المعونة على مذهب عالم المدينةمقدمة الناشر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة الناشر

عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الحمدُ لله ربٍّ العالمينَ، حَمْدًا دائمًا أبدًا، الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وأقسم بالقلم فقال ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ...﴾ وذلك لِعِظَم شَأنِ العِلْم، وعظم مَرتبتِهِ، وقد كانَ ذلك شأن دين الإِسلام، إذْ استفتح الوحي على نبي الإِسلام محمَّد - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ..﴾. لذا فالكتابة والقراءَةُ وما دُوِّنَ من كراريس ودفاتر هي ذخر وفخرٌ لدين الله، وميسمٌ يوسم بِهِ دِينُنَا، وما جاءَنا عن أسلافنا من كُتُبٍ هي مَشَاعِلُ نورٍ، لذا تسارعت دُوُر النَّشْر بكلِّ طاقَاتِهَا وما لديها من قدرات علميةٍ، وحضاريَّة إلى إخراج مخطوطات تراثنا العظيم من دَيَاجِير الظَّلام إلى رُبُوع النُّورِ ليستَهْدِىَ بها في عصرنا الحاضر عصر العلم والآفاق والنَّشْرِ والإعلامِ حتى لما هو خبيثٌ خسيسٌ، فحَقِيقٌ بدور النَّشْرِ أن تبادِرَ إلى إخراج نفيس العلم، وبثِّه بين النَّاس، ومخطوطاتُنَا هي ذاكرة أمتنا الحيَّةِ، فهي حاويةٌ لمجدها وتاريخها ومبادئ دينها وصفوة فِكْرِ عُلَمَائِهَا، على مدار تاريخها التَّالِدِ الشامخ لذا خِدْمَةُ المَخْطُوطَاتِ تُعَدُّ من الوَاجِباتِ المقدَّمَةِ المقدَّسَة علينا، لذا تَتَشَرَّفُ المكتبة التجارية بمكة المكرمة بأن تساهم بيدٍ بيضاء وجهدٍ وضاء في إثراء المكتبة الإِسلاميةِ بإخراج هذا الكتاب القيم بهذه الحلة القشيبة وهو رسالة الدكتوراه للدكتور حميش عبد الحق من جامعة أم القرى وهو كتاب المعونة على مذهب عالم المدينة الإِمام مالك بن أنس للقاضي عبد الوهاب.

فنسأل الله العلي القدير أن يقبل هذا الجهد قبولا حسنًا، وأن ينفع به المسلمين، وأنْ ينالنا الرِّضا من الجميع، وأن يعيننا على تواصل إخراج المفيد للأمة الإِسلاميَّةِ خدمةً لدين الله وللثقافة العربية جمعاء.
والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل المكتبة التجارية

بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين .. تحتوي خزانة التراث الفقهي على كتب هامة من تراثنا الإِسلامي الخالد، الذي ألفه سلف هذه الأُمة عبر القرون الماضية، وهذه الكنوز ادخرت لهذه الأُمة لتستفيد منها ولتعمل بما فيها.
لهذا اتجه العلماء، وطلاب الدراسات العليا نحو تحقيق الكتب القديمة من أجل إحياء التراث الإسلامي النافع الذي يستفيد منه الناس وينفعهم في دينهم ودنياهم.
لكن هذا الاتجاه تحقيق التراث نراه يسير سيرًا بطيئًا، فإن عددًا ضخمًا من المخطوطات لا يزال غير منشور على أهميته وبعضه أصل في الفن الذي يتناوله.
لهذا صار لزامًا على المعنيين بهذا الأمر تشجيع تحقيق المخطوطات وتذييل الصعوبات التي يواجهها طلاب العلم الذين يقبلون بحماسة على العمل، ولا يجدون ما يحققونه، فيتولون وقلوبهم تفيض بالأسى حزنًا ألا يجدوا ما يحققون.
ولما كانت كتب المالكية خالية من ذكر الدليل ليس فيها إلا الفقه المحض والآراء المجردة، وما كان هذا ليليق بمذهب إمام اعترف له الجميع بالتقدم في السنة، وسلموا له الإمامة في علم الحديث، وكان الإِمام الشافعي يفاخر به،

نعم ما كان يليق بمذهب الإِمام مالك أن تكون كتب فقهه مجردة عن الدليل خالية من ذكر الاستنباط والتعليل، ولعل عذر المالكية في ذلك اعتمادهم على أن مُتقدميهم تكفلوا بذلك فسلموا لهم ذلك، ولم يوجد لهم معارض فأخذ الناس الفقه بهذه الطريقة.
ومع الصحوة الإِسلامية المنتشرة حديثًا والدعوة القائمة بالرجوع إلى الكتاب والسُّنَّة.
وللفرق بين من يأتي بالعبادة تقليدًا لإمامه بمعقوله، ومن غير معرفة الدليل وبين من يأتي بها، وقد ثلج صدره بعد ما عرفه من دليل الكتاب أو السُّنَّة بحثت في بطون المكتبات الإِسلامية -التي تحفظ لنا مخطوطات تراثنا الإِسلامي- عن كتاب يجمع بين الفقه والدليل، فوقع نظري على كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة" -للقاضي عبد الوهاب البغدادي- فوجدته كتابًا ليس كالكتب بل هو كتاب عظيم، ينافح عن المذهب المالكي بالحُجَّة والدليل والبرهان مؤلفه فقيه مالكي أصولي ضليع بلغ درجة الاجتهاد المذهبي، بل الاجتهاد المطلق -كما صرح بذلك السيوطي-.
ومساهمة متواضعة مني في إحياء التراث الفقهي النافع، وتلبية للحاجة الماسة في إخراج وتحقيق هذا الكتاب، فقد اخترته موضوعًا لرسالة الدكتوراة للاعتبارات التالية: • أسباب اختيار الموضوع: 1 - يعد كتاب "المعونة" كتابًا جامعًا لأبواب الفقه كلها على مذهب الإمام مالك بن أنس، وفق منهج العراقيين الذي يتميز بسلاسة أسلوبه وسهولة عباراته، وهو مع صغر حجمه غزير العلم، يحتوي على عدد كبير من القواعد والضوابط الفقهية التي تغني عن سرد كثير من الفروع والمسائل الفقهية.
2 - رجوع الكتاب عصر متقدم -القرن الرابع الهجري- وقيام مؤلفه -القاضي عبد الوهاب- بتحرير فروع المذهب وتوثيق آراء كبار فقهاء المالمكية ابتداء بإمام المذهب الإِمام مالك وأصحابه ابن القاسم، وأشهب ومحمد بن عبد الحكم وغيرهم.

