التذكرة في الفقه لابن عقيلكتاب البيوع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (1). والبيوع ثلاثة: بيع عين حاضرة، فتصح بوجود الإيجاب من جهة البائع والقبول من جهة المشتري، ويلزم بالتفرق بالأبدان، أو التجايز بالأقوال في إحدى الروايتين (2). ولا يمكن أحدهما أن يرجع فيه إلا بعيب أو خيار شرط.
وبيع عين غائبة بالصفات التي يتفاوت الثمن بتفاوتها فتلزم أيضاً بالتفرق بالأبدان.
وبيع في الذمة وهو السلم، وسنذكره مفرداً إن شاء الله.
ولا يصح بيع الأعيان الغائبة مع عدم الصفة، ولا يقف على خيار الرؤية في أصح الروايتين (3). ولا يصح أن يبيعه عبداً من ثلاثة أعبد مشاهدين حتى يعين البيع في أحدهم.

فصل

والخيار على ضربين: خيار يثبت بالشرع، وخيار لا يثبت إلا بالشرط.
فالذي يثبت بالشرع خياران: خيار المجلس، وهو ثابت في البيع، وفي كل عقد معاوضة يقصد به المال وكان لازماً، كالبيع، والصلح، والحوالة، والإجارة، ونحو ذلك، وفي السلم، والصرف روايتان.123

الجزء: 1 - الصفحة: 119

ولا يثبت في العقود غير اللازمة كالشركة، والوكالة، والمضاربة، لأن الفسخ يملكه كل واحد منهما، فلا فائدة في تخصيص ذلك بالمجلس.
ولا يثبت في العقود اللازمة التي لا يقصد بها المال، كالنكاح، والخلع.

فصل

فأما الخيار الثاني فجاز الرد بالعيب، فهو ثابت بالشرع أيضاً، ويثبت في عقود المعاوضات، كالبيع، والصلح ﴿54/أ﴾ على مال، والخلع، والنكاح أيضاً، ويقف على العلم به، فإذا علم وطالب ثبت له الرجوع وإن تراخى الزمان، وإن سكت بأن تصرف سقط حقه.

فصل والخيار الثابت بالشرط على ضربين: اشتراط صفة، واشتراط مدة للإرتياء إذا كثر، ولا يقف على الثلاث.
فأما اشتراط الصفة: كأن يقول: اشتريته على أنه كاتب، أو الجارية على أنها طباخة.
فإذا بان بخلافه ملك الفسخ.
وصفة الخيار الارتياء: أن يقول: اشتريت هذا العبد ولي الخيار ثلاثة أيام، وأربعة.
حسب ما يتراضيان عليه من المدة.
وخيار الصفة رجع إلى بيان، وهو أن يأخذ ما بين كاتب وسادج عرضاً، كما يأخذ الأرش من المعيب.
وخيار الشرط لا يرجع إلى مال، ولا يثبت في العقود الجائزة، ولا اللازمة التي لا يقصد بها المعاوضة المحضة، كالعقود الجائزة، كالسرية والتي لا يقصد المال، كالنكاح، والخلع.

الجزء: 1 - الصفحة: 120

فصل

ويشترط في صحة الصرف قبض العوض في المجلس، فإن تفرقا وقد بقي بعض العوض أو المعوض فسد الصرف.
فعلى هذا لو تصارفا دراهم بدنانير، فافترقا فوجد مشتري الدراهم في الدراهم صنجة كانت وقعت في الوزن حكمنا ببطلان العقد، لأنه فات قبض ما نابت عنه الصنجة من الثمن، فتبينا أنهما افترقا قبل ﴿54/ب﴾ كمال القبض، وكذلك إذا وجدها مغشوشة بما ليس من جنس الثمن.
وكذلك رأس مال السلم يجب استيفاؤه في مجلس العقد.

فصل ولا يتم البيع إلا بخمسة شرائط: الإيجاب من له قول صحيح وتصرف نافذ، والقبول من مثله، وأن تكون العين المبيعة مالاً قابلة للعقد، وأن تكون معلومة، وأن يكون في وقت يباح البيع فيه، فإن كان في وقت الندى لم يصح

فصل والبيوع المنهي عنها في الشرع سبعة وعشرون بيعاً: - تلقي الركبان، وبيع حاضر لباد، وبيع النجش، والسوم على سوم أخيه، والملامسة، والمنابذة، والمحاقلة، والمزابنة، وعن بيع وسلف، وعن ثمن الكلب، وعن عسب الفحل، وعن بيع الماء، وعن بيع ما ليس عنده، وعن بيع الحب حتى يفرك، وحتى يشتد، وعن بيع الثمرة حتى تزهو، وعن بيع الحنطة في سنبلها، وعن بيع ما لم يقبض، وعن ربح ما لم يضمن، وعن بيعين في بيعة، وعن بيع وشرط، وعن بيع الغرر، وعن بيع المضامين، وعن بيع

الجزء: 1 - الصفحة: 121

الملاقيح، وعن بيع المجر، وعن بيع الحبلة، وحبل الحبلة، وعن بيع اللحم بالحيوان ﴿55/أ﴾، وعن بيع الرطب بالتمر، وعن بيع الكالي بالكالي.

فصل

وهذه تنقسم إلى قسمين، فما كان منها يتناول النهي لمعنى في المعقود عليه بطل البيع به، وما كان لمعنى في العاقد فهي ثلاثة: بيع النجش، وهو أن يزيد في السلعة ولا يريد شراءها.
وبيع تلقي الركبان, لأن النهي عاد على الضيقة الداخلة على الناس.
والسوم على سوم أخيه، وهو إذا ساومه في غير المناداة، وتركه بين يديه لينظر فيه بالثمن المذكور، فجاء آخر فزاد على الثمن الذي بذله له، وقد اختار أبو بكر من أصحابنا: أن هذا السوم يبطل البيع إن باعه، أعني إذا باعه للذي زاد على الثمن الذي بذله الأول، فيحصل فيه وجهان.

فصل وجميع الشروط الباقية، والخصال مبطلة للعقود.
فأما تلقي الركبان فهو أن يخرج متلقياً القافلة في الطريق قبل دخولها البلد، فيشتري منهم الميرة قال صلى الله عليه وسلم: "دعو الناس يرزق الله بعضهم بعضاً" 4. وأما بيع الحاضر للبادي فمحرم بخمسة شرائط: أن يكون البدوي حضر لبيع سلعته.

الجزء: 1 - الصفحة: 122

والثاني: بسوق يومها.
والثالث: هو أن يكون الحضري هو الذي ﴿55/ب﴾ قصده ليتولى ذلك.
الرابع: أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه وضيق في تأخير بيعه.
الخامس: ألا يكون الجالب عارفاً بقيمتها في البلد.
فإذا كملت هذه الشروط بطل البيع.
والنجش زيادته في الثمن ولا رغبة له في الشراء، فيحرم ولا يبطل.
والسوم على سوم أخيه مساومته للبائع بعد بذلها لمشتر قبله ومر هذا.
وفي النجش وجهان، أصحهما عدم الإبطال 5. وبيع الحصاة كانت الجاهلية إذا نبذ أحدهم حصاة على المبيع فقد لزم البيع له.
والمنابذة: كان إذا نبذ بالسلعة إلى أحد المشترين وجب الشراء له.
والملامسة: أن يلمس السلعة فيكون العقد له.
والمحاقلة: بيع السنبل بالحنطة.
والمزابنة: بيع تمر على وجه الأرض برطب على رؤوس النخل غير العرايا.
وثمن الكلب صيود كان أو غير ﴿صيود﴾ 6 محرم.
وبيع الماء يعني نقع البئر، لأنه غير مملوك له عندنا حتى يجوز، فأما المحوز فلا ينهى عن ثمنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 123

وبيع وسلف: أن يبيعه السلعة بشرط أن يسلفه سلفاً أو يقرضه قرضاً.
وبيع ما ليس عنده: هو أن يبيع عبداً لا يملكه، أو ثوباً ثم يشتريه ويسلمه.
وبيع الحب حتى يفرك، وهذا روى بكسر الراء ويراد به حتى يبلغ أوان الفرك، وبضم الباء وفتح الراء حتى يفعل فيه الفرك ويقشر ﴿56/أ﴾ وزهو الثمرة: بدو صلاحها، وهذا محمول على أنه لم يشترط القطع، فأما إن شرط قطعها جاز.
فإن اشتراها وتركها حتى بدا الصلاح فعلى أربع روايات: أحدها: البيع باطل.
والثانية: البيع صحيح، ويشتركان في الزيادة.
والثالثة: يتصدقان بالزيادة.
والرابعة: إن تعمد فالعقد باطل، وإن لم يتعمد فهو صحيح، فيكون في صحة العقد روايتان، وفي حكم الزيادة روايتان، إحداها: يشتركان.
والثانية: يتصدق بها.
وأما بيع الحنطة في سنبلها؛ فقال شيخنا: تصح.
وحمل النهي عن بيعها بالحنطة؛ وهذا يفضي إلى تكرار ذلك، لأنه قد ذكر ذلك في المحاقلة لم يبق إلا أنه أراد بيعها في سنبلها كالجهالة والستر، وهذا عندي أصح.
وبيع ما يقبض: وهذا في المكيل والموزون، فأما المتعينات، كالعبد، والثوب فلا.
وربح ما لم يضمن: وهو بيع القفيز من صبرة قبل قبضه [] 7 لم يدخل

الجزء: 1 - الصفحة: 124

في ضمانه.
وكذلك الثمرة على رؤوس النخل، لأنها لو تلفت كانت من ضمان بائعها.
وبيعان في بيعة: أن يقول بعشرة صحاح، أو إحدى عشرة مكسرة.
وبيع الغرر: بيع الحمل في البطن، والجمل الشارد، والعبد الآبق، والسمك في الماء، والطير في الهواء، والصوف على ﴿56/ب﴾ ظهر الحيوان، وبيع الثمار قبل بدوها.
وبيع وشرط: وهو يحمل على الشروط الفاسدة، فأما الشروط الصحيحة، كاشتراط منفعة المبيع شهراً، ويوماً، مثل أن يشتري عبداً ويشترط البائع خدمته شهراً، أو داراً ويستثنى سكناها سنة، أو يبيعه حطباً ويشترط المشتري حمله إلى دار المشتري.
فهذه الشروط صحيحة، والعقد المشروط فيه صحيح أيضاً.
فإن شرط شرطين، مثل إن اشترط حمل الحطب، وتسقيفه، وحذو النعل وتشريكها لم يصح البيع لفساد الشرط، لأننا لو أجزنا الشرطين أجزنا الثلاثة والأربعة إلى ما لا يتعدد.
فأما بيع المجر: فهو بيع الحيوان بالحمل الذي في البطن، وبيع الحبلة مع الحمل في البطن.
وحبل الحبلة: بيع حمل هذا الحمل كانت الجاهلية تفعله.
وبيع المضامين: ما في بطونها.
وبيع الملاقيح: ما في ظهورها من الماء، وهذا غير عسب الفحل، لأن

الجزء: 1 - الصفحة: 125

عسب الفحل هو أن يكري جمله للضراب بأجرة.
وبيع ما في ظهورها: أن يبيع الولد وهو في ظهر أبيه، فيكون للمشتري ما في ظهر الجمل من الماء إن أراد أن يقبضه بأن يلحقه ناقته، أو يكون له أن يضعه في غيرها.
وبيع الرطب بالتمر: ﴿57/أ﴾ وهذا في غير العرايا، فأما العرايا فإنه بيع رطب بتمر لكن على شروط مخصوصة، والشروط أن يشتري الرطب على رؤوس النخل بتمر على وجه الأرض خرصاً، ويكون به حاجة إلى الرطب لشهوته أو شهوة عياله، ولا يكون عنده ما يشتري به الرطب سوى التمر، وأن يكون الرطب دون الخمسة أوسق، وليس من شروط الخرص أن يكون الرطب مخروصاً تمراً، بل يخرص الخارص الرطب كيلاً معلوماً ويجعل بإزائه تمراً، وألا يتركه حتى يثمر، فإن تركه حتى يثمر بطل العقد، كما قلنا في الثمرة إذا باعها على رؤوس النخل قبل بدو الصلاح، ثم تركها حتى بدا صلاحها.
وأما بيع اللحم بالحيوان سواء كان الحيوان مأكولاً أو غير مأكولٍ، ويحتمل ألا يمنع الحيوان مأكولاً، لأنه ليس بأصل له.
وإذا كان مأكولاً فقد بيع 8 جر فيه الربا بأصله الذي فيه منه فشابه بيع السمسم بالشيرق، والزيت بالزيتون، والعصير بالعنب، والدقيق بالحنطة.
وأما بيع الكالي بالكالي: وهو أن يبيع الدين بالدين، مثاله أن يبيع ما تبت له في الذمة سلماً بدين له على رجل سلماً أو غيرها، ويسلم في غيره، ويجعل الثمن ديناً له على رجل آخر غير البائع ﴿57/ب﴾ أعني المسلم إليه.
فهذه الشروط والبيوع الفاسدة كلها إلا ما شذ نقله.
والله أعلم بالصواب.

الجزء: 1 - الصفحة: 126

وأما البيع المنهي عنه لأجل الوقت فهو البيع وقت الندى، فذلك حرم لأجل التشاغل عن الجمعة، فيبطل أيضاً كما نقول في نكاح المحرم لما اتصل [بعبادة] (1) كان عقداً حرم لأجل عبادة فبطل، كذلك هنا.

فصل

في الشروط المقارنة للعقد

وهي على أربعة أضرب: شرط في موجب العقد ومقتضاه، فلا يؤثر في العقد صحة ولا فساداً، مثل أن يشترط تسليم المبيع، وإيفاء الثمن، وما أشبه ذلك.
الثاني: شرط ليس من موجبه ولا مقتضاه ولكن من مصلحته، كالبيع بشرط الخيار، والرهن، والضمين.
فهذا شرط صحيح يؤثر في العقد وقوفه على الفسخ لأجل الإرتياء والنظر لما فيه الحظ.
الثالث: شرط ليس من مقتضاه ولا مصلحته إلا أنه لا ينافي مقتضاه؛ وهو أن يشترط منفعة المبيع مدة معلومة، أو يشترط منفعة البائع، وذلك مثل أن يشترط سكنى الدار المبيعة، أو ظهر الدابة المبيعة شهراً ﴿58/أ﴾، أو شهرين، أو يشتري ثوباً ويشترط على بائعه خياطته، وقد تحصل المنفعة مستثناة من جهة الحكم، وهو أن يشتري أمة مزوجة، أو داراً مؤجرة، فيكون المبيع داخلاً في ملك المشتري مسلوب المنفعة.
الشرط الرابع: ما ليس من مقتضاه، ولا من مصلحته، وينافي مقتضاه، مثل أن يشترط البائع على المشتري ألا ينتفع بالمبيع، فإذا شرط فاسد لا يلزم9

الجزء: 1 - الصفحة: 127

الوفاء به، فأما إن باع عبداً وشرط على المشتري عتقه فالبيع جائز، وفي صحة الشرط روايتان، إحداهما: أنه جائز ويلزم الوفاء به (1). والثانية: هو بالخيار بين أن يفي أو لا يفي.

فصل

والبيوع على ثلاثة أضرب: ما لفظه لفظ المبيع، ومعناه معنى البيع، وهو بيوع الأعيان، فيجوز التفرق فيه قبل القبض بالبيع والهبة.
الثاني: ما لفظه لفظ السلم ومعناه معنى السلم، فيقول: أسلمت إليك هذه الدنانير، أو الدراهم في كذا وكذا.
فمن شرطه قبض رأس المال في مجلس العقد وافياً تماماً، فإن ﴿58/ب﴾ تفرقا قبل استيفائه بطل.
الثالث: ما كان لفظه لفظ البيع ومعناه معنى السلم، مثل أن يقول: اشتريت منك ثوباً من صفته كذا بهذه الدراهم.
فيجوز التفرق فيه قبل القبض اعتباراً باللفظ.

