.
وقال سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 8.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس المخيط في حق الرجال دون النساء، وتضليل المحرم، وتغطية الرأس كله أو بعضه، وتطيب عضو أو بعضه، والتعمد لشم الطيب، أو صبغ ثوبيه، والوطئ ﴿46/ب﴾ ودواعيه، كالنظر، واللمس، وعقد النكاح، فإن عقد لم ينعقد، ولا يتولاه لغيره، وفي ارتجاع زوجته المطلقة روايتان، أصحهما: الجواز 9، لأنه استدامة إمساك، وليس بابتداء عقد، لأنها مباحة له، والنكاح إنما حظر لأنه يدعو إلى الوطئ، وتتوق النفس به إلى الجماع.
ويجوز له شراء الأمة؛ لأن الملك لم يوضع للاستباحة بدلالة أنه يملك بالشراء من لا يباح له نكاحه من الرضاع.
الجزء: 1 - الصفحة: 104
فأما التنظف، كالغسل، والقطع للروائح الكريهة، مثل الصنان، والعرق، والسواك فلا يحرم، ولا يكره.
وملبوسان يباح لبسهما إذا عدم غيرهما ولا دم عليه الخف إذا عدم النعل، ولا يقطعه، والسراويل إذا عدم الإزار، ولا يشقه.
فأما الكلام الذي يحرم، فالسباب، وهو يحرم في غير الإحرام لكنه متغلظ في الإحرام، ومثل ذلك القتل محظور في غير الحرم والإحرام، لكنه مغلظ بهما.
وأما الإتلاف: فقطع الشعر، والظفر، وقتل الصيد، وإمساكه، والإشارة إليه، والدلالة عليه، وذلك يختص بصيد البر، ويباح صيد البحر.
وللصيد تحريمان، تحريم لأجل الإحرام، وتحريم لأجل الحرم، وكل واحد منهما بمجرده كاف في التحريم، فيحرم قتل الصيد على المحل في الحرم، على المحرم في الحل، فإذا اجتمعا تأكد حظرهما بعلتين.
﴿47/أ﴾ وأما المحرمة الصائمة يحرم وطئها بالصوم والإحرام.
والثوب المغصوب إذا كان حريراً حرمت الصلاة فيه لعلتين.
ويباع قتل سباع البهائم، وجوارح الطير، نص النبي صلى الله عليه وسلم على خمس فقال: "خمس لا حرج على من قتلهن في حل ولا حرم: الحدأة، والغراب، والحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، " 10. وقسنا عليه كما كان مؤذياً للأنفس، أو متلفاً للأموال، وما لا يكون مؤذياً في الأصل فتحقق منه الأذى بالصول أبيح قتله، وصار كالجارح المؤذي بطبعه.
الجزء: 1 - الصفحة: 105
وكذلك الشعر، والظفر إذا كانا مؤذيين بأن انكسر الظفر، أو نبت الشعر في العين.
فصل
وشجر الحرم ونباته محرم على الحلال والمحرم إلا الإذخر، وما أنبته الآدميون.
فصل
إذا ثبت تحريمه فإنه يجب الفدية بالترفهات والاتلافات، ولا يجب عليه شيء فيما تكلم به سواء كان محظوراً أو مباحاً، فأما الترفهات ففي الطيب دم، وفي اللبس دم، وفي تضليل المحل للمحرم دم، وفي تغطية رأسه دم.
فأما النكاح، والرجعة فإنما حرمناها فلا دم فيها، لأنها لا تتم، ويقع فاسد ﴿47/ب﴾ وأما الوطء فيجب به بدنه، ويفسد به الحج، وليس في محظورات الإحرام ما يفسده سوى الوطء، ولا فرق بين عمده وسهوه.
والنعامة يجب فيها بدنة، وليس في الحج ما يوجب بدنة سوى الوطء وقتل النعامة، وسنذكر ذلك في فدية الصيد.
فأما إن فعل هذه الأشياء لعذر، كالطيب لأجل المرض، واللبس لأجل البرد، والحر جاز ذلك.
فإن تكرر جنس من هذه الأجناس مثل إن لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، أو ظلل ثم ظلل ففيه روايتان، إحداهما 11: إذا كانت في أوقات فكفارات، وإن كانت في وقت واحد فكفارة واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 106
الثانية: إن كان تكراره لأسباب مختلفة فكفارات، مثل إن لبس الغداة لأجل البرد، والظهر لأجل الحر، والعشاء لأجل المرض، فكفارات، وإن كان لسبب واحد فكفارة واحدة.
فأما الأجناس المختلفة مثل إن تطيب، ولبس، وقلم أظفاره، فإنه على روايتين، أصحهما: تجب كفارات، كما قلنا في الحدود.
والثانية: إن كان في دفعة واحدة فعلى ذلك كفارة واحدة.
فأما الشعور والأظفار ففي الواحد منه مد من طعام، فإن لم يجد فصوم يوم، وفي الثلاث فصاعداً فدم.
فصل
فأما الصيد فعلى ضربين: ماله مثل من النعم، وما لا مثل له.
﴿48/أ﴾ فما له مثل على ضربين: ما قضت الصحابة فيه بالمثل فيضمن بذلك المثل، وما لم تحكم فيه إلا أنه يشبه ما حكمت فيه بالمثل فيلحق بمثله.
وما لا مثل له رأساً فيضمن بقيمته.
فما قضت فيه الصحابة النعامة ببدنة، والغزال شاة، والأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة.
والذي يشاكل بهيمة الأنعام ويماثلها الإبل والثيتل 12، وجميع بقر الوحش فيه بقرة.
وفي حمار الوحش روايتان، إحداهما: بقرة 13، والثانية بدنة.
وفي أولادهم من الصغار صغار أمثالهم من الأنعام، ففي صغار النعام
الجزء: 1 - الصفحة: 107
فصيل، وفي الخشف عناق.
وبيض الطائر مضمون بقيمته إذ لا مثل له.
وكلما عب من الطيور في شربه ففيه شاة، كالحمام جميعه المطوق وهي النواخت وغيرها من الورشان، وهذا الحمام المعروف في كل ذلك شاة.
ومالا مثل له من صغار الطيور، كالعصافير وما أشبهها مضمون بالقيمة وهو مخير بين المثل من ذوات الأمثال، والقيمة في المقومات قوم ذلك طعاماً، وصام عن كل مد يوماً.
ويجب هذا الجزاء المذكور تارة بالجناية، وهو إذا جرحه فقتله، ومنعه الاسترسال بنفسه، والامتناع، وتارة باليد، وهو إذا قبضه فتلف ﴿48/ب﴾ الحكمية، أو المشاهدة 14، فالحكمية أن يتلف في خيمته، أو داره، أو رحلة، والمشاهدة أن يأخذه بيده فيموت في يده، أو يأكله سبع، أو يقنصه جارح، فإن جرحه وغاب عنه فلا فدية إذا لم تكن الضربة موجبة, لأن الضمان لا يجب مع الشك، ويجب ضمان ما نقصته الجراحة فقط.
وإذا جرحه جراحة أخرجه بها عن الامتناع، أو نتف ريش الطائر وجبت جميع قيمته، لأنه صار في حيز التالف.
وأما المتولد من بين ما يضمن وما لا يضمن كالسمع، وهو المتولد من بين الذئب والضبع ففيه الجزاء تغليب الإيجاب.
وأما ما لا يؤكل لحمه، ولا يؤذي كالسنور البري، والثعلب، فعن أحمد روايتان، إحداهما: يضمن 15، والثانية لا يضمن.
الجزء: 1 - الصفحة: 108
فصل
وشجر الحرم مضمون، فالكبيرة ببدنة، والمتوسطة ببقرة، والصغيرة بشاة، وما كان من الحشيش والخلا فالبقيمة يفرق على فقراء الحرم، وجميع ما ذكرنا من الدماء يصرف إلى فقراء الحرم، فإذا ثبت هذا فصفة فعله على الترتيب والتفصيل بعد الإجمال.
فصل
في كفارته ودمائه
وهي على ضربين: على الترتيب، وعلى التخير.
فكفارة الأذى ﴿49/أ﴾ على التخيير قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 16 تقديره: فحلق، كقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 17 تقديره: فأفطر.
وكفارة الصيد على التخيير، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 18 الآية.
ودم التمتع على الترتيب شاة، فإن لم يجد فالصوم، قال سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 19.