3 - احتواؤه على الأدلة الثابتة الصحيحة لجميع المسائل والفروع الفقهية، فهو يحتوي على أزيد من ألف ومائتي حديث وأثر، وعلى كثير من الاستنباطات والتعليلات والقواعد الفقهية وعلى أقوال أئمة المذهب المالكي وغيرهم.
4 - يعد الكتاب مرجعًا هامًّا، حيث اتخذه الفقهاء الذين جاءوا من بعده مصدرًا لكتبهم ولآرائهم، واعتنوا بتدريسه ونقله جيلًا عن جيل، فهم يرجعون إليه عندما يذكرون أقوال الفقهاء وآرائهم؛ لأن القاضي عبد الوهاب له قدم راسخة في الفقه والأصول واللغة والعلوم الأخرى، ويعد عالمًا من كبار العلماء وفقيهًا من أشهر الفقهاء، فكانوا يثقون به وبكتبه وخاصة منها "المعونة"، وإن كتب فقهاء المالكية المتأخرين مليئة بالاستدلال بأقواله - رحمه الله -. 5 - كما أنه يشير إلى أقوال المذاهب الفقهية الأخرى في المسائل الفقهية، ويذكر المسائل المجمع عليها.
وكتاب "المعونة" لا يزال مخطوطًا حيث بدأ يتعرض للتلف، فصفحاته الأولى والأخيرة تآكلت وانعدمت حتى أصبح من العسير قراءتها.
وبتحقيق هذا الكتاب ونشره تضاف لبنة جديدة إلى بناء الفقه الإِسلامي عمومًا، والفقه المالكي بخاصة، نظرًا للأهمية الكبيرة التي يتميز بها هذا الكتاب والتي ذكرناها فيما سبق.
وقد قسمت البحث إلى قسمين: قسم دراسي، وقسم تحقيق النص.
ففي القسم الأول، قسم الدراسة والذي جعلته إلى فصلين: في الفصل الأول: تحدثت عن القاضي عبد الوهاب، وجعلت هذا الفصل في مبحثين: في المبحث الأول تحدثت عن عصر المؤلف: عن الحالة السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والدينية.

وفي المبحث الثاني تحدثت عن القاضي عبد الوهاب: اسمه ونسبه، ومولده ونشأته، شيوخه، خروجه من العراق ورحلته إلى مصر، فضائله ومكانته العلمية وأقوال العلماء فيه، توليه القضاء، وتلاميذه، وآثاره العلمية، شعره، عقيدته ووفاته.
أما الفصل الثاني فخصصته لدراسة الكتاب:

  • فبدأت بلمحة عن تاريخ المذهب المالكي في العراق، ومميزات هذه المدرسة، وعلاقة المالكية بالعراق بنظرائهم في المغرب والأندلس.
  • توثيق كتاب "المعونة"، سبب تأليفه، وقيمته العلمية.
  • مكانة الكتاب ومصادره ومحتوياته.
  • أسلوب ومنهج كتاب "المعونة"، وطريقته في الاستدلال.
  • شروح كتاب "المعونة".
  • نقد كتاب "المعونة".
    وجعلت في الأخير مبحثًا خاصًّا يشمل: أولًا: المسائل التي استدل لها القاضي عبد الوهاب بعمل أهل المدينة.
    ثانيًا: القواعد الأصولية، والفقهية التي ذكرها القاضي عبد الوهاب في كتابه.
    والقسم الثاني - قسم التحقيق: ولقد كان منهجي في تحقيق الكتاب على النحو التالي: 1 - نسخ الكتاب وإخراج نصه سليمًا بالرسم الإملائي الحديث.
    2 - إثبات فروق النسخ المختلفة بالهامش.
    3 - ترقيم الآيات القرآنية وبيان مكانها من سور القرآن الكريم.
    4 - تخريج الأحاديث والآثار.

5 - توثيق النقول والمسائل الفقهية.
6 - شرح الألفاظ الغريبة والمصطلحات الفقهية.
7 - التعليق على بعض المسائل الفقهية التي تحتاج إلى ذلك.
8 - ترقيم الفصول ترقيمًا تسلسليًّا.
9 - وضع العناوين اللازمة.
10 - التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في نص الكتاب.
وحتى يستكمل التحقيق جوانبه الفنية ألحقت الكتاب بفهارس وتشمل: فهارس للآيات القرآنية الكريمة، فهرس للأحاديث، وفهرس للآثار، وفهرس للأعلام، وفهرس للكتب، وفهرس للأشعار، وفهرس للمصطلحات، وفهرس للأُمم والأماكن والبلدان، وأخيرًا فهرس تفصيلي للموضوعات.
ويعلم الله أني بذلت جهودًا مضنية من أجل إخراج الكتاب في صورته القريبة من الكمال، ومن أجل توضيح غوامضه وفتح مغاليقه.
وهذا لا يعني أنني قد قمت بكل ما يجب، لكني أعلم أنني قصرت في بعض الأُمور التي كان يجب الوقوف عندها طويلًا، لكن كما يقال: ما لا يدرك كله لا يترك جله، فحسبي أنني قمت بإيصال هذا الكتاب المهم إلى القاريء في هذه الحلة المناسبة، ليستفاد منه ويطلع عليه بيسر وسهولة، وقمت بذلك على قدر استطاعتي تاركًا الباب لأرباب الكفاءة الصحيحة لتتميم ما نقص وإصلاح ما اعوج وتصويب ما وقع فيه الخطأ.
وأسأل الله تعالى العفو عن السهو والتقصير أنه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .. حميش عبد الحق


القسم الأول

الدارسة

الفصل الأول القاضي عبد الوهاب

الفصل الأول المبحث الأول: عصر المؤلف: أولًا: الحالة السياسية.
ثانيًا: الحالة الاجتماعية والاقتصادية.
ثالثًا: الحالة الثقافية.
رابعا: الحالة الدينية.
المبحث الثاني: القاضي عبد الوهاب: أولًا: اسمه ونسبه.
ثانيًا: مولده.
ثالثًا: نشأته.
رابعًا: شيوخه.
خامسًا: خروجه من العراق ورحلته إلى مصر.
سادسًا: فضائله ومكانته العلمية وأقوال العلماء فيه.
سابعًا: القاضي عبد الوهاب فقيهًا وأصوليًّا.
ثامنًا: توليه القضاء.
تاسعًا: تلاميذه.
عاشرًا: آثاره العلمية - مؤلفاته.
الحادي عشر: شعره.
الثاني عشر: عقيدته.
الثالث عشر: وفاته.

