المعونة على مذهب عالم المدينةصفحات 797-836
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به

صفحات 797-836
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فدل على منعه مع عدمهما، وعند المخالف أن خشية العنت) 1، لا اعتبار بها، ولأنه حر مستغن عن استرقاق ولده فأشبه من تحته حرة.
فصل [12 - جواز نكاح الأمة للعبد مطلق]: ويجوز ذلك للعبد على الإطلاق لنقصه بالرق فلا عار عليه في استرقاق ولده، لأن ذلك ليس بأكثر من رق نفسه، والحر ممنوع منه لحرمته فليس له استرقاق ولده مع الاستغناء عنه.
فصل [13 - الحر يجمع أربع مملوكات]: وللحر أن يجمع 2 بين أربع مملوكات إذا خشي العنت 3 خلافًا للشافعي 4 لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 5 فعم، ولأنهن جنس أبيح نكاحهن فجاز الجمع بين أربع منهن كالحرائر، ولأن الشرط إذا وجد استوى فيه الواحدة 6 والجماعة.
فصل [14 - فيمن تزوج أمة ثم زال عنه شرط الإباحة]: ومن تزوج أمة على الشرط الجائز ثم زال شرط الإباحة وهي عنده لم ينفسخ نكاحها خلافًا لبعضهم 7، لأن شرط المنع إذا لم يوجد تأبيد التحريم كان طرؤه على العقد الذي عقد معه غير مانع من استدامته، وإن منع ابتداؤه كالإحرام.

فصل [15 - نكاح الأَمَة على الحرة]: إذا كانت عنده حرة فتزوج عليها أمة، فيها روايتان 1: إحداهما أن نكاح الأَمة باطل، والأخرى أنه صحيح وللحرة الخيار، فوجه القول بأنه باطل أن تكون الحرة من الطول لأن الطول إذا كان القدرة على صداق الحرة كان وجود الزوجية أولى بأن يكون طولًا، ووجه قوله إنه يصح هو أن الطول القدرة على صداق الحرة لأنه السعة في المال أو على حرة تكون بدلًا من الأَمة لا حرة متقدمة.
فصل [16 - إذا قلنا: إن النكاح جائز فللحرة الخيار]: إذا ثبت ما ذكرناه: أن نكاح الأمة باطل فلا تفريع، وإن قلنا: إنه جائز فللحرة الخيار للنقص الداخل عليها بأن تكون ضرتها أمة، وفي أي شيء يكون لها الخيار، قال مالك: في أن تقيم معه أو تفارقه، وقال عبد الملك: في أن تقر نكاح الأمة أو تفسخه، فلمالك أن لها إزالة الضرر عن نفسها بما لا يضر بغيرها، فإما أقامت أو فارقت، ولا سبيل لها على نكاح الأمة لأن في ذلك إضرار بغيرها، ولعبد الملك أن الضرر الذي لحقها هو لكون الأمة ضرة لها أو داخلة عليها فلها أن تزيله، ومتى قلنا: إن لها الخيار في فسخ نكاح نفسها لم يكن ذلك خيارًا في إزالة الضرر، بل في زيادة منه.
فصل [17 - نكاح الحرة على الأمة]: إذا تزوج أمة على الوجه المجوز له، فله أن يتزوج عليها حرة بلا خلاف 2، وإن علمت الحرة فلا خيار لها وإن لم تعلم ففيها روايتان: إحداهما أن لها الخيار بين أن تقيم أو تفارق، والأخرى أنه لا خيار لها.
فوجه قوله: لها الخيار فلرفع الضرر عنها يكون الأمة ضرة لها 3، ووجه قوله: لا خيار لها فلأنها

فرطت في استعلام ذلك 1، وكذلك لو كانت تحته أمتان فعلمت بواحدة ولم تعلم بالأخرى فإنه على روايتين: وكل هذا إذا كان الزوج حرًّا، فأما إن كان عبدًا فلا مقال لها رواية واحدة.
فصل [18 - جواز نكاح حرائر أهل الكتاب]: نكاح حرائر أهل الكتاب ووطء إمائهن بالملك جائز 2 لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 3، (ولأن كل جنس تؤكل ذبائحهم جازت مناكحتهم كالمسلمين، فأما وطؤهن بالملك فلقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 4 فعم) 5، ولأن كل جنس جاز نكاح حرائرهم جاز وطء إمائهم بالملك كالمسلمين، فإذا ثبت جوازه فإنه مكروه، ولأنه سكون إلى الكفار وركون إليهم، وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ 6، ولأنه يتولى ولده من يشرب الخمر ويأكل الخنزير ولا يؤمن أن يحبب إليه ذلك وتنشؤه عليه فيألفه ويعتاده، ولأنها قد تهرب به إلى دار الحرب وهو صغير فيفسد دينه.
فصل [19 - نكاح الأمة الكتابية]: وإنما قلنا: إن نكاح الأمة الكتابية غير جائز للمسلم جملة 7 خلافًا لأبي حنيفة 8، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ 9 فعم،

وقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 1، فعلقه بشرط الإيمان ولأن ذلك يؤدي إلى أشياء ممنوعة لأن الأمة قد تكون ملكًا للكافر فإن قلنا: لا يجوز لمسلم نكاح أمة الكافر حصل منه تفريق بين أمة الكافر وأمة المسلم وأحد لم يفرق، وإن قلنا: يجوز فالولد الحادث إما أن يكون ملكًا لسيد الأمة، فذلك يوجب ابتداء ملك النصراني للمسلم، وذلك غير جائز، وإما أن لا يكون ملكًا له فذلك خلاف الأصول فلما أدى إلى هذا الفساد وجب منعه.
فصل [20 - استواء الحر والعبد في ذلك]: وإنما استوى الحر والعبد في ذلك بخلاف الأمة المسلمة لاستوائهما في معنى المنع وهو أداؤه إلى ما بيناه من نقض الأصول.
فصل [21 - منع نكاح المجوسيات]: وإنما منعنا نكاح المجوسيات وسائر المشركات سوى الكتابيات خلافًا لمن حكي عنه إباحته في المجوس 2، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ 3، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 4 فدل على منع غيرهن، ولأن كل جنس لا تؤكل ذبائحهم لا تجوز مناكحتهم كالوثنيين، ولأنهم ليسوا من أهل كتاب كأهل الأوثان، فأما المرتدة فلأن كل معنى إذا طرأ على النكاح أوجب فسخه، فإذا وجد في الابتداء منع العقد أصله الملك والرضاع.

فصل [22 - نكاح الرجل أمة نفسه]: وإنما قلنا: إنه لا يصح أن يتزوج الرجل 1 أمة نفسه 2 لأنه يستبيح منافع البضع بملكه الرقبة، والتزويج إنما هو عقد معاوضة على استباحة منافع ليست بمملوكة فلم يصح ذلك في الملك كما لا يصح أن يستأجر أمته للخدمة لأنه يملك منافعها بملك الرقبة كذلك منافع بضعها.
فصل [23 - تزوج الأب أمة ابنه]: وإنما قلنا: لا يصح أن يتزوج بأمة ابنه أو ابنته خلافًا لأبي حنيفة 3 لأن للأب شبهة في مال ابنه بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أنت ومالك لأبيك" 4 ولوجوب نفقته عليه إذا احتاج، وسقوط القطع إذا سرق منه والحد إذا زنى بأمته، وإذا كان كذلك كان في معنى من يتزوج أمة نفسه فلم يجز.
فصل [24 - الابن يتزوج أمة أبيه وأمه]: وإما قلنا: إن للابن أن يتزوج بأَمَة أبيه وأمَه لأنه لا شبهة له في ملكها كالأجانب، ولسان سائر الأحكام التي أثبتناها للأب في مال ابنه منتفية عن الابن في مال أبيه، ولأن كل أمة لو زنى بها لحد فإنه يجوز له أن يتزوجها أصله أَمَة الأخ.
فصل [25 - التزوج بأمة عبده]: وإنما قلنا: لا يصح أن يتزوج أَمَة عبده لأنها في معنى أَمَته؛ لأن ملك عبده

في حكم ملك نفسه 1 ألا تري أن له انتزاعها منه وأنه لا يحد بوطئها ولا يقطع في سرقتها، فكان ذلك آكد من ملك ابنه.
فصل [26 - منع تزوج المرأة بعبدها]: وإنما قلنا: ليس لامرأة 2 أن تتزوج عبدها لأن منافع البضع يملكها الزوج على المرأة ولا تملكها المرأة عليه ألا ترى أن المعاوضة عليها يلزم الزوج دون المرأة، لأنه هو المقصود له عليها والمملَّك لها، فإذا ثبت ذلك استحال في العبد أن يملك منافع بضع سيدته لأن ملكها لرقبته يمنع أن يملك عليها منافع خدمتها، ولا يجوز أن تبيحه هي ذلك، لأنها ليست مالكة له على ما بيناه، ولأن ذلك يوجب تعارض الحقوق، ولأنه يملك بالتزويج منافع بضعها، وذلك يوجب أن تلزمها طاعته، وذلك له أي وقت طالب به، ويلزمها طاعته بالزوجية وتلزمه طاعتها بالرق وتلزمه النفقة عليها والكسوة 3 بالزوجية وتلزمها النفقة عليه بالملك، وفي ذلك تعارض الحقوق ولن 4 يكون أحدهما أولى من الآخر بها وذلك باطل.
فصل [27 - تزوج المرأة عبد ابنها]: وإنما قلنا: إن ليس للمرأة أن تتزوج عبد ابنها لمثل ما له منعنا أن تتزوج عبد نفسها لأن ملك ابنها جار مجرى ملكها كملك الرجل لأَمَة ابنه.
فصل [28 - إذا زالت أسباب التحريم عن المرأة جاز العقد عليها]: وإنما قلنا: إن هذه الأسباب إذا زالت عن المرأة جاز العقد عليها خلافًا لمن منع ذلك لأنها هي علة منعه، فإذا زالت لم يبق شيء يمنع لأجله.
فالمعتدة إذا خرجت من عدتها جاز العقد عليها، وكذلك المحرمة إذا حلت.

والمستبرأة إذا زالت ريبتها وجلست المدة المضروبة لها، وكذلك من لها زوج إذا بانت منه جاز أن يعقد عليها غيره لزوال ملكه عن منافعها وواجد الطول للحرة إذا عدمه جاز له التزويج بالأَمَة، والأَمَة الكتابية إذا أعتقت جاز عقد المسلم عليها، والمرتدة إذا ثابت والمجوسية إذا أسلمت وسائر من ذكرناه.
فصل [39 - في نكاح أهل الشرك]: نكاح أهل الشرك غير صحيح عندنا، وإنما يصححه 1 لهم الإِسلام ما لو ابتدؤوا عقده بعد الإِسلام لجاز، فأما لو ابتدؤوه في الإِسلام لم يجز فإنه لا يصح البقاء عليه كالعقد على ذوات المحارم والرضاع وغير ذلك 2، وقال أبو حنيفة والشافعي 3: عقودهم صحيحة في الشرك، ودليلنا أنه قد ثبت أن صحة النكاح مفتقرة إلى شروط هي معدومة 4 في أنكحتهم منها الولي ورضا المرأة المنكوحة 5، وأن لا يكون في عدة، وأنكحتهم خالية من هذا، فيجب فسادها لأن نكاح المسلم إذا عري من هذه الشروط كان فاسدًا فأنكحه أهل الشرك أولى لأنه نكاح عري من ولي ورضى المتزوجة، فكان فاسدًا كنكاح المسلم، ولأن كل عقد لو وقع في الإِسلام لكان باطلًا كذلك إذا وقع في الكفر أصله العقد على ذوات المحارم.
فصل [30 - إذا أسلم الكافران]: وإذا أسلم الكافران فالزوجية ممن لو ابتدأ العقد عليها في الإِسلام، لكان له فإنهما يثبتان على نكاحهما لا خلاف فيه أعلمه 6، لأن الإِسلام يصحح لهم

أنكحتهم، فإن كانت ممن لو أراد ابتداء العقد عليها 1 في الإِسلام لم يجز له ذلك، فإن النكاح ينفسخ مثل نكاح ذوات المحارم والموطوءة في العدة وغير ذلك لأن أحسن أحواله أن ينزل منزلة المسلم، وسواء 2 كانا أسلما قبل الدخول أو بعده.
فصل [31 - إذا أسلم أحد الزوجين]: فأما إن أسلم أحدهما فإن كان المسلم الزوج نظر: فإن كانا كتابيين ثبتا على نكاحهما كان قبل الدخول أو بعده لأنه لو أراد ابتداء العقد عليها 3 في الإِسلام لكان له ذلك، وإسلامه لا يفسخ العقد المتقدم بل يصححه، وإن كانا مجوسيين أو مشركين غير كتابيين عرض على المرأة الإسلام، فإن أسلمت عقيب إسلامه أو بعده بالشيء القريب ثبتا على نكاحهما 4 لأن أبا سفيان أسلم وأسلمت هند بعده فثبتا على نكاحهما 5، ولأن إسلامها عقيبه أو بعده بالقريب جار مجرى إسلامهما معًا، وإن أبت أن تسلم فاختلف أصحابنا: فعند مالك أن النكاح ينفسخ ولا ينتظر به أن تخرج من العدة، وعند أشهب أن فسخه 6 موقوف على انقضاء العدة، فوجه قول مالك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 7 ولأنه إما أن ينفسخ العقد 8 عقيب إبانتها على ما نقوله أو تبقى مستدامة، وذلك ممنوع، فأما اعتبار العدة فلا معنى له لأنه دعوى، ووجه قول أشهب اعتباره بإسلام الزوجة 9.

فصل [32 - إذا أسلمت المرأة قبل الزوج]: إذا أسلمت المرأة قبل الزوج فسواء كانا كتابين أو صابئين 1 أو مجوسين، فإن كانا قبل الدخول فقد بانت منه ولا رجعة له عليها إن أسلم لأن إسلامه تنزل منزلة رجعته، والرجعة لا تكون إلا في مدخول بها 2، وإن كان بعد الدخول وقف الأمر على العدة، فإن أسلم قبل خروجها ثبتا على نكاحها، وإن خرجت قبل إسلامه بانت منه، وإنما قلنا ذلك لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقر جماعة على أنكحتهم وكان زوجاتهم 3 أسلمن قبل إسلامهم وأسلموا هم قبل خروجهن من العدة، منهم: أبو العاص 4 مع ابنته - صلى الله عليه وسلم - زينب 5، وصفوان بن أمية 6 مع بنت الوليد بن المغيرة 7، أم حكيم بنت الحارث 8 مع عكرمة بن

أي جهل 1، وغيرهم، وإنما قلنا ذلك لأن البينونة تقع بانقضاء العدة وعدم إسلامه، لأن إسلامه أقيم مقام ارتجاعه، فكان موقوفًا على العدة.
... = وعكرمة: بن أبي جهل بن هشام المخزومي، صحابي، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح (تقريب التهذيب ص 296).

باب: [ما يحرم الجمع بينه من النساء]

ثم عدنا 1 إلى بقية التقسيم، فقلنا: فأما تحريم الراجع إلى صفة العقد فهو الجمع وذلك أن التحريم على أضرب: منه تحريم جمع، وذلك على ضربين: ضرب يرجع إلى الأعيان، وضرب يرجع إلى العدد.
فأما الراجع إلى الأعيان فهو منع الجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها أو غير ذلك من ذوات محارمها وحصر ذلك أن كل امرأتين لو فرضنا كون كل واحدة منهما ذكرًا من الطرفين لم يجز له أن يتزوج الأخرى، فإن الجمع بينهما حرام، وكل امرأتين لو كانت كل واحدة منهما ذكرًا لجاز 2 له أن يتزوج الأخرى، فالجمع بينهما جائز، فالأول مثل نكاح الأختين والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، لأن كل واحدة منهما لو كانت ذكرًا لم يكن له التزوج 3 بالأخرى.
والثاني: مثل الجمع بين المرأة وبنت عمها جائز 4 وبنت خالها وبنت خالتها جائز وما أشبه ذلك 5: والأصل في هذه الجملة قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ 6، ونهيه - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح المرأة على عمتها أو

خالتها 1، فإذا ثبت ذلك، فهذا الجمع المحرم يقع على صفتين: إحداهما أن يجمع بينهما في عقد واحد، والأخرى في عقدين مفترقين، فإن جمع بينهما في عقد فنكاحهما فاسد لأنه قارنه ما منع انعقاده، وهو مشاركة الأخرى لها في العقد، فكان كمن عقد على صبية وامرأة 2 ترضعها، فإن العقد قد قارنه ما منع انعقاده فلم ينعقد، وإن وطئهما أو إحداهما فالفسخ واجب بغير طلاق وللموطوءة المهر عوضًا من الاستمتاع، وإن كان عقد على إحداهما ثم عقد على الأخرى، فعقد الأولى صحيح وعقد الثانية باطل دخل بها أو لم يدخل، ولها إن دخل بها المهر ولا يقر على نكاحها بوجه ما دامت الأولى عنده.
وإنما قلنا: إن نكاح الأولى صحيح لأنه عقد عار مما يفسده، فلم يفسد بطروء عقد فاسد عليه، وإنما قلنا: إن نكاح الثانية فاسد لأنه جمع بينها وبين الأولى وهو صريح النهي لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" 3. فصل [1 - الجمع بعقد النكاح، وبملك اليمين]: لا خلاف في منع هذا الجمع بعقد النكاح والأصل فيه الظاهر والخبر 4، فأما بملك اليمين فعندنا أنه كالنكاح في المنع واختلف فيه في الصورة 5 الأولى فذهب قوم إلى جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ 6 فعم، ولأنه أحد نوعي 7 استباحة الفرج في الشرع

كالنكاح، ولأن الذي له منع ذلك في النكاح خيفة العداوة والتباغض وأدَّى ذلك إلى قطع الأرحام، وهذا يستوي فيه العقد والملك.
فصل [2 - فيمن أراد نكاح أخت امرأته]: فإذا ثبت ذلك فمن كان 1 عنده امرأة بنكاح أو ملك فأراد استباحة وطء أختها لم يجز له ذلك إلا بأن يحرم الأولى عليه بطلاق بائن إن كانت زوجة أو ببيع أو إعتاق أو كتابة أو هبة لمن لا يجوز له ارتجاعها منه إن كانت أمة أو ما أشبه ذلك من ضروب التحريم الذي لا يكون له حله بيده متى أراده.
فصل [3 - في الجمع بين المرأة وامرأة أبيها]: ويجوز الجمع بين المرأة وبين امرأة أبيها خلافًا لبعضهم لأنهما أجنبيتان كامرأة عمها، ولا يراعى فيه أنه لو كانت ابنة الزوج ذكرًا لم يجز له التزويج بامرأة أبيه لأنه من الطرف الآخر لا يتصور.
فصل [4 - في جمع أكثر من أربع نسوة]: فأما الضرب الآخر من الجمع وهو الراجع إلى العدد دون الأعيان، فهو عقد النكاح دون ملك اليمين وهو الزيادة على أربع نسوة، ولا خلاف في ذلك يعتمد عليه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فقصره على هذا العدد فدل على منع الزيادة عليه 2، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لغيلان لما أسلم وعنده عشر نسوة: "اختر أربعة وفارق سائرهن" 3، وهذا كالمعلوم ضرورة من دين الأمة.

فصل [5 - من بانت منه زوجته جاز له أن يتزوج كل من كان ممنوعًا من العقد عليها]: ومن بانت منه زوجته المدخول بها بخلع أو بطلاق ثلاث أو بفسخ أو بأي شيء كان مما يقع به البينونة مع بقائه جاز له أن يتزوج كل من كان ممنوعًا من العقد عليها قبل أن تبين منه، وإن كانت في العدة مثل أختها أو عمتها أو خالتها أو أربعة سواها 1 خلافًا لأبي حنيفة 2 لأن كل جمع حرم على الزوج بعقد النكاح، فإن تحريمه يزول بالبينونة أصله إذا خرجت من العدة، وإذا طلقت قبل الدخول، ولأن كل امرأة لا يلحقها طلاقه جاز له التزويج بأختها كالأجنبية.
فصل [6 - إذا أسلم المشرك وعنده أكثر من أربع]: إذا أسلم المشرك وعنده أكثر من أربع اختار منهن أربعًا، وفارق البواقي وسواء جمع 3 بينهن في عقد واحد أو في عقود متفرقة، وسواء اختار الأوائل أو الأواخر 4، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه ليس له أن يختار الأواخر ولا من جمع بينهن في عقد 5، لما روي: أن غيلان أسلم وكان تحته عشر نسوة فأسلمن معه فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يختار منهن أربعًا 6، وعند المخالف ليس له الخيار لأن عقود الأوائل صحيحة وعقود الأواخر فاسدة، ولأنه لم يسأله هل عقد عليهن عقدًا واحدًا أو عقودًا مفترقة، وقال لفيروز الديلمي 7 لما أسلم وتحته

أختان: "اختر أيهما شئت" 1، ولأن كل امرأة جاز له ابتداء العقد عليها في الإِسلام جاز له المقام معها على نكاح الشرك أصله الأوائل، ولأن أنكحتهم عندنا فاسدة وإنما تصح 2 لهم بالإِسلام عقودهم، ويعفى عما بنوها عليه من التحريم إذا كانت المرأة ممن يجوز ابتداء العقد عليها في الإِسلام، فلو منعنا التمسك بالأواخر لمنعناه بالأوائل.
...

باب: من التحريم

والضرب الثاني من التحريم: وهو التحريم المتأبد، وهو تحريم الأعيان، وتفسيره أن التحريم يرجع إلى نفس المرأة وعينها فلا تحل بوجه ويفارق تحريم الجمع وغيره مما لا يتأبد، لأن ذلك إذا زال من العين 1 زال تحريمها وتحريم الأعيان على قسمين: أحدهما بنسب، والآخر بسبب 2، فأما النسب فالمحرم به السبع المذكورات في القرآن وهن: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت.
فالأم: اسم لكل أنثى لها عليك 3 ولادة، فكل أُنثى لها عليك ولادة فهي لك أم وهي محرمة عليك، فيدخل في ذلك الأم دنية والجدات من قبلها ومن الأب وإن علون.
والبنت: اسم لكل أُنثى لك عليها ولادة 4، فكانت مباشرة بالولادة أو نازلة فيدخل في ذلك ابنة الصلب لأن الاسم لها حقيقة بالمباشرة وبناتها وبناتهن وبنات الابن وبناتهن وإن نزلن.
والأخت: لا تتعدى اسم درجتك وهي اسم لمن شاركتك في الانتساب وإلى من له عليك ولادة من أب أو أم أو منهما، فيدخل في ذلك الأخت الشقيقة وللأم وحدها وللأب وحده.
والعمة: هي أخت أبيك وكل ذكر له عليك ولادة من الأجداد وآبائهم.

والخالة: اسم لأخت أمك وأخت كل أُنثى لها عليك ولادة من الجدات وأمهاتهن.
وبنات الأخ: اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة من قبل أمها أو أبيها فكلهن حرام عليك.
(وبنات الأخت: اسم لكل أنثى لأختك عليها ولادة من قبل أبيها أو أمها) 1، فكلهن حرام عليك، فهؤلاء الأعيان السبع محرمات تحريم عين لا يبحن بوجه.
نوع آخر: التحريم بسبب.
أما السبب فضربان 2: رضاع، وصهر، ويتعلق بذلك ضرب طاريء يلحق بهن في الحكم وليس بأصل وهو (تحريم الملاعنة والموطوءة في العدة لأن هاتين قد حرمتا) 3 تحريم عين أيضًا لا يحللن بوجه.
فأما الرضاع، فجاز مجرى النسب في التحريم، فكل محرمة بالنسب محرمة بالرضاع، فالأم محرمة كالأم من الولادة، وكذلك البنت من الرضاع وهي التي أرضعتها زوجتك لو أرضعت بلبنك فأنت أب لها كما أن زوجتك أم لها فتحرم عليك إن كانت ابنة كما يحرم على زوجتك إن كان ابنًا، وعلى هذا تجري مسائل هذا الباب، والأصل في وقوع التحريم به قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 4، وقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (5)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" 5.

فصل [1 - التحريم بالمصاهرة]: وأما الصهر وهو المناكحة فهو أربعة أعيان: زوجات الآباء والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 1، وزوجات الأبناء: والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ 2، وأمهات النساء: والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 3، وبنات النساء: والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (4). والتحريم بالصهر على ضربين: تحريم بمجرد العقد الصحيح ومن غير حاجة إلى دخول وهو تحريم زوجات الآباء والأبناء وأمهات النساء.
وتحريم لا يقع بمجرد العقد 4 دون مضامة الوطء أو ما يقوم مقامه من التقبيل واللمس واللذة وهو تحريم الربائب، فأما تحريم زوجات الآباء والأبناء بمجرد العقد فلا خلاف فيه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 5 فعم، وقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ 6 ولم يخص.
فصل [2 - في تحريم أمهات النساء بالعقد]: وإنما قلنا: إن أمهات النساء يحرمن بمجرد العقد خلافًا لما يحكى عن عليّ 7 - رضي الله عنه -، أنهن لا يحرمن إلا بالعقد والوطء لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ

نِسَائِكُمْ} 1 فأطلق، ولأن العقد معنى تصير به المرأة فراشًا، فوجب متى وجد أن تحرم معه الزوجة أصله الوطء.
فصل [3 - في أن الربيبة تحرم بوطء الأم]: وإنما قلنا: إن الربيبة لا تحرم بمجرد العقد دون وطء الأُم لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ 2، ولا خلاف في ذلك 3. فصل [4 - عدم اشتراط الحجر في تحريم الربيبة]: وليس من تحريم الربيبة أن تكون في حجر المتزوج بأُمها خلافًا لداود 4، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما رجل نكح امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم تحرم عليه بنتها" 5، ولم يعتبر الحِجْر، ولأن الحِجْر لا تأثير له في التحريم اعتبارًا بسائر المحرمات، والظاهر خرج على تعريفهن بغالب أحوالهن.
فصل [5 - في أن اللمس والقُبْلة يقومان مقام الوطء في التحريم]: وإنما قلنا: إن القُبْلة واللمس للذة يقومان مقام الوطء في التحريم خلافًا للشافعي 6، لأنه استمتاع بمباشرة كالوطء، فأما النظر للذة ففيه اختلاف 7:

فوجه التحريم به أنه نوع من الاستمتاع باللذة كالقُبْلة، ووجه الكراهة فلأنه ليس بمباشرة كالالتذاذ 1 بالتفكر.
فصل [6 - الموطوءة في العدة والملاعنة]: فأما الموطوءة في العدة فقد ذكرناها، والملاعنة ترد في باب اللعان.
فصل [7 - الاستمتاع المعتبر في تحريم الصهر]: الاستمتاع المعتبر في تحريم الصهر ممن ذكرنا هو الحلال أو ما كان شبهة، فأما الزنا المحض ففيه روايتان 2: إحداهما أنه يثبت به حرمة المصاهرة، والأخرى أنه لا يثبت به، فوجه إثباتها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 3 فعم، ولأن كل تحريم بالوطء الحرام أصله التحريم في الوطء بشبهة، ولأنه استمتاع كالحلال، ووجه نفيها أنه وطء يوجب الحد كاللواط، ولأن الزنا لا حرمة له في نفسه فلم ينشر الحرمة إلى غيره عكسه الحلال.
...

