التذكرة في الفقه لابن عقيلكتاب أدب القضاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ 1. اعلم أن القضاء رتبة شريفة، ولا ينعقد للشخص إلا بأن تجتمع فيه شرائط ثمانية: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والذكورية، والكمال، والعلم بحيث يكون من أهل الاجتهاد، وحد الاجتهاد أن يكون عالماً بمسائل الخلاف، قادراً على إبطال شبهة المخالفين، وإقامة الدلالة على مذهبه، ويعرف أدلة الشرع ﴿96/ ب﴾ ناسخه ومنسوخه، ومتشابهه، ومجمله، ومفسره، ومطلقه، ومقيده، والسنة متواترها، وآحادها، ومرسلها، ومسندها، والإجماع، والقياس، والاستدلال، واستصحاب الحال، فمن أخل بشرط منه لم ينعقد القضاء.
ويستحب أن يكون ورعاً، وينقص عن شروط الإمامة بالنسب، والشجاعة لسقوط الحرب عنه، وحاجة الإمام إليه، ولأن الإمامة أعلى المراتب الدينية فاعتبر فيها النسب لحصول التمييز عن الرعية.
ويحتاج أن يعرف لسان العرب ليعلم به معاني الكتاب والسنّة.
وأما الكمال فعلى ضربين: كمال الذكورية، وقد مضى.
وكمال الصورة، بأن يكون بصيراً ناطقاً، سامعاً، وفي الجملة لا يصح قضاء من لا تصح شهادته، وقد يجوز شهادة من ﴿97/ أ﴾ لا يصح قضاؤه، كالعبد، والمرأة، والجاهل، والأعمى فيما طريقه الصوت، وسنذكر ذلك في بابه إن شاء الله.

الجزء: 1 - الصفحة: 355

ولا يجوز أن ينقض من حكم القاضي إلا ما خالف نصاً، أو إجماعاً.
وإذا شهد عنده اثنان لا يعرف عدالتهما، فزكاهما اثنان يعرف عدالتهما فقد ثبت الحق بشهادة الأولين.
ويجزئ في التزكية أن يقول: هو عدل رضا، وإن لم يقل لي وعليّ، لأنه إذا كان عدلاً علمنا أنه له وعليه.
فإن عدل اثنان وجرح اثنان قدمت بينة الجرح، لأن الأصل العدالة، والفسق طارئ فقد شهدت بينة الفسق بأمر خفي على من شهد بالعدالة، كما لو شهد اثنان بالرق، واثنان بالحرية قدمت الحرية، لأنها ظاهرة طارئة.
ولا يقبل معرفة العدالة الظاهرة حتى يعلم الباطن في أصح الروايتين 2. ولا يقبل الجرح المطلق حتى يذكر سببه ﴿97/ ب﴾، لأنه قد يعتقد جرحاً ما لا يوجب جرحاً عند الحاكم.
ولا يقبل في الجرح، والتعديل، والرسالة، والترجمة أقل من اثنين في أصح الوجهين 3. ويجب على الحاكم أن يسوي بين الخصمين في لحظه ولفظه، ومجلسه حتى لا يطمع شريف في حيفه، ولا ييئس فقير من عدله.
ولا يجوز أن يقبل هدية من لم تجر عادته بمهاداته قبل الحكم.
ويكره أن يكون له وكيل معروف بقضاء حوائجه لئلا يحابي.
وإذا ثبت عنده حق بشهادة عدلين وحكم بها على رجل في عمل غيره،

الجزء: 1 - الصفحة: 356

وكتب بإنفاذ القضاء عليه إلى قاضي بلد المحكوم عليه قبل كتابه وأخذ المحكوم عليه بذلك الحق، وبشرط أن يكون ذلك الحق مما يقبل فيه الشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال ﴿98/ أ﴾، واليمين مع الشاهد، وهو ما كان مالاً، أو المقصود منه المال، فالمال كالقرض، والغصب، وما يقصد به المال كالبيع، والصلح، والصرف، والسلم، والإجارات، والجنايات الموجبة للمال، والرهن.
فأما ما ليس بمال، ولا يقصد منه المال، ويطلع عليه الرجال، كالقصاص، والحدود، والنكاح، والطلاق، والخلع، والرجعة، والتوكيل، والوصية إليه، فأما الوصية له فمن قبيل الأموال، والعتق، والنسب، والكتابة فلا تثبت إلا بالشهادة العادلة.
فأما كتاب القاضي إلى القاضي، أو الشهادة على الشهادة، أو شهادة النساء مع الرجال فلا.
ولا يقبل كتاب القاضي إلا بشاهدين يقولان: هذا كتاب فلان قرأه علينا، أو قرئ ﴿98/ ب﴾ عليه بحضرتنا، فقال: اشهدوا على أنه كتابي إلى فلان.
وإذا عزل الحاكم، فقال: كنت حكمت.
قبل منه، وأمضي ذلك الحق.
ويصح الحكم على الغائب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لهند على أبي سفيان وهو غائب.
ولا يجوز حكم الحاكم لمن لا تقبل شهادته له، كأبويه وإن عليا، وولده وإن سفل، والزوجة، وعدوه، وشريكه.
فإذا وجد الحاكم في ديوانه صحيفة فيها شهادة الشهود فلا يحفظ أنهم

الجزء: 1 - الصفحة: 357

شهدوا عنده لم يحكم بها.
وكذلك إذا وجد الشاهد خطه في الكتاب.
وإذا شهد نفسان على قضاء الحاكم، ولا يذكر ذلك قبل شهادتهما.
ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في مصر واحد، وإنما يقبل مع تباعد المسافة.
وإذا مات القاضي الكاتب قبل وصول الكتاب، أو عزل حكم ﴿99/ أ﴾ به ولم يمنع ذلك قبوله.
وإن مات المكتوب إليه، أو عزل جاز لغيره الحكم به.
ولا يجوز أن يحكم بعلمه في الأموال ولا الحدود، قال شيخنا في "الخصال": "ويجوز في الجراح، لأنه لا يتهمه فيه".

الجزء: 1 - الصفحة: 358

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول التذكرة في الفقه لابن عقيل
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيوعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركةكتاب المضاربةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب إحياء المواتكتاب الوصيةكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب المرتدكتاب البغاةكتاب الحدودكتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب الجهاد والفيء والغنيمةكتاب الخراجكتاب الجزيةكتاب الصيودكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب الكفاراتكتاب النذوركتاب أدب القضاةكتاب الشهاداتكتاب الدعاوىكتاب العتقكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل