كتاب الأيمان
قال الله سبحانه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ {242/ أ﴾ فِي أَيْمَانِكُم وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} 1 الآية.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتي الذي هو خير وليكفر عن يمينه" 2.
واعلم أن اليمين المكفرة ما تضمنت قسماً بالله سبحانه، أو بصفة من صفات ذاته، وليس بمحلوف يجب بالحلف به الكفارة إلا النبي 3 صلى الله عليه وسلم.
والأيمان على ضربين: يمين ماض، ويمين على مستقبل.
فاليمين على الماضي لا كفارة فيها على الصحيح من المذهب، لأنها على ضربين: يمين غموس، وهو أن يحلف على الشيء أنه كان ولم يكن، أو لم يكن وقد كان.
والضرب الثاني: أن يحلف على شيء وهو كما حلف فلا كفارة فيها جميعاً ﴿88/ ب﴾ لأن الأولى غموس، والثانية يمين صادقة.
وأما يمين اللغو وفي كيفيتها روايتان، إحداهما: هو أن يحلف على الشيء يظنه كما حلف، مثل أن يقول: فو الله إن هذا هو الهلال.
فيكون غيماً أو نجماً.
الجزء: 1 - الصفحة: 343
والثانية: أنها اليمين السابقة على لسان الحالف: لا والله.
بلى والله.
وإذا قال: هو يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من الله، أو من رسوله.
فهو يمين.
وكذلك إذا قال: أقسم، وأحلف، وأشهد لا فعلت كذا.
فجميع ذلك يمين.
وكذلك إذا قال: وحق الله، أو وعهد الله، وميثاقه.
وكذلك إذا قال: وعلم الله، أو وقدرة الله، أو وجلال الله، وعظم الله، وأمانة الله، ولعمر الله.
فجميعه يمين.
وإذا حلف بالمصحف كان يميناً، وقال أصحابنا فإن قال: محوت المصحف لم يكن يميناً، وروي عن أحمد مثله، وعندي أنه يمين، لأن الحالف لم يقصد بقوله ﴿89/ أ﴾: "محوته".
إلا لإسقاط الحرمة، والإهانة فصار يميناً به.
قوله: هو يهودي.
لأن من أسقط حرمته كان كافراً.
وإذا قال: الله لا فعلت كذا.
بغير واو فهو يمين.
ولا تنعقد يمين المكره.
وإذا فعل المحلوف عليه ناسياً لم يحنث.
وإذا قال: والله لا فعلت كذا إن شاء الله.
لم يحنث بالفعل إذا كان الاستثناء متصلاً بالكلام.
وإذا حرم طعامه، أو ثوبه، أو دابته فكفارته كفارة يمين، ولا تحرم عليه.
وإذا حرم الزوجة كان ظهاراً.
الجزء: 1 - الصفحة: 344
وإذا حلف وكان مخرج يمينه على سبب فاعتبر السبب، مثل أن حلف لا شربت لفلان الماء، ولا قلت له أف.
فإنه متى لبس ثوبه، أو أكل طعامه، أو ضربه حنث، لأنه قصد دفع الأذية، وقطع المنة، وكذلك لو حلف لا أكله، فكاتبه، أو أرسل إليه رسولاً.
ولو حلف: لا آكل طعاماً اشتراه ﴿89/ ب﴾ زيد، فأكل من طعام اشتراه هو وغيره، وكذلك في الثوب إذا نسجه هو وغيره، وكان حلف، لا ينسج له ثوباً.
وإذا حلف لا يأكل رغيفاً فأكل بعضه، أو لا دخل داراً فأدخل بعضه، لأن اليمين على الترك قد أجريت مجرى النهي، ولو نهى عن دخول بقعة حرم عليه إدخال بعضه، ولو نهى عن فعل حرم عليه فعل بعضه كذلك.
وإذا حلف لا لبس حلياً، فلبس اللؤلؤ حنث، وكذلك الخاتم.
ولو حلف لا يأكل لحماً وأطلق حنث بأكل السمك.
ولو حلف لا يدخل بيتاً حنث بدخول المسجد والحمام.
ولو حلف ليقضينه دينه في غد، فقضاه قبله لم يحنث، لأنه قصد التعجيل.
ولو حلف ليتزوجن على امرأته لم يبر إلا بتزويج من شاكلها ويجتمع معها، لأنه قصد غيظها.
وإذا حلف لا يشرب من الفرات، فغرف ﴿90/ أ﴾ وشرب، أو لا يأكل من هذه النخلة فلقط وأكل، أو لا شرب من هذه الشاة فاحتلب وشرب حنث في جميعه، لأن الحلف ينصرف إلى الشرب المعتاد، والأكل المعتاد، بدلالة ما لو حلف لا أكل من هذه المائدة حنث بأكل طعامها إن لم يأكل من ذاتها.
الجزء: 1 - الصفحة: 345
وإذا حلف لا يسكن هذه الدار لم يبر حتى ينتقل بنفسه وأهله، وإن تغيرت أبنيتها من دار إلى مسجد إلى حمام إلى غير ذلك، فدخلها حنث، لأن التعين يغلب على الأسماء، بدلالة ما لو حلف لا كلم هذا الصبي فصار شيخاً، ولا أكل من لم هذا الجدي، فصار تيساً، ولا أكل من هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً حنث في جميع ذلك، كذلك هاهنا.
ولو حلف لا يأكل هذا الدقيق فاستف، وكذلك لو تحساه حنث.
ولو حلف ﴿90/ ب﴾ لا دخل دار فلان، فدخل داراً لا يملكها لكنه يسكنها حنث، وكذلك إذا دخل داراً لعبد فلان حنث.
وإذا حلف لا دخل بيتاً، فدخل بيت شعر، أو جلود، أو لبود حنث.
ولو حلف لا يفعل شيئاً، ففعل بأمره حنث.
وإذا حلف ليفعلن شيئاً ففات فعله حنث مثل إن حلف ليشربن ماء هذا الكوز، فاهريق ماؤه حنث، وليقتلن هذا، فمات قبل أن يقتله حنث.
ولو حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز فبان فارغاً لم تنعقد يمينه.
ولو حلف ليقتلن زيداً وهو ميت، فإن كان يعلم بموته حنث، وإذا كان لا يعلم بموته لم يحنث، لأنه إذا علم بموته فقد حلف على إفاتة روح يحدثها الله في الثاني، وذلك متوهم فانعقدت وحنث لتحققنا إن الله لا يخرق العادات في غير زمان النبوات، وإذا كان لا يعلم بموته فقد قصد إفاتة ﴿91/ أ﴾ روح معهود، وإفاتة ما قد فات مستحيل غير متوهم.
وإذا حلف لا كلمه حيناً، أو دهراً حمل على ستة أشهر.
ولو حلف لا كلمه العمر والدهر والحين بالألف واللام حمل على جميع
الجزء: 1 - الصفحة: 346
العمر، لأن ذلك يقتضي الجنس.
وإذا حلف لا يأكل الرؤوس حنث بأكل كل ما يقع عليه اسم رأس حقيقة، ولا يقف الحنث على رؤوس الأنعام.
ولو حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكله الرطب.
ولو حلف لا يأكل أدماً حنث بكل ما يؤتدم به من لحم وغيره، ولا يقف ذلك على ما يصطنع به من المرق والمائعات.
ولو حلف لا يأكل لحماً، فأكل الشحم لم يحنث إلا أن يكون قصد الامتناع من الدسم، ولا يحنث بأكل الكبد، والطحال.
ولو حلف لا يأكل شحماً حنث بأكل ﴿91/ ب﴾ جميع الشحوم: شحم البطن، أو ظهر، أو معي.
ولو حلف ليضربه مئة سوط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر.
ولو حلف أن لا يهب له فتصدق عليه حنث، ولا يحنث بإعارته.
ولو حلف لا مال له، وله ديون حنث.
وإذا حلف لا يضربه، فعضه، أو مزق شعره، أو نتفه حنث.
ولو حلف لا يقسم ورداً، فقسم ماءه، أو دهنه حنث.
وإذا حلف لا يستخدم هذا العبد، فخدمه ولم ينهه حنث.
وإذا حلف لا ركبت، ولا لبست، فاستدام ذلك حنث.
ولو حلف لا تطيبت، ولا تزوجت، ولا تطهرت، فاستدام لم يحنث، لأن مجيء الشريعة غير النكاح والطيب تناول ابتداءه دون استدامته، بدليل
الجزء: 1 - الصفحة: 347
الإحرام، والعدة، واستدامة الطهارة حكماً لا فعلاً خلاف سائر الأعمال.
وإذا حلف لا يتكلم، فقرأ لم يحنث.
﴿92/ أ﴾ ولو حلف لا يصلي، فأحرم بالصلاة حنث.
وإذا حلف لعامل أني لا أكتم شيئاً بل أرفعه إليك، ثم عزل لم تحل اليمين تغليباً للتعيين وإن زالت الحال.
وإذا حلف ليقضينه دراهم، فعوضه عنها عبداً وقبله الغريم بر في يمينه، لأن القضاء قد حصل.
وإذا حلف لا كلم زيداً، فسلم على جماعة هو فيهم وعلم كونه حنث إلا أن يشير مخصصاً لغيره.
وإذا حلف لا يبيع، فباع بيعاً فاسداً لم يحنث.
ولو حلف لا يهب لفلان شيئاً، فوهبه له فلم يقبل حنث.
وإذا حلف لا يأكل رطباً، فأكل مدبساً حنث.
الجزء: 1 - الصفحة: 348