باب: [حق المقام عند الزوجة الجديدة]

ومن تزوج بكرًا وله نساء سواها أقام عندها سبعًا، وإن تزوج ثيبًا أقام عندها ثلاثًا ثم استأنف القسم بينها وبين سائر نسائه، ولا يلزمه قضاء لهن 1 خلافًا لأبي حنيفة 2، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "للبكر سبع وللثيب ثلاثة" 3 وقوله لأم سلمة 4 لما تزوجها: "ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعة عندك وسبعة عندهن، وإن شئت ثلاثة ودرت قالت ثلاث" 5 فأخبر أن الثلاث لا تقضي في حق الثيب، ولأن الزوجة الحديث تحتاج إلى زيادة في الإيناس والبسط لتزول حشمتها ويذهب انقباضها، وذلك يقتضي مدة من الزمان يمكن ذلك فيه، وكانت البكر إلى هذا أحوج من الثيب فزيد في ضرب المدة لها.
فصل [1 - في كون السبع ليال حقًّا للطارئة على الزوج أو له]: وفي كون ذلك حقًّا للطارئة على الزوج أو حقًّا له على سائر أزواجه روايتان، وفائدة الخلاف أنه إذا كان حقًّا له كان له فعله وتركه، وإذا كان حقًّا لها لم يجز

له تركه إلا بإذنها، فوجه القول الأول بأنه حق لها عليه ما روي: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "للبكر سبعًا وللثيب ثلاثًا" 1، ولأن الغرض من ذلك إيناسها وبسطها وذهاب انقباضها وهذا حق لها، ووجه القول بأنه حق له أنه معنى يعود إلى الالتذاذ 2، فكان حقًّا له غير مستحق عليه كعدم الوطء.
فصل [2 - في القسم بين الحرة والأمَة]: وإذا كان له زوجتان حرة وأمَة، فعنه في القسم بينهما روايتان 3: إحداهما التسوية والأخرى المفاضلة ثلثان 4 للحرة وثلث 5 للأَمَة، فوجه التسوية اعتبارها بالحرة، والقسم من سائر حقوق الزوجية، ووجه المفاضلة فلمزية الحرة على الأمَة وزيادة حرمتها، ويلزم الرجل العدل بين نسائه في القسم في الصحة والمرض بحسب الإمكان من غير ميل ولا جور لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 6، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة شقه مائل" 7، ولأن الزوجات يستوين في حقوق الزوجية فوجب أن تستحق كل واحدة منهن من العشرة والصحبة ما تستحقه الأخرى.

ومقدار القسم: يوم وليلة لأنه - صلى الله عليه وسلم - كذلك كان يفعل 1، وإذا أراد سفرًا، فإن كان فيهن من لا تصلح للسفر وفيهن من هي أرفق به وأطوع 2 لأمره كان ذلك عذرًا له في السفر بها وعذرًا عن الأخرى، وإن تساوين وتقاربن فإن كان سفر حج أو غزو أقرع بينهن فيسافر بمن خرج سهمها ثم لا يلزمه قضاء لمن لم يسافر بها بعد عوده 3 بل يستأنف القسم بينهن وفي سفر التجارة روايتان: إحداهما الإقراع، والأخرى نفيه، وثبوت الخيار له، وإنما قلنا: إنه يقرع بينهن لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك كان يفعل 4، ولأنه ليست إحداهن أولى من الأخرى.
ووجه اختصاص سفر الحج والغزو بذلك فلأنه 5 آكد لكون جنسه فرضًا، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقرع بينهن إلا فيهما، والقرعة اتباع، ووجه التسوية في سائر الأسفار اعتبارًا بسفر الحج والغزو وتساويهما في الحاجة والرفق.
...

باب: [في امرأة المفقود]

امرأة المفقود يضرب لها 1 أجل أربع سنين، فإن جاء فيها وإلا اعتدت وتزوجت، وصفة المفقود 2 الذي هذا حكمه أن يغيب الرجل عن امرأته، فيعمى خبره وينقطع أثره ولا يعلم موضعه ولا تدري حياته ولا موته، فامرأته مخيرة بين أن تقيم على ما هي عليه وبين أن تختار فراقه: فإن اختارت فراقه فوجه ذلك أن تأتي إلى الحاكم فتذكر له قصتها، فينظر في ذلك ويفحص عن أخباره ويسأل عنه في المواضع التي يظن أنه بها، ويسأل أهله أين سمعوه يذكر الخروج أو أين كانت عادته ويبحث عنه على حسب الإمكان والاجتهاد، فإذا لم يقف على خبر استأنف لها ضرب أجل مدته أربع سنين، فإن جاء في المدة أو علمت حياته، فهي زوجته على حالها ويبطل خيارها، وإن مضى الأجل ولم يوقف له على خبر اعتدت عدة الوفاء ولا ينفق في العدة من ماله، فإن جاء وهي في العدة فهي امرأته وإن نقضت 3 قبل العلم بخبره، فلها أن تتزوج من غير حاجة إلى استئذان الإِمام، فإن جاء قبل تزويجها فهي امرأته على ما ذكرناه وما مضى كأنه لم يكن، وإن جاء بعد أن نكحت ففيها روايتان: إحداهما أنه لا سبيل له عليها وقد بانت منه دخل الثاني بها أو لم يدخل، والأخرى أنه إذا كان لم يدخل بها، فهي للأول، وإن كان الثاني دخل بها فهي له ولا يحتاج في الحكم بفراقه إلى قضاء من حاكم، ثم ينظر فإن كان الأول قد دخل بها فلها الصداق كاملًا، وإن كان لم يدخل بها ففيها روايتان: إحداهما أن لها نصفه والأخرى أنه كله لها ولا شيء له، وإذا بانت من الثاني فأرادت العودة كانت على تطليقتين، وبعد ذلك الفراق طلقة.

فصل [1 - في أن الإِمام يسأل عن المفقود]: وإنما قلنا: إن الإِمام يسأل عن خبره ويبحث ليزول الضرر عن المرأة لأنه لا يجوز أن يبتديء ضرب الأجل لها قبل السؤال والبحث لجواز أن يكون حيًّا، فيعلم ذلك بالبحث عن خبره والسؤال عن أمره، وليس للإمام أن يفرق ابتداء بين رجل وامرأته.
فصل [2 - في ضرب الأجل للمفقود]: وإنما قلنا: يضرب له الأجل لإجماع الصحابة على ذلك، روي عن عمر: أنه يضرب لها 1 أجل أربع سنين ثم يفرق بينهما، وروي مثله عن علي 2 - رضي الله عنه - 3، وروي مثله عن جماعة من التابعين ولم يحفظ خلافًا عن أحد من الصدر الأول في ذلك، ولأنه لما كان الخيار ثابتًا لها في الفرقة مع العنة والإيلاء ولم يكن فيهما إلا فقد الوطء دون فقد العشرة والنفقة كان في مسألتنا الجامعة لفقد كل ذلك أولى بثبوت الخيار.
فصل [3 - في مقدار الأجل المضروب للمفقود]: وإنما قلنا: إن الأجل أربع سنين لأن هذه الرواية بهذا القدر جاءت عن الصحابة ومن ذكرناه، ولأن الإجماع منحصر على أحد مذهبين إما أن تبقى أبدًا على ما هي عليه أو يضرب لها أجل هو هذا المقدار دون غيره، ولأن أصل ضرب الأجل هو الغالب من مدة الحمل وغالبه هذا المقدار.
فصل [4 - في عدة امرأة المفقود بعد انقضاء الأجل]: وإنما قلنا: إنها تعتد بعد انقضاء الأجل 4 لأن أمره ينزل على الوفاة، لأن

ذلك هو الغالب من شأنه لأنه لو كان حيًّا لكان مع طوال 1 البحث وكثرة الفحص يعلم حاله، ولا يجوز لمحكوم لها بالمفارقة أن تتزوج إلا بعد العدة ولم ينزل أمره على الطلاق، ولا يوجب عليها عدة قبل الدخول احتياطًا للزوج الأول وللنسب ولم يجعل عليها عدة الطلاق بناء على الغالب.
فصل [5 - لا ينفق عليها في العدة من ماله]: وإنما قلنا: لا ينفق عليها في العدة من ماله لأنها إنما تعتد على أنه قد حكم بموته ولا نفقة للمتوفي عنها، وذلك يخالف مدة الأجل لأنها في العدة على الزوجية.
فصل [6 - عودة المفقود في المدة أو في العدة]: وإنما قلنا: إنه إن جاء زوجها في المدة أو في العدة، فهي امرأته فلأنه لم يحدث بينهما فرقة لأن المدة إنما ضربت لمجيئه والعدة إنما جعلت بشرط ثبوت وفاته ولم تثبت بتزويج فيكون الثاني أحق بها، فلذلك كانت باقية على زوجيته.
فصل [7 - في زواج امرأة المفقود بغير انقضاء العدة]: وإنما قلنا: إن العدة إذا انقضت جاز لها التزويج لأن الخبر بذلك ورد عن عمر ابن الخطاب وعثمان 2 - رضي الله عنهما -، ولأن اعتدادها لو لم يفد 3 تزويجها لكان لا معنى له.
فصل [8 - إذن الإِمام في زواج امرأة المفقود]: وإنما قلنا: إنها لا تحتاج في ذلك إلى إذن الإِمام لأن إذنه قد حصل بضرب الأجل، لأن فائدة حبسها عن التزويج قبل انقضائه زوال المنع بانقضائه.

فصل [9 - إذا جاء المفقود بعد زواج امرأته]: وإنما قلنا: إن المفقود إذا جاء بعد دخول الثاني فلا مقال له لأنها قد بانت بالوطء وحكم الحاكم لأن اعتدادها حكم من الحاكم بالفراق عليه على الشرط الذي قدمناه إلا أن يجيئ قبل التزويج، فأما إذا جاء بعد التزويج وقبل الدخول ففيها روايتان 1: إحداهما أنها للمفقود والأخرى أنها للثاني، فوجه الأولى أنه عقد نكاح طرأ على عقد صحيح تقدمه بضرب سائغ من الاجتهاد، فوجب أن لا تمنع نفسها عن الأول إلا بأن يضامها دخول أصله نكاح الوليين، ووجه الثانية أنها نكحت بعد الاعتداد وضرب الأجل كما لو دخل بها.
فصل [10 - عدم رجوع الزوج على امرأته بالصداق]: وإذا قلنا: لا يرجع عليها 2 بالصداق، فلأن أمره نزل على الوفاة، وإذا قلنا: يرجع عليها بنصف الصداق فلأنها فرقة تحسب طلاقًا 3 كفرقة غير المفقود.
فصل [11 - في قسمة مال المفقود على الورثة]: ولا يقسم ماله بين ورثته إلا بأن يتيقن موته لأنه ضرر في تبقيته وهو مفارق للزوجة، فإن أتى عليه من الزمان: ما لا يعيش إلى مثله مُوت 4 بالتعمير وقسم ماله بين ورثته، واختلف قول 5 مالك وأصحابه في مدة التعمير، والظاهر أنه سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: تسعون (وقيل: مائة، والصحيح سبعون) 6 سنة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعمار أمتي ما بين

الستين إلى السبعين، فأقلهم من يجاوز ذلك 1، وهذا إخبار عما يتعلق به الحكم من الأعمار، وما زاد على ذلك فليس فيه دليل يتحرر لكل قول، وإنما هو على حسب ما يتغلب في الظن من طول المدة وقصرها.
فصل [12 - المفقود في معترك القتال]: المفقود في معترك 2 القتال إذا لم يوقف له على خبر يجتهد الحاكم في أمره، فإن غلب على الظن هلاكه اعتدت امرأته وتزوجت ولا يحتاج إلى ضرب أجل لأن الأغلب من شأنه الهلاك 3. فصل [13 - بقاء زوجة الأسير]: الأسير بخلاف المفقود لا يجوز لامرأته أن تتزوج ولا يضرب لها معه أجل، لأن حياته معلومة وعذره في نفي 4 قصد المضارة ظاهر 5. ...

باب: في الطلاق

الطلاق 1 على ضربين: رجعي، وبائن، فالرجعي من حقه أن يرد على مدخول بها، والبائن هو الذي لا رجعة فيه، وقد يكون في المدخول بها وفي التي لم يدخل بها، وجملته للحر ثلاث وللعبد تطليقتان وهو معتبر بالرجال دون النساء، فالحر يطلق ثلاثًا كانت زوجته حرة أو أَمَة، والعبد يطلق اثنتين كانت زوجته حرة أو أَمَة، والرجعة تثبت في الطلقة الواحدة للحر والعبد وفي الطلقتين للحر والثانية للعبد كالثالثة للحر 2 لا رجعة فيها، وتحرم بها عليه فلا تحل له إلا بعد زوج: أوقعها مجتمعات أو مفترقات ويمنع إيقاعها مجتمعة، ويقضي بذلك أن فعله ولكنه ينفذ ويلزم: وتحرم به فلا تحل بعقد نكاح ولا ملك يمين إلا بعد زوج يتزوجها تزويجًا صحيحًا نكاح رغبة قصد الاستباحة دون التحليل، فإن وقع الفساد في العقد أو التحريم في الوطء مثل أن يطأها محرمة أو صائمة أو حائض أو على وجه ممنوع لحق الله تعالى فلا يحلها، وإن شرطا في العقد أن يحلها دون قصد 3 استدامة نكاحها، فالعقد فاسد لا يقيمان عليه والاعتبار في ذلك بقصد الناكح دون المنكوحة ولا يحلها إلا وطء بعقد نكاح لا بملك يمين 4.

