التذكرة في الفقه لابن عقيلكتاب الحدود
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الله سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 1. وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 2. وقال صلى الله عليه وسلم: "الحدود كفارات لأهلها" 3. اعلم أن الله سبحانه نصب الحدود ردعاً للمكلفين عما حرم عليهم فأذاقهم طائلاً مما توعدهم به من العقاب ليكون ذلك أردع لهم عن ارتكاب الجرائم ﴿177/ب﴾ وانتهاك المحارم، وما نصب الله حداً إلا على كبيرة، فأعلى الحدود حد الزنا، وله حالتان: زنا يجب به الجلد بالسوط مئة جلدة والتغريب عن وطنه عاماً، وهو زنا البكر الذي لم يطأ في نكاح صحيح.
وزنا يجب به الرجم بالحجارة، وهل يتقدمه الجلد؟ على روايتين 4، وهو زنا الزاني المحصن، وشرائط الإحصان التي توجب رجم الزاني أربعة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والوطء في نكاح صحيح، وليس منها الإسلام.
وشرائط إحصان القذف الأربعة المذكورة، والإسلام، وأيضاً العفة من الزنا، وأن يكون على صفة يطأ مثله، فيمنع عن ذلك تصاوناً، وهو المراهق، وليس من شرط البلوغ، بل يصح عفة ابن عشر سنين، وبنت تسع سنين ﴿178/أ﴾ ويحد قاذفهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 297

ولا يتم إحصان الزوج إلا أن تتم شروط الإحصان في الزوجة، فالمجنونة لا تحصن، والعاقل لا يحصن مجنونة، وكذلك في الشرائط الأربع أيها عدم في حق أحد الزوجين لم يحصل الواحد منهما الإحصان.
ولا يجب حد الزنا إلا بأحد شيئين: إما شهادة أربعة أحرار عدول يصفون الزنا، أو إقرار أربع مرات، ولا ينزع عن إقراره فيها حتى يقام عليه الحد.
والزنا هو إيلاج حشفته في فرج تمحض تحريمه، وانتفت شبهته قبلاً كان أو دبراً امرأة كان الموطئ أو رجلاً 5. وفي اللواط رواية أخرى: أنه يقتل بكل حال سواء كان بكراً أو محصناً.
وفي إتيان البهائم روايتان، إحداهما: التعزير 6. والثانية ﴿178/ب﴾: الحد.
وتقتل البهيمة لئلا تحمل ولداً مشوهاً.
وإذا مكنت العاقلة من نفسها مجنوناً وجب عليها الحد.
وإذا أقر بالزنا بامرأة بعينها فجحدت حد الرجل وحده.
ومن عقد على ذات محرم كان زانياً بوطئها، كالأجنبية، ولا يكون العقد عليها شبهة لإسقاط الحد.
وفيه رواية أنه يرجم، ولا يفرق بين الإحصان والبكارة.
وإذا وطء أخته من الرضاعة بملك اليمين سقط الحد بشبهة الملك بخلاف عقد

الجزء: 1 - الصفحة: 298

النكاح عليها، لأن هناك لا يحصل الملك، والملك هاهنا حاصل أعني بعقد الشراء.
وإذا استأجر امرأة ليزني بها فعليه الحد إذا فعل.
ومن شرط صحة الشهادة على الزنا اجتماع الشهود بمجلس واحد، ولا يعتبر اجتماعهم حال مجيئهم، وإذا نقص ﴿179/أ﴾ عدد الشهود على الزنا وجب الحد على جماعتهم.
وإذا شهد اثنان أنه زنا بها بالكوفة، وآخران أنه زنا بها في البصرة فعلى الشهود الحد، لأنه لم يكمل عدد الشهود على زنا واحد، لأنه لا يمكن وقوع زنية واحدة في بلدين متباعدين.
ولو شهد اثنان أنه زنا بها في قميص أحمر، وآخران أنه زنا بها في قميص أبيض قبلت الشهادة، وثبت الحد، لأنها قد يجتمع في حقها قميصان أبيض وأحمر، فيغلب إحداهما ما بان لها، وتغلب الأخرى ما بان لها فصدقها ممكن.
ولو شهد اثنان أنه زنا بها في هذه الزاوية، وشهد آخران أنه زنا بها في هذه الزاوية فإن كانت الزاويتان متقاربتين صحة الشهادة لإمكان وقوع الفعل فيها بالتحرك من إحداهما إلى الأخرى، ﴿179/ب﴾ وإن كانتا متباعدتين لم تتم البينة، وكانوا قذفة.
وإذا شهد أربعة بالزنا، فرجع أحدهم قبل حكم الحاكم حد الجميع، ولو رجعوا بعد الرجم قتلوا، ولو كانوا خمسة فرجع واحد منهم، وقال: أخطأنا.
لزمه خمس الدية.

الجزء: 1 - الصفحة: 299

ولو شهد أربعة بالزنا واثنان بالحصانة، فحد، ثم رجع الجميع، ففيه وجهان، أحدهما: الدية نصفان بين شهود الزنا وشهود الحصانة.
والثاني: الدية بينهم أثلاثاً، لأن شهود الحصانة ثلث الجميع، لأن الجميع ستة فكان عليهم بقدر رؤوسهم.
وإذا زنا الرجل وله زوجة فقال: لم أدخل بها، ولست محصناً.
صدق في ذلك وجلد ولم يرجم، لأن الولد يلحق بالفراش، وإمكان الوطء، والحد يسقط بالشبهة، ولا يجب إلا مع تحقق الدخول في النكاح ﴿180/أ﴾ الصحيح، فكذلك نقول: إن النسب يلحق في النكاح الفاسد، ووطء الشبهة، ولا يحصل بهما الإحصان، فلا يستدل بثبوت النسب على ثبوت الإحصان.
وإذا رجمه الإمام، أو جلده بشهادتهم، ثم بانوا فسقة، أو عبيداً، أو كفاراً، فإنه يجب الضمان على الإمام، لأنه وجب عليه النظر والتأمل، فإذا بانوا على هذه الصفة كان خاطئاً، وخطئه يلزمه، وهل يلزمه في بيت المال أم على عاقلته؟ فعلى روايتين أصحهما أنه في بيت المال 7. وإن شهد أربعة بالزنا، وشهد آخران بتزكية الشهود، ثم بأن أنهم لم يكونوا من أهل الشهادة فلا ضمان على المزكيين، لأن التزكية ليست مما تخصد اثبات الزنا، وفارق شهود ﴿180/ب﴾ الإحصان، لأن ذلك يختص بالزنا.
والشهادة على الحدود تقبل وإن أضيفت إلى الزمان الماضي (سواء) 8 تباعد أو تقارب.

الجزء: 1 - الصفحة: 300

والإكراه على الزنا لا يسقط الحد، لأن الزنا لا يتصور إلا مع الانتشار، ولا يكون الانتشار إلا مع الاختيار.
وإذا شهد عليها أربعة بالزنا، فقالت: أنا بكر.
فنظرن النساء، فقلن إنها عذراء.
سقط الحد عنها للشبهة، وعن الشهود لجواز أن تكون قد ذهبت بكارتها وعادت.
وإذا زنا بأمة، ثم اشتراها، أو تزوجها لم يسقط الحد.
وإذا أذنت المرأة لزوجها في وطء أمتها لم يبح له ذلك، ولا حد عليه، لكن يعزر مئة، لما روى النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يأتي جارية امرأته إن كانت حللتها له جلد ﴿181/ أ﴾ مئة، وإن لم تكن حللتها له رجم".
9 ولا رجم على العبد.
وللسيد إقامة الحد على عبده، وحده على النصف من حدود الحر خمسين جلدة، فإن كانت الأمة ذات زوج حدها الإمام.
فالتعزير واجب، ولا يبالغ به الحد، ويختلف باختلاف سببه، فإن كان سببه غير الوطء كالقبلة، وما أشبهها من دواعيه لم يبالغ به أدنى الحدود، وإن كان سببه وطء مثل إن وطئ أمة مشتركة بينه وبين غيره لم يبالغ به أعلى الحدود.
وإذا ثبت عليه ما يوجب حداً، وهو مريض لم يؤخر عنه الحد على الإطلاق، ويضرب على ما تقتضيه حاله ضرباً لا يتلفه، وإن كان الجلد مئة

الجزء: 1 - الصفحة: 301

ضرب بعثكول فيه مئة شمراخ.
ويضرب في الحدود جميع بدنه إلا الوجه ﴿181/ ب﴾ والفرج، والبطن، والمقاتل كلها، كالحلق، والسماخ، والخاصرتين، ويضرب الظهر، والفخذين، والآليتين، ويفرق ذلك على هذه المواضع غير المقاتل لئلا ينكي الضرب في المحل الذي يدمن الضرب فيه.
ويضرب الرجل قائماً غير مربوط، ولا مشدود، ولا يعرى من ثيابه، ولا يضرب في محشو بالقطن، ولا الجلود، والفراء لئلا يفوت المقصود من الألم المردع، والعذاب الموجع، ولا يحفر له بئر سواء كان رجلاً أو امرأة.
وإذا اتفقت حدود من جنس واحد تداخلت، ولا يتداخل منه ما اختلف.

الجزء: 1 - الصفحة: 302

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول التذكرة في الفقه لابن عقيل
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيوعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركةكتاب المضاربةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب إحياء المواتكتاب الوصيةكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب المرتدكتاب البغاةكتاب الحدودكتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب الجهاد والفيء والغنيمةكتاب الخراجكتاب الجزيةكتاب الصيودكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب الكفاراتكتاب النذوركتاب أدب القضاةكتاب الشهاداتكتاب الدعاوىكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل