كتاب اللقطة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2
الأصل في اللقطة 3 قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عنها: "اعرف عفاصها ووكاءها 4 ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها" 5، والشيء الملتقط على ضربين: منها ما له خطر وبال يمكن تعريفه فينبغي لملتقطه أن يأخذه ويعتقد بأخذه حفظه على صاحبه، وإنما استحببنا له ذلك لأن الإنسان مندوب إلى فعل الخير والبر وهذا منه، ولأنها قد تحصل مع من ربما لا يؤدي الأمانة فيها فيتلف على صاحبها ويأثم آخذها، فإذا علم ملتقطها من نفسه حفظها كان مندوبا إلى ذلك، والضرب الآخر ما لا خطر له ولا بال ولا يمكن تعريفه كالكسر من الدرهم والشيء من المأكول وما أشبه ذلك فهذا لا فائدة في أخذه فإن أخذه جاز.
فصل [1 - في جملة أحكام اللقطة]:
تعرف اللقطة سنة عند الموضع الذي أصابها فيه وفي أقرب المواضع إليه وعند مجتمع الناس بالقرب من ذلك الموضع، فإن جاء من يدعيها بعلامتها من العفاص والوكاء أو بزيادة على ذلك من ذكر ما فيها من ورق أو ذهب أو وزنه1
وما يغلب معه على الظن صدقة في دعواه دفعت إليه بغير بينة، وإن مضت السنة ولم يأت لها طالب فهو بالخيار بين أن يتركها وتكون في يده أمانة لا شيء عليه في تلفها وبين أن يتصدق بها بشرط الضمان، فإن جاء صاحبها فأجاز التصدق بها وإلا غرمها له، وبين أن يتملكها فتكون دينا في ذمته يدفعها إلى صاحبها ويكره 1 له تملكها وإذا رد اللقطة إلى موضعها بعد أخذها فإن كان أخذها بنية الالتقاط وحفظها على صاحبها ضمنها إن ردها، فإن لم يأخذها بنية الالتقاط بل ليتبينها مترويا بين أخذها وتركها فلا ضمان عليه.
وضالة الإبل لا ينبغي لواجدها أن يتعرض لها وليتركها، فأما ضالة الغنم فإن وجدها في مدينة فهي كسائر اللقطة، وإن وجدها في صحراء: فإن كان بقرب موضعها قرية أو موضع يضمها إليه فعل ذلك، وإن كان مفازة ولا قرية بقربها ولا موضع يحفظ فيه ويخاف عليها إن تركت الذئب فإن شاء تركها، وإن شاء أكلها ولا ضمان عليه في ظاهر الروايتين، ومن وجد طعامًا يفسد بتركه فإن شاء تصدق به أو أكله وضمنه إن كان في العمران ولا يضرب له أجل 2.
فصل [2 - في دليل تعريف اللقطة سنة]:
وإنما قلنا إنها تعرف سنه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: للذي سأله عن اللقطة: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة" 3، ولأنه لما احتيج في تعريفها إلى أمد ومهلة ليعثر على مالكها وأمكن أن يكون صاحبها حاضرا لها 4 أو غائبًا أو ممن يتعذر عليه الحضور إلا بعد مدة وجب أن يزاد في المهلة وأن يوسع في المدة ليحصل الغرض الملتمس، وإذا ثبت ذلك ولم يكن بعض المدة بأولى من بعض كانت السنة أولى ما ضربت حد لأنها قد جعلت حدا في غير موضع مما يختبر حاله مثل العنة، وعهدة الأدواء الثلاثة، ووجوب الزكاة، وغير ذلك.
وإنما قلنا إنه يعرفها في المواضع التي ذكرناها لأن الغرض بالتعريف في التوصل إلى علم صاحبها بموضعها كما يجب أن يكون ذلك في المواضع التي يغلب على الظن الوصول إلى ذلك معها، وفي حديث عمر بن الخطاب 1 رضي الله عنه أنه قال: لمن ذكر له أنه وجد بطريق الشام سورة فيها ثمانون دينارًا: عرفها على أبواب المسجد واذكرها لمن يقدم من الشام 2. فصل [3 - في دفع اللقطة لمن عرف عفاصها ووكاءها]: وإنما قلنا إنها تدفع لمن يعرف عفاصها ووكاءها ولا يكلف على ذلك ببينة 3، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه 5، وروي "باغيها" 6، وروي "فإن جاء أحد يخبرك بعدتها" 7، ففي هذا دليلان: أحدهما أمره - صلى الله عليه وسلم - بدفعها إلى مدعيها يدفعها إلى من عرف العفاص والوكاء من غير مطالبة ببينة، والآخر قوله: "اعلم عفاصها ووكاءها" ولا فائدة في ذلك إلا دفعها إلى من عرف ذلك منها لأن الضرورة قد 8 تدعو إلى ذلك وإلا أدى إلى أن لا يصل أحد إلى ما يضيع من ماله لأنه لا يمكنه الإشهاد على ضياعه والبينات مترتبة في الأصول على حسب الأشياء المشهود فيها، فيجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها.
فصل [4 - في كونه مخيرا بعد مضي السنة بين تملكها والتصدق بها أو تركها]:
وإنما قلنا إن السنة إذا مضت ولم يأت لها طالب: كان ملتقطها مخيرا بين تملكها والتصدق بها أو تركها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن لم يجيء 1 صاحبها فشأنك بها" 2 وهذا لفظ إباحة وإطلاق، فإنشاء تصدق بها لأنه 3 ليس عليه حفظها بعد السنة لما في ذلك من المشقة والكلفة ويكون عليه الضمان لأنه فعل ذلك على وجه التخفيف عن نفسه يتكلف حفظها وليس له أن يتلف مال غيره إذنه إلا بشرط الضمان للضرورة الداعية إليه، وإن 4 شاء تركها أمانة في يده كالوديعة لا شيء عليه في تلفها لأنه قبضها لمنفعة ربها خالصًا لا نفع له فيها فكان تلفها من ربها، وإن شاء استسلفها فكانت دينا في ذمته لأن الذمة قد تكون أحرز لها من اليد، ويكره ذلك عندنا لجواز أن يعسر عند مجيء صاحبها فيتعذر عليه ردها.
وإنما قلنا ردها إلى موضعها بعد أخذها إلى ما ذكرناه لأنه إذا أخذها بنية حفظها فقد تعلق حفظها عليه ولزمه ذلك، فردها بعد أخذها تعد إضاعة لما قد لزمه حفظه وذلك غير جائز، وإذا أخذها لا على هذا الوجه لم يتعلق عليه حفظها ولا لزمه إمساكها فلم يتعد بردها.
وإنما قلنا إن ضالة الإبل لا يأخذها واجدها لقوله - صلى الله عليه وسلم - جوابًا لمن سأله عنها "ما لك ولها معها سقاؤها وحذاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها" 5 وقال عمر رضي الله عنه لثابت بن الضحاك 6 ووجد بعيرا فعرفه
ثم قال: قد شغلني عن ضيعتي فقال عمر: أرسله حيث وجدته 1، وإنما قلنا إنه في ضالة الغنم أنه يأخذها لقوله - صلى الله عليه وسلم - "هي لك أو لأخيك أو للذئب" 2 والفرق بينهما وبين ضالة الإبل أن الإبل تحفظ نفسها من الوحش إن أرادها وتعيش بنفسها وتقدر على الشرب من الغدر 3 والأكل من الشجر فيبعد خوف الهلاك عليها وربما يجيء صاحبها فيجدها وليس كذلك ضالة الغنم لأنها لا تعيش بنفسها ولا تقدر 4 على الشرب من الغدر ولا تمتنع 5 من الوحش والحيوان المفترس وكان الغالب هلاكها حتى لم تؤخذ، وإنما قلنا إنه إذا وجدها إلى جنب قرية أو موضع يمكن ضمها إليه لم يجز له أخذها 6 لأنه يصل إلى حفظها على صاحبها من غير مشقة عليه فلم يجز إتلافها ولها قيمة في الموضع الذي وجدها به.
وإنما قلنا إنه إن وجدها في فلاة لا قرية بقربها فله أن يأكلها ولا غرم 7 عليه لربها خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 8، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" 9، وفي حديث آخر: "خذها هي لك أو لأخيك أو للذئب" 10 وهذا تنبيه على أنها في حكم المتلف، ولا قيمة في إتلافه، ولأنه أضافهما إلى = مات سنة خمس وأربعين قاله الفالس والصواب سنة أربع وستين (تقريب التهذيب ص 132).
واجدها كإضافتها إلى أنها للذئب فدل على أن إتلافها لا يستحق 1 به غرم، ولأن ما هذا سبيله لا قيمة له في موضعه ولا يمكن تعريفه فلا يخلو أن يمنع أخذها وذلك خلاف الاجتماع، وأن يلزم حفظها وسوقها إلى العمران وفي ذلك مشقة وكلفة مسقطتان عنه، أو أن يباح أكلها بشرط الضمان فما هذا سبيله إنما يكون بعد التعريف إذا كان مما يبقى فلم يبق إلا ما نقوله من إباحة الأكل بغير ضمان له.
وإنما قلنا في الطعام الذي لا يبطل إنه لا يعرف بأجل لأن تبقيته إلى الأجل إتلاف له على مالكه وواجده، وقلنا إن له أن يأكله لأنه إن لم يفعل ذلك تلف ويضمنه لأنه منتفع بملك غيره إلا أن يكون مما لا قيمة له والله أعلم 2.
...
(بسم الله الرحمن الرحيم) (1)