المبحث الأول: عصر المؤلف

الحالة السياسية (1) - (304 - 467 هـ):

ونعني بالحالة السياسية هنا هي دراسة الظروف التي تعاقبت على بغداد وغيرها من بلاد المسلمين في الفترة التي عاشها القاضي عبد الوهاب وهي التي تمتد من عام 362 هـ سنة ميلاد القاضي إلى سنة 422 هـ، وهي سنة وفاته.
والسمة البارزة للحالة السياسية التي كان يوصف بها الحكم خلال هذه الفترة هو ضعف الخلافة العباسية في بغداد في هذه الفترة، وذلك لاستبداد البويهيين (2) بأمور الدولة، حيث لم يبق للخليفة آية سلطة إلا الاسم حتى أصبح كدمية توضع وتحرك بأيديهم، فكان الأمير البويهي هو الذي يصدر الأوامر وعلى الخليفة توقيعها لتكتسب الشرعية أمام الناس.
ونتيجة لهذا الاستبداد عاشت بغداد أسوأ الظروف، فقد ضعف الخليفة عن القيام بأعباء الخلافة في وسط المؤامرات والدسائس، وساءت

الحالة الاجتماعية والاقتصادية.

وقد تعاقب على الخلافة في هذه الفترة من الزمن خليفتان: الطائع لله، وهو12

أبو بكر عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي البغدادي 1، ولقد كان رجلًا صالحًا عالمًا، وكانت مدة خلافته ثلاثين عامًا، حيث تولى الحكم عام 363 هـ، أي بعد ميلاد القاضي عبد الوهاب بعام واحد واستمر حكمه إلى عام 393 هـ. وبعده حكم القادر بالله: وهو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر جعفر ابن المعتضد العباسي البغدادي 2 الذي عرف بالزهد والعلم، ولكنه كان ضعيفًا ليس بيده من الأمر شيء، وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة، أي أنه حكم إلى أن مات سنة 422 هـ، وهو نفس العام الذي توفي فيه القاضي عبد الوهاب.
وكان في مصر الحاكم بأمر الله الفاطمي (411 هـ)، والذي تمكنت في أيامه الباطنية، وهو الذي أسس المكتبة الشهيرة بمصر دعاها دار العلم 3. وكان في الأندلس آخر الدولة الأموية سليمان المستعين (407 هـ)، حيث الدولة الأموية في النزع في آخر رمق بعد تغلب الدولة العامرية، كما فعل الديلم في بغداد 4. ...

• الحالة الاجتماعية والاقتصادية

(1): لا شك أن الاضطراب السياسي يظهر أثره على الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فقد ظهرت في هذه الفترة في المجتمع الإِسلامي بوادر الانفصام والتفكك، وذلك لكثرة المفارقات التي اعترته من عصبيات جنسية واختلافات عقدية ومذهبية، وفوارق مادية جعلت المجتمع ينقسم من حيث الثراء والموارد الاقتصادية إلى ثلاث طبقات: طبقة عليا تضم الملوك والأمراء والوزراء والولاة استأثرت بالجزء الأكبر من الموارد والثروات.
وطبقة وسطى مستورة الحال من التجار والحرفيين والفلاحين.
وطبقة دنيا فيها سواد الشعب من الفقراء والضعاف، وكان من هذه الطبقة معظم الفقهاء، ومنهم القاضي عبد الوهاب الذي لم يكن يستطيع ضمان رغيف يومه كما سنعرفه فيما يأتي: فنتيجة لهذه المفارقات حل الظلم والفساد محل العدل والصلاح، وحل النزاع والقتال محل التكافل والأمن, فاختل الأمن وعمت المصائب وأنواع النبلاء، أما الحالة الاقتصادية فقد تأثرت هي الأخرى بالاضطرابات السياسية والاجتماعية التي حلت بالدولة الإِسلامية، إلا أن هذا التأثير كان بتدرج بطيء، فبعد أن امتاز الاقتصاد في بداية القرن الرابع بالازدهار، وتقدم العلوم والفنون بدأ يضعف شيئًا فشيئًا.
...

• الحالة الثقافية

على العكس من الحالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فبالرغم من الضعف والفوضى والفرقة التي سادت، فإن الثقافة والمعرفة والحالة الفكرية قد2

نمت وانتشرت انتشارًا واسعًا وازدهر الفكر ازدهارًا كبيرًا، فتعددت الدراسات الإِسلامية في مختلف الفنون مما حدى بكثير من المؤرخين بوصف هذه الفترة من التاريخ الإِسلامي بالعصر الذهبي بالنسبة للثقافة الإِسلامية، وأسباب هذا الازدهار تقريب الملوك والأمراء لبعض العلماء والأدباء وتنافسهم في إكرامهم وضمهم إلى بلاطهم، وكذلك انتشار المكتبات العامة، وإنشاء المدارس الخاصة والعامة، ومما شارك وساهم في هذه النهضة الفكرية كذلك انفتاح الحضارة الإِسلامية على الحضارات اليونانية والرومانية والفارسية والهندية التي بدأت من عصر المأمون، وقد اشتغل بها عدد كبير من المثقفين حيث وجدت قبولًا بل وامتزاجًا ببعض فروع الثقافة الإِسلامية -على الرغم مما صاحب ذلك من مصائب وأخطار- وشيوع المناظرة والجدل.
فلقد كانت بغداد -وهي موطن ومنشأ القاضي عبد الوهاب- من أكبر المراكز الثقافية والفكرية سواء من نجب فيها من العلماء الأعلام، أو لجأ إليها من طلاب العلم الذين جاءوا ينهلون من علومها ومواردها وليستفيدوا من تراثها الثقافي بمختلف فروعه.
لقد حظيت هذه الفترة بحركة علمية واسعة شملت كل العلوم: الفقه وعلوم القرآن والحديث واللغة والأدب والفلسفة والكلام والفلك والرياضيات والطب والصيدلة والجراحة والفيزياء والجغرافيا.
فلا غرابة - إذن أن تنعكس هذه النهضة الفكرية الشاملة على نفسي القاضي عبد الوهاب الذي كان يلم بشتى أنواع العلوم والفنون كما سنعرف ذلك في ترجمته إن شاء الله.
...

• الحالة الدينية

في هذه الفترة تميزت الحياة الدينية بتوسع الحركة العقدية، وتعدد الفرق واشتداد التنافس والنزاع بينها، وكانت الدولة تتدخل في الشؤون العقائدية،

ومثال ذلك مسائل الخلاف بين أهل السُّنَّة والمعتزلة، كما كانت تقوم بتولية القضاه وغير ذلك، كما قام أساتذة المدارس الفقهية بوضع أسسها وتدوين فقه أئمتها إلا أنه بنهاية القرن الرابع ركدت حركة الاجتهاد حتى أصبح الفقيه لا يستطيع الاجتهاد إلا في المسائل الفرعية، كما كثرت المناظرات والردود بين أرباب المذاهب وأصحابها.
ويلخص لنا شيخ الإِسلام ابن تيمية الوضع الإجمالي في هذه الفترة تلخيصًا دقيقًا بقوله: " ... وفي دولة "بني بويه" ونحوهم الأمر بالعكس، فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة: قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإِسلام والسُّنَّة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف حتى استولى النصارى على ثغور الإِسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك، وجرت حوادث كثير .. " 1. ...

المبحث الثاني: القاضي عبد الوهاب

(1)

• اسمه ونسبه

: هو أبو محمَّد عبد الوهاب بن عليّ بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون ابن أمير العرب مالك بن طرق التغلبي البغدادي العراقي المالكي.1

• مولده

: ولد ببغداد سنة 362 هـ. قال ابن العماد: " .. كانت ولادته ببغداد يوم الخميس سابع شوال سنة اثنتين وستين وثلثمائة" (1). ...

• نشأته

: نشأ القاضي عبد الوهاب في دار علم وفقه وأدب وفضل، فإن أباه عليّ بن نصر (ت 391 هـ) من أعيان الشهود المُعدِّلين ببغداد.
وكان أخوه أبو الحسن محمَّد بن عليّ بن نصر (ت 432 هـ) أديبًا فاضلًا، صنَّف كتاب "المفاوضة" للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور بن أبي طاهر بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بوية (ت 437 هـ)، وجمع في هذا الكتاب ما شاهده، وهو من الكتب الممتعة في ثلاثين كراسة، وله رسائل 2. ولم نظفر بشيء عن نشأته وتربيته وتعلمه -فيما اطلعنا عليه من مصادر- وأصحاب التراجم يغفلون هذا الجانب وعذرهم في ذلك: إن نشاة العلماء تتلخص في أخذ العلم وتحصيله كغيره من أترابهم ثم لا يظهر تمايزهم إلا عند مبلغهم مبلغ الرجال.
وما نعرفه عن القاضي عبد الوهاب أنه نشأ وعاش عيشة صعبة، فقد عزَّ قوته وضاق به الحال، ولقد ضن بدينه ومرؤته أن يمتهن ويبيع ذلك في أسواق الخلفاء وبلاط الأمراء، كما كان يفعل ذلك بعض العلماء .. ؟! ...1

• شيوخه

: قيل للقاضي عبد الوهاب: مع من تفقهت؟، قال: صحبت الأبهري وتفقهت مع أبي الحسن بن القصار وأبي القاسم بن الجلاب، والذي فتح أفواهنا وجعلنا نتكلم القاضي أبو بكر بن الطيب (1)، يقصد الباقلاني.
فقد أخذ عن هؤلاء وغيرهم من العلماء والشيوخ وفيما يلي تعريف لكل منهم:

1 -

أبو بكر الأبهري

(2): محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن صالح التميمي الأبهري، شيخ المالكية، نزيل بغداد وعالمها، ازداد وانتشار المذهب عنه في البلاد، كان ثقة مأمونًا زاهدًا ورعًا، انتهت إليه رئاسة المذهب المالكي، أخذ عنه القاضي عبد الوهاب فقه المذهب، ومن شيوخه أبو القاسم البغوي والباغندي وعبد الله بن زيدان البجلي -ومن تلاميذه الدارقطني و

ابن الجلاب

وأبو بكر البرقاني (ت 375 هـ).

2 - العسكري (3): أبو عبد الله الحسين بن محمَّد بن عبيد بن مخلد

العسكري

البغدادي الدقاق: كان ثقة أمينًا، حدث عن محمَّد بن يحيى المروزي، وأبي العباس بن مسروق ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة وجماعة، وروى عنه: أبو القاسم الأزهري، والحسن بن الخلال وغيرهما.
(ت 375 هـ).

3 -

ابن سبنك

القاضي أبو القاسم عمر بن محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن خالد بن سبنك البجلي البغدادي: من ذرية جرير بن عبد الله.
قال الخطيب: كان ثقة، سمع234

محمَّد بن حبان والباغندي، وأخذ عنه القاضي عبد الوهاب وأبو القاسم التنوخي وآخرون.
(ت 376 هـ).

4 -

ابن الجلاب

(1): أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله بن الجلاب: شيخ المالكية، كان أفقه المالكية في زمانه، له كتاب "التفريع" مشهور، أخذ عن الأبهري وأخذ عنه العلم القاضي عبد الوهاب، وأبو الحسن الطائفي البصري وغالب المحاربي من أهل غرناطة (ت 378 هـ).

5 -

ابن شاهين

(2): عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن أزداذ البغدادي: الواعظ، كان ثقة مأمونًا، صنَّف ما لم يصنفه أحد، سمع أبا بكر الباغندي، وأبا القاسم البغوي وأبا بكر بن أبي داود وغيرهم، وحدث عنه أبو بكر الوراق وأبو أحمد الجوهري والخلال وغيرهم (ت 385 هـ).

6 -

مخلص

(3): أبو ظاهر محمَّد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا البغدادي: المخلص، كان ثقة، سمع من أبي القاسم البغوي، وأحمد بن سليمان الطوسي، وأبي عمر محمَّد بن يوسف القاضي، وأخذ عنه أبو محمَّد الخلال، وأبو سعد السمان، وعبد العزيز القطان وغيرهم (ت 393 هـ).

7 -

ابن القصار

أبو الحسن عليّ بن عمر بن أحمد بن القصار البغدادي: شيخ المالكية، كان أصوليًّا نظَّارًا، له كتاب في مسائل الخلاف لا يعرف أحسن منه، اختصره234

القاضي عبد الوهاب، ولقد كان ابن القصار قرينًا للقاضي عبد الوهاب يأخذ هذا عن ذاك، حدَّث عن عليّ بن الفضل التسوري وغيرهما، روي عنه: أبو ذر الحافظ، وأبو الحسن بن المهتدى بالله (ت 398 هـ).

8 -

الباقلاني

(1): أبو بكر محمَّد بن الطيب بن محمَّد بن جعفر بن قاسم: مقدم الأصوليين، كان إمامًا بارعًا، صنَّف في الرّد على الرافضة والمعتزلة وغيرهما من الطوائف، إليه انتهت رئاسة المالكية في وقته، سمع من القطيعي وابن ماشا وغيرهما، حدَّث عنه أبو ذر، وأخذ عنه القاضي عبد الوهاب كثيرًا في فن الأصول وعلم الكلام -وهو الذي فتح أفواههم وجعلهم يتكلمون كما قال القاضي عبد الوهاب (ت 403 هـ).

9 -

ابن الصلت المجبر

(2): أبو الحسن أحمد بن موسى بن القاسم بن الصلت المُجبر العبدري البغدادي: سمع من أبي إسحاق بن عبد الصمد الهاشمي، وأحمد بن عبد الله وكيل أبي صحرة، والقاضي المحاملي، وحدَّث عنه عبيد الله الأزهري، وعبد الباقي الأنصاري وغيرهما (ت 405هـ).

10 -

ابن شاذان

أبو عليّ الحسن بن أبي بكر بن إبراهيم بن شاذان البغدادي البزاز الأصولي: كان ثقة، صحيح السماع، صدوقًا.
(425 هـ). ...23

• خروجه من العراق ورحلته إلى مصر

: اختلفت الآراء في سبب خروج القاضي عبد الوهاب من بلده وموطنه العراق، فأكثر المصادر تقول: بأنه خرج من العراق لضيق حاله وللإفلاس الذي لحق به، ففي يوم توديعه للعراق شيَّعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم عندما وقفهم للتوديع وعزَّ عليهم في الرجوع: والله يا أهل بغداد، لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ آمنية، والخبر عندهم يومئذ ثلاثمائة رطل بمثقال 1. وقال لهم أيضًا: .. ولقد ترك أبي جملة دنانير ودارًا أنفقتها كلها على صعاليك ممن كان ينهض بالطلب عندي، فنكس كل واحد منهم رأسه، ثم أمرهم بالانصراف فانصرفوا وأنشد: لا تطلبن من المجبوب أولادا ... ولا الشراب لتسقي منه واردا ومن يروم من الأرذال مكرمة ... كمن يؤتد في الأتبان أوتادا 2 ومما ارتجله أيضًا يومئذ هذه الأبيات 3: سلام على بغداد في كل موطن ... وحق لها مني السلام المضاعف لعمرك ما فارقتها قاليا لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت عليَّ برحبها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف فكانت كخِلِّ كنت أهوى وصاله ... وتنأى أخلاقه وتخالف وقيل أن سبب خروجه من بغداد كلام نقل عنه: أنه قاله في الإِمام الشافعي وطُلب لأجله فعجل بالفرار منها خائفًا على نفسه 4.

وفي طريقه إلى مصر مرّ على دمشق فاجتاز في وجهته تلك بمعرة النعمان وبها يومئذ أبو العلاء أحمد بن سليمان 1 فضيفه وقال فيه: والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النآي والسفر إذا تفقه أحيا مالكًا جدلًا ... وينشر الملك الضليل إن شعرا 2 والملك الضليل هو امرؤ القيس وكفى بها شهادة لشاعرية هذا الفقيه من أبي العلاء فيلسوف الشعراء 3. ولما وصل إلى مصر تولى القضاء، فحمل لواءها وملأ أرضها وسماها واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الرغائب وانثالت في يديه الرغائب 4، وكانت نيته المواصلة إلى المغرب 5، فأكرمه أهل المغرب ورفعوا من قدره وشأنه وحصل له هناك حال من الدنيا، فممن أكرمه الإمام أبي محمد أبي زيد القيرواني، فقد ذكر أنه بعث إلى القاضي عبد الوهاب بألف دينار عينًا، فلما بلغته قال: هذا رجل وجبت على مكافأته فشرح الرسالة 6. وبالنظر إلى سنة وفاة الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد (ت 386 هـ)، نقول: لعل هذه الصلة كانت ببغداد أو من أبناء الشيخ الذين خاطبوا القاضي عبد الوهاب، وانعقدت بينه وبينهم صلة بسبب شرحه تآليف أبيهم، ووصلوه بمال يرضه واستدعوه للدخول إلى المغرب فكتب إليهم.

ويلاحظ أن القاضي عبد الوهاب بعد رحيله عن بغداد تأثر كثيرًا من ابتعاده عنها وبدى منه ندم عظيم، ويظهر ذلك من خلال أشعاره التي كتبها في ذلك، ومنها قوله 1: أنا في الغربة أبكي ... ما بكيت عين غريب لم أكن يوم خروجي ... من بلادي بالمصيب نجيا لي ولتركي ... وطنًا فيه حبيبي وقال 2: قطعت الأرض شهري ربيع ... إلى مصر وعدت إلى العراق فقال لي الحبيب وقد رآني ... سبوقًا للمضمرة العتاق ركبت على البراق؟ فقلت: كلا ... ولكني ركبت على اشتياقي وقال يتشوق إلى بغداد 3 في قصيدة طويلة نختار منها: خليلي في بغداد هل أنتما ليا ... على العهد مثلي أدم غدًا العهد باليا وهل أنا مذكور بخير لديكما ... إذا ما جرى ذكره بمن كان نائيا وهل ذرفت عند النوى مقلتاكما ... عليَّ كما أمسى وأصبح باكيا وكم قائل لو كان ودك صادقًا ... لبغداد لم ترحل، فكان جوابيا يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمعسرين المراميا وما هجروا أوطانهم عن ملالة ... ولكن حذارا من شمات الأعاديا وقال وهو يبكي على بغداد 4: أتبكي على بغداد وهي قريبة ... فكيف إذا ما ازددت عنها غدا بعدًا

لعمرك ما فارقت بغداد عن قِلي ... لها إن وجدنا للفراق بها بدًا إذا ذكرت بغداد نفسي تقطعت ... من الشوق أو كادت تموت بها وجدا أنا ذاك الصديق لكن قلبي ... عند قرب الديار ليس بقلب ما انتفعنا بقربكم ثم لا لو ... ـم عليكم وإنما الذنب ذنبي أنا في خطبة وأسأل ربي ... في خلاصي من شرها ثم حسبي لقد خاطب فقهاء القيروان في الوصول إليها فرغبه في ذلك أبو عمران الفاسي وكسره عنه أبو بكر بن عبد الرحمن 1. ويجب أن نذكر أنه رحل إلى مكة لأداء فريضه الحج، وفي أثناء تأديته لهذه الفريضة حصلت بينه وبين المنتصر بالله حاكم مصر وقتئذٍ مراسلة فيما يلي نصها 2: إلى المنتصر بالله صاحب مصر: حصن الله المؤمنين من الشيطان بجنن الطاعة ودثرهم من قر وسواسه بسرابيل القناعة، ووهبهم من نعمه مددًا ومن توفيقه رشدًا، وصيَّرهم إلى منهج الإِسلام وسبيله الأقوم وجعلهم من الآمنين فيما هم عليه موقوفون وزيَّنهم بالتثبيت فيما عنه مسؤولون: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ 3. كتابي إليك من الجب بإزاء مصرك وفناء برك بعد أن كانت بغداد لي الوطن والألفة والسكن، ولما كنت على مذهب صحيح ومتجر ربيح كثرت عليَّ الخوارج، وشق علي الماء ارتقاء المناهج ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ 4، فأتيت مكة -حرسها الله- لكي أقضي فرض الحج من

عج وثج أسأل الله تعالى القبول وكيف وإنما يتقبل الله من المتقين، وقد كنت عندي ذا سُنَّة ودين محبا في الله تعالى وفي النبيين وفي محمَّد - صلى الله عليه وسلم - والمهديين، فورد الناطقون وأتى المخبرون، بخبر ما أنت عليه فذكروا أنك مدحض لمذهب مالك، موّعد لصاحبه بأليم المهالك هيهات هيهات: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (1)، فأبيت القبول على أمر لم يصح بيانه لكثرة الكذب في الدنيا، وإذ لا يحل لمسلم أن يموت طوعًا فأردت الكشف عن ذلك بكتاب منك، والسلام على من اتبع الهدى.
جواب المستنصر بالله: حرس الله مهجتك وطول مدتك، وقدم أمير المؤمنين إلى المنية قبلك وخصه بها دونك، ورد كتابك المكرم وأتى خطابك المعظم يفصح البكم وينزل العصم، وهبت عليه رياح البلاغة فنمقته، ووكفت عليه سحائب البراءة فرققته، فيا له من خط بهي ولفظ شهي تذكر فيه حسن ظنونك بنا وتثبت مآثرنا، فلما أن عرست بإزائها، ورد من فسخ عليك، فخذ بظاهرها ما كان عندك ورد ودع لربك علم ذات الصدور والسلام (2). ...

• فضائله وأخلاقه ومكانته العلمية وأقوال العلماء فيه

: لقد كان القاضي عبد الوهاب عابدًا زاهدًا متأدبًا ثقة كثير الحفظ، وكان حسن النظر جيِّد العبارة، فقيهًا متفننًا باهرًا أديبًا، من أعيان علماء الإِسلام، سما قدره وشاع في الأفق ذكره، قال ابن بسام: "كان أبو محمَّد في وقته بقية الناس ولسان أصحاب القياس، وهو أحد من صرَّف وجوه المذهب المالكي بين لسان الكناني ونظر اليوناني فقدَّر أصوله وحرَّر فصوله وقرر جمله وتفاصيله، ونهج فيه سبيلًا كانت قبله طامسة المنار دارسة الآثار, وكان أكثر الفقهاء -ممن لعله- كان أقرب سندًا وأرحب أمدًا قليل مادة البيان كليل شباة اللسان، قلما يصل في كتبه12

غير مسائل يلقفها ولا يثقفها ويبوبها ولا يرتبها، فهي متداخلة النظام غير مستوفاة الأقسام، وكلهم قد قلد أجر ما اجتهد وجزاء ما نوى واعتقد" 1. ولقد كان أحد أركان المذهب المالكي، من الذين أسسوا المذهب وأصلوا له فهو أحد أئمة المالكية ومصنفيهم، وإليه انتهت رئاسة المذهب 2. قال الحنطيب البغدادي فيه: "لم نلق من المالكيين أفقه منه" 3. ألَّف في المذهب والخلاف والأصول تآليف بديعة مفيدة 4، كما أصبحت لآرائه أهمية خاصة في المذهب حتى جعلت هذة الآراء دليل ترجيح ومذهبًا متبعًا, فمما جاء في مقدمات ابن رشد: " ... وقد اختلف في صريحه -أي الطلاق- ما هو على ثلاثة أقوال: أحدها: أن صريحه لفظ الطلاق خاصة وأن كناياته ما عدا ذلك مثل قوله: خلية وبرية وحبلك على غاربك، وما أشبه ذلك وهو مذهب عبد الوهاب ... " 5. ولقد ذكر بأن سبب انتشار المذهب المالكي في مصر ثانية -بعد أن درس- هو القاضي عبد الوهاب 6. ولقد تفقه عليه مجموعة كبيرة من العلماء الذين ذاع صيتهم في الآفاق والذين سيأتي ذكرهم.
وكان القاضي أبو بكر الباقلاني يعجبه حفظ أبي عمران الفاسي القيرواني 7

ويقول: " .... لو اجتمع في مدرستي هو وعبد الوهاب -صاحب المعونة- لاجتمع علم مالك: أبو عمران يحفظه وعبد الوهاب ينصره"، وقال عنهما: "لو رآكما مالك لسر بكما" 1. وقال الخطيب البغدادي فيه: كأن حسن النظر، جيِّد العبارة 2. ونقل المقري عن ابن بسام قوله: "بلغني عن ابن حزم أنه كان يقول لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب إلا مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم ... " 3، وهذه شهادة كبيرة من ابن حزم للقاضي عبد الوهاب قبل أن تكون لأبي الوليد الباجي.
كما قال فيه ابن فرحون: "القاضي أبو محمَّد: أحد أئمة المذهب كان حسن النظر، نظارًا للمذهب، ثقة، حُجَّة، نسيج وحده وفريد عصره" 4. وقال صاحب كتاب "النجوم الزاهرة": " .. وكان شيخ المالكية في عصره وعالمهم" 5. وقال ابن القيم عنه: " .. القاضي عبد الوهاب إمام المالكية بالعراق من كبار أهل السُّنَّة -رحمهم الله تعالى-" 6. ولقد كان القاضي عبد الوهاب منكبًا على العلم: طلبًا وتعليمًا وتأليفًا، مقبلًا عليه منشغلًا به، لا يسعه غيره ولا يعرج على غيره.
... فقد حكي عنه أنه لما أن دخل مصر وتأهل بها وقعد مع زوجته سنين ثم

مات -رحمها الله تعالى- أراد أهلها أن يزوجوها، فقالت لهم: إذا عزمتم فزوجوني على أني بِكْرٌ.
فقالوا لها: كيف؟ وقد أقمت سنين معه.
فقالت: أول ليلة دخل عليَّ صلَّى ركعتين وجلس ينظر في كتبه، ولم يرفع رأسه، ثم كذلك في سائر أيامه، فقمت يومًا ولبست وتزينت ولعبت بين يديه، فرفع رأسه ونظر إليَّ وتبسم وأخذ القلم الذي بيده فجره على وجهي وأفسد به زينتي ثم أكب رأسه على كتبه لم يرفعه بعدّ ذلك حتى انتقل إلى ربه -عَزَّ وجَلَّ-.
فمن كانت له همة سنية فلينسج على منواله ... " (1). ...

