كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 النكاح 2 مندوب إليه 3 لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ 4، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ 5، وقوله صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تناسلوا" 6 وقوله: "تزوجوا فإني مكاثر بكم الأُمم" 7، وقوله: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" 8، وفيه أخبار كثيرة.
فصل [1 - في حكم النكاح]:
وليس بواجب خلافًا لداود 1 اعتبارًا بنكاح الأَمة، ولأنه عقد معاوضة فلم يجب ابتداء بالشرع كالبيع، ولأن المقصود منه وهو الوطء غير واجب، فلم يكن هو واجبًا.
فصل [2 - في تزويج الأب ابنته البكر الصغيرة]:
وللأب إنكاح ابنته البكر الصغيرة من غير خلاف 2، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ 4، وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 5، فجعل على التي لم تبلغ عدة، والعدة لا تجب إلا عن فراق في نكاح صحيح، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج عائشة رضي الله عنها وهي ابنة ست 6 وبني بها وهي ابنة تسع 7، وروى: أنه صلى الله عليه وسلم زوج ابنتيه من عثمان رضي الله عنه ولم يستشرهما 8 ولا خلاف فيه.
فصل [3 - في تزويج الأب ابنته البكر الكبيرة]:
وله إنكاح البكر، وإن بلغت جبرًا 1، خلافًا لأبي حنيفة 2 لقوله صلى الله عليه وسلم: "تستأمر اليتيمة في نفسها" 3 فدل على أن غيرها بخلافها، ولأنه لا يفتقر في عقد نكاحها إلى نطقها مع القدرة عليه كالصغيرة، ولأن كل ولاية تثبت للأب على الصغيرة البكر لم تزل بمجرد البلوغ كالولاية في المال.
فصل [4 - في استئذان البِكر الكبيرة]:
إذا 4 ثبت ذلك فيستحب له استئذانها لقوله صلى الله عليه وسلم: "شاوروا النساء في أبضاعهن" 5، ولأن ذلك أطيب لقلبها من غير ضرر يلحقه فيه، وقيل: إنه ربما كان بها عيب لا يعلمه ولو علمه لم يزوجها 6، فإذا استأذنها أعلمته به فتحرز منه 7.
فصل [5 - في إجبار البكر المعنسة]:
وعنه في المعنسة وهي التي قد علت بسنها 8، وبرز وجهها وخبرت الأمور روايتان 9: إحداهما: بقاء إجباره عليها، والأخرى زواله عنها.
فوجه بقائه: اعتبارًا بغير المعنسة بعلة البكارة، ووجه زواله: أن المعنى الموجب للإجبار في الصغيرة التي لم تعنس فله خبرتها بالأمور وعدم معرفتها بمصالحها (وذلك منتف عن المعنسة لبروز وجهها ومعرفتها بمصالحها) 1، فقام ذلك مقام الثيوبة في رفع الإجبار عنها.
فصل [6 - في إجبار الثيب الكبيرة]:
وليس للأب ولا غيره إجبار الثيب الكبيرة، ولا تزوج إلا برضاها لقوله صلى الله عليه وسلم: "الأيم أحق بنفسها من وليها" 2، وروي: الثيب مفسرًا، وقوله: "ليس للولي مع الثيب أمر" 3، ولأنها قد خبرت أمرها وعرفت مصالح نفسها، وزال الحجر عنها في مالها، فوجب انتفاء الإجبار عنها، ولأن الإجبار لو لم يزل عنها لم تبق امرأة تزوج بإذنها ولا معنى لرفع الإجبار، وذلك باطل مع أنه لا خلاف فيه.
فصل [7 - في إجبار الثيب الصغيرة]:
وللأب إجبار الثيب الصغيرة على النكاح 4 خلافًا للشافعي 5، لقوله صلى الله عليه وسلم: "تستأمر اليتيمة في نفسها" 6، فدل على أن ذات الأب بخلافها، ولأنها صغيرة كالبِكر، ولأن ولاية الأب ثابتة عليها في المال كالغلام، ولأن الثيوبة المزيلة للإجبار وهي التي يثبت معها الإذن كثيوبة البالغ، ولأن
الثيوبة إحدى حالتي المرأة، فلم تنفك من جواز إنكاح الأب إياها أصله حال البكارة.
فصل [- في وقت انقطاع إجبار الأب الثيب الصغيرة]:
إذا ثبت أن له إجبارها فقد اختلف في وقت انقطاعه: فقيل: ما لم تحض، وقيل: إن البلوغ لا يقطع الإجبار 1، فوجه الأول أنها إذا حاضت فقد صارت ممن لها إذن، والثيوبة إذا اجتمعت مع الإذن رفعت الإجبار أصله الثيب الكبيرة، ووجه الثاني: أن كل صغيرة ملك الأب إجبارها لم يسقط عنها ببلوغها كالبكر.
فصل [9 - في الثيوبة التي ترفع الإجبار]:
الثيوبة التي ترفع الإجبار هي الوطء في نكاح صحيح أو شبهة نكاح أو ملك أو شبهة ملك ولا يثبت بوطء زنا أو غصب على وجه 2، خلافًا للشافعي، لأن رفع الإجبار بالثيوبة لزوال الحياء والانقباض الذي يكون في البكر، وهذا منتف عن المزني بها لأن الحياء يغلب عليها أشد من غلبته على البكر لقبح ما ركبته والعار الذي يلحقها، ويزيد فيها، فوجب بقاء الإجبار عليها، ولأن ذلك لما لم يرفع عنها ولاية المال، فكذلك إجبار النكاح.
فصل [10 - إذا عادت البكر إلى الأب قبل أن تمس]:
إذا عادت البكر إلى الأب قبل أن تمس بطلاق أو موت، فأظهر الروايتين 3 عنه أنه يعتبر طول إقامتها مع الزوج أو قصر المدة: فإن طالت إقامتها وبرز وجهها زال إجباره عنها، وإن كان ذلك بحدثان دخولها عليها ولم يطل لبثها ولو برز وجهها فإجباره باق عليها.
وإنما قلنا ذلك لأن عودها إلى الأب إذا كان عن قرب، فإنها على الحال التي
كانت عليها 1 عنده من قلة خبرتها بأمورها أو معرفتها بمصالحها لأنها لم يدخل بها فيثبت لها حكم الثيوبة ولا طال أمرها طولًا تخبر معه مواضع حظوظها وتعرف مصالحها فيقوم ذلك مقام الثيوبة، فكان الإجبار باق عليها، فإذا طالت إقامتها وبرز وجهها عدم هذا المعنى فيها وصارت في حكم الثيب فانقطع الإجبار عنها.
وفي حد الطول روايتان: إحداهما أنه سنة، والأخرى لا حد فيها أكثر من العرف، فوجه اعتبار السنة أنها مدة جعلت في الشرع حدًّا لأمور تتعرف منها العنة 2، والأدواء الثلاثة 3 في عهدة الرقيق، فكذلك ها هنا، ووجه نفي التحديد أن كل أمر احتيج فيه إلى اختبار وتعرف ولم يرد توقيف بتحديد مدة وجب الرجوع فيه إلى العرف كالخيار في البيوع، ويعرف إيناس الرشد باليتيم إذا بلغ، وفي مسألتنا التوقيف معدوم، فوجب الرجوع فيه إلى العرف.
فصل [11 - العقد على الصغيرة لا يكون إلا من أبيها]:
الصحيح من قوله: إنه لا يعقد على الصغيرة سوى أبيها 4 خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن للأولياء أن يعقدوا عليها 5 لحديث ابن عمر أن عثمان بن مظعون 6
توفي وترك ابنته وأوصى إلى أخيه قدامة إذا مت 1، فتزوجها من عبد الله بن عمر فأراد فسخ النكاح، وإنكاح المغيرة بن شعبة فارتفعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال قدامة: أنا عمها ووصى أبيها وما نقموا من عبد الله إلا أنه لا مال له، فقال صلى الله عليه وسلم: "هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها" 2، ولأن كل من لا يملك التصرف في مالها بنفسه لم يملك إجبارها على النكاح كالأجنبي، ولأن كل من لم يكن له إجبارها بعد البلوغ لم يكن له إجبارها قبله كالخال عكسه الأب.
فصل [12 - فيمن يجبر البكر من الأولياء]:
ولا يجبر البكر أحد من الأولياء غير الأب صغيرة كانت أو كبيرة لا جد ولا غيره 3 خلافًا للشافعي في قوله: أن الجد يجبر كالأب 4، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها" 5، ولأنه عصبة ويحجبه الأب فلم يملك الإجبار كالأخ، ولأنها ولاية تملك انتقالًا لا ابتداء، فلم يملك بها الإجبار كسائر الولايات 6.
فصل [13 - إذا غاب الأب عن البكر]:
إذا غاب الأب عن البكر غيبة قريبة أو كان يتردد في تجارة أو غيرها فليس لولي ولا الحاكم أن يزوجها إلا بتوكيل من الأب، فإن غاب غيبة طويلة منقطعة شديدة البُعد، فإن كانت حياته معلومة ومكانه معروفًا إلا أن استئذانه يتعذر وهي بالغ،
فقد اختلف في جواز إنكاحها 1: فقال مالك: يزوجها الإمام إن رفعت ذلك إليه، وقال عبد الملك: لا يجوز إنكاحها على وجه مع حياة الأب، وقال ابن وهب: إن قطع عنها نفقته وأطال غيبته جاز إنكاحها برضاها، وإن كان يبعث إليها نفقة وهي في غنى وكفاية 2 لم يجز الإفتيات عليه ولم تزوج إلا برضاه 3.
فوجه قول مالك: هو أن غيبة الأب إذا طالت وانقطعت أضر ذلك بها فجرى مجرى عضلها، ولو كان الأب حاضرًا وعضلها حتى علم أنه يقصد الإضرار بها لزوجها السلطان عليه، فكذلك مع طول الغيبة.
ووجه قول عبد الملك: إن الولاية باقية للأب لا تسقط بغيبته، فلم يكن لغيره أن يزوجها، ولأنها بكر لها أب كالحاضر أو القريب الغيبة وليس بعاضل، ووجه قول ابن وهب: أن المراعي في ذلك إزالة الضرر عنها بدليل أنه لو كان حاضرًا وعضلها لزوجت عليه لإزالة الضرر وهذا موجود مع انقطاع النفقة ووجود 4 الحاجة وإذا لم يكن لها ضرورة لم تزوج لأنه ليس ها هنا ما يزيل ولاية الأب أو يسوغ الإفتيات عليه.
فصل [14 - السلطان يزوج من غاب عنها أبوها]:
إذا ثبت جواز إنكاحها: فقيل: لا يزوجها إلا السلطان وقيل: للأولياء أن يزوجوها برضاها 5، فوجه الأول: أن إنكاحها مع بقاء الأب هو لإزالة الضرر عنها، فكان كالحكم على الأب، وذلك يختص به السلطان.
ووجه الثاني: أن النكاح بالإذن لا يقف على ولي دون ولي في باب الجواز،
ولأنها بكر جاز تزويج غير الأب إياها، فجاز ذلك لسائر الأولياء أصله إذا مات.
فصل [15 - انقطاع خبر الأب الغائب]:
فأما إن انقطع خبره ولم تعلم حياته ولا موته جاز إنكاح الأولياء إياها برضاها، وقال عبد الملك: ليس لهم ذلك إلا بعد مضي أربع سنين من وقت فقده 1، فوجه الأول أن الظاهر من أمره الموت فجاز إنكاحها لأن أحسن أحواله 2 أن يحمل أمره محمل العضل، فيجب إزالة الضرر عنها وعبد الملك نزلها منزلة امرأة المفقود من حيث كان الضرر يلحقها بانتظاره، فوجب وقف ذلك على ضرب الأجل له.
فصل [16 - في إذن المزوجة]:
إذن المزوجة على ضربين 3: إن كانت ثيبًا فبالقول، وإن كانت بكرًا فبالقول والصمات، وإنما فرقنا بينهما لقوله صلى الله عليه وسلم في البكر: "فإذنها صماتها" 4 فخصها بذلك، وروي: "الثيب تعرب عن نفسها" 5، ولأن أصل الإذن أنه لا يثبت إلا بالقول، وإنما خصت البكر بالصمات للخبر، ولأن الحياء يغلب عليها ولئلا تنسب متى 6 تسرعت إلى أن تقول: نعم قد رضيت أو
قد رضيت أو قد أذنت أو لما أشبه ذلك إلى شدة الميل إلى الرجال وغلبة الشهوة عليها، فيكون ذلك مزهدًا فيها، والثيب قد زال هذا الاعتبار عنها ببروز وجهها ومعرفتها ما يراد فيها، فهذا ثبت هذا فينبغي أن تعلم البِكر إذا صمتت بأن ذلك يحمل على أنه إذن منها احتياطًا واستظهارًا لجواز أن تظن أنه لا يحمل منها على ذلك، وليس بشرط في صحة الإذن.
باب: [اشتراط الولي في عقد النكاح]
الولي 1 شرط في صحة 2 عقد النكاح، فلا يجوز لامرأة أن تزوج نفسها ولا غيرها على وجه 3 خلافًا لأبي حنيفة 4 لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ 5، وفي جواز ذلك لهن انتفاء العضل لزوال الحاجة إلى الأولياء، ولأن هذه الآية نزلت في شأن معقل بن يسار 6 لما عضل أخته فنُهِيَ عن ذلك 7، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" 8، وقوله: "لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها" 9، ولأنها ناقصة
بالأنوثية كالأمة، ولأنه عقد نكاح فوجب افتقاره إلى ولي العقد كالعقد على الصغيرة، ولأن الولي شرط في النكاح وحياطة للفروج 1، لئلا تحمل المرأة شهوة النكاح ميلها إلى الرجال على التسرع إلى وضع نفسها في غير كفؤ فتلحق عارًا بأوليائها.
فصل [1 - تزويج المرأة نفسها]:
إذا ثبت ذلك فإن زوجت امرأة نفسها أو غيرها، فالنكاح فاسد لا يصح بوجه ويفسخ قبل الدخول وبعده 2، لأن منع ذلك لحق 3 الله تعالى وفي كيفية فسخه 4 روايتان 5:
إحداهما بطلاق (لأنه نكاح مختلف فيه، فاحتيط بأن يكون فسخه طلاقًا، والأخرى أنه فسخ بغير طلاق) 6، ولأن المقام عليه لو أراده غير مسوغ لهما، فإن أدرك قبل الدخول وفسخ فلا مهر لأن النكاح الفاسد إذا فسخ قبل الدخول لم يجب به المهر، وإن لم يعلم إلا بعد الدخول لزم به المهر للاستمتاع، فإن كان قد سمى فالمسمى أولى من صداق المثل خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 7، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أدوا العلائق قيل: وما العلائق؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون" 8، وروي: "فإن نكحت فلها
مهرها المسمى" 1، ولأن المقصد من النكاح المواصلة والمكارمة دون المتاجرة والمغابنة بخلاف البيوع، فإن لم يكن هناك مهر مسمى فصداق المثل، وحكمه في وجوب العدة ولحوق النسب وتحريم المصاهرة حكم النكاح الصحيح، وفي التوارث قبل الفسخ خلاف مبني على ما قدمناه.
فصل [2 - أقسام الولاية]:
إذا ثبت ما ذكرناه من حاجة النكاح إلى ولي، فالولاية على ضربين 2: ولاية عامة، وولاية خاصة، فالعامة ولاية الدين والأصل في ثبوتها قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 3، وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 4، وأما الخاصة فضربان: ولاية بالنسب، وولاية بالحكم، والولاية بالنسب مقدمة على الولاية بالحكم فإن استخلفت المرأة أجنبيًّا فزوجها مع القدرة على إحدى الولايتين ففيهما روايتان:
إحداهما 5: أن ذلك غير جائز، والأخرى أنه ماضي إذا تزوجت كفؤًا.
فوجه الأولى: قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" 6، فجعل الولاية عند عدم العصبة مقصورة على السلطان، فانتفى بذلك أن تكون لغيره ولاية مع وجوده، ولأن في إجازته ذريعة إلى
الإفتيات على الأولياء وإسقاط حقهم من الولاية، وأن لا تشاء امرأة أن تعقد على نفسها مع امتناع وليها إلا وجدت سبيلًا إلى ذلك، فوجب فسخ ما هذا سبيله حياطة للفروج وحفظًا لحقوق الأولياء وحسمًا لباب الذريعة.
ووجه الثانية: أن الولاية الخاصة لا تسقط العامة جملة، وإنما لها مزية عليها في التقديم، فإذا حصل العقد بالولاية العامة على وجه لو عقده الولي الخاص لم يزد عليه لم يكن في فسخه فائدة اعتبارًا بتقديم بعض العصبة على بعض هذا إذا كان لها ولي مناسب، وكانت دنية كالمعتقة والمسلمانية 1، والتي لا عصبة لها، وكان كل أحد كفؤًا لها، فالخلاف أيضًا ثابت على ما قدمناه إلا أن الأظهر أن النكاح جائز لأنه ليس في ذلك إفتيات على ولي خاص ولا إسقاط لولاية عصبة.
فصل [3 - الولاية بالنسب]:
وأما الولاية بالنسب فهي للعصبة وللمولي 2؛ لأنه أيضًا عصبة وللوصي إذا أوصى إليه الأب دون غيره من العصبات، وذووا الأرحام الذين لا تعصيب فيهم لا ولاية لهم كالأخوة للأم والجد أبي الأم والخال، ومن كان في معناهم لأنه لا ولاية لهم في القِصاص ولا لهم عصبة في الميراث، فكذلك في النكاح، والولاية بالنسب مرتبة 3 على قوة العصبات، فكل من قوي تعصيبه كان أولى به وأولى العصبة بالإنكاح الابن ثم ابن الابن ثم الأب ثم الأخ الشقيق ثم الأخ للأب ثم ابن الأخ الشقيق ثم ابن الأخ للأب ثم الجد ثم العم ثم ابن العم، فإذا لم يكن عصبة بنسب فالمولى من فوق.
فصل [4 - دليل ملك ولاية التزويج بالبنوة]:
وإنما قلنا: البنوة يملك بها ولاية التزويج خلافًا للشافعي 1 لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة 2: "قم فزوج أمك" 3، ولأن الولاية بالنسب مفتقرة إلى تعصيب ولا تعصيب أقوى من تعصيب الابن بدليل تقديمه في الولاء، وأن العصبة يسقطون معه في الميراث أو يصيرون كذوي الأرحام فثبت أن له ولاية في التزويج، ولأن البنوة 4 توجب ثبوت الولاية أصله إذا كان أبوه ابن عمها، ولأن كل ذكر كان عصبة في الميراث كان عصبة في عقد النكاح أصله [] *، ولأن كل حكم ثبت للابن من عمها ثبت للابن الذي ليس أبوه ابن عمها أصله الميراث.
فصل [5 - في أولوية الابن من الأب في ولاية النكاح]:
وإنما قلنا: إنه أولى من الأب لأن تعصيبة أقوى ما بيناه، وإنما أثبتنا أن ابن الابن وليًّا 5 لأن معنى الابن موجود فيه وهو التعصب بالولادة، ولأنه قائم مقام الابن في جميع الأحكام.
فصل [6 - دليل ولاية الأب وتقديم الأخوة على الجد]:
وإنما قلنا: إن الأب ولي للإجماع على ذلك 6، ولقوله صلى الله عليه
وسلم: "تستأمر اليتيمة في نفسها" 1، فدل أن غيرها لا يحتاج الأب إلى استئمارها 2، وولاية الإجبار أقوى من غيرها، ولأنه ولي المال والنظر في أمرها، فكذلك النكاح، وإنما قلنا: إن الأخوة وبنيهم مقدمون على الجد في ولاية النكاح بخلاف الميراث خلافًا للشافعي 3؛ لأن تعصيبهم أقوى لأنهم يدلون بالبنوة والجد يدلي بالأبوة لأن الأخ يقول: أنا ابن أبيها، والجد يقول: أنا أبو أبيها، وقد بينا أن تعصيب البنوة أقوى من تعصيب الأبوة.
وإنما قلنا: إن الأخ الشقيق مقدم على الأخ للأب لأنه يجمع تعصيبًا وقربًا، فكان أولى منه كالميراث، وإنما قلنا: إن الولاء يملك به ولاية النكاح لأنه يفيد التعصيب، ولأنه ملحق بالنسب ومشبه به، ولأن تعصيبه يورث به فكذلك يُملك به ولاية النكاح.
فصل [7 - عند التشاجر يكون الأول مقدمًا]:
وهذا إذا تشاحوا 4 فيكون الأول مقدمًا على غيره، وإذا لم يتشاحوا 5، فمن عقد منهم جاز مع وجوب الآخر في غير البكر مع الأب والوصي خلافًا للشافعي في قوله: أنه لا ولاية للعصبة الذي هو أبعد مع الأقرب 6؛ لأنه عصبة لا يملك الإجبار، فجاز أن يعقد عليها بإذنها كالأقرب، ولأن تأثير الأقرب تقديمه لا إسقاطه.
فصل [8 - في ولاية الوصي]:
وإنما أثبتنا الوصي 7 وليًّا في عقد النكاح إذا كان من جهة الأب خلافًا لأبي
حنيفة والشافعي 1، لحديث قدامة بن مظعون لما زوج ابنة أخيه فقال: أنا عمها ووصي أبيها، فلم ينكر صلى الله عليه وسلم ذلك عليه 2، ولأنها ولاية كانت ثابتة للأب على الصغيرة حال حياته، فكان له نقلها إلى من شاء بعد وفاته كولاية المال.
فصل [9 - الوصي يزوج البكر البالغ]:
إذا ثبت أن الوصي يكون وليًّا فإنه يزوج البكر البالغ بإذنها لأن أحدًا لا يقوم مقام الأب في الإجبار، وليس للأب أن يجعل للوصي 3 الإجبار، ولأن الأب إنما ملك ذلك لمعنى يرجع إليه لا يوجد في غيره، فإن كانت البكر صغيرة انتظر بلوغها ثم استأذنها إلا أن يكون الأب عيَّن له من يعقد عليها، فله أن يعقد عليها حال صغرها لأن ذلك الإجبار من الأب لأنه من اجتهاده والوصي كالوكيل.
فصل [10 - في العقد على الصغير]:
لا خلاف أن للأب أن يعقد على ابنه الصغير، وكذلك للولي عندنا غير الأب من وصي أو حاكم ولا خيار له إن بلغ إلا أن يطلق ابتداء ويلزمه نصف الصداق المسمى إن لم يكن دخل بعد البلوغ 4، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن للصبي الخيار إذا بلغ 5، وللشافعي في قوله: ليس للولي إنكاحه صغيرًا 6 ودليلنا على جوازه أنه عقد معاوضة رآه الولي حظًّا، فجاز له فعله كالبيع والشراء ولأنه عقد معاوضة يجوز أن يليه الصغر بنفسه إذا بلغ 7، فكان للولي
أن يعقده بحق النظر كالإجازة، ولأنه يلي على ماله فجاز أن يجبره على النكاح كالأب ولا يلزم على الشيء مما ذكرناه الصغيرة لأنها لا تجبر باجتهاد غير الأب، ودليلنا على أنه لا خيار له أنه نكاح عقده من يلي النظر في ماله كعقد الأب واعتبارًا بالبيع والإجارة.
فصل [11 - في إجبار البالغ المولى عليه]:
وفي إجبار المولى عليه 1 خلاف 2، فعند عبد الملك بن الماجشون ليس للولي إجباره، وعند ابن حبيب له ذلك:
وجه نفي الإجبار أن إنكاح الغلام طريقه الملاذ، فلم يكن له إجباره عليه كسائر الملاذ والشهوات، ولأن النكاح لا مصلحة له فيه من طريق المال لأنه يوجب عليه مهرًا ونفقة، وإنما المصلحة فيه من طريق الحاجة إليه، فإذا لم يحتج إليه لم يكن للولي إجباره عليه.
ووجه إثباته اعتباره بالصغير، ولأنه عقد معاوضة كالبيع والشراء، ولأن الولاية تثبت عليه لنقصه عن معرفة حظه ومصالحه وذلك لا يخص 3 بعض مصالحه دون بعض ولو اعتبرنا رضاه لم تؤثر الولاية فيه شيئًا.
فصل [12 - صداق زواج الابن الصغير]:
إذا زوج الأب ابنه الصغير فإن سمى الأب الصداق عليه لزمه وكان دينًا عليه للمرأة، وإن أطلق ولم يسم على من الصداق 4 نظر، فإن كان للصبي مال فالصداق عليه 5؛ لأن من حق عقود المعاوضات أن يكون العوض على من يملك المعوض عنه، كما لو اشترى ثوبًا أو عقارًا، وإن لم يكن له مال فالصداق
على الأب لأنه ليس من النظر أن يلزم الأب ذمة الابن دينًا لا يحتاج إليه، لأن الصبي لا يحتاج إلى التزويج، وإنما يجوز 1 ذلك للأب إذا رأى ذلك حظًّا ونظرًا، وهذا بالعاجل إلزام ذمته دينًا لا يقدر على أدائه في الحال ولا يدري أييسر من بعد أم يبقى على الإعسار 2 فيكون الصداق على الأب، وإن أيسر الابن من بعد لم ينتقل الوجوب إليه لأنه قد استقر على الأب، فإن أعسر الأب بعد بلوغ الابن وقبل دخوله بالمرأة، وقالت المرأة: لا أسلم نفسي إلا بعد قبض الصداق، قيل للابن: إن أردت فأدِّ الصداق وإلا فطلق ولا يلزمك شيء 3. ...
باب: [خلع الأب على ولده الصغير]
خلع الأب على ولده الصغير جائز عليه ذكرًا كان أو أنثى 1 خلافًا لأبي حنيفة في منعه ذلك في الموضعين 2، وللشافعي في إجازته ذلك في الذكر ومنعه في الأُنثى 3، فدليلنا أن الأب لما كان هو الناظر للابن والقائم بمصالحه وجاز أن تكون المصلحة في أن يطلق عليه بمال يأخذه له جاز ذلك له، ولأنه إخراج ملك عنه بعوض، فجاز إذا رآه حظًّا كالبيع، واعتبارًا بالصغير مع الشافعي، ودليلنا على جوازه في الصغيرة أن أبا حنيفة يوافقنا في أن له أن يعقد عليها بأقل من مهر مثلها إذا رأى ذلك حظًّا، ولا فرق بين ذلك وبين مسألتنا لأنه قد يكون الحظ لها في الفراق والأب غير متهم عليها.
فصل [1 - إنكاح الأب البكر بأقل من صداق مثلها]:
يجوز للأب إنكاح البكر بأقل من صداق مثلها إذا رآه حظًّا 4 خلافًا للشافعي 5 لأن المقصد من النكاح الألفة 6 والمواصلة دون المغابنة والمتاجرة والأب غير متهم عليها، فقد يرى من الحظ إنكاحها بأقل من مهر المثل لأنه يضعها مع من يحسن عشرتها ويعود عليها معه من النفع أضعاف ما ترك من تمام المهر، ولأنه قد ثبت من أصلنا أن للأب أن يعفو عن نصف صداق البكر إذا
طلقت قبل الدخول لأنه قد يرى ذلك حظًّا، فكذلك في مسألتنا إذا طلقت البكر قبل الدخول فللأب العفو عن نصف الصداق الواجب لها خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 1، لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ 2، وهذه كناية الغائب وافتتاح الخطاب للمواجه 3، فدل على أنه أراد غير الأزواج المواجهين، وليس إلا الأب، ولأن في حملها على الزوج تكرارًا لأنه قد ذكر عفوه لقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 4، ولا وجه لذلك مع إمكان حملها على استئناف فائدة، ولأن قوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ 5 يفيد أن تكون بيده في الحال التي يعفوا فيها عقدته 6 ولا يصلح حمله على الزوج إلا أن يضمر فيه الذي كان بيده وحمله على الأب غير محتاج إلى إضمار 7، ولأنه تعالى قصد بيان العفو من كلا الطرفين من جهة النساء، ومن جهة الأزواج ومفصلًا من جهة النساء فأضاف العفو إلى من يلي نفسه منهن وهي الثيب، وإلى من يلي الأبكار وهو الآباء، ولأنهن أحد نوعي الزوجات، فتعلق الندب إلى العفو بجهتهن كالثيب، ولأنه ولي يملك الإجبار، فجاز له العفو عن صداقها أصله السيد في أمته.
فصل [2 - في تزوج الولي وليته من نفسه]:
يجوز للولي أن يزوج وليته من نفسه 8 خلافًا للشافعي 9 لقوله صلى الله
عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" 1 فعم، ولأنه صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها 2، ولأنه ولي كالإمام الأعلى، ولأنه عقد على امرأة يجوز للعاقد عليها تزويجها فأشبه عقده عليها كالأجنبي أو إذا عقد عليها الحاكم.
فصل [3 - لا فرق أن تكون الولاية بنسب أو وصية أو ولاية حكم]:
ولا فرق بين أن تكون ولايته عليها بنسب 3 أو وصية أو ولاء حكم (لأن كل هذا يثبت له به الولاء وينبغي له أن يشهد لها على رضاها احتياطًا) 4، خيفة إنكارها لا أن ذلك شرطًا في صحة العقد، فإن لم يشهد واعترفت فالنكاح ثابت.
فصل [4 - المرأة تأذن لأوليائها تزويجها من عينته أو ممن شاؤوا]:
وللمرأة أن تأذن لجماعة أوليائها أن يزوجوها من واحد بعينه أو ممن شاؤوا 5 من يؤديهم الاجتهاد إليه أو من واحد غير معين من جملة جماعة بأعيانهم، ولكل واحد أن ينكح على انفراده من غير انتظار للآخر، فإن زوجها أحدهم 6 ثم علم الباقون ولم يكن فيهم من عقد لها على زوج فهي زوج 7 لمن زوجها الولي، وليس للباقين أن يعقدوا وإن لم يعلم الباقون حتى عقده واحد منهم نظر: فإن عرف أنه قد عقد عليها اثنان أو ثلاثة قبل الدخول بها نظر أيها سبق 8،
فإن عرف كان هو الزوج وبطل عقود الباقين، فإن أشكل ذلك فسخت العقود كلها وعقد لها عقد مستأنف على من شاءت منهم أو من غيرهم، وإن لم يعلم ذلك حتى دخل بها واحدا منهم ثبت العقد له وبطلت عقود الباقين كان الأول أو الآخر، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إنها تكون للأول دخل الثاني أو لم يدخل بها 1؛ لأنه إجماع الصحابة، وروي ذلك عن عمر والحسن بن عليّ ومعاوية 2، وقيل: إنه مروي عن عليّ 3 رضوان الله عليهم، ولا مخالف لهم، ولأن المرأة لما كانت مضطرة إلى إذن أوليائها في العقد عليها من حيث كانت لا يجوز لها أن تلي العقد على نفسها وثبت أنه لا يلزم أحدهم التوقف 4 عن العقد حتى ينظر هل عقد غيره أم لا؟ فكل واحد يعقد على من لا يتحقق أنه لا زوج لها بالشك في ذلك، ويجوز أن يكون لها زوج، وكذلك المتزوج يقدم على من يجوز أن تكون زوجة لغيره مع وجود زوجة لغيره مع وجود الإمارة المؤذنة بذلك وهو الإذن للولي الآخر في النكاح وإمكان أن يكون قد سبق منه عقد لغيره، والأصول مبنية على منع العقد على من يشك في أن لها زوجًا مع وجود الإمارة المجوزة لذلك، فلولا أن هذا النكاح يثبت له حكم وإلا لم يجز أن يباح للولي إيقاعه ولا للمتزوج استباحته ألا ترى أن نكاح المعتدة والمحرمة لما لم يكن له وجه يثبت معه لم يجز الإقدام عليه، وإذا ثبت ذلك لم يبق إلا ترجيحه بالوطء لأن أحدًا لم يرجحه بغيره.
فصل [5 - في ولاية الفاسق]:
تكره ولاية الفاسق إذا وجد ولي عدل فإن عقد جاز 5 خلافًا للشافعي 6
لأن الغرض من الولي الحظ للمزوجة 1، وإيقاعها مع كفؤ والفاسق لا ينافي ذلك بل ربما أثر في زيادة الاحتياط والأنفة من العار، ولأنه عصبة حر مسلم يصح أن يعقد على نفسه، فجاز أن يعقد على وليته كالعدل.
فصل [6 - في منع كون المسلم وليًّا للنصرانية]:
لا يكون المسلم وليًّا للنصرانية 2 لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 3، ولأن الكفر نقص أبلغ من الرق لأن نقص الرق أصله الكفر، وإذا ثبت ذلك ولم تكن للعبد ولاية نكاح كان الكافر بذلك أولى، وللسيد المسلم أن يعقد على أمته الكافرة بالرق لا بالولاية كما يعقد عليها عقد الإجارة.
فصل [7 - في كون الرق ينافي ولاية النكاح]:
الرق ينافي ولاية النكاح 4 لأن العبد ناقص نقصًا أوجبه الكفر على ما بيناه، ولأن كل نقص منع وجوب صلاة الجمعة وتقلد الحكم منع ولاية عقد النكاح الأنوثية، ولا يكون العبد وليًّا على ابنته ولا غيرها، وحكم المكاتب والمدبر والمعتق بعضه أو إلى أجل حكم العبد القن في ذلك.
فصل [8 - العبد لا يتزوج إلا بإذن سيده]:
وليس له أن يتزوج إلا بإذن سيده وكذلك الأمة 5 لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر" 6، وهذا أبلغ شيء في
الحظر، ولأن تصرفهما مملوك عليهما للسيد، فلم يكن لهما إتلافه عليه، ولأن الأمة إذا كانت ممن يجوز للسيد وطئها فوطؤها حق له فليس لها منعه منه.
فصل [9 - في إجبار السيد العبد والأمة على الزواج]:
وللسيد أن يجبرهما على عقد النكاح خلافًا للشافعي 1 في العبد لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 2، ولم يشترط رضاهم، ولأنه عقد على منفعة كالإجارة، ونقيس العبد على الأمة بعلة ثبوت الرق.
فصل [10 - في عدم إجبار السيد على إنكاح عبده]:
ولا يجبر السيد على إنكاح العبد إذا طلب ذلك خلافًا للشافعي 3، لأنه مملوك كالأمة، ولأن القصد منه اللذة كاللباس والطيب، ولأنه عيب فيه كالأمة.
فصل [11 - في إذن السيد بزواج العبد والأمة]:
إذا ثبت أنه لا يجوز لعبد ولا أمة أن يتزوجا بغير إذن سيدهما، فإن أذن سيدهما جاز لأنه مختار لترك حقه، فللعبد أن يلي نكاح نفسه لأنه من أهل العقود، وإذا وكل من يزوج الأمة جاز لأنها ليست من أهل العقد على نفسها لنقصها بالأنوثية كالحرة، بل الأمة أولى لأنها ناقصة بالأنوثية والرق 4.
فصل [12 - حكم العبد يتزوج بغير إذن سيده]:
فإن تزوجا بغير إذن السيد: فأما العبد فالأمر فيه للسيد، فإن أجاز نكاحه جاز وإن رده انفسخ، وقال أبو الفرج 5: القياس لا يصح بوجه وهو قول
الشافعي 1، ودليلنا أن العقد لا يمتنع وقوفه على الفسخ، وإنما يمتنع وقوفه على الإجازة كنكاح العنين والخصي 2 والحرة والعبد وغير ذلك، فكذلك نكاح العبد.
فإذا ثبت ذلك، فإن أجازه السيد جاز لأنه قطع حقه من الفسخ، وإن رده فسخ كما لو عقد على نفسه عقد إجارة، فإن كلم السيد فيه فقال: لا أجيزه، ثم قال: من بعد قد أجزته: فإنه على وجهين إن أراد بقوله أولًا لا أجيزه، وإني قد فسخته فقد بطل ولا يلتفت إلى قوله من بعد قد أجزته لأن ما تقدم بطلانه لا يصح، وإن كان قوله من بعد 3 لا أجيزه على طريق الإنكار والإرهاب، وقصد التروية والفكر كأنه يجيب بذلك من سأله أن يجيزه ثم قال من بعد قد أجزته، فإنه يصح، فإذا ثبت ذلك فإن فسخ قبل الدخول فلا شيء للزوجة لأن النكاح الفاسد إذا فسخ قبل الدخول لم تستحق فيه بدلًا، وإن كان قد دخل بها ترك لها من الصداق ربع دينار لأن الاستمتاع لا يعري من بدل وأقله ما يكون مهرًا وترجع السيد بما فيه لأنه حق له ولا حجة لها لأنها هي التي أتلفت بضعها، والعقد على من تصرفه مملوك عليه، فإن كانت موسرة أخذ منها، وإن كانت معسرة كان في ذمتها، وتتبع هي العبد إذا عتق به لأنه غرها، وإن كان بين لها فلا اتباع لها، وكذلك إن فسخه عند سيده أو سلطان، وفسخه إن فسخ بطلاق لأنه ليس بغالب إذا لو أجاره السيد لجاز المقام عليه، وإذا جاز عقده فليس له فسخه بعد إجازته ولا أن يطلق عليه لأن صحته قد ثبتت والطلاق إلى من يملك منافع البضع، وله إن طلق أن يرتجع وإن كره السيد لأن الرجعة من = له كتاب "الحاوي" في مذهب مالك و"اللمع" في أصول الفقه، (ت 331 هـ) (الديباج: 2/ 127، شجرة النور: 1/ 79).
حقوق النكاح، ويساوي في ذلك كله تزويجه بأمة سيده أو بأجنبية، وإن زوجه من أمته ثم باعها فهما على نكاحهما قبل الدخول أو بعده لأن بقاء ملك السيد عليهما ليس بشرط في بقاء العبد، وليس للمبتاع أن يفسخ العقد كما لم يكن ذلك للسيد الأول ولكنه عيب إن رضي به، وإلا رده هذا الكلام في العبد 1. فصل [13 - في تزوج الأمة بغير إذن سيدها]: فأما الأمة إذا تزوجت بغير إذن سيدها، فإنه على وجهين: إن باشرت العقد بنفسها 2، فالنكاح فاسد لا يصح ولا يلتفت إلى إجازة السيد لأن فساده في العقد لحق الله تعالى، فإن ردت أمرها إلى من يعقد عليها من الرجال ففيها روايتان: إحداهما أنه كعقدها على نفسها لأن غير السيد لا يزوج به السيد لأن السيد يزوج بالملك وغيره يعقد بالولاية، وذلك لا يوجد مع الملك، والأخرى أنه يجوز بإجازة السيد ويبطل برده لأن السيد لو أذن لهذا العاقد لجاز العقد كما لو أذن للعبد أن يعقد على نفسه لصح، فكان وقوعه من غير إذنه موقوفًا على إجازته ورده 3. فصل [14 - في عدد ما ينكحه العبد]: للعبد أن ينكح أربعًا 4 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5، لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 6 فعم، ولأن كل عدد جاز للحر أن
يجمع بينه جاز للعبد كالاثنتين، ولأن من جاز له أن ينكح جاز أن ينكح أربعًا كالحر، ولأن النكاح طريقة الملاذ والشهوات، فكان العبد مساويًا فيه للحر كالأكل واللباس والطيب.
باب: [الإشهاد على عقد النكاح]
يصح عقد النكاح من غير إشهاد 1 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2؛ لأنه عقد من العقود فأشبه سائرها، ولأنه معنى يقصد به التوثق، فلم يكن شرطًا في انعقاد النكاح كالرهن والكفالة، ولأن كل من لم يحتج إلى حضوره في إيجاب أو قبول لم يكن حضوره شرطًا في عقد النكاح أصله الزوجة.
فصل [1 - في أن الشهادة شرط في الكمال]:
إذا ثبت أنه ليس بشرط في الصحة، فإنه شرط في الكمال والفضيلة لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" 3، وقد ثبت أنه لم يرد بذلك الصحة فلم يبق إلا نفي الكمال والفضيلة، ولأن الإعلان والإشهاد مستحبان في عقد النكاح فالإشهاد أولى، ولأن ذلك إجماع الصحابة 4 أعني أن للشهادة تأثيرًا فيه.
فصل [2 - في إعلان النكاح]:
يستحب الإعلان في النكاح والإشادة به ونشره 5 لقوله صلى الله عليه وسلم: "أعلنوا بالنكاح واضربوا عليه بالغربال" 6، وروي: "أظهروا
النكاح" 1، ولنهيه عن نكاح السر 2، ولأن في إظهاره حفظًا للأنساب واحتياطًا من جحدها لأن الزوج قد ينكر النكاح وتكون المرأة حاملًا، فلا يكون لها سبيل إلى إثباته فيؤدي إلى إضاعة النسب، فإذا كان هناك إشهاد وإعلان لم يمكنه ذلك.
فصل [3 - التواصي بكتمان النكاح]:
وإذا تواصى بكتمان النكاح بطل العقد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3، لقوله صلى الله عليه وسلم: "اعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال" 4، والتواصي بكتمانه ضد لذلك، وروى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح السر 5، ولأن التواصي بالكتمان من صفة الزنا، ففي إباحة عقد النكاح معه ذريعة إلى إضاعة الأنساب.
فصل [4 - إذا دعت المرأة إلى أن تزوج من كفؤ]:
إذا دعت المرأة إلى أن تزوج من كفؤ فليس لوليها الامتناع 6، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ 7، ولأن ذلك حق للنساء على الأولياء، كما أن منعهن من غير الكفاءة حق عليهن للأولياء، فإذا لم يكن ذلك لهن لأجل حق الأولياء فكذلك ليس للأولياء الامتناع من حقوقهن في إجابتهن إلى الأكفاء.
فصل [5 - امتناع الولي في تزويج المرأة من كفؤ]:
فإن امتنع الولي زوجها الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" 1، فجعلها مع اختلافهم في حكم من لا ولي له للحوق الضرر بها مع امتناعه، ولأن ذلك حق للولي ما لم يختر إبطاله فإذا اختار تركه انتقلت 2 الولاية إلى الإمام.
فصل [6 - الكفاءة]:
والكفاءة المعتبرة هي الدين دون النسب 3 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4 في اعتبارهما للنسب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 5، فبين أن المساواة شاملة وأن المفاضلة عند الله هي بالدين والتقوى، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا آتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" 6، فاعتبر الدين والأمانة دون النسب، وقوله صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها فعليك بذات الدين تربت يداك" 7 فأخبر عن أغراض النكاح فأمر بذات الدين وجعله العمدة، وقد علمنا أنه لا يأمرنا بغير الكفاءة.
فصل [7 - إذا رضيت بغير كفؤ وأباه الأولياء]:
فإن رضيت بغير كفؤ وأباه الأولياء لم يكن لها أن تنكح إلا برضاهم 1، لأن ذلك حق لهم إذا كان وضعها نفسها في غير كفؤ يلحق العار بهم ولهم دفع العار عن أنفسهم، ولأن أصل الولاية إنما وضعت لهذا المعنى، وهو أن النساء لشهوتهن النكاح وشدة ميلهن إليه يضعن أنفسهن في الكفؤ وغير الكفؤ، فمنعهن من تولي العقد بأنفسهن، وجعل أمرهن إلى الأولياء في الحديث: "إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فأنكحوه" 2، فدل على أنه لا يلزمهم مع عدمه.
فصل [8 - إذا رضيت الزواج بغير كفؤ والأولياء كذلك]:
وإن رضيت هي والأولياء بغير كفؤ جاز 3 خلافًا لمن حكي عنه أنه لا يجوز 4؛ لأن الحق في ذلك لا يخرج عن المرأة والأولياء، فإذا حصل الرضا بتركه من جميعهم جاز لأن أحدًا لا يعترض عليه في ترك حقه ما لم يتعلق بذلك إسقاط حق 5 غيره.
فصل [9 - إذا رضيت الزواج بعبد]:
فإن رضيت الزواج بعبد جاز عند ابن القاسم، ولم يجز عند المغيرة وسحنون 6، وهذا هو الصحيح، لأن الحرية من الكفاءة والعار يدخل على الأولياء بوضع وليتهم نفسها تحت عبد، فكان لهم منعها.
فصل [10 - التوكيل في عقد النكاح]: التوكيل في عقد النكاح جائز 1، لأنه عقد معاوضة، فجاز التوكيل فيه كسائر عقود المعاوضات، فإن سمي له امرأة بعينها وسمي صداقها جاز كتوكيله إياه على شراء سلعة بعينها بثمن معلوم فيجوز، وإن أطلق الوكالة جاز إذا زوجه من يشبه أن تكون من نسائه ولا يلزمه من لا تشبه أن تكون من نسائه لأن إطلاق الوكالة يقتضي نساء المثل كما يقتضي في البيع ثمن المثل 2. فصل [11 - إذن المرأة لوليها بعقد زواجها]: يجوز للمرأة أن تأذن لوليها في أن يزوجها، وله أن يخطب عليها، وإذا حضر كفؤ لها فهل يجوز له أن يزوجها منه قبل إعلامها بعينه أم لا ففيها روايتان 3: إحداهما: أن ذلك له لأن تفويضها إليه رضا باجتهاده، فقام بذلك مقام التعيين، والأخرى أن ذلك ليس له لاختلاف أغراض النساء في أعيان الرجال، وإن تساووا في الكفاءة، وعلى الروايتين معًا ليس له أن يزوجها من نفسه إلا من بعد أن يعلمها فتأذن له لأنه يتهم في تقديم حظه ومحاباة نفسه، ولأنها لو أرادت ذلك لذكرته له أو أشعرته به بخلاف الغير، لأن ذلك لا ينحصر فكان إمساكها عنه دلالة على أنها غير راضية به وعمن عداه غير دال على ذلك.
باب: [الصداق]
1
لا يجوز نكاح بغير صداق 2 لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 3، وقوله: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (4)، وقال صلى الله عليه وسلم للذي خطب المرأة: "هل معك ما تستحلها به" 4.
فصل [1 - لا حد لأكثر الصداق]:
لا حد لأكثر الصداق إجماعًا 5، وأقله محدود عندنا خلافًا للشافعي 6 في قوله: لا حد له، لأنه عضو محرم تناوله لحق الله تعالى لا يستباح إلا بمال فوجب أن يكون ذلك المال مقدرًا 7 أصله قطع اليد في السرقة، ولأن المهر في النكاح حق الله تعالى، بدليل أنهما لو تراضيا على إسقاطه لم يجز، وحقوق الله تعالى في الأموال مقدرة كالزكاة والكفارات.
فصل [2 - أقل الصداق]:
إذا ثبت أنه مقدر فتقديره بربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق وما
يساوي أحدهما 1، خلافًا لأبي حنيفة في تقديره بعشرة دراهم 2، لأن كلا منا بناه 3 على ما يجب فيه القطع وقد ثبت عندنا بما نبينه في كتاب القطع 4 أن أقل ما يقطع فيه اليد ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق، فيجب كون ذلك أقل المهور.
فصل [3 - إذا كان الصداق منفعة]:
يستحب 5 أن يكون الصداق أعيانًا متملكه ويكره أن يكون منفعه من المنافع التي تتملك بالإجارة للاختلاف في جوازه، وإن عقد به جاز 6 خلافًا لمن منعه 7 لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 8، ولأنه أحد نوعي الأعواض في المبيعات، فجاز عقد النكاح به كالأعيان لأن المنافع في معنى المال.
فصل [4 - فيما لا يجوز أن يكون مهرًا]:
لا يجوز أن يكون المهر محرمًا لا يصلح 9 أن يملك كالخمر والخنزير، ولا غررًا كالعبد الآبق والجمل الشارد والجنين في بطن أمه والثمرة التي لم يبد صلاحها على التبقية وما أشبه ذلك، ولا خلاف في منع ابتداء العقد به، فإن وقع ففيه روايتان: إحداهما فساد العقد وفسخه قبل الدخول وبعده، والأخرى
أن يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويجب صداق المثل 1، وعند أبي حنيفة والشافعي 2: أن العقد صحيح لا يفسد بفساد المهر، ويجب فيه صداق المثل ولا يفسخ، فإذا قلنا: أن العقد فاسد فوجهه قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 3، فعلق الإحلال بشرط الابتغاء بالمال: والخمر والخنزير ليسا بمال لنا 4، ولأنه عقد معاوضة فوجب أن يفسد بفساد العوض كالبيع، ولأن المقصود به إذا كان فاسدًا وجب فساد العقد أصله نكاح الشغار.
ووجه التصحيح 5: أن عقد النكاح مفارق لعقد البيع في موضعه لأن سائر عقود المعاوضات العوض مقصود منها لأن طريقها المغابنة والمكايسة، وليس كذلك النكاح لأنه مبني على المواصلة والمكارمة دون العوض، ألا ترى أنهما إذا عقدا من غير تسمية صداق، فإن العقد جائز ولو سكتا عن ذكر العوض في البيع والإجارة لم يصح العقد، ويفارق نكاح الشغار لأنه يفسد لكون المقصود به بخلاف مسألتنا.
فصل [5 - في تأويل قول مالك إنه يفسخ قبل الدخول]:
إذا ثبت ما ذكرناه فقد اختلف أصحابنا في تأويل قول مالك إنه يفسخ قبل الدخول: فمنهم من حمله على الإيجاب تغليظًا وعقوبة لهما لئلا يعودا إلى مثل ذلك، ومنهم من حمله على الاستحباب احتياطًا وخروجًا من الخلاف، فإن وقع الدخول لم يفسخ لأن الصداق قد وجب فلا يؤخذ المعنى الذي لأجله يفسخ قبل الدخول.
فصل [6 - فيمن تزوج امرأة على درهمين]:
إذا تزوجها على درهمين، فاختلف أصحابنا 1: فعند ابن القاسم لا يفسخ النكاح ويجبر على أن يكمِّل الثلاثة دراهم ويمضي أو يفسخ إن لم يرضى، وعند غيره يفسخ وإن أكمل 2 المهر.
فوجه قول ابن القاسم: إن المهر ليس بفاسد في عينه، وإنما منع العقد لقصور عن المقدار المعتبر فيه، ففارق الخمر والخنزير، ووجه الفسخ أنه عقد بما لا يستباح البضع 3 به كالخمر والخنزير.
فصل [7 - استحباب دفع شيء من الصداق قبل الدخول]:
يستحب لمن يتزوج أن يدفع شيئًا من الصداق قبل الدخول 4، وأقله ربع دينار لأنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك لما زوج فاطمة من عليّ - رضي الله عنهما - 5، ولأن العوض في النكاح متأكد من الأعواض في سائر العقود لحرمة البضع، ولأن التراضي بإسقاطه غير جائز فوجب تأكيده عليها في التسليم، وإن لم يفعل جاز لأن تأخير القبض لا يخرجه عن الوجوب.
وإنما استحببنا أن يكون أقل ما يقدم أقل ما يستباح به الفرج ليكون في معنى من يقدم على فرج قد ملك استباحته ملكًا منبرمًا لأنه لو اقتصر في المهر على ذلك القدر لجاز.
فصل [8 - فسخ النكاح قبل الدخول]:
كل فسخ يكون قبل الدخول تنفرد به المرأة فلا صداق لها معه، من ذلك الأمة
تعتق تحت العبد قبل الدخول فتختار نفسها، وكذلك لو ارتدت أو كانت أمة فباعها سيدها من زوجها أو لاعنها فالتعنت، ويفارق ذلك أن تختار نفسها بتمليكه أو تخييره فيجب لها نصف الصداق لأن الزوج هو السبب في الفسخ بتمليكه إياها 1 الفرقة، وكذلك لو أعسر بالصداق قبل الدخول أو جن فطلق عليه فلها نصف الصداق لأن ذلك من جهته، فكان كمن خيَّرها 2.
والأصل في هذا الباب أن المرأة تملك الصداق بالعقد والتسمية ملكًا غير مستقر، وإنما يستقر بالموت أو بالدخول خلافًا للشافعي 3، ولذلك 4 قلنا: إنه لو نمى في يدها أو نقص ثم طلقها كان النماء بينهما والنقصان عليهما، ولو تزوجها على شيء بعينه فتلف في يديه أو في يدها ثم طلقها قبل الدخول بها فلا شيء له عليها إذا كان تلفه بغير صنعها، ودليلنا أنه لو كان ملكها قد استقر عليه لم يجز أن يبطل بعد استقراره ولا أن يطرأ عليه ما يبطله كما لو دخل، وقد ثبت أنها لو ارتدت أو اختارت نفسها بالعتق قبل الدخول لمن تستحق شيئًا، أصله 5 لو طلقت قبل الدخول لملكت النصف دون الجميع، فدل ذلك على أن ملكها له غير مستقر، وأنه يستقر بالدخول أو الموت.
فصل [9 - إذا اشترت بالصداق شيئًا من مصلحتها ثم طلقت قبل الدخول]:
إذا قبضت الصداق فاشترت به شيئًا من مصلحتها أو مصلحة زوجها مما جرى العرف في موضعهما بأن تتجهز المرأة به لزوجها ثم طلقت قبل الدخول، فله نصف ما ابتاعته ولا يلزمها أن تغرم له نصفه عينًا، فلو طالبها بنصف ما ابتاعته
فأرادت هي أن تتمسك به وتعطيه مثل نصف ما أعطاها عينًا لم يكن لها ذلك إلا برضاه، فإن كان الذي اشترته به شيئًا تختص هي بمنفعته، فإن عليها أن تغرم له نصف العين الذي أخذت منه 1، وعند أبي حنيفة والشافعي يلزمها أن تغرم له نصف العين الذي أخذت منه على كل وجه 2، ودليلنا أن العرف إذا كان جاريًا بأن المرأة تتجهز 3 للرجل، وأنه يلتمس ذلك وعليه مضت عادة أهل بلدهم وجب متى فعلته أن يكون عليها نصاب ما اشترته، لأنه على ذلك دخل فكأنها قد فعلته بأمره لأنه قد علم أنها تصرفه فيه، فإذا كان العرف جاريًا بذلك صار كأنه صرح فقال: قد أذنت لك أن تشتري بصداقك جهازًا، فإذا طلقها قبل الدخول لم يكن له إلا نصف ما اشترته به.
ودليلنا على وجوب ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ 4، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ صداق فاطمة - رضي الله عنها - فصرفه في جهازها من طيب وفراش ووسادتين على ما روي في الخبر 5 وفعله على الوجوب، ولأن عليًّا - رضي الله عنه - حكم بذلك في قضية ارتفع 6 إليه فيها: قضى على الأب بوجوب تجهيز ابنته، وقال للزوج لما طلق وطلب نصف ما دفعه وقال: أعطيت 7 دراهم وآخذ صوفًا وخرقًا فقال: أنت أضعت مالك 8، ولم يخالف عليه أحد، فأما إذا صرفته في شيء تختص به مثل شراء عقار للتجارة 9
أو تجارة أو غير ذلك فإنها تغرم 1 نصفه عينًا؛ لأنها انفردت بمنفعته دونه لأنه لم يدخل على ذلك، فكان كما لو قضت 2 به دينًا.
فصل [10 - في صداق المثل]:
صداق المثل: يراعى فيه حالها في جمالها ويسارها وأبوتها وأقرانها ممن يشبهها من عشيرتها وجيرانها كان من عصبتها أو من غير عصبتها 3 خلافًا للشافعي في مراعاته العصبة 4؛ لأن صداق المثل يختلف ويقل ويكثر باختلاف ما ذكرناه في النساء من الجمال والمال والشرف، يدل عليه أن الإنسان يرغب في جمال المرأة فيبذل من الصداق أكثر مما يبذله للتي هي دونها في الجمال، وكذلك في 5 التي لها مال لارتفاقه بمالها وانتفاعه به، فيبذل لها أكثر مما يبذل للفقيرة، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون هذا هو المعتبر دون نساء العصبات، فإن لم يسلموا دللنا عليه 6 بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها فعليك بذات الدين تربت يداك" 7، فأخبر أن الغرض الذي يقصد من المرأة وعليه يبذل الصداق هو هذه الأشياء، فدل على أن الاعتبار بها دون غيرها، ولأن نساء العصبة قد تختلف أحوالهن وحالها فيختلف الصداق باختلاف ذلك بحسب قلة الرغبة وكثرتها، فكان الاعتبار به دون ما لا يؤثر فيه.
فصل [11 - إذا رضيت المرأة بأقل من صداق المثل]:
إذا رضيت المرأة بأقل من صداق مثلها وهي ثيب لا حجر عليها جاز، ولم