فصل

فيما يعتبر فيه القبض

وهي سبعة: عقود السلم يعتبر قبض رأس ماله.
والمصرف يعتبر فيه القبض من الطرفين في مجلس العقد.
وما يدخله الربا إذا بيع بعضه ببعض، مثل بيع الكيل بالمكيل، والموزون بالموزون سواء اتفق الجنسان أو اختلفا، فعلى هذا لا يجوز بيع تمر بزبيب نسا،10

الجزء: 1 - الصفحة: 128

ولا بيع حنطة بشعير، ولا بيع تمر بتمر، ولا حنطة بحنطة، ولا شعير بشعير نسا متفاضلاً كان أو متساوياً إلا الأثمان فإنه يجوز أن يشتري بها موزوناً ومكيلاً.
ويعتبر القبض في الرهن قال سبحانه: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ 11. ويعتبر في الهبة أيضاً, لأنها نوع عقد ضعيف فاعتبر انضمام معنى آخر إليه، كالوصية يعتبر فيها انضمام ﴿59/أ﴾ الموت، والقرض، والصدقة، والهدية، والصرف.

فصل

ولا يعتبر التساوي في القرض في التافه، كالعجين، والخبز.
وإذا اقترض موزوناً، فأعطاه أوفى منه، أو أقرضه رغيفاً، فقضاه أثقل منه، لأن ذلك مرفق لا يقصد به التفاضل.

فصل والذي يرد به المبيع على ثلاثة أضرب: أحدها: كل ما ينقص لأجله الثمن من النقائض، كالجنون، والجذام، والبرص، والعور، والعرج، والقرع، والبخر.
فهذه عيوب في حق الكبير والصغير, فأما البول في الفراش، والسرقة، والإباق فإن كان صغيراً فليس بعيب، وإن كان كبيراً فهي عيوب يملك المشتري الفسخ بوجودها في المبيع عقيب العلم، فإن رآها فانتفع بالمبيع واستعمله وأراد بعد ذلك الفسخ لم يملك ذلك، لأن الإمساك رضا.

الجزء: 1 - الصفحة: 129

فصل

فأما العيوب في الثياب، والأواني، والحبوب، والثمار فذلك بحسب ما يعرفه أهل الخبرة ويعدونه في العادة عيباً، كالخرق، والحرق، والاخلاق، والعفن في الحبوب والثمار ﴿59/ب﴾ فذلك مما يملك به الفسخ.

فصل فأما العيوب في الثمن، فإن كان الثمن في الذمة بإطلاقه يقتضي نقد البلد إن كان للبلد نقد، فمن أتاه بنقد فيه عيب علمنا أنه ليس بالثمن الذي ذكره فيرده، ويطالب بما يقتضيه تسمية الثمن.
والعيوب في الثمن مثل: السود، والمغشوش، والزائفة، والبهارج.
وإن كان الثمن معيناً فبان فيه عيب فالثمن يتعين بالعقد فيملك رده، أو المطالبة بالأرش وإمساكه.

فصل وإذا شرط صفة في المبيع يزيد لأجلها ثمنه، مثل أن يشترط تجعيد الشعر، وبكارة الجارية، أو حفظ القرآن، أو صناعة من الصنائع، كالخياطة والنجارة، والقصاره فبان بخلاف ذلك، مثل أن تبين الجارية سبطة، أو ثيباً, أو يبين أمياً، أو ساذجاً من الصناعة المشروطة، فإنه بمثابة العيب يملك به الفسخ، وإن اصطلحا على أخذ الأرش، فأخذ ما بين ﴿60/أ﴾ قيمته على الوصف الذي شرط وبين كونه ساذجاً عنها، ويحتمل أن يكون له إمساك السلعة ويطالب بالأرش كما قلنا في العيب.

الجزء: 1 - الصفحة: 130

فصل

وإذا دلس البائع بصفة يزيد لأجلها الثمن كتصرية اللبن في الماشية، وتجعيد شعر الجارية، وتحمير لونها، وخضاب شعرها، وما جرى ذلك المجرى ملك المشتري فسخ البيع، ويصير تدليسه بتلك الصفة كاشتراطها من طريق المنطق ولو شرط نطقاً صار عدمه موجباً للفسخ، كذلك إذا دلس به فأوهم المشتري أنها على تلك الصفة، والمعنى في ذلك أن المشتري يبذل الثمن في مقابلة ما يشهد من الوصف، كما يبذل بحسب ما سمع من الوصف، فإذا بأن عدم الوصف رجع بما يقابله مما بذله زيادة لأجله.

فصل وللمصراة حكم يختصها، وهو أنه يملك ردها، ويجب عليه أن يرد معها صاعاً من تمر، سواء زادت قيمته على قيمة اللبن الذي حلبه أو نقص، لأن الشرع قدره ﴿60/ب﴾، فهو كالغرة في الجنين.

فصل

في السلم

اعلم أن السلم يفتقر إلى شرائط ستة: أحدها: قبص ثمنه في مجلس العقد.
الثاني: أن يكون المسلم فيه متأخر القبض إلى أجل معلوم.
الثالث: أن يكون مضبوطاً بالصفات التي يقصد بها.
الرابع: أن يكون عام الوجود عند المحل.

الجزء: 1 - الصفحة: 131

الخامس: أن يكون بكيل معلوم، أو وزن معلوم.
السادس: ألا يخل بصفة يختلف الثمن باختلافها.

فصل

ويصح السلم في الحبوب، والثمار، والابازير، والمعدود، والمزروع، إلا في الجواهر فإن أوصافها المقصودة تقف على العيان، ولا تدخل تحت الصفات، وفي الفواكه والخضراوات روايتان.
ولا يصح السلم في الغالية، والقسي، وذلك بما فيها من كثرة الأخلاط المتغايرة الخشب، والعقب، والتوز، والغرى، والعظم، والوتر، وفي الغالية العنبر، والمسك، والكافور، والزعفران إلى أشباه ذلك، ولا يعلم قدر كل خلط مع اختلاف أغراض الناس فيه.

فصل ويصح السلم في الحيوان ﴿61/أ﴾ , لأنه مما يثبت في الذمة مهراً، ودية، ويحتاج أن يضبطه بثمانية أوصاف: الجنس، والنوع، والسن، واللون، والقدر، والهزال، والسمن، والذكورية، والأنوثية، والجودة، والرداء، هذا إذا كان بهيماً، فإن كان آدمياً ذكر البلد، فقال: تركي، وأرمني، وزنجي، سندي.
فأما صفاته التي تتعلق بالملاحة وحسن الصورة، كقوله: أكحل، أقنى، أدعج، مقرون، وما أشبه ذلك فلا يحتاج إليه، لكن إن شرطه كان بالشرط لازماً.
فأما المكيل، والموزون فيذكر الجنس واللون، والقدر، والبلد، والجودة،

الجزء: 1 - الصفحة: 132

والرداءة، حديثاً أو عتيقاً.
فأما العسل فإنه يذكر البلد فيقول: جبلي، أو غيره، والزمان خريفي، ربيعي، ويذكر اللون أبيض، أو أصفر، أو أسود، والجودة والرداءة، ولا يحتاج إلى ذكر حديث، أو عتيق، لأنهما سواء حيث لا يفسد.
فأما الثياب فيذكر سبعة أشياء ﴿61/ب﴾: النوع: كتان أو قطن.
والبلد: ديقي أو بعي.
واللون: أبيض أو أحمر إلى أمثاله من الألوان.
والخشونة، والنعومة، والصفاقة، والخفة، والجودة، والرداءة.
فأما النحاس، والرصاص، والصفر فيضبط بعد معرفة وزنه بأربعة أوصاف: النوع، واللون، والنعومة، والخشونة، والجودة، والرداءة.
ويزيد في الحديد وصفاً خامساً ذكر أو أنثى هذا في تبره، فأما في محموله وهو الآنية فإن كان مما تضبط صفاته طوله، ودوره، وسمكه، كهذه الأصطل القائمة الحيطان جاز، وإن كان مما لا يضبط كالقماقم 12، والمراجل، والمدور من الأصطال فقد قيل: لا يجوز السلم فيها.
لأنها لا تأتي عليها الصفات، لأن القمقم رأسه دقيق، وبدنه غليظ.
وقد قيل: يجوز السلم فيه, لأنه 13 اختلاف يسير لا يختلف الثمن لأجله.
فإن أسلم في اللحم ضبط بعد معرفة وزنه بسبعة ﴿62/أ﴾ أوصاف، ثلاثة في أصل الحيوان: الجنس، بقر، غنم.
والنوع: ضأن، ماعز، بقر وحشي، أو أهلية، أو جواميس.
والسن: خروف رباع، أو ثني، أو

الجزء: 1 - الصفحة: 133

جذع، والذكورية، والأنوثية، وأربعة في اللحم: سمين، أو هزيل، لحم كتف، أو فخذ، أو جنب، معلوفاً، أو سائماً، والجودة والرداءة.
فإن كان في لحم صيد زاد فيه: صيد كلب، أو غيره من الجوارح، أو أحبولة, لأن الآلة يختلف الصيد باختلافها، فبعضها يؤخذ الصيد منه سليماً، وبعضها يؤخذ الصيد منه غير سليم.
فأما السلم في اللبن؛ فيذكر الحيوان الذي هو أصله، فيذكر جنسه، ونوعه، فأما جنسه فلا يحتاج إليه، ويذكر المرعى، والجودة، والرداءة، ويذكر في السمن ما ذكر في اللبن، ويزيد في السمن ذكر لونه، وكذلك اللبا, ولا يحتاج في اللبن إلى ذكر حلبه يومه, لأن إطلاقه يقتضي الحليب إلا أن يشترط الحامض أو المجمد.

فصل

ويجوز السلم في الخبز على ظاهر ﴿62/ب﴾ كلام أحمد -رضي الله عنه- ويضبطه بذكر خبر بر، أو شعير، مغسول أو غيره، والنشاء، والرطوبة، واللون، والجودة، والرداءة، والبلد، فإن الصنعة تختلف باختلافه، ولا يحتاج إلى ذكر الصنعة مع ذكر البلد.

فصل فأما السلم في الصوف والقطن فيذكر في كل واحد منهما خمسة أوصاف: فالقطن يذكر البلد حلواني، سابوري، بغدادي، واللون أبيض أصفر، والخشونة والنعومة، طويل الشعرة، قصير الشعرة، والجودة، والرداءة.

الجزء: 1 - الصفحة: 134

ويذكر في الصوف نوع أصله الذي هو الحيوان، واللون، والطول، والقصر، والذكورية، والأنوثية، والزمان صوف خريف، أو ربيع، والجودة، والرداءة.

فصل

فأما الجلود فيضبطها بخمسة أوصاف: النوع، فيقول: جلد إبل، أو بقر، أو غنم.
والسن: ثني أو جذع، كثير، رقيق.
واللون: أسود، أحمر، أو أبيض.
والجودة، والرداءة.

فصل ﴿63/ أ﴾ 14 وعليّة الربا مكيل جنس فيتعدى إلى الجص والنورة، وموزون جنس فيتعدى إلى الحديد، والرصاص، وكل موزون.

الجزء: 1 - الصفحة: 135

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول التذكرة في الفقه لابن عقيل
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيوعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركةكتاب المضاربةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب إحياء المواتكتاب الوصيةكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب المرتدكتاب البغاةكتاب الحدودكتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب الجهاد والفيء والغنيمةكتاب الخراجكتاب الجزيةكتاب الصيودكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب الكفاراتكتاب النذوركتاب أدب القضاةكتاب الشهاداتكتاب الدعاوىكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل