كتاب الشهادات
قال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ 1.
اعلم أن الشهادات على سبعة أضرب: ما يعتبر فيه شهادة أربعة ذكور عدول أحرار بالغين عقلا مسلمين مبصرين، وهي شهادة الزنا، واللواط، وإتيان البهائم.
وما يعتبر فيه شهادة اثنين كمل فيهما الصفات المذكورة في الأربع، وهي الشهادة بالقصاص والقذف، والسرقة، والشرب، وجميع الحقوق التي ليست مالاً، ولا المقصود منها المال.
وما يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، كالأموال، والديون، والقرض، والمبيع، والسلم، والصرف ﴿99/ ب﴾ والإجارة، وما شاكل ذلك.
وما يقبل فيها شهادة الكفار؛ وهي الوصية في السفر عند عدم المسلمين.
وما يقبل فيه شهادة الصبيان؛ وهو الجراح إذا وجد منهم في الصحراء، وصاروا مجتمعين على إحدى الروايات 2.
وما يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة؛ وهي الولادة، والعيوب تحت الثياب.
والعدالة في الدين أن لا يكون مصراً على كبيرة، ولا مداوماً على صغيرة.
والعدالة في المروءة: أن لا يكون دنيئاً بحيث يأكل على الطرقات، أو يكشف من بدنه ما ليس بعورة، مثل البطن، والظهر بين الناس، ويمد رجليه بين جلسائه، ويحكي الحكايات المضحكة.
الجزء: 1 - الصفحة: 359
والعدالة في الأحكام: أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً.
وتجوز شهادة العبد في الأموال، والعقود، وليس عن أحمد ﴿100/ أ﴾ منع في الحدود.
وأحد عشر شخصاً لا تقبل شهادتهم لأجل التهمة والخصم، وهم: العدو، والجار إلى نفسه نفعاً، والدافع عنها ضرراً، والوالد لولده، والولد لوالديه، وأحد الزوجين لصاحبه، والشريك لشريكه، والأجير لمن استأجره، والوصي للأيتام الذين في حجره، والحاكم لمن هو في حجره، والقانع لأهل البيت وهو وكيلهم.
فأما العدو فهو أن يشهد على رجل بالزنا بعد أن قذفه به، فلا يقبل، لأنه صار بقذفه عدواً له، وكذلك الزوج إذا شهد على زوجته بالزنا لا يقبل، لأنه صار عدواً لها، وصارت عدوة له بإفساد فراشه.
وسبعة أشياء تجوز الشهادة بها من طريق الاستفاضة: النسب، والموت ﴿100/ ب﴾، والملك المطلق، والنكاح، والعتق، والوقف، والولاء، وما عدا ذلك فلابد من سماعه من المشهود عليه، كالبيع، والصرف، والسلم، والصلح، والإجارة، والهبة، لأن هذه يقدر على الشهادة عليها من طريق القطع، لأن النسب جهة غلبة الظن، والملك المطلق تتسع أسبابه فلا يمكن مشاهدتها، والنكاح يثبت بالاستفاضة، لأننا نشهد أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الاستفاضة، والوقف يبقى على الدوام فلا يبقى من يشهد به، وكذلك العتق، والولاء.
وتقبل شهادة الأخ.
الجزء: 1 - الصفحة: 360
وإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وتوبته أن يكذب نفسه.
ومن شهد فرد الحاكم شهادته لأجل الفسق ﴿102/ أ﴾ فعدل، وأقامها لم تقبل.
ولو شهد صبي، أو عبد فرد الحاكم شهادتهما، ثم بلغ الصبي، وعتق العبد، فأقاماها قبلت، وكذلك الكافر إذا أسلم، فشهد بما كان شهد به حال كفره، لأن التهمة لا تلحق هؤلاء، وتلحق الفاسق، لأنه قد يخفي الفسق ويظهر العدالة لتقبل شهادته، ويرد العار عن نفسه، فأما البلوغ، والعتق فليس إليه، والكافر لا يترك دينه لأجل قبول شهادته.
وتقبل شهادة المستخفي.
وشهادة الأعمى مقبولة بما طريقه الأصوات.
وإذا شهد عند الحاكم بحق، ثم عمي، أو خرس حكم الحاكم بشهادته.
ولا تصح شهادة الأخرس بالإشارة.
ولا تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض.
ولا تثبت ﴿102/ ب﴾ الأموال بشهادة امرأتين ويمين المدعي.
وتقبل شهادة ولد الزنا في جميع الأشياء الزنا، وغيره.
ولا تقبل شهادة بدوي على قروي.
وتقبل شهادة الصديق لصديقه.
وتقبل الشهادة على الشهادة في حقوق الآدميين التي هي مال، أو يقصد منها المال من عقود المعاوضات، ولا تقبل في حقوق الله قولاً واحداً، وهل تثبت
الجزء: 1 - الصفحة: 361
فيما هو عقوبة من حقوق الآدميين، كالقصاص؟ على روايتين 3.
ولا يكون شهود الفرع إلا ذكرين، ولا تقبل شهادة رجل وامرأتين، فإن كان شهود الأصل رجلاً وامرأتين وشهود الفرع رجلين جاز في أصح الروايتين 4، واختار شيخنا الأخرى وأنها لا تقبل.
ولا يعتبر اجتماع شاهدي الفرع على سماع شهادة كل واحد من شهود الأصل، بل إذا شهد ﴿103/ أ﴾ كل واحد على واحد صح، كما قلنا في الإقرار ليس من شرط صحة الشهادة أن يجتمعا عليه.
ولا تجوز شهادة شهود الفرع مع حضور شهود الأصل.
وإذا شهدا بمال، ثم رجعا بعد الحكم لزمهما الغرم، فإن شهدا بطلاق، ثم رجعا نظرت فإن كانت مدخولاً بها فلا يرجع على الشهود بشيء، وإن كان قبل الدخول احتمل أن يلزمهما ما ألزما الزوج من نصف الصداق، لأنه كان يفرض أن يسقط برده، أو فسخ يطري سببه من قبل الزوجة.
ويجب على شاهد الزور أن يعزر ويطاف به ليعرفه الناس ويحذروه، لأن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "يعزر ويسخم وجهه" 5.
وإذا شهد نفسان بالقول واختلفا في الوقت ﴿103/ ب﴾ مثل أن يقول أحدهما: باعه بالأمس.
ويقول الآخر: باعه اليوم.
فإن شهادتهما تقبل.
وكذلك في الإقرار إذا حلف بالطلاق أنه لا حق لفلان عليّ، وشهد عليه
الجزء: 1 - الصفحة: 362
نفسان ثبت عند الحاكم ذلك [و] 6 وقع الطلاق.
وإذا قال: لا بينة لي، وكل بينة أقيمها فهي زور.
لم تقبل البينة على ما يدعيه من ذلك الحق بعد ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 363