كتاب الغصب
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" 1 وقال: "من أخذ عصا مسلم فعليه ردها" 2.
والغصب الاستيلاء على مال الغير على وجه التعدي.
ولا يصح غصبه ما ليس بمال، كالحر، والبضع، والخمر، والخنزير، إلا أن الحر، والبضع ﴿73/ ب﴾ [يضمن] 3 بالإتلاف، والخمر [والخنزير] (3) لا يضمن بيد، ولا إتلاف.
وضمان اليد هو أن تتلف العين تحت يد صاحب اليد فيجب عليه قيمتها بمجرد تلفها وإن لم يكن من جهته مباشرة، ولا سبب.
وضمان الجناية لا يجب إلا بوجود الإتلاف، أو سبب الإتلاف من جهته، فمن غصب دابة أو عبداً فعطب بنفسه في يد الغاصب ضمن الغاصب قيمته.
وكلما ضمن بالعقود ضمن بالغصوب سوى البضع، لأنه لا تثبت اليد عليه، ولهذا يصح العقد على بضع المغصوبة ولو كانت يد الغاصب ثابتة عليه لما صح عقد النكاح على بضعها، ولما ثبتت اليد على رقبتها، ومنافع خدمتها بالغصب لم يصح العقد عليها حال الغضب، والمنافع تضمن بالغصب، فعلى هذا لو غصب عبداً فحبسه عن أعماله كانت أجرة مثله عليه لمدة حبسه،
الجزء: 1 - الصفحة: 154
وكذلك إذا غصب الدار، وأغلقها، والضيعة ومنع من ﴿74/ أ﴾ زراعتها كان عليه أجرة المثل لمدة الحبس.
فأما منافع الحر فلا تضمن إلا بالإتلاف، فإن غصب حراً صانعاً فحبسه عن صناعته شهراً لم تجب عليه الأجرة، فإن أكرهه على العمل ضمن أجرته بالإتلاف لا باليد، وكذلك لو غصب امرأة حرة شابة فحبسها على نفسه ولم يمكنها من التزويج لم يجب عليه مهرها إلا أن يغلبها على نفسها، فأما بمجرد حبسها فلا بخلاف العبد والأمة، لأن اليد تثبت على رقابهما فثبتت على منافعهما، والحر والحرة بخلاف ذلك.
ومن غصب ساجة 4 وبنى عليها، فطالب بها صاحبها (أجبر) 5 بنقض بنائه ورد الساجة، وكذلك كل عين شغلها بماله الذي لا حرمة له في نفسه إذا أمكن تخليصها منه وإن أضر به وبماله.
فأما إن غصب خيطاً فخاط به جرحه، أو جرح عبده لم يجب عليه قلعه إذا كان مما يستضر به في نفسه، لأن حرمة النفس محروسة بالمال ﴿74/ ب﴾، ولهذا يحرس المضطر نفسه بطعام غيره.
فأما إن شغل مال غيره بماله شغلاً لا يتميز، كالزيت يخلطه بزيته، والعسل يعمله بنشائه، وبشيرجة فالوذجا، فإنه لا يتصور تخليصه فيكون شريكاً له يباع ويعطي بحصته من القيمة بإزاء العسل المغصوب.
وإذا غصب أرضاً فغرسها أجبر بقلع الغراس، وكان عليه أجرة الأرض
الجزء: 1 - الصفحة: 155
وما نقصت بالقلع.
ومن غصب أرضاً فزرعها كان له قيمة الزرع في إحدى الروايتين 6، والثانية: يكون له قدر نفقته.
وإذا نمت العين المغصوبة نماء متصلاً، أو منفصلاً، ثم تلف نماؤها وجب قيمة العين نامية، وقيمة ولدها، وما حدث من نمائها يرد معها إن كانا باقيين.
فأما إذا زادت قيمتها بما لا يقوم شرعاً، مثل الغناء، واللهو لم يضمن ذلك.
وإذا غصب أمة فحملت وولدت، فنقصتها الولادة بما جبره قيمة ولدها لم يجبر نقص الولادة بالولد، لكن بأرش يدفعه الغاصب من ماله، لأن الولد مال المغصوب فلا يجبر به نقص الغصب، كسائر أمواله.
وإذا غصب شاة فذبحها وشواها لم يزل ملك المالك بذلك.
ولو غصب من رجل طعاماً، ثم دعاه إليه وهو لا يعلم أنه طعامه، فأكله لم يسقط بأكله ضمانه، وكذلك لو غصب شوكاً وأستأجر رب الشوك ليسجر له به تنوراً ففعل لم يسقط الضمان عن الغاصب.
الجزء: 1 - الصفحة: 156