التذكرة في الفقه لابن عقيلكتاب الإجارة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
1 والإجارة عقد لازم، وهو عقد على المنافع يملك به منافع الأحرار والعبيد، ويملك العوض فيه بمجرده، ولا يقف على استيفاء المنافع.
وهو على ضربين: منافع معينة، ومنافع مطلقة.
فالمنافع المعينة العقد فيها على المدة، وهو أن يقول: أجرتك هذه الدار شهراً.
فهذه تستقر الأجرة فيها بمضي المدة وإن لم يوجد الانتفاع بعد وجود التمكين.
والمطلقة: أن يستأجره ليحصل له خياطة ثوب، أو نجارة باب، فلا تستقر الأجرة إلا بوجود العمل.
وإذا قال أجرتك شهراً.
لم يصح حتى يعينه.
ولو قال أجرتك كل شهر بدرهم.
صحت الإجارة في الشهر الذي وجد فيه العقد ﴿77/ب﴾ وما بعده بحساب ذلك، ولكل واحد منهما الخروج من العقد مع انقضاء الشهر، وإذا شرع في الشهر الثاني كانت عليه الأجرة المذكورة.
وإذا أجره شهر رمضان وهو في رجب صحت الإجارة، لأن كل شهر صح أن يعقد عليه مع المستأجر صح أن يعقد عليه مع غيره، كالشهر الذي يلي العقد.

الجزء: 1 - الصفحة: 161

ولا يصح إجارة المشاع، لأنه لا يمكنه استيفاء المنفعة إلا على المالكين، لأن كل جزء من الدار هما مشتركان فيه، وفارق هبة المشاع، لأن القصد الملك والملك يحصل مع الاشتراك، والإجارة القصد منها الاستعمال والانتفاع، ولا يجوز ذلك في ملك الغير.
ولا تصح إجارة الأعيان إلا أن تكون مما ينتفع بها مع بقاء عينها، كالدور، والأرضين، والعبيد، وما شاكل ذلك، فأما المأكولات فلا تصح إجارتها ﴿78/ أ﴾.

فصل

والأعمال على ضربين: ما يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، كالأذان، وقراءة القرآن، والحج، والجهاد، إلى ما أشبه ذلك من العبادات فلا يجوز الاستئجار عليه، ومعنى قولي: "يكون فاعله من أهل القربة" بمعنى لا يقع إلا قربة لفاعله، فمتى فعله من لا يكون قربة له لا يقع حجاً، ولا أذاناً إلى جميع ذلك.
وما لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، كالبناء، والخياطة، وما أشبه ذلك، وإن كان بناء المساجد، والقناطر، لأنه لا يختص ذلك أن يكون صاحبه من أهل القربة، بدلالة أن الكافر يجوز استئجاره لذلك، وكذلك كتب المصاحف إذا لم يك حاملاً لها.
فأما الحجامة فيتخرج من هذا القسم فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، فإن أعطى الحجام من غير مشارطة صرفه في علف نواضحه، ونفقة ﴿78/ ب﴾ عبيده، وإمائه، ويكره للأحرار أكله في أصح الروايتين 2، وذلك لقول النبي

الجزء: 1 - الصفحة: 162

صلى الله عليه وسلم: "كسب الحجام خبيث 3 " يعني دنياً، ويجوز أن يباح للعبد ما لا يباح للحر، كنكاح الإماء.
فأما أخذ الرزق فيجوز في بعض العبادات، كاقراءات القرآن، والفتوى، فأما الحج، والغزو، والصلاة، والصيام، فلا يجوز أخذ الرزق عليه، كما لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
ويجوز استئجار الأجير بطعامه، وكسوته، وكذلك المرضعة، فإذا مات الصبي بطلت الإجارة لتعذر المستوفي، لأن الصبي ها هنا كالزوج يقف استيفاء المنافع عليه، ولا يجوز إبداله بصبي آخر، كما لا يجوز أن يستوفي منفعة البضع غير الزوج.
ولا يجوز استئجار الكلب للصيد، ولا للحراسة، وكذلك الفحل للطراق، لأن القصد ماؤه، ولا يعلم منه حصوله.
وإذا مات المستأجر، أو المؤجر لم تبطل الإجارة.
وإذا استؤجر لعمل ﴿79/ أ﴾ شيء فمات، أو تعذر العمل من جهته قيم مقامه من يعمل عنه والأجرة عليه.
وإذ أجره شهراً بعينه فحوله قبل مضيه لم يستحق الأجرة.
وإذا استأجر دابة لحمل شيء احتاج إلى ذكر جنس الدابة، لأن الغرض يختلف باختلافها، وذكر جنس المحمول من طعام، أو حديد، أو غيره، لأن إتعاب الحيوان بالحديد أكثر من إتعابه بحمل الطعام، فإن حمل ما في معنى ما وقع العقد عليه مثل استئجار دابة لحمل الحنطة فحمل عليها ما ضرره كضرر

الجزء: 1 - الصفحة: 163

الحنطة، كالشعير جاز، كما قلنا في استئجار الأرض لزراعة الحنطة يجوز أن يزرعها ما في معناها، وما ينقص عن الضرر بها، ولا يجوز أن يزرع ما ضرره أكثر.
فإن جاوز بالدابة المكان الذي شرط الحمل إليه كان متعدياً ضامناً لها، فإن لم تتلف استحق عليه المسمى إلى المكان المعقود عليه وأجرة المثل لما جاوز.
ولا يستحق بعقد الإجارة عيناً إلا في موضعين ﴿79/ ب﴾: نقع البئر، ولبن الظئر.
وإذا استأجر داراً ليسكنها، أو قميصاً ليلبسه، أو دابة ليركبها جاز له أن يلبسه غيره من لبسه كلبسه، وركوبه كركوبه، وسكناه كسكناه.
وإذا استأجر حلياً مباحاً صح استئجاره.
والأجير المشترك يضمن ما جنت يده من الحرق والدق، فأما ما يسرق من حرز مثله ولم يوجد منه تفريط فلا ضمان عليه.
والأجير المنفرد، وهو الذي ينفرد بعمله فلا ضمان عليه فيما جنت يده، لأن الأول العقد معه على العمل، والعقد مع الفرد على المدة، والمشترك هو الذي يقصر لهذا وهذا، وتجتمع عنده الأعمال، والمنفرد من يستأجر للعمل يوماً أو شهراً ينفرد بعمل من استأجره.

الجزء: 1 - الصفحة: 164

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول التذكرة في الفقه لابن عقيل
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيوعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركةكتاب المضاربةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب إحياء المواتكتاب الوصيةكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب المرتدكتاب البغاةكتاب الحدودكتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب الجهاد والفيء والغنيمةكتاب الخراجكتاب الجزيةكتاب الصيودكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب الكفاراتكتاب النذوركتاب أدب القضاةكتاب الشهاداتكتاب الدعاوىكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل