كتاب الكفارات
قال الله سبحانه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لّم يَجِدْ {29/ ب﴾ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتمْ} 1 تقديره فحنثتم.
اعلم أن الكفارة نوع تطهر قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحدود كفارات لأهلها" 2. وهي مغطية لنوع من المأثم الحاصل بالحنث، وغيره.
وكفارة اليمين لها سببان حلف وحنث، فيجوز تقديمها على الحنث لوجود الحلف، كما تقدم الزكاة لوجود أحد أسبابها وهو النصاب على سببها الآخر وهو الحول.
والكفارات على ثلاثة أضرب: على الترتيب من غير تخير؛ وهي كفارة الظهار، والقتل، والجماع، فيجب عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين.
فأما الإطعام فهو داخل في كفارة الظهار، والصوم ستين مسكيناً لكل مسكين مد من حنطة، وليس له مدخل في كفارة القتل.
وما هي على التخيير من غير ترتيب، وهي فدية الأذى قال سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفديَةٌ {93/ أ﴾ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} 3 الآية، وقد ذكرنا في الحج، وكذلك كفارات الحج كلها على التخيير
الجزء: 1 - الصفحة: 349
إلا جزاء الصيد، فإنه على روايتين.
وكفارة تجمع بين ترتيب وتخيير؛ وهي كفارة اليمين بالتخيير بين العتق، والإطعام، وهو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم بسترة الصلاة، وقدر الطعام مد من حنطة، أو نصف صالح تمر، أو شعير، أو رطلين من خبز الحنطة، فإن لم يجد أحد هذه الثلاثة انتقل للصيام ثلاثة أيام.
ويجوز أن يخرج في الكفارة من جنسين مقاربي المقصود، مثل إطعام خمسة، وكسوة خمسة.
ولا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويكسو، ولا يجمع بين العتق والإطعام، ولا بين شيء من ذلك والصيام، لأن مقصودهما متفاوت.
قال شيخنا أبو يعلى -رضي الله عنه-: "ويجوز أن يخرج ما يخرج في زكاة الفطر من الأجناس".
وإذا اجتمعت عليه كفارات من أجناس لم تتداخل ﴿93/ ب﴾، كالحدود، ولو كانت من جنس واحد كاليمين بالله سبحانه وتعالى تداخلت، وإن كانت على أشياء مختلفة.
ولا يجوز أن يعطي منها رحماً لا يجوز له دفع الزكاة إليه، وهو من يرثه بفرض أو تعصيب.
وإذا لم يجد عدد المساكين ردد على من يجده إلى أن يكمل العدد، فإن كانوا اثنين ردد عليهم هذه الكفارة خمسة أيام، ولا يجوز أن يعطيه في يوم واحد مدين.
والكسوة ما تجزئ فيها الصلاة، للمرأة ثوبان، وللرجل ثوب.
الجزء: 1 - الصفحة: 350
ويجزئ عتق الطفل وإطعامه أيضاً، واختار الخرقي أنه لا يجزئ إلا عتق رقبة قد صامت وصلت، وعلل بأن الأيمان قول وعمل، وهذا لا يكون من الطفل، لأن الصغير مؤمن بالايمان مثله وإن لم يعمل لتعذر العمل قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ 4 الآية، ثم قال: وما ألتناهم من عملهم من شيء يعني ما نقصناهم فهم مؤمنون تبعاً.
ولا يجزئه عتق رقبة ناقصة ﴿94/ أ﴾ الخلق، كالعمياء، والمقعدة، ولا ناقصة الملك، كالمكاتبة التي أدت من كتابتها شيئاً، وأم الولد.
والعيوب التي لا تمنع من الأعمال والاكتساب لا تمنع الإجزاء، كالقرع، والبخرة، والخصا.
فأما من لا يقدر على الحرفة والكسب فتركه في الرق خير من عتقه.
وإذا كان له مال وعليه دين فهل يبيح الدين الانتقال إلى الصوم؟ على روايتين، أصحهما: يبيح الانتقال 5، لأننا جعلناه كالفقير في باب الزكاة مع تعلقها بعين المال على أصلنا فأولى أن نجعله هاهنا فقيراً مع كون الكفارة والدين تحملهما الذمة.
وإذا كفر العبد بالمال بإذن سيده صح تكفيره، وإذا أراد التكفير بالصوم لم يملك سيده منعه سواء كان أذن له في الحنث أو لم يأذن.
ومن حنث ونصفه حر وهو موسر كانت كفارته بالمال ﴿94/ ب﴾.
ولو لزمته الكفارة وماله غائب لم يجزئه الصوم، وانتظر قدوم المال.
الجزء: 1 - الصفحة: 351
ولو شرع في الصيام لعدم المال، ثم وجد المال في أثنائها لم يلزمه الانتقال إليه بخلاف المتيمم إذا وجد الماء بعد الشروع في الصلاة، لأن الصوم لا يبطل منه ما مضى بوجود المال، والصلاة يبطل ماضيها بزوال الإعذار في باقيها بانقضاء مدة المسح، وظهور القدمين، وانقطاع دم المستحاضة، ويبطل رؤية الماء خارج الصلاة.
وهل يعتبر في الكفارات بحالة الحنث أو أغلظ الأمرين؟ على روايتين، أصحهما بحال الوجوب 6، لأنه نوع تكفير يحصل به التطهير فكان الاعتبار فيه بحال الوجوب، كالحدود.
الجزء: 1 - الصفحة: 352