كتاب الجزية
﴿197/ ب﴾ قال الله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهمْ صَاغِرُونَ (29)﴾ 1 يعني حتى يبذلوها وينزلوا على حكمنا فيها للإجماع بأن السيف يرتفع عنهم قبل العطاء وبعد الإلزام.
ولا تؤخذ الجزية إلا من له كتاب، أو شبهة كتاب، فأهل الكتاب اليهود والنصارى، وطوائفهم كالسامرية طائفة من اليهود، والصابئة طائفة من النصارى لهم حكم عبدة الأوثان.
ومن له شبهة كتاب، وهم المجوس.
فأما عبدة الأوثان فلا يقرون بأخذ الجزية قولاً واحداً، وهل يقرون بالاسترقاق؟ فقد منع الخرقي، وأطلق أحمد القول في جواز استرقاقهم.
فأما أهل زبور داود، وصحف إبراهيم فلا يقبل منهم إلا الإسلام، ولا تؤخذ الجزية من هؤلاء الذين ذكرناهم من أهل الكتاب، وشبهة الكتاب، ﴿198/ أ﴾ إلا أن يكون الشخص حيث إذا وقع في الأسر جاز قتله.
ويعتبر أيضاً أن يكون له جده إما بغنى، أو صناعة، فأما المرأة، والصبي، والشيخ الفاني، والمجنون، والزمن، والضرير، وأهل الصوامع والرهبان، والعبيد، والفقير فلا تؤخذ منهم الجزية، بل يعفون منها، لأن الدم محقون فلا يحتاج إلى معنى آخر به، والجزية موضوعة لحقن الدم، والعبد مال وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 324
محقون كمال سيده إما بإسلام سيده أو ذمته.
وأهلها ثلاث مراتب: غني، ومتوسط، وفقير معتمل، فالغني يؤخذ منه أربعة دنانير، أو ثمانية وأربعون درهماً، والمتوسط ديناران، أو أربعة وعشرون درهماً، والفقير دينار، أو اثنا عشر درهماً.
واختلف في جواز الزيادة على ثلاث روايات، إحداها: جواز الزيادة والنقصان.
(1)
والثانية: منع الزيادة والنقصان.
﴿230/ ب﴾ والثالثة: تجوز الزيادة دون النقصان.
وتسقط بالموت والإسلام.
ولا تجب الجزية إلا بآخر الحول.
وإذا اجتمع عليه جزيتان لم يتداخلا، واستوفيت منه.
فصل
في ذكر شروط أهل الذمة
اعلم أن الشروط التي إذا خالفوها نقضوا ذمتهم بمخالفتها سواء شرط ذلك أو لم يشترط فهي اثنا عشر حكماً: أن يمتنع من بذل الجزية، أو يمتنع من جري أحكامنا عليهم، أو يفعل ما على المسلمين فيه ضرر في مال أو نفس، كالاجتماع على قتال المسلمين، والزنا بالمسلمات، أو إصابتهن باسم نكاح، أو يفتن مسلماً عن دينه، أو يقطع عليه الطريق، أو يأوي للمسلمين جاسوساً، أو2
الجزء: 1 - الصفحة: 325
تعاون على المسلمين بدلالة مثل مكاتبة المشركين بأخبارهم، أو يقتل مسلماً، أو يفعل ما فيه غضاضة على الإسلام، وهي أربعة: ذكر الله ﴿231/أ﴾، وكتابه، ورسوله، ودينه بما لا يليق (1).
وفيه رواية أخرى: لا ينتقض العهد إلا بالامتناع من بذل الجزية، ومن جرى أحكامنا عليهم.
وعند أبي حنيفة لا ينتقض العهد إلا بامتناعهم على الإمام بالاجتماع والمنعة.
ولا ينتقض عهدهم عند الشافعي إلا بترك ما شرط عليهم الإمام فعله، أو فعل ما شرط تركه من الأشياء التي ذكرناها، ولا ينتقض من غير شرط، وبعض أصحابه يقول: ولا ينتقض عهدهم بذلك وإن شرطه الإمام.
وإنما ذكرت الخلاف، لأنه حكم يتعلق بالدم، وأرى عوام الوقت يسارعون إلى التهجم على دماء أهل الذمة بما لا يوجب ذلك، ولا يبيحه مذهب أحد من العلماء.
فإذا نقض عهده بشيء مما ذكرنا أنه ينقض عهده به كان الإمام فيه مخيراً بين أربعة أشياء كالأسير الحربي سواء.
فصل
فيما لا ضر على المسلمين فيه من الشروط ﴿231/ ب﴾ المروية عن عمر رضي الله عنه وهو ما كان فيه إظهار منكر في دار الإسلام، ورفع الأصوات بكتبهم، وضرب النواقيس، وإطالة البنيان على أبنية المسلمين، وإظهار الخمر،3
الجزء: 1 - الصفحة: 326
والخنزير فعليهم الكف عنه سواء شرط أو لم يشرط، وهل يحصل بمخالفتة نقض العهد؟ على وجهين، اختيار الخرقي أنه ينتقض العهد بمخالفته إذا شرط عليهم، واختار شيخنا أبو يعلى -رضي الله عنه-: أنه لا ينتقض العهد بذلك 4، وعلل بأنه لا ضرر على مسلم به في مال ولا نفس.
وكذلك يتخرج من تشبههم بلباس المسلمين، وكناهم، وشعورهم وجهان، أحدهما: لا ينتقض العهد به سواء شرط أو لم يشترط.
والثاني: ينتقض به إذا شرط عليهم.
وصفة المخالفة في ملبوسهم، وهو الغيار أن يصبغوا ﴿232/أ﴾ ثوباً من ملبوسهم مما يظهر، فعادة النصارى الأدكن، وعادة اليهود العسلي وشد الزنار فوق ثيابه لرفع الاشكال، فإن من المسلمين من يصبغ ثوباً، وفيهم من يشد وسطه، وليس فيهم من يجمع بين صبغ ثوب وشد وسط.
ولا يمنع من العمامة والطيلسان.
وقال شيخنا -رضي الله عنه-: لأنني لم أجد عن أحمد المنع.
ومن لبس قلنسة جعل في رأسها علماً يعرف به مخالفاً لقلانس المسلمين والقضاة، ويختم في رقبته خاتم رصاص، أو حديد، أو جرس، أو خلخل ليقع الفرق، والمرأة تلبس الغنار، وتشد الزنار، تحت ثيابها، ويكون في الجام في رقابهم خاتم الرصاص، كذلك أمر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الأجناد أن يختموا في رقاب أهل الذمة الرصاص، وإن يظهروا مناطقهم، ويحزوا نواصيهم، ويركبوا ﴿232/ب﴾ الأكف عرضاً، وجز النواصي هو
الجزء: 1 - الصفحة: 327
حلق الشعر عن مواضع التحذيف، ولا يحذفوا شوابير، لأنها عادة بني هاشم، وفي بعض الأخبار يمنعوا من الفرق.
وعليهم أن يتميزوا في مركوبهم عن المسلمين ولا يركبوا الخيل، فإنها من المفاخر، وإنما يركبون البغال والحمير، وإذا ركبوها يكون عرضاً.
وفي حديث عمر -رضي الله عنه-: ولا ينقلوا السلاح، ولا يتقلدوا السيوف، ولا يعلموا أولادهم تلاوة القرآن، ولا يكنوهم بكناهم، وأن يخفوا أصوات النواقيس في بيعهم، ولا يرفعوا أصواتهم عند كتبهم".
وهل يجوز لهم رم ما يشعث من كنائسهم وبيعهم؟ على روايتين، أصحهما: لا يمنعوا من رمها.
وهي اختيار أبي بكر الخلال -رضي الله عنه- واختيار شيخنا المنع 5.
الجزء: 1 - الصفحة: 328