الجزء: 1 - الصفحة: 109
ودم الإحصار على الترتيب أيضاً، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (1) إلا أنه يتحلل بالذبح، ولا يتحلل إذا عدم الهدي إلا بعد صوم العشرة.
فصل
المناسك وشرح الأفعال في الأماكن المختلفة
فصل الذي يفعل في الميقات سبعة أشياء: الغسل إن أمكن، فإن تعذر فالوضوء، فإن تعذر فالتيمم، ويأخذ من شعره، ويتطيب، ويلبس ثوبين نظيفين ليس فيهما مخيط، ويصلي ركعتين يعقد عقيبهما الإحرام، ويستحب أن ينطق به، فيقول: اللهم إني أريد الحج، أو العمرة، أو الحج والعمرة حسب ما يحرم به من الأنساك.
فصل
ذكر ما يفعله المعتمر
يحرم ويطوف ويسعى بين الصفا والمروة ﴿49/ب﴾ ويحلق أو يقصر، فهذه أربعة أشياء لا تتم العمرة إلا بها.
فصل
ذكر ما يفعله إذا رأى البيت
وإذا رأه لبى، ثم قال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً، ومهابة،20
الجزء: 1 - الصفحة: 110
وزد من قصده ممن حج واعتمر تشريفاً وتعظيماً، ومهابة.
فصل
ما يفعل في الموقف يستحب أن يقف على جبال الرحمة، وعرفات كلها موقف إلا وادي عرنة، ويجمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ولا يتنفل بينهما، ويدعو ويبتهل إلى الله، وليس في الدعاء توقيت.
فصل ثم يدفع الإمام بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، فيجمع فيها (1) بين المغرب والعشاء الآخرة بأذان وإقامتين، ثم يأخذ حصى الجمار، وهو سبعون حصاة، فيغسله (2)، ويكون أكبر من الحمص، ودون البندق.
فصل ثم يأتي المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، فيدعو ويجتهد في الدعاء، ثم يأتي منى، فيقف عند العقبة الأولى قبل زوال الشمس فيرمها بسبع حصيات، ويقطع التلبية مع أول حصاة، ويكبر مع كل حصاة، فينتقل إلى التكبير.
فصل
في صفة المرمى
أين ترمي الحصى؟ عن يمينك، وشمالك، وتلقاء وجهك، وتكبر2122
الجزء: 1 - الصفحة: 111
وتقول: الله أكبر.
الله أكبر.
لا إله ﴿50/أ﴾ إلا الله.
والله أكبر.
الله أكبر ولله الحمد.
تكبر كذلك مع رميك، وتقول: أرضي بك الرحمن، وأسخط بك الشيطان.
ولا يقف عندها.
فصل
ثم ترجع إلى منى فتذبح ما كان معك من هدي نفلاً كان أو فرضاً، أو فدية، أو نسكاً، ولا تأكل مما تذبحه إلا من الأضحية، وهدي القرآن، والمتعة، وما سوى ذلك لا يأكل منه، ثم تحلق رأسك، أو تقصر شعرك.
والحلق أفضل.
واختلفت الرواية هل الحلق نسك أو تخلية محظور؟ على روايتين 23.
وقد حللت من حجك التحلل الأول، وأبيح لك كل محظور حظره الإحرام سوى الوطء، والتلذذ بالنساء، والتحلل الثاني يبيح ذلك، وهو إذا طفت طواف (الإفاضة) 24.
وإذا حلقت رأسك فقل: اللهم اكتب لي بكل شعرة حسنة، وامح عني سيئة، وارفع لي درجة، واغفر لي وللمحلقين، والمقصرين يا واسع المغفرة.
فصل
والذي يفعله المحرم في يوم النحر الرمي، والذبح، والحلاق، وطواف الإفاضة، وهو الركن، ويحل له كل المحظورات.
وإذا وطء بين التحللين فقد فعل محظوراً، وحجه صحيح.
وإذا أخل بالترتيب ففيه روايتان، إحداهما: يجب عليه دم.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
﴿50/ب﴾ والثانية: لا دم عليه (1)، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حرج لا حرج" (2).
فصل
وإذا دخل المسجد الحرام فليكن دخوله من باب بني شيبة، فيصلي ركعتين تحية المسجد، ثم يتقدم إلى الحجر الأسود فيقبله إن أمكنه، وإلا وقف حياله، وأومأ إليه بيده وقبلها، وقال: اللهم إيمانًا بك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.
الله أكبر.
الله أكبر إلى آخر التكبير الذي شرحته لك، ثم يأخذ عن يمينه في الطواف، فإذا أتى الركن العراقي وقف حياله، وقال: اللهم إني أعوذ بك من الشقاق، والنفاق، وسوء الأخلاق، وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد.
ثم تسير وأنت مكبر وتقف بإزاء الميزاب من خارج الحجر، وتقول: اللهم أظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم أروني يوم يعطشون، وآمني يوم يفزعون، ثم يسير حتى يأتي بإزاء الركن الشامي، فيقول: اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك وموسى كليمك، وعيسى كلمتك، ومحمد نبيك صلى الله عليهم أجمعين.
وتسير حتى تأتي الركن اليماني فتقف بإزائه ثم تقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ثم تأخذ عن يمينك وتأتي الملتزم، وهو ما بين الحجر الأسود وما بين ﴿51/أ﴾ البيت فتلصق به صدرك إن أمكنك، وتدعو بما شئت، ثم تأتي البيت، فتقول: اللهم إن البيت بيتك،2526
الجزء: 1 - الصفحة: 113
والحرم حرمك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ المستجير بك من النار، وتأتي الميزاب وتقول كما قلت في الأول عنده وعند كل ركن، وليس في الدعاء توقيت، فيطوف سبعاً بالبيت، ويكون الحجر داخل في الطواف، لأن الحجر من البيت، ويكون من البيت ثلاثة أشواط يرمل فيها، وأربعة يمشي فيها ولا يرمل، ويضطبع برداءيه من تحت يده اليمنى، ويجعل طرفيه على عاتقه اليسرى، وكلما طاف قبل الحجر الأسود إن أمكنه، وإلا يشير إليه بيده ويقبلها، ويفعل في جميع طوافه كما فعل في الدفعة الأولى، ويكثر الدعاء، وذكر الله، والتهليل، والتسبيح، والتحميد في طوافه.
ولا يطوف بالبيت إلا وهو طاهر ساتر لعورته، لأن الطواف كالصلاة.
فإذا فرغ من الطواف صلى عند المقام ركعتين يقرأ في الأولى بالحمد وقل يا أيها الكافرون، والثانية بالحمد وسورة التوحيد.
فصل
ما يقوله على الصفا
ثم يخرج إلى الصفا من بابه، فيبدأ بالصفا، فيصعد عليه حتى يرى البيت، فيكبر الله ويهلله, ويدعو ويقول: لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، اللهم اعصمني بدينك، وجنبني حدودك، واغفر لي خطيئتي ﴿51/ب﴾، واستجب لي إنك لا تخلف الميعاد.
ثم ينزل منها حتى يأتي العلم الأول، وهو ما بين الصفا والمروة، فيهرول من عنده حتى يأتي العلم الآخر فيمشي من عنده إلى المروة، فيصعد عليها ويقف حيث يرى البيت، ويقول كما قال على الصفا، ثم ينزل فيمشي حتى
الجزء: 1 - الصفحة: 114
يأتي العلم ويهرول ما بين العلمين، ويمشي إلى الصفا، وعلى هذا يبدأ سبعة أشواط، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، ويعد الذهاب سعيه، والرجوع سعيه، ثم يعود، فيخرج من مكة، ولا يبيت بها، فإن بات فعليه دم، وقد تحلل التحللين جميعاً، وأبيح له كل شيء حتى النساء.
فصل
فأما إذا أتى منى بات بها، فإذا كان من الغد وزالت الشمس أتى الجمرة الأولى، وهي أقربهن إلى مسجد الخيف فليرمها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يقف عن يسارها حيث يقف الناس وقوفاً طويلًا ويدعوا بما شاء، ثم يأتي الجمرة الوسطى فليرمها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يقف عن يسارها فيدعو نحو دعائه الأول، ثم يأتي الجمرة الثالثة فليرمها بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ولا يقف عندها، ثم يرجع إلى منى فيبيت بها، فإذا كان من الغد وهو يوم النفير الأول إذا زالت الشمس فليأخذ من الحصى إحدى وعشرين فيأتي الجمرة الأولى فيرمها بسبع حصيات، وكذلك الثانية، ويقف عندها كما فعل بالأمس ﴿52/أ﴾، ثم الثالثة فيرمها ولا يقف عندها.
فصل
في تعجيل النفر
فإذا أردت أن تعجل النفر من يومك، فانفر إن أردت أن تنفر من الغد وهو يوم النفر الثاني فخذ باقي الحصى، وهو إحدى وعشرون حصاة، فارم بهن بعد الزوال كما رميت في اليومين وقف عند الأولى والثانية، ولا يقف عند الثالثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 115
فإن أردت أن تنفر في النفر الأول فشغلك شغل حتى غابت الشمس فلا تنفر حتى تزول من الغد وترمي الجمار.
وإن تم نفرك في اليوم الأول فقد بقيت معك إحدى وعشرون حصاة فلا ترم بها وادفنها، فذلك معنى قوله: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (1) يعني تأخر حتى ينفر في النفر الثاني.
فصل
فإذا نفرت فأت الأبطح فأنزله، فإذا أردت الخروج من مكة فأت المسجد الحرام فادخله على الصفة التي تقدم ذكرها، وطف طواف الوداع، وهو الطواف الواجب الذي ليس بركن، ولا يرمل فيه ولا يضطبع، وصلي عند المقام ركعتين، وقبل الحجر، والصق صدرك بالملتزم، ثم ابتهل في الدعاء، وقيل: اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك الحرام.
ثم اخرج، ولا تول ظهرك البيت حتى يغيب عنك ويكون ذلك آخر عهدك بالبيت.
فصل
ويستحب له ﴿52/ب﴾ قدوم مدينة الرسول 28 صلوات الله عليه، فيأتي مسجده فيقول، عند دخوله: بسم الله اللهم صل على محمد وآل محمد، وافتح لي أبواب رحمتك، وكف عني أبواب عذابك.
الحمد لله الذي بلغ بنا هذا المشهد، وجعلنا لذلك أهلاً.
الحمد لله رب العالمين.27
الجزء: 1 - الصفحة: 116
ثم يأتي حائط القبر فلا تمسه ولا تلصق به صدرك، لأن ذلك عادة اليهود، واجعل القبر تلقاء وجهك، وقم مما يلي المنبر، وقيل السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد إلى آخر ما تقوله في التشهد الأخير، ثم تقول: اللهم أعط محمد الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود الذي وعدته، اللهم صل على روحه في الأرواح، وجسده في الأجساد كما بلغ رسالاتك، وتلا آياتك، وصدع بأمرك حتى أتاه اليقين.
اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك صلى الله عليه وسلم: ﴿لَوْ أَنَهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64)﴾ 29 وإني قد أتيت بنبيك تائباً مستغفراً فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا رسول 30 الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي ذنوبي ﴿35/أ﴾.
اللهم اجعل محمداً أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الأولين والآخرين.
اللهم كما آمنا به، ولم نره، وصدقناه، ولم نلقه فأدخلنا مدخله، واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه واسقنا بكاسه مشرباً صافياً روياً سائغاً هنيئاً لا نظمأ بعده أبداً غير خزايا ولا ناكبين، ولا مارقين، ولا مغضوب علينا، وضالين، واجعلنا من أهل شفاعته.
ثم تقدم عن يمينك فقل: السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ورحمة الله
الجزء: 1 - الصفحة: 117
وبركاته.
السلام عليك يا أبا بكر الصديق.
السلام عليك يا عمر الفاروق.
اللهم أجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيراً.
اللهم: ﴿اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ 31 الآية، ويصلي بين القبر والمنبر في الروضة، وإن أحببت أن تمسح بالمنبر، والجنانة وهو الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم فلما اعتزل عنه حن إليه كحنين الناقة.
وتأتي مسجد قباء فتصلي, لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصده فيصلي فيه.
وإن أمكنك فأت قبور الشهداء وزرهم وأكثر من الدعاء في تلك المشاهد حتى كأنك تنظر إلى مواقعهم، واصنع عند الخروج ما صنعت عند الدخول للوداع.
وإذا كان قد حج عن نفسه وأحب الحج عن أبويه فليفعل ويبدأ بالحج عن أمه، لأن النبي صلى الله ﴿53/ب﴾ عليه وسلم بدأ بها في البر.
الجزء: 1 - الصفحة: 118