القاضي عبد الوهاب فقيهًا وأصوليًّا:

برع القاضي عبد الوهاب في الفقه والأصول، لذا كانت جلّ كتاباته ومؤلفاته تدور حوله هذين الفنين من العلوم فقط.
وذلك لأنه اجتمع للقاضي عبد الوهاب أمران: التمكن من الفقه المالكي تمكنًا عديم النظر مع سمعة التفكير، وانضاف إلى ذلك سيلان قلمه في تحريره، فبلغ رتبة ممتازة في الغوص الفقهي وسعة التحليل في إبداء النظر الثاقب في التحريرات الفقهية والتدقيقات العلمية 2. مما أعط لكتبه وزنًا خاصًّا سواء في داخل المذهب المالكي أو في عموم الفقه الإِسلامي: فإن أكثر الفقهاء ومفسري القرآن وشراح الحديث ينقلون عنه ويستدلون بآرائه وأقواله ومن هؤلاء نذكر: ابن رشد (ت 520)، والباجي (474 هـ)، والقرافي (684 هـ)، وابن1

فرحون (799 هـ)، والقرطبي (671 هـ)، والحافظ ابن حجر (852 هـ)، والسيوطي (911 هـ) وغيرهم.
وقد وصل القاضي عبد الوهاب في الفقه إلى درجة مرموقة حتى عده السيوطي من الفقهاء المجتهدين 1 في المذهب.
هذا في الفقه، أما في الأصول فقد سجل عصر القاضي عبد الوهاب تقدم هذا العلم بخاصة وتفوقه إذ تهيئا له من الأعلام المتخصصين فيه العدد الكبير أمثال الباقلاني والقاضي عبد الوهاب والدبوسي أبو زيد وأبو الحسين البصري وإمام الحرمين الجويني وأبو حامد الغزالي وغيرهم، مما أوجد نشاطًا أصوليًّا، لا يضارعه نشاط وما زالت المؤلفات الأصولية في العصور المتأخرة عاله على إنتاج هؤلاء العلماء في هذه الفترة فأصبحت المصدر والمورد فكرًا ومضمونًا 2. والقاضي عبد الوهاب حلقة وصل بين كبار علماء الأصول كالباقلاني وابن القصار اللذين درس عليهما واستفاد منهما استفادة جليلة في هذا الفن -وهما غنيان عن التعريف وعن ذكر براعتهما في هذا العلم- وبين العلماء اللاحقين كالشيرازي (476 هـ)، والباجي والقرافي والزركشي والسيوطي وغيرهم.
فالشيرازي أخذ عنه وقال: "سمعت كلامه في النظر" 3، وهو شيخ الباجي الذي محمد القاضي من المحققين في هذا العلم 4، وأما القرافي فإن كتابيه شرح تنقيح الفصول ونفائس الأصول -من مصادرها الأساسية والتي ينقل عنها باستمرار كتب القاضي عبد الوهاب الأصولية كالإفادة والتلخيص 5 وغيرهما، وكذلك الزركشي في كتابه البحر المحيط فإنه ينقل عن مجموعة كتب

القاضي عبد الوهاب الأصولية ونذكر منها "المفاخر" و "الملخص" و "الإفادة" وغيرها (1)، أما السيوطي فإن كتابه "الاجتهاد" أكثر فيه من النقل عن آراء وتوجيهات القاضي عبد الوهاب في باب الاجتهاد من هذا الفن.
...

• توليه القضاء

: من أهم الأعمال التي قام بها القاضي عبد الوهاب في حياته توليه القضاء في مناطق كثيرة من العراق ومصر.
فقد كان أبو محمَّد قاضيًا في بادرايا 2، وباكسايا 3، وهما بلدتان من أعمال العراق 4. وذكر صاحب الذخيرة 5 أنه ولي القضاء بمدينة أسعرد 6، وقال القاضي عياض 7 أنه ولي قضاء الدينور 8.1

ولقد كان قاضيًا في مصر حين توفي بها (1). ...

• تلاميذه

: 1 -

ابن عمروس

(2): محمَّد بن عبيد الله بن أحمد بن عمروس البزاز البغدادي، شيخ المالكية، إليه انتهت الفتوى ببغداد، كان من كبار المقرئين، فقيهًا أصوليًّا صالحًا، أخذ عن القاضيين بن القصار وعبد الوهاب، وسمع أبا حفص بن شاهين، وروى عنه

الخطيب البغدادي،

ودرس عليه القاضي أبو الوليد الباجي (ت 452 هـ).

2 - الخطيب البغدادي (3): أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغدادي، خاتمة الحُفَّاظ، وصاحب التصانيف الكبيرة، سمع من أبي الفضل التميمي وأبي العلاء الوراق وغيرهم، قال الخطيب البغدادي عن القاضي عبد الوهاب: ..... كتبت عنه وكان ثقة (4) (ت 463 هـ).

3 - عبد الحق بن هارون (5): أبو محمَّد

عبد الحق بن هارون

السهمي الصقلي، شيخ المالكية، ناظر بمكة المكرمة أبا المعالي إمام الحرمين وباحثه، موصوف بالذكاء وحسن التصنيف، تفقه بشيوخ القيروان كأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي عمران الفاسي ولقي12345

القاضي عبد الوهاب في الحج، له كتاب "النكت والفروق لمسائل المدونة"، و"التهذيب الطالب" وغيرهما (ت 466 هـ).

4 -

أبو الفضل الدمشقي

(1): أبو الفضل مسلم بن عليّ بن عبد الله بن محمَّد بن حسين الدمشقي، يعرف بغلام عبد الوهاب، اشتهر به لطول صحبته وخدمته، له مؤلف مشهور في الفروق الفقهية، وآخذ مادته من كتاب "الفروق في مسائل الفقه" للقاضي عبد الوهاب شيخه: كما صرح بذلك في مقدمة كتابه حيث قال: " .. وقد كان القاضي -يقصد عبد الوهاب- رحمه الله تعالى- حدثني أنه عمل كتابًا وسماه "بالجموع والفروق"، وأنه تلف له ولم يعمل غيره، وذكر أيضًا أصحابه فروقًا مفترقة يصعب حفظها على من رامها، وتشتد علي من طلبها لأنهم لم يقصدوا إلى إفرادها، بل أوردوها في تضاعيف الكتب، وأنا أثبت لك من ذلك ما يسهل عليك تناوله ويقرب فهمه ... " (2).

5 -

أبو العباس بن قبيس

(3): أبو العباس أحمد بن منصور بن محمَّد بن قبيس الغساني الدمشقي، سمع من الغندجاني وأبو الحسن الواحدي والعكبري وغيرهم، يروي كثيرًا عن القاضي عبد الوهاب.

6 -

أبو إسحاق الشيرازي

أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن يوسف الشيرازي، سمع البيضاوي والزجاجي وأبو حاتم القزويني وغيرهم، وحدث عنه الخطيب البغدادي، وأبو الوليد الباجي والكرخي وغيرهم، اشتهرت تصانيفه في الدنيا كالمهذب واللمع234

والملخص في أصول الفقه، ولعله أخذ تسمية كتابه "المعونة في الجدل" من اسم هذا المصنف "المعونة على مذهب عالم المدينة" لشيخه القاضي عبد الوهاب.
قال أبو إسحاق الشيرازي في تعريف القاضي عبد الوهاب: " .. أدركته وسمعت كلامه في النظر" (1) (ت 476 هـ). وغيرهم من التلاميذ من أئمة المالكية في المشرق والمغرب وأهل الأندلس منهم القاضي محمَّد بن الشماخ الغافقي وصاحبه مهدي بن يوسف (2).

7 -

أما القاضي ابن الشماخ الغافقي فهو:

أبو عبد الله محمّد بن الحبيب من أهل العلم والفضل، حمل عن القاضي عبد الوهاب جميع كتبه وأخذ عنه أهل الأندلس بعد رحلته المشرقية، كتب القاضي عبد الوهاب، وهكذا يكون له الفضل في نشر المؤلفات العراقية -المالكية- بالأندلس والمغرب (3). أما المهدي بن يوسف فلم أقف على ترجمة له.
...

• آثاره العلمية ومؤلفاته

: للقاضي عبد الوهاب كتب كثيرة في أكثر الفنون لكنه برع وبرز في تآليف الأصول والفقه المذهبي والخلاف، ومما ذكره المترجمون له ما يلي:

1 -

التلقين:

وهو من المختصرات التي يدور عليها مذهب مالك، ومع صغر حجمه يعد من أجود المختصرات، ومن خيار الكتب وأكثرها فائدة 4، ولقد حُقق هذا123

الكتاب بجامعتنا أم القُرى من الطالب محمَّد ثالث سعيد الغاني سنة 1405 هـ -1406هـ.

2 -

المعين على كتاب التلقين:

وهو شرح من القاضي عبد الوهاب لمختصره التلقين لكنه لم يتمه (1)، وتوجد نسخه من هذا الكتاب في خزانة القرويين تحت رقم 355.

3 -

شرط المدونة:

بدأ القاضي عبد الوهاب بشرح المدونة، لكنه لم يتمه أيضًا (2).

4 -

النصرة لمذهب الإِمام دار الهجرة:

وهو من أعظم ما ألَّف القاضي عبد الوهاب، وكان هذا الكتاب في مائة جزء، فوقع الكتاب بخطه بيد بعض قضاة الشافعية، فألقاه في النيل (3) قبل أن يكتب له الانتشار.

5 -

الممهد في شرط مختصر أبي محمَّد بن أبي زيد القيرواني:

وهو شرح لمختصر المدونة الذي ألفه الشيخ ابن أبي زيد القيرواني صنع فيه نحو نصفه 4. ويوجد الجزء الخامس من هذا الشرح العظيم في مركز المخطوطات بمعهد البحث العلمي بجامعة أُم القرى وهو تحت رقم (48 فقه مالكي)، ويحتوي هذا الجزء على الأبواب التالية: الجعالة، القراض، المساقاة، الشركة، الوديعة، الوكالات، العصبة، الشهادات، الدعاوي، الإقرار، الرهن، العارية، الحجر، التفليس،123

الضمان، الحوالة، الصلح، إحياء الموات، اللقيط، اللقطة، الغصب، الاستحقاق، الهبات، الصدقات، الأحباس، الوقف، الشفعة، القسمة، الوصية.

6 -

شرح رسالة ابن أبي زيد:

ولقد سبق وأن ذكرنا سبب وقصة تأليفه شرح الرسالة، ولقد قيل بأنه أول شارح لها، وسلك في شرحه مسلك الإسهاب والإطناب في نحو ألف ورقة، ولقد بيعت أول نسخة من هذا الشرح بمائة مثقال ذهبًا (1)، ولقد قال شعرًا حسنًا في مدحه للرسالة هذا نصه: رساله علم صاغها العلم النهد ... قد اجتمعت فيها الفرائض والزهد أصول أضاءت بالهدى فكأنما ... بدى لعيون الناظرين بها الرشد وفي صدرها علم الديانة واضحًا ... وآداب خير الخلق ليس لها ند لقد أم بانيها السداد فذكره ... بها خالد ما حج واعتمر الوفد ويوجد من هذا الشرح جزء مخطوط بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 625 ق (2).

7 -

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشر
الدارسةالفصل الأول القاضي عبد الوهابالمبحث الأول: عصر المؤلفالحالة السياسية (1) - (304 - 467 هـ):الحالة الاجتماعية والاقتصادية.• الحالة الاجتماعية والاقتصادية• الحالة الثقافية• الحالة الدينيةالمبحث الثاني: القاضي عبد الوهاب• اسمه ونسبه• مولده• نشأته• شيوخهأبو بكر الأبهريابن الجلابالعسكريابن سبنكابن الجلابابن شاهينمخلصابن القصارالباقلانيابن الصلت المجبرابن شاذان• خروجه من العراق ورحلته إلى مصر• فضائله وأخلاقه ومكانته العلمية وأقوال العلماء فيهالقاضي عبد الوهاب فقيهًا وأصوليًّا:• توليه القضاء• تلاميذهابن عمروسالخطيب البغدادي،عبد الحق بن هارونأبو الفضل الدمشقيأبو العباس بن قبيسأبو إسحاق الشيرازيأما القاضي ابن الشماخ الغافقي فهو:• آثاره العلمية ومؤلفاتهالتلقين:المعين على كتاب التلقين:شرط المدونة:النصرة لمذهب الإِمام دار الهجرة:الممهد في شرط مختصر أبي محمَّد بن أبي زيد القيرواني:شرح رسالة ابن أبي زيد:
المعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل