كتاب الزكاة
قال الله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية (1). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" (2)
فصل
الناس في الزكاة على ثلاثة أضرب: من يعتقد وجوبها ويؤديها، فهذا مأجور مشكور.
ومن يعتقد وجوبها ولا يؤديها فهذا على ثلاثة أضرب: من يجهل وجوبها لقرب عهده بالإسلام، فيعرف ذلك.
ومن يتباخل بها ولكنه في قبضة الإمام يأخذها منه الإمام قهراً، وتقوم نية الإمام مقام نيته.
ومن يتباخل بها وهو خارج عن قبضة الإمام متحيزاً إلى فئة وعصبة، فإن قاتل الإمام عليها قاتله الإمام وقتله، وهل يقتل كافر على روايتين؟
﴿32/ أ﴾ أصحهما: أنه يكفر 3، لأن أبا بكر الصديق رضوان الله عليه، قطع لقتالهم بالنار، وسباهم.12
الجزء: 1 - الصفحة: 74
ومن تجب في ماله ويخاطب بإخراجها غيره، وهو المحجوز عليه لجنون أو صغر، فتقوم نية الولي مقام نيته.
فصل
والأموال الزكاتية على ضربين: ما تجب الزكاة في عينه، وما تجب في قيمته.
فما تجب في عينه أربعة أموال: الزروع، والثمار، والمواشي، والأثمان.
وما تجب في قيمته العروض المعدة للتجارات وطلب الأرباح، فأما بقية الأموال من باب البذلة، وعبيد الخدمة، ولا زكاة فيها، ولا في العقار سواء كان للكرى أو للسكنى.
فصل
فأما المواشي فالإبل، والبقر، والغنم، وأنواع ذلك.
ففي خمس من الإبل شاة إلى التسعة، فإذا كملت عشرة ففيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا صارت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى تسع عشرة، فإذا كملت عشرين ففيها أربع شياه إلى أربع وعشرين ﴿32/ ب﴾ فإذا كملت خمساً وعشرين كثر المال واحتمل المواساة من جنسه ففيها بنت مخاض، وهي التي لها سنة وقد شرعت في الثانية، إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، وهي التي لها سنتان وقد شرعت في الثالثة، إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقه، وهي التي لها ثلاث سنين وشرعت في الرابعة، إلى ستين، فإذا صارت إحدى وستين ففيها جذعة، وهي التي لها خمس سنين، إلى خمس وسبعين، فإذا صارت ستاً وسبعين ففيها بنتا
الجزء: 1 - الصفحة: 75
لبون، إلى تسعين، فإذا صارت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومئة، فإذا زادت واحدة ففي أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، واستقرت الفريضة على ذلك في أصح الروايتين 4، والثانية إلى مئة وثلاثين.
وال
فصل
ان تضم إلى أمهاتها في الحول والعدد والأنوثة.
فإن وجب عليه حقة وعنده ابنة لبون أخذت منه وجبران ما بينهما ديناران أو عشرون درهماً.
وإذا وجبت ﴿33/ أ﴾ عليه ابنة لبون وعنده حقه أخذت منه، وأعطى الجبران المذكور.
وإن وجب عليه ابنة مخاض وعنده ابن لبون أخذ منه ولا جبران، لأن نقصان الذكورية يوازيه زيادة السن.
فصل
فأما زكاة البقر فنصابها ثلاثون، وفيها تبيع، وهو الذي له سنة، فإذا صارت أربعين ففيها مسنة، وهي التي لها سنتان، ولا شيء فيها حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان، وعلى هذا يستقر الفرض في كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع.
والجواميس من أنواع البقر، والوحشية تضم إلى الأهلية.
فصل فأما الغنم فنصابها أربعون ففيها شاة، ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ
الجزء: 1 - الصفحة: 76
عشرين ومئة، فتكون فيها شاتان، إلى مائتين وواحدة فيكون فيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كل مائة شاة، ويضم الضأن إلى المعز، ويؤخذ الجذع من الضأن، والثني من المعز.
فصل
ولا زكاة ﴿33/ ب﴾ في جميع ما ذكرنا من المواشي إلا أن تكون سائمة، وهي التي ترعى بنفسها ولا تعلف في الأدبان والبيوت، ولا تكون معدة للعمل، فإن كانت عوامل في الحرث والسقي فلا زكاة فيها وإن سامت.
فصل
وللخلطة تأثير في إيجابها، فمتى اشتركا في ثمانين من الغنم لكل واحد أربعون وجب عليهما شاة، كالمال الواحد، ولو كان بينهما أربعون لكل واحد عشرون وجبت شاة، وإذا أخذ الساعي من أحدهما تراجعا فيما بينهما بالحصص.
وإذا مضى على ماله أحوال فلم يزكه وكان نصاباً من الغنم لم تجب إلا شاة لقولنا: "بتعلقها بعين المال" فجعل الشاة مستحقة من الأربعين فيحول الحول الثاني عليه وملكه ناقص قدر ما يجب عليه.
فأما الإبل فإذا حال عليه أحوال كثيرة وجبت شاة بعدد الأحوال، لأن العين لا تنقص بحلول الحول، لأن المخرج من عين الجنس.
ولا يجوز للساعي أن يضر بأرباب الأموال مثل الحلوب، ولا يأخذ كريم أموالهم، بل يأخذ أوساطها ﴿34/ أ﴾.
فأما الأكوله، والماخض، والربا، والفحل فلا يأخذه رفقاً بأرباب الأموال.
الجزء: 1 - الصفحة: 77
ولا يأخذ العوراء، ولا العجفاء، ولا المريضة رفقاً بالفقراء.
وإذا اختلف الساعي ورب المال في الحول أو العدد، أو الخلط، أو الملك فالقول قول رب المال بغير يمين.
نص عليه.
ولا زكاة على مكاتب ولا عبد.
والزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما، والسيد يزكي عما في يد عبده، ولا يزكي عن مال مكاتبه، لأن ماله ليس بملك لسيده، وملك المكاتب ناقص فسقطت.
ويجوز تقديم الزكاة على الحول، وهل يجوز تقديمها على حولين؟ على روايتين (1). ولا يجوز تقديمها على سببها جميعاً للحول والنصاب، كما لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث واليمين.
فصل
في الأصناف المدفوع إليهم الزكاة
وهم ثمانية أصناف: الفقراء؛ وهم الذين لا يجدون شيئاً، وقيل: الذين لا يجدون خمسة دنانير من الذهب، ولا خمسين درهماً من الورق.
والمساكين؛ وهم الذين يجدون بعض الكفاية ويعوزهم إتمامها.
والعاملون عليها؛ وهم الجباة لها.
والمؤلفة قلوبهم؛ وهم الكفار.
وفي ﴿34/ ب﴾ الرقاب؛ وهم المكاتبون يدفع إليهم ما يدفعونه إلى سادتهم في فكاك رقابهم.5
الجزء: 1 - الصفحة: 78
والغارمون؛ وهم المدينون العاجزون عن قضاء ديونهم، سواء كانوا غارمين لمؤونتهم، أو لحمالة يحملوها في طفي نائرة بين الجيش وإصلاح ذات البين.
وفي سبيل الله؛ وهم الغزو، والحج، يدفع إلى الحجاج والغزاة ما يتقون به على غزوهم وحجهم.
وابن السبيل؛ وهو الجائز بنا وإن كان له اليسار ببلده، وسمي ابن السبيل لملازمته للطريق، ومن لزم شيئاً سمي به، يقال للطائر: ابن الماء، للزومه الماء.
ولا يجب عليه تعميمهم، ويجزئ إخراجها في صنف واحد من هؤلاء إذا تولاها أربابها، فإن أخذها الإمام وجب عليه أن يعم.
ولا يجب على المزكي أن يعطي ثلاثة من كل صنف، بل يجزئ أن يعطي الواحد.
ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يرثه بفرض أو تعصيب.
وإذا أعطى زكاته لفقير قبل الحول فاستغنى وحال عليه الحول وهو غني أو أعطاه على أنه فقير فبان غنياً أجزأه.
وإذا عجلها وتلف ماله قبل حول الحول رجع بها على الإمام، فإن كان الدفع إلى الفقير وأعلمه أنها زكاة ماله رجع بها أيضاً، لأننا تبينا أنها لم تكن واجبة عليه.
ومن أبرأ واحداً من هؤلاء الأصناف من دين له عليه لم يجزئه ﴿35/ أ﴾ من الزكاة، لأنه ليس بدفع وإنما هو إسقاط.
وإذا قصد الفرار من الزكاة بالحيل لم تسقط، ولا يعتبر إمكان الأداء.
الجزء: 1 - الصفحة: 79
ومن مات بعد حول الحول على ماله وجبت الزكاة في تركته، وإن كان عليه دين تحاصا، ولا يقدم الدين عليه.
وتجتمع زكاة المال وزكاة الفطر في العبد إذا كان للتجارة.
فصل
والأوقاص التي بين النصيب لا زكاة فيها، ويفيد ذلك أنه إذا ملك تسعة من الإبل، فتلف منها أربع لم يسقط أربعة أتساع الشاة الواجبة في الخمسة، بل الشاة واجبة بحالها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس في الأوقاص شيء" 6. قال أبو عبيد 7: هو ما بين النصابين.
8
فصل
فأما زكاة الثمار والزروع فليس تنضبط بحد على مذهبنا، ولا يدور عليها حصر على أننا نجد من الثمار ما ييبس منها، ويدخر، ويكال، كالتمر، والزبيب، والغنار، والفستق، والبندق، والقشمش، واللوز، فيتعلق الوجوب به إذا بدا صلاحه، ويتأخر الإخراج منه.
وعنه إلى تناهي خفافه.
وإن أحب التقديم، أو طالبه الساعي بالخرص خرصه رطباً [] 9 ﴿35/ ب﴾ زبيباً، وتمراً، فأخرج عنه، فإن تلف قبل جذاذه وبعد بدو صلاحه فلا زكاة، لأنه حال الاتصال كغير المقبوض، بدلالة أن جائحته تجعله من مال بائعه.
الجزء: 1 - الصفحة: 80
فصل
وقدر النصاب: خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، والصاع خمسة أرطال وثلث، فيكون ألف وستمائة رطلاً بالبغدادي ثلاثة عشر قفيزاً، أو مكوكين 10 وكيلجتين.
ويشترط في ذلك أن يكون وزنه بعد تصفيته من كل دغل.
والواجب فيه يختلف باختلاف مؤونته، فإن كان سقيه سيحاً أو بماء السماء أو الثلوج، أو الكبوس وهو العدي ففيه العشر مصفى.
وإن كان سقيه بالكلف، كالدالية، والدولاب، والشواديف، والنواعير قل ماؤها أو كثر فنصف العشر.
فالسيح وإن لحقت فيه الكلفة يجب في الخارج منه العشر، وإن قلت الكلفة في الدوالي فنصف العشر، لأن الغالب لحوق المشقة في غير السيح، وإنما أثرت الكلفة في السقي في إسقاط النصف، ولم تسقط الزكاة رأساً، مثل ما سقطت بالعلف للمواشي، لأن العلف ذو ثمن، والماء لا ﴿36/ أ﴾ ثمن له، فالكلفة في تحصيله وترقيته دون شرائه وتملكه، بل يوجد على وجه الإباحة.
ويضم 11 من الثمار ما يقارب منفعته وشاكل بعضه بعضاً، فعلى هذا يضم التمر إلى القسب، والزبيب إلى القشمش، لأنه مثله.
وهل يضم ما يتباعد في المنبت، مثل الزبيب إلى التمر؟ على روايتين 12
الجزء: 1 - الصفحة: 81
من قياس قوله في الحبوب، فإنه يقول في إحدى الروايتين هل تضم الحبوب بعضها إلى بعض.
والثانية: قال: يضم ما يقارب في المنبت والمحصد.
وإذا خرص الخارص على أرباب الثمار ترك لهم الثلث على قول بعض أصحابنا، والصحيح أنه يترك لهم قدر ما يأكلون ويهدون بلا تحديد.
فصل
وإذ تلفت الثمار في الجرين، وهو الموضع الذي يترك فيه بعد الجذاذ، ويسمى الجوخان، ويسمى المربد، أو تلفت الحبوب في البيدر فقد استقرت الزكاة.
وإذا أخرج عن ثمرته من غيرها نظرت فإن كانت مثلها في الجودة والتصفية والنوعية والرزانة أجزأه، ولا يجزئ إخراج الردئ عن الجيد.
وإذا نقص بعد الخرص عن النصاب، فقال رب المال: أخطأ.
وقال الساعي: أصاب.
فالقول قول رب المال ما ادعى ما يجوز أن يسهو به الخارص في العادة.
فإن ادعى غلطاً لايتفق له لم يقبل منه.
فصل وأما الزروع فنصابها نصاب الثمار، فيجب في الحنطة ﴿36/ ب﴾ والشعير وما شاكلها من المقتات كالذرة، والدخن، والأرز، ومن القطنيات الباقلاء، والحمص، واللوبيا، والأبازير، كالخردل، والكمون، والكسفر، أو ما شاكل ذلك، ويضم الحنطة إلى الشعير، ولا يضم غيرهما إليهما، ويضم القطنيات بعضها إلى بعض في إحدى الروايتين 13، والأخرى يزكى كل صنف
الجزء: 1 - الصفحة: 82
على حدة، ولا يضم شيء إلى غيره.
وعن أحمد -رضي الله عنه- أنه يضم الحبوب إلى القطنيات، ويجعل الكل كالجنس الواحد فيزكى، ويكون الإخراج بالحصة أو القيمة.
فأما ما لا يضم فلا يخرج بعضه عن بعض بالقيمة، كما نقول في الدراهم لا تخرج عن الماشية، وتخرج عن الدنانير، لأنها تضم إليها.
ولا يجزئ إخراج القيم في الزكوات، ومعنى ذلك أنه لا يخرج عن جنس من غير جنسه.
ويجتمع العشر والخراج في أرض الخراج.
وتجب الزكاة في بذر الحبوب، كبذر البطيخ، والقثاء، والخيار إلى ما شاكل ذلك.
فصل
فأما الزيتون فإنه تجب فيه الزكاة 14، وهل تخرج من ثمره أو دهنه؟ على وجهين 15.
وتجب في القطن في أصح الروايتين 16، ونصابه نصاب الحبوب.
وتجب في الزعفران في أصح الروايتين 17، وعلى قياسه الورس، والعصفر أيضاً ويعتبر في ذلك التوسيق على أحد الوجهين.
والثاني: يجب في قليله وكثيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 83
وتجب في العسل، ونصابه عشر قرب، كل قربة ستون رطلاً، فيكون ستمائة رطل، وفيه عشره.
ولا تجب في السدر، ولا تجب في شيء من الفواكه، والخضراوات ﴿37/ أ﴾ ولا البقول.
فصل
فأما المعادن، كالزرنيخ، والنورة، والقار، والنفط، والمرميا، والكحل، والرصاص، والحديد، والفيروزج، والزبرجد، والعقيق، إلى أشباه ذلك مما يستخرج من الأرض ففيه الزكاة، وقدر نصابه معين بالقيمة، فإذا بلغت قيمته مائتي درهم، أو عشرين ديناراً ففيه ربع العشر، كزكاة العروض للتجارة.
ووقت الوجوب حال إجازته، ووقت الإخراج حين تصفيته، كما قلنا في الحبوب، ولا تعتبر في الحول، لأنه مستفاد من الأرض، فهو كالحبوب.
وإن كانا شريكين في ذلك فهل يزكيان زكاة الخلطين؟ يخرج على الروايتين.
فصل
فأما ما يخرج من البحر من السمك، وما يقذفه كالعنبر، وما يستخرج منه، كاللؤلؤ، والجواهر فهل تجب فيه الزكاة؟ على روايتين، أصحهما تجب 18، لأنه أحد المسلكين فتعلق الزكاة بالخارج منه، كالبر.
فأما ما نزل من السماء على شجر الإنسان، كالمن، والزنجبيل والشيوحشك، وما أشبه ذلك، فيحتمل الوجوب فيه، كالعسل.
الجزء: 1 - الصفحة: 84
وأما الركاز إذا ظهر عليه وهو دفن الجاهلية، أو من تقدم من الكفار في الجملة فلا زكاة فيه، وفيه الخمس، لأنه مال مظهور عليه بالإسلام، فهو كالقيمة، وهل يصرف مصرف خمس الغنيمة أو مصرف الزكاة؟ ﴿37/ ب﴾ على روايتين، أصحهما: مصرف الخمس 19، لأنه مال مخموس، فهو كالغنيمة، والثانية: مصرف الصدقة، لأنه مستفاد من الأرض، فهو كالمعادن.
فصل
فأما الذهب فنصابه عشرون مثقالاً، ولا تجب فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول، ولا تسقط الزكاة إذا كان ناقصاً نقصاً لا يدخل في الموازين، ويسقط بما زاد على ذلك من النقصان وإن قل، وقدر الزكاة ربع العشر.
ويضم الذهب إلى الفضة في أصح الروايتين 20، وهل يضم بالأجزاء والقيمة؟ قال أحمد -رضي الله عنه-: "يضم بالأجزاء" بيانه أن يكون معه خمسة عشر ديناراً فهي ثلاثة أرباع نصاب العين، وخمسون درهماً هو ربع نصاب الفضة، فقد كمل النصاب بأجزائه.
قال شيخنا: "قياس المذهب أن يضم بما هو أحظ للمساكين" كما قلنا في تقويم العروض.
فصل في صدقة الورق ونصابه مئتا درهم، كل درهم ستة دوانيق، وفيه ربع عشره، والحول معتبر فيه، والنقصان المسقط للزكاة فيه على ما ذكرنا في الذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 85
ولا يخرج المغشوشة على الصافية، وإذا كانت المغشوشة يحذيها لم يخرج منها لكن تنظر كم فيها من الفضة الخالصة فتضمها إلى الفضة وتزكى، وإن لم يعلم قدر الصافي كلفناه سبكها أو خرص ما فيها من الفضة والإخراج ﴿38/ أ﴾ عنه.
ولا يجزئه إخراج المكسرة عن الصحاح، ولا البهارج والزيوف عن الجيدة، فإن أخرج مكسرة عن صحاح، وأخرج ما بينهما من تفاوت الكسر وأرشد جاز.
والدين يسقط الزكاة في الأموال الباطنة سواء كان من جنس المال أو غير جنسه.
وإذا كان له دين فالزكاة فيه واجبة، والإخراج يتأخر إلى حين القبض إذا كان على ملئ، فأما إن كان على مفلس أو جاحد، أو غصب ماله، أو دفنه فضاع منه، ثم عاد ففي وجوب الزكاة لما مضى روايتان، أصحهما: وجوبها (1)، لأنه كان على ملكه، ولم يتعلق به حق الغير، وتصرفه كامل، وإنما حصل بينهما حيلولة، فهو كما لو أسره الروم عن أمواله.
وتختص الصدقة ببلد المال، وليس في الذهب والفضة وقص (2) ولا عفو.
فصل
فأما الحلي فلا زكاة فيه إذا كان مباحاً ولم يخرج عن حد المعتاد في حق2122
الجزء: 1 - الصفحة: 86
الرجال والنساء.
فالمباح في حق الرجل الخاتم والمنطقة، وقبيعة السيف، وفي حق المرأة كل معتاد، كالخلخال، والسوار، والطوق، والدملج.
فأما حلية السكين، ونحوها لم تجز وفيه الزكاة، وكذلك حلية الخيل، وقلائد الكلب، لأنه محرم تقليدها.
فأما حلية الأواني وضبابها، وحلية المرآة، والمشط، والربعة، ﴿38/ ب﴾ والمصاحف فكل ذلك محرم استعماله، وفيه الزكاة إن بلغ نصاباً، ويضم إلى غيره إن لم يبلغ في نفسه الحلي نصاباً.
فأما الحكم الخارج عن عادة اللبس، كخلخال المخبن، وهو كبير ثقيل يترك على المخبن للمباهاة لا للبس ففيه الزكاة.
وأما صنعة الحلي المحرم فيحتمل ألا يجب فيها، لأنها ملغاة، فهي كصبغة الملاهي.
وأما الحلي المباح مثله إذا كان للتجارة فإن تقويمه بالصياغة واجب، فتضم قيمة الصياغة إلى وزنه، ويزكى عنه، وكذلك الجواهر المرصوعة في الحلي تقوم مع الصياغة وتزكي الجميع زكاة القيمة.
وبيان ذلك: أن يكون وزن السوار مئة، وقيمة الصياغة وما فيه من الجوهر الموضوع مئة فيزكي مئتين.
والحلي المعد للاستئجار، وهو حلي المواسط كالحلي المعد للتجارة في حق الصيارف.
الجزء: 1 - الصفحة: 87
فصل
في الأواني
فأما أواني الذهب والفضة فيحرم استصناعها واستعمالها، وتجب الزكاة في وزنها دون قيمتها، كما نقول في الإيماء المغنيات للتجارة: تقومهن سواذج، وتزكي، لأن تلك الصناعة لا قيمة لها في الشرع، وفارق الخصيان، لأن المعصية زالت وهي القطع، وبقى الأثر، وليس ذلك معصية، فلذلك زكى قيمة الخصي خصيباً.
فأما رأس المكحلة فكرهه أحمد رضي الله عنه.
وأما القناديل فمحرم استعمالها، وإيجارها، كالأواني سواء، وفي جميع ذلك الزكاة إن بلغ نصاباً، وإلا ضمه إلى ما عنده من الورق، والعين وزكاه.
﴿39/ أ﴾ وأما ما أكناه بنفس، وهو الضبة اليسيرة من الفضة، ورباط السن من الذهب، وشعيرة السكين، فذلك لا تجب فيه زكاة بنفسه، ولا يضم إلى غيره، فإن كان مجموعه نصاباً إلا أن كل ضبة معفو عنها، لكونها يسيرة لم تجمع للإيجاب، بل عفي عنها، لأن كل واحد منهما لا يبلغ حد السرف والخيلاء، ولا الشبه بالأعاجم، فهو كطرز الحرير في الثياب الكثيرة بحيث لو جمع لكان ثوباً يعفى عنه لتفرقه، وكون كل طيراز على حده معفو عنه.
فإن تحلت المرأة بالدنانير والدراهم وجعلت لها العري، وجعلتها في مرسلتها ومخنقتها فهي حلي، فلا زكاة فيها، لأنها خرجت إلى حيز الاستعمال المباح.
وإذا انكسر الحلي وصار بحيث لا يستعمل صار في حكم التبر، وذكر شيخنا في "المجرد" أنه إذا كان نيته إعادته لم تجب فيه الزكاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 88
وهذا محمول على أنه كان على وجه يصح لبسته، وإلا فالذهب لا يحتاج إلى النية في إيجاب الزكاة، ولا يخرج عن الإيجاب بالنية، بل بالصناعة للاستعمال المباح.
فصل
في زكاة العروض للتجارة
تجب الزكاة في كل عرض ينوي به التجارة، فتقوم عند الحول، ويخرج عنه إما الذهب أو الورق، ولا يزكى من عينه، ويقوم ما هو أحظ ﴿39/ ب﴾ للمساكين، فإن كان تقويمه بالورق يبلغ به نصاباً، وتقويمه الذهب ينقص به عن النصاب فقومه بالورق.
وإذا نقلت من عرض إلى عرض بنى ولم يبتدئ، لأن النقلة سبب النماء، فلا يجوز أن يجعل علةً لإسقاط الزكاة، كالسوم، وكذلك الصيارف إذا نقلت أعيان أموالهم من ذهب إلى ورق لم تستأنف، بل يبني على أصل ماله، لأن تقليبه سبب للنماء.
فإن أخرج مال التجارة إلى ما تجب الزكاة في عينه وقطع نية التجارة، مثل إن اشترى بمائتي درهم مئة من الإبل وأسامها استأنف، فإن كان على نية التجارة فقد اجتمع السوم والتجارة، قال شيخنا: "يقومها فيخرج عنها زكاة القيمة"
وإذا كان له عروض للتجارة فنواها للاقتناء انقطع حول التجارة، فإن عاد فنواها للتجارة استقبل بها حولاً.
وقال الخرقي: "لا زكاة فيها حتى يبيعها فيستقبل بثمنها حولاً"
الجزء: 1 - الصفحة: 89
وإذا كانت العروض تساوي دون النصاب، ثم ساوت نصاباً اعتبر الحول من حين ساوت نصاباً لا من حين ملكه لما نقص عن النصاب ويضم الربح إلى أصل المال إذا كان الأصل نصاباً.
فصل
في زكاة الفطر
وهي طهرة للصائم من الرفث، وتجب عن كل حر، وعبد، وذكر، وأنثى، وصغير، وكبير من المسلمين.
ويستحب إخراجها عن الجنين، وتجب على المكاتب في ماله، لأنها ﴿40/ أ﴾ تابعة للنفقة، ونفقته في ماله.
والأصناف التي تخرج منها الصدقة ستة أصناف: الحنطة، والشعير، ودقيقهما، والتمر، والزبيب، والإقط.
وقدر المخرج عن كل واحد صاعاً قدره خمسة أرطال وثلث بالعراقي.
ويجوز أن يخرج عن الواحد من جنسين وأكثر ويجوز أن تعطى الفقير الواحد ما يلزم الجماعة، ويعطى الصاع لجماعة من الفقراء، ومصرفها مصرف زكاة المال، ونصابها أن يكون مالكاً لقوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، وعنده قدر ما يجب عليه من الصدقة، فإن وجد بعض ذلك أخرجه إذا كان صاعاً، ولا يجب إخراج بعض صاع في الصحيح من المذهب، كمن وجد بعض ما يكفر به.
وإذا كان العبد بين شريكين زكيا عنه زكاة الفطر، وفي قدر ما يخرج كل واحد روايتان، إحداهما: صاع بالحصة 23، والثانية: على كل واحد صاع.
الجزء: 1 - الصفحة: 90
ووقت الوجوب ما لم تغب شمس اليوم الأخير من رمضان، فلو ملك عبداً، أو ولداً له ولد قبل غروب الشمس وجبت فطرته.
ووقت الإجزاء قبل العيد باليوم واليومين، ووقت الفضيلة يوم العيد قبل الصلاة ليحصل له الغنى عن السؤال في وقت الصلاة.
وأفضل الأجناس التمر، لأن فيه قوتاً وخلافه.
ولا تسقط بالدين إلا أن يكون به مطالباً.
الجزء: 1 - الصفحة: 91