فصل [1 - فيما تثبت فيه الرجعة]: وإنما قلنا: إن الرجعة تثبت فيما دون الثلاث لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 1 يعني الارتجاع، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر لما طلق امرأته حائضًا: "مرة فليراجعها" 2، ولا خلاف في ذلك 3. فصل [2 - الرجعة تكون في المدخول بها]: وإنما قلنا: إنها لا تكون إلا في مدخول بها لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 4 يعني في العدة وزجره عن الثلاث بقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ 5 يعني الندم، فيكون له سبيل إلى الارتجاع، ولأن الرجعة من حقها أن ينفرد 6 الزوج بها من غير مراعاة لرضا المرأة، وذلك لا يكون إلا في المدخول بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها فلا سبيل إلى ردها إلا بنكاح جديد، وذلك يفتقر إلى إذنها.
فصل [3 - في جملة عدد الطلاق]: وإنما قلنا: إن جملة الطلاق ثلاث لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ... إلى قوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ 7، وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الثالثة فقال: "أو تسريح بإحسان" 8، وفي حديث ابن عمر قال: "أرأيت لو

طلقتها ثلاثًا قال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك" 1. ولا خلاف أن ما فوق الثلاث لا مدخل له في الطلاق 2. فصل [4 - في طلاق العبد وطلاق الحر للأَمَة]: وإنما قلنا: إن الاعتبار في الطلاق بالرجال، وإن طلاق العبد للحرة اثنتان والحر للأَمَة ثلاثًا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن طلاق الحرة ثلاثًا كان زوجها حرًّا أو عبدًا، وطلاق الأمَة طلقتان إن كان زوجها حرًّا أو عبدًا 3، لأنه معنى ذو عدد يوجب أن يكون كماله ونقصانه معتبرًا بمن يضاف إليه فعله أصله العدة، ولأن الطلاق ملك للرجل وكمال الملك ونقصانه معتبرًا بالمالك لا بغيره.
فصل [5 - في تفريق الطلاق الثلاث]: لا خلاف في أن من فرق الطلاق الثلاث فإنه يلزمه ويدل عليه 4 قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ .. إلى قوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 5، فأما إن أتى به 6 في كلمة واحدة فإنه عاص بذلك ويلزمه 7، وإنما قلنا: يلزمه إن وقع خلافًا لمن منع إيقاعه جملة لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ .. إلى قوله: لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ 8 فندبنا إلى

طلاق يملك الرجعة فيه لئلا يندم فلا يمكننا التلافي، هذا يتضمن الوقوع، وحديث ركانة 1: أنه طلق البتة فأحلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما نوى 2، فدل على أن الثلاث تقع بالكلمة الواحدة، وحديث ابن عمر قلت: أرأيت يا رسول الله لو أني طلقتها ثلاثًا، أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: "كانت تبين منك وتكون معصية" 3، واعتبارًا 4 بغير المدخول بها، ولأنه ملك أبيح إيقاعه مفترقًا فجاز مجتمعًا كإعتاق العبد.
فصل [6 - في كون من طلق ثلاثًا عاصيًا]: وإنما قلنا: إنه يكون عاصيًا بذلك خلافًا للشافعي في قوله: أنه مباح 5 لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ... إلى قوله: لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ 6، فندبنا إلى الطلاق الرجعي ليكون للمطلق سبيلًا إلى تلافي ندم إن وقع منه ثم وصفه بما يقتضي الإثم فقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ 7، فدل على ما قلناه، وفي حديث ابن عمر قال: أرأيت لو طلقتها؟ قال: "إذن بانت منك وعصيت ربك" 8، وروي عن محمود بن

لبيد 1 قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان ثم قال: "يلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" 2، ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر وعثمان وعليّ وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعمران بن حصين 3، ولا مخالف عليهم فيه، ولأنه سبب يحرم البضع به فعله من غير حاجة، فكان ممنوعًا كالظهار ولا يدخل عليه الطلقة قبل الدخول ولا الثانية لأن ذلك من حاجته.
فصل [7 - في كون لا رجعة في الطلاق الثلاث]: وإنما قلنا: لا رجعة في الطلاق الثلاث لأنه لم يبق له من الطلاق شيء، فالرجعة هي ردها إلى النكاح، فلا يجوز أن يملك نكاحًا لا يملك الطلاق فيه، وإنما قلنا: لا يحل له العقد عليها حتى تنكح زوجًا غيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 4، وللإجماع على ذلك 5. وإنما قلنا: إنما لا تحل بعقد ولا بملك لعموم الظاهر، ولأن الوطء بالملك تابع لعقد النكاح، إذ النكاح هو الأصل المقصود بالاستباحة، فإذا لم يجب بالنكاح لم يجب بالملك.
فصل [8 - نكاح المحلل]: وإنما قلنا: إن نكاح المحلل لا يصح 6 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 7 لقوله

  • صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله المحلل والمحلل له" 1، وهذا يفيد حظره، ولأنه عقد معاوضة واقع على وجه يستحق عادة به اللعن، فوجب أن يكون فاسدًا أصله نكاح ذوات المحارم، وإذا ثبت أنه فاسد لم تحل للزوج الأول، وروي ابن عباس قال: سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحلل فقال: "لا إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله عَزَّ وَجَلَّ" 2، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أخبركم بالتيس؟ " قالوا: بلا، قال: "هو المحلل" 3، ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر وعثمان وعليّ وابن عمر وابن عباس 4 ولا مخالف لهم.
    فصل [9 - في أن وطء الثاني شرط في عودها إلى الأول]: وإنما قلنا: إن وطء الثاني شرط في عودها إلى الأول لقوله - صلى الله عليه وسلم - للتي أرادت الرجوع إلى من طلقها ثلاثًا: "لا حتى تذوقي عسيلته" 5، ولأن الغرض من ذلك عقوبته على ركوب المعصية وتعديه ما جعل له، وأن يعلم أنه متى لم يكن له سبيل إلى العود إلا على هذه الصفة وليس ذلك إلا في الوطء لأن مجرد العقد لا عقوبة فيه.

فصل [10 - وطء المطلقة ثلاثًا بالملك لا يحلها]: وإنما قلنا: إن وطأها بالملك لا يحلها للمطلق بملك ولا بعقد، خلافًا لمن أجازه 1 لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 2، فشرط في ذلك النكاح، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا إلا نكاح رغبة" 3، ولأن الوطء بالملك أضعف.
فصل [11 - منع التحليل بالوطء الواقع على الوجه المحظور]: إنما قلنا: إن الوطء الواقع على وجه محظور لا يقع به التحليل خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4، لأنه شرط في إباحتها للأول لا يقوم غيره مقامه، فلم يقع الإباحة به متى فعل على وجه محرم في الشرع لحق الله تعالى أصله العقد.
فصل [12 - التحليل بنكاح فاسد]: وإذا وطئها في نكاح فاسد لم تحل به خلافًا للشافعي في أحد قوليه 5 لقوله تعالى 6: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 7، وظاهر ذلك يفيد الصحيح، ولأنه وطء ولم يصادف سببًا مبيحًا كالوطء بالشبهة، ولأن الوطء بالملك أقوى من الوطء في النكاح الفاسد لأن الوطء بالملك مباح، وفي النكاح الفاسد محظور، وإذا لم تقع الإباحة به كانت بأن لا تقع بالفاسد أولى.

فصل [13 - في أن الاعتبار في النكاح بقصد الناكح دون المطلقة]: وإنما قلنا: إن الاعتبار بقصد الناكح دونها لأن العقد للناكح، وهي على استيفاء المنافع، فإذا لم يقصد هو الاستباحة لنفسه انتفى قصد 1 الاستباحة لغيره، فقد قصد التحليل للأول لا غير، ولأن قصد التحليل من غير من يملك الطلاق لا اعتبار به أصله الأجنبي.
...

باب: [طلاق السنة وطلاق البدعة]

والطلاق ضربان: طلاق سنة وطلاق بدعة، وفائدة وصفنا له أنه طلاق سنة أنه أوقع على الوجه الذي ندب المشرع إيقاعه، وفائدة وصفه بأنه للبدعة وقوعه على الوجه الذي منع الشرع إيقاعه عليه ويتعلق بذلك ضرب ثالث، وهو طلاق لا يوصف بأنه للسنة ولا للبدعة، وهو أن يكون جائزًا في كل الأحوال، فإذا ثبت هذا فالسنة والبدعة يرجعان إلى أمرين إلى الوقت والعدة: فأما الوقت فإن السنة فيه: أن تطلق المرأة التي تحيض في طهر لم تمس فيه وألا يكون تاليًا لحيض طلقت فيه، فأما العدد فإن يطلق واحدة ثم يتركها تمضي في العدة ثم لا يتبعها طلاقًا، ومتى انخرم من هذه الأوصاف شيء كان للبدعة دون السنة، فإن طلقها حائضًا أو نفساء أو في طهر قد مس فيه ثلاثًا أو اثنتين في كلمة واحدة أو مفترقة قاصدًا ذلك في ابتدائه أن يفرقه على عدد أقرائها، فكل ذلك للبدعة.
وطلاق الحائض والنفساء محرم ويلزم إن وقع، فإن كان رجعيًّا أجبر على الارتجاع وإمساكها إلى أن تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق، ولا يطلق في الطهر المتعقب للحيض الذي طلق فيه، فإن فعل نفذ ولم يجبر على الارتجاع إن لم يرتجع حتى طهرت من الحيض المطلق فيه أجبر إلى أن تنقضي العدة عند ابن القاسم، ويقطع الإجبار عند أشهب لمجيء الطهر الثاني الذي أبيح الطلاق فيه، ويؤمر بالارتجاع إن طلق في طهر قد مس فيه ولا يجبر عليه، فأما الذي لا يوصف بأنه سنة ولا بدعة فطلاق الصغيرة واليائسة لأنه مباح إيقاعه أي وقت شاء، وهذا إذا رجع به إلى الوقت، فأما إن رجع به إلى العدد فلا تنفك مطلقة من أن يكون طلاقها لأحد الأمرين.
وفي طلاق غير المدخول بها حائضًا روايتان: الجواز والمنع، فعلى رواية المنع

يوصف طلاقها في الطهر بأنه للسنة ولا يوصف بذلك على رواية الجواز، لأن الأوقات تتساوي فيه كالصغيرة واليائسة، ويطلق الحامل أي وقت شاء، وتلحق بالضرب الثالث، ويخرج في طلاقها حال حيضها روايتان بناء على التي لم يدخل بها 1. فصل [1 - طلاق السنة يكون في طهر]: وإنما شرطنا في كونه للسنة أن يكون في طهر لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 2، فندب تعالى إلى أن يوقع الطلاق في حال تعتد فيها وذلك حال الطهر، وفي حديث ابن عمر أنه طلق امرأته حائضًا فذكر عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" 3، فأخبر أنها حال الطهر، ولأن طلاق الحائض محرم بإجماع 4، وما كان محرمًا لا يكون للسنة.
فصل [2 - في الطهر الذي لم يمسها فيه]: وإنما شرطنا أن يكون الطهر لم يمس فيه لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 5، وقرأها ابن عمر: "لقبل عدتهن" 6، وفي حديث ابن عمر: "ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" 7، ولأنه إذا وطئها في ذلك ثم طلقها

ألبس عليها في العدة لأنها قد تحمل فتعتد بالوضع، وقد لا تحمل فتعتد بالإقراء فكره له ذلك، ولأنها قد تحمل فيلحقه 1 الندم.
فصل [3 - طلاق السنة يكون في الطهر التالي للحيضة]: وإنما شرطنا أن يكون في طهر ثان دون الطهر التالي للحيضة التي طلقت فيها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك" 2، ولأنا لما أجبرناه على الارتجاع نظرًا لها وجب 3 أن ينظر له أيضًا بأن يكون له حظ في الرجعة من الاستمتاع، فإذا حصل منه الاستمتاع في الطهر التالي للحيض لم يطلق فيه على ما بيناه ثم يتعقبه الحيض، فإذا طهرت منه جاز له الطلاق.
فصل [4 - بدعة الجمع بين ثلاثة تطليقات]: وإنما شرطنا أن يطلق واحدة لأن الجمع بين ثلاث تطليقات أو اثنتين بدعة على ما بيناه، وإنما منعنا أن يتبعها طلاقًا آخر في العدة أو يقصد تفريقه على الإقراء، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن طلاق السنة أن يطلق ثلاثًا متفرقًا في كل قرء طلقة 4، لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 5، وهذا طلاق لا يوجب عدة فكان ممنوعًا، ولأن كل طلاق لا يوجب عدة في المدخول بها، فإنه للبدعة أصله إذا أتى به قبل مجيئ القرء الثاني، ولأنه مطلق ثلاثًا من غير حاجة كالذي يطلق ثلاثًا في كلمة واحدة .. فصل [5 - في تحريم طلاق الحائض]: وإنما قلنا: إن طلاق الحائض محرم لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (6)،

وحال الحيض ليست حال عدة ولا طلاق للموقع فيه باتفاق، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر لما طلق امرأته: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" 1، فأمر بارتجاعها على طريق العقوبة، وأخبر بأن حال الطهر هي حال العدة التي أمر بالطلاق فيها، ولأن فيه تطويلًا على المرأة في العدة وأذية لها ولا خلاف في ذلك.
فصل [6 - لزوم طلاق البدعة]: وإنما قلنا: إنه محرم وللزم إن وقع رجعيًّا كان أو بائنًا خلافًا لمن قال: إنه لا ينفذ 2 لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه -: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك 3، وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء" 4، وفي حديث آخر: "أفتعتد بها"؟ قال: "نعم"، وإن ابن عمر قال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيت لو طلقتها ثلاثًا؟ قال: إذن بانت منك وعصيتك ربك" 5، (وفي هذه الأخبار أدلة: أحدها الأمر بالمراجعة ولا تكون إلا مع نفوذ الطلاق ووقوعه، والثاني قوله أفتعتد بها؟ قال: نعم، والثالث قول ابن عمر: أرأيت لو طلقتها ثلاثًا؟ يعني في الحيض قال: إذا بانت منك وعصيت ربك) 6، وهذا نص، ولأنها حال زوجية كالطهر، ولأنه إزالة ملك بُني على التغليب والسِراية فلم يختص

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل