المعونة على مذهب عالم المدينةصفحات 1299-1338
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجراح

صفحات 1299-1338
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

2 الأصل في القصاص 3 قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى .. إلى قوله ... ولكم في القصاص حياة} 4 وقوله ﴿والجروح قصاص﴾ 5 وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "العمد قود كله إلا أن يعفو ولي المقتول 6 وقوله: "من قتل له قتيل فأهله بخير النظرين إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية" 7، فهذا ثبت ما ذكرناه فلا يجب القصاص إلا بأحد ثلاثة أوجه: إما ببينة، أو بإقرار، أو بقسامة، وبيان ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله 8. ...1

باب [- اشتراط تكافؤ الدماء في القصاص]

الاعتبار في وجوب القصاص تكافؤ 1 الدماء، فإذا قتل شخص شخصًا ودماؤهما متكافئة جاز أن يجري بينهما القصاص، وإن كان أحدهما ناقصًا عن الآخر كان القصاص للأعلى منهما على الأدنى ولم يكن 2 للأولى على الأعلى، والتكافؤ معتبر بالمساواة في الدين والحرمة الراجعة 3 إلى الحرية: فلا يقتل مسلم قصاصًا بكافر ولا ذمي ولا معاهد ولا كتابي ولا وثني كان المسلم 4 القاتل حرًّا أو عبدًا، ولا يقتل حر بعبد لا بعبد نفسه ولا بعبد غيره ولا بمدبر ولا بمكاتب ولا أم ولد ولا من فيه بقية رق، فإن قتل الكافر مسلما أو العبد حرًّا قتل به، ويقتل اليهودي بالنصراني والنصراني باليهودي، والكفر في ذلك ملة واحدة، ودماء بعضهم مكافئة لدم بعض.
وإذا قتل ذمي ذميًّا ثم أسلم القاتل لم يسقط عنه القود، وكذلك العبد إذا أعتق وقد قتل عبدًا، وإذا جرح الكافر مسلما أو قطع طرفه لم يقتص منه وكانت له الدية عليه، وقد قال 5: يجتهد السلطان في ذلك، ويحتمل على هذه الرواية القود، وإذا جرح العبد حرا أو قطع يده لم يستقد منه، ويحتمل على ما قدمناه أن يقاد منه وهو الصحيح.
ودم المرأة مكافيء لدم الرجل وإن تفاضلا في الديات، وجرحها مكافيء لجرحه فيقتص للرجل من المرأة وللمرأة من الرجل في النفس وما دونها من الأطراف

والجراح، ويقتل الرجل بالمرأة وبجماعة النساء وتقتل المرأة بالرجل وبجماعة الرجال، ولا يجب أخذ شيء من الدية ولا ردها.
ودماء العبيد متكافئة وتقتل منهم الجماعة بالواحد والواحد بالجماعة، والقصاص جار بين الأقارب كجريه بين الأجانب يقتص للأخ من أخيه، ولابن الأخ من عمه وللعم من ابن أخيه، وكذلك الأقرباء سوى الأب فإنه إن قتل ابنه حذفا 1 فادعى أنه أراد أدبه وأشبه أن يكون كما أدعاه فلا قود عليه وتلزمه الدية مغلظة في ماله، وأما إن أضجعه فذبحه أو شق جوفه أو فعل به فعلًا يعلم أنه عمد به قتله به فإن عليه القود له إذا تكافأت دماؤهما، ولو قال في الحرب أو ما يقبل معه ادعاؤه أراده غير العمد أني تعمدت به قتله قتل به، وحكم الأم والجد في ذلك بحكم الأب، وقال أشهب لا يقتل أب بابن وعليه الدية، ومن تعمد قتل امرأته أو جرحها اقتص لها منه 2. فصل [1 - في كون تكافؤ الدماء معتبر في القصاص]: وإنما قلنا إن تكافأ الدماء معتبرة في القصاص لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" 3، ولإجماعهم على منع قتل المسلم بالمعاهد والمستأمن، وللاتفاق على وجوب اعتبار ذلك 4

فصل [2 - في منع قتل المسلم بالكافر]: وإنما منعنا قتل المسلم بالكافر، خلافًا لأبي حنيفة 1، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" 2 فدل على أن دماء غيرهم لا تتكافأ، وقوله: "وهم يد على من سواهم" 3، وقوله: "لا يقتل مسلم 4 بكافر" 5 وهذا نص، ولأنه ناقص بالكفر كالحربي والمستأمن، وإنما قلنا لا يقتل حر بعبد، خلافًا لأبي حنيفة في قوله أنه يقتل بعبد غيره 6، ولداود في قوله إنه يقتل بعبد نفسه وعبد غيره 7، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقتل حر بعبد" 8، ولأنه ناقص بالرق، ودليله إذا كان مملوكًا لقاتله، ولأنه نوع من القصاص فلم يستحقه العبد على الحر كالأطراف.
وإنما سوينا بين العبد والمدبر والمكاتب وأم الولد لبقاء أحكام الرق فيهم، وذلك يمنع تساوي الحرم، ولأن أحكام الرق أغلب عليهم بدليل نقصان طلاقهم وحدودهم ومنعت شهادتهم فكذلك في نفي القصاص، وإنما قلنا إن الكافر يقتل بالمسلم والعبد بالحر لأن دم الأعلى يكافيء دم الناقص ويزيد عليه فإذا قتل الناقص 9 بالأعلى فلم يؤخذ منه زيادة على ما كان يلزمه به وإنما قلنا إن سائر

أنواع الكفار يقاد لبعضهم من بعض فلتساويهم في النفس بالكفر كأنواع العبيد في تساويهم في النقص بالرق 1. فصل [3 - في كون إسلام الذمي لا يسقط عنه القود]: وإنما قلنا إن إسلام الذمي لا يسقط عنه القود خلافًا للأوزاعي 2، وكذلك العبد إذا قتل عبدًا ثم أعتق القاتل لأنه حق لأدمي طريقه الحد كسائر الحقوق، ولأن الاعتبار بالحدود حال وجوبها لا حال استيفائها، ووجه القول بأن المسلم لا يقتص من الكافر والحر لا يقتص من العبد في الجراح أن العضو الذي يقطعه ليس بمكافيء لأعضاء المسلم والحر فكان كيد الأشل إنها لا تقطع بيد الصحيح، ووجه ثبوت القصاص اعتباره بالنفس.
وإنما قلنا إن الرجل والمرأة يجري القصاص بينهما لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ 3، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد ثلاثة أشياء 4: فذكر أو قتل نفس بغير نفس" 5، ولأنهما شخصان متساويان في الحرمة والدين كالرجلين والمرأتين.
فصل [4 - وجه عدم مساواة دية المرأة للرجل وثبوت القصاص بينهما في الأطراف وقتل الجماعة بالواحد وقتل الوالد بالولد]: وإنما قلنا إنه لا يزاد بينهما في الدية 6، خلافًا لقول من يقول إن الرجل إذا قتل المرأة رد أولياء المرأة نصف دية الرجل 7 لأنه شخص يجب له القصاص

على شخص فالتفاضل في الديات لا معتبر به كالجماعة بالواحد، وإنما قلنا إن القصاص جار بينهما في الأطراف وما دون النفس خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن يد الرجل لا تقطع بيد المرأة ولا يد المرأة بيد الرجل 1، لقوله تعالى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 2، ولأنه نوع من القصاص كالقتل، ولأن كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس فكذلك فيما دونه كالرجلين والمرأتين، وإنما قلنا إن الجماعة تقتل بالواحدة، خلافًا لداود في قوله لا قصاص في ذلك 3، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "العمد قود كله" 4، وقوله: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا" 5 فعم، ولأنه إجماع الصحابة وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قتل سبعة بواحد وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به 6، وعن علي أنه قتل ثلاثة بواحد 7، وعن ابن عباس أنه قال: تقتل مائة بواحد 8، ولا مخالف لهم، ولأن كل حد وجب للإنسان على غيره إذا انفرد بموجب فإنه يجب عليه إن شارك 9 فيه، أصله حد 10 القذف.
وإنما قلنا يقطع أطراف الجماعة بطرف الواحد إذا اشتركوا في قطعه خلافًا لأبي

حنيفة 1 , لأنها جناية 2 لو انفرد بها الواحد لزمه القصاص فإذا اشترك فيها الجماعة لزمهم القصاص كالقتل، وإنما قلنا إن القصاص جار 3 بين الأقارب فلأن القربى لا تمنع تكافأ الدماء، وهو العلم على وجوب القصاص، وإنما قلنا إن الأب إذا تعمد قتل ابنه قتل به لعموم الظواهر 4، ولأنهما شخصان متكافئان في الحرمة والدين فكان القصاص جار بينهما كالأجانب، وإنما قلنا إنه إذا ادعى أنه أراد أدبه ولم يرد قتله فإنه يقبل 5 منه إذا أشبه لأن العادة جارية بتبسط الآباء على الأبناء 6 وطلب تأديبهم وربما تبسطوا عليهم بالسيف على عادة العرب في شدة الحمية مع كونهم غير متهمين عليهم، فإذا جاء من ذلك قتل علم أنه ليس من سببهم، وفي حديث عمر في الذي دفع إليه وقد قتل ابنه فهمَّ بقتله فقيل له إنه لم يرد قتله وإنه كان من أعز الناس عليه وإنما أراد أدبه فقال: لو أعلم أراد قتله لقتلته به ثم ألزمه الدية 7، وأجرينا الجد مجرى الأب لحرمة الأبوة وانتفاء التهمة.
فصل [5 - في تغليظ الدية على قاتل ابنه وفي أن الزوج يقتل بزوجته]: إذا ثبت أنه لا قود عليه فعليه الدية مغلظة في ماله وصفة والتغليظ مذكورة في باب الديات، وإنما قلنا إن الزوج يقتل بزوجته لعموم الظواهر، والأخبار، ووجوب التكافؤ وانتفاء الشبهة كالأجانب.
...

باب [- في أنواع القتل، وطلب الدية من مستحق القتل]

القتل نوعان عمد وخطأ، وقد اختلف عنه في نوع ثالث وهو شبهة 1 العمد فعنه فيه روايتان: إحداهما إثباته، والأخرى نفيه 2، ووجه إثباته وهو قول أبي حنيفة والشافعي 3، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن قتيل العمد الخطأ قتيل السوط والعصى ففيه مائة من الإبل أربعون منها خلفة" 4 فأثبت شبه العمد، ولأن شبه العمد ما قد أخذ شبها من العمد وشبها من الخطأ فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، فشبهه بالعمد قصده إلى الضرب بما لا يقتل مثله غالبا وشبهه بالخطأ أنه لم يقصد القتل، فوجب أن يكون له حكم بين الحكمين، ووجه نفيه قوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ 5، وقوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ 6 فذكر الخطأ والعمد المحضين 7 ولم يذكر ثالثا, ولأن العمد معنى معقول وهو قصد الفاعل إلى الفعل والخطأ معنى معقول وهو ما يكون عن غير قصد، ووجه الفعل الواحد بالوصفين يمتنع فلم يجز إثباته.

اختلف عن مالك في مستحق القتل فعنه فيه روايتان 1: إحداهما أنه القود فقط ولا تجب الدية إلا بالتراضي، والأخرى أن المستحق بالتخيير بين القود والدية، والأول مذهب أبي حنيفة 2، والثانية مذهب الشافعي 3، فوجه الأولى قوله - صلى الله عليه وسلم - "العمد قود كله" 4، وقوله: "كتاب الله القصاص" 5، ولأنه معنى موجب للقتل فلم يستحق به التخيير بينه وبين المال أصله الزنا مع الإحصان.
ووجه الثانية قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية" 6، ولأنه قود سقط بالعفو فوجب أن تثبت الدية فيه أصله إذا عفى بعض الأولياء، ولأن للنفس بدلين القود والدية فلا يستحق على ولي الدم الاقتصار على أحدهما، كما لو قتل له عبد لكان مخيرًا إن شاء قتل له قاتله إذا كان ممن يقتل به، وإن شاء استرقه.
فصل [1 - الواجب في القتل الخطأ المحض وفي شبه العمد]: فأما الخطأ المحض فالواجب به الدية لا خلاف 7، والأصل فيه 8 قوله

تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 1 وأما شبه العمد إذا أثبتناه وهو قتل الأب لابنه على وجه الشبهة فالواجب به دية مغلظة ويأتي ذلك فيما بعد.
فصل [2 - في الآلة التي يقتل بها غالبا]: كل آلة يقتل بها غالبا فالقود واجب بها كالمحدد 2 والمثقل مثل: الرمح والسيف وسائر أنواع السلاح 3، والمثقل كالحجارة والصخر والخشب والسندان الحديد وما أشبه ذلك، وما يقتل فزعه كالنار والماء وكذلك صفات القتل من الذبح والشدخ 4 والخنق وإصابة المقتل 5 وشدة الضغط وإمساك النفس وعصر الأنثيين وغير ذلك مما يعلم أن عامده قصد به القتل، كل ذلك واجب به القود، والأصل في هذه الجملة قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ 6، وقوله ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ 7، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "العمد قود كله" 8، وقوله: "إن شاءوا قتلوا" 9، ولأنه لا خلاف في وجوب القود بقتل السيف 10، وكذلك سائر الآلات.

فصل [3 - القود من المثقل]: ويقاد من المثقل 1 خلافًا لأبي حنيفة 2، لما روي أن يهوديًّا رضخ رأس امرأة من الأنصار فأدركت وبها رمق فذكر لها اليهودي فأشارت أن نعم فاعترف فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فرضخ رأسه بين حجرين 3، ولأنها آلة يقصد بها القتل غالبا كالمحدد.
فصل [4 - حكم الصبيان والمجانين إذا قتلوا]: لا قود على الصبيان ولا على المجانين 4، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاث: فذكر الصبي حتى يحتلم 5، والمجنون حتى يفيق" 6، ولا خلاف في ذلك 7، وإن قتلوا خطأ على وجه يعلم ذلك منهم فالدية على عواقلهم، فأما إن تعمدوا فعمدهم عندنا خطأ 8، خلافا للشافعي في أحد قوليه إن عمدهم عمد 9، وفائدة ذلك القول بأن عمدهم عمد تجب الدية في أموالهم، فإذا قيل إن عمدهم 10 خطأ تجب على عواقلهم، ودليلنا أن عمدهم خطأ

قوله - صلى الله عليه وسلم - "رفع القلم عن ثلاث .... " 1، ولأن قصد الصبي لا حكم له فكان كخطأ البالغ.
فصل [5 - إذا اشترك في القتل من يجب عليه القود ومن لا قود عليه]: إذا اشترك في القتل من يجب عليه القود ومن لا قود عليه: كالعامد والمخطىء، والبالغ والصغير, والعاقل والمجنون: قتل من يلزمه القود وكان على الآخر بقسطه من الدية 2، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قود على العامد في ذلك 3، ودليلنا قوله: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا" 4، وقوله "العمد قود كله" 5، ولأنه قاتل عمد كالمنفرد 6، ولأن الاشتراك في القتل لا يغير الجنس الواجب في الانفراد أصله الاشتراك في العمد أو الخطأ.
فصل [6 - في ما يجب على من لا قود عليهم]: وإنما قلنا إن على الباقين نصف الدية اعتبارا بهم لو انفردوا.
فصل [7 - القود من الممسك والسكرن]: ومن أمسك رجلًا لغيره فقتله وهو يعلم أنه يريد قتله ظلما فعليهما القود 7، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهم لا قتل على الممسك 8 , لأنه أمسكه لمن

يعلم أنه قاتله ظلما بغير حق فأشبه إذا أمسكه على سبع حتى أكله أو على نار حتى احترق.
يقاد من السكران لأنه غير معذور بزوال عقله، ولأن لأحكامه أحكام الصاحي في وقوع طلاقه، ولزوم قضاء الصلاة له، وحده في الزنا والقذف فكذلك القود.
فصل [8 - فيمن أكره غيره على قتل رجل ظلما]: ومن أكره غيره على قتل رجل ظلما: فإن كان المأمور ممن يمكنه مخالفة الأمر ولا تلزمه طاعته قتل المأمور المباشر للقتل، وإن كان مكرها لا يمكنه مخالفته كالسلطان الذي يخاف من يخالفه أن يقتله أو 1 يجري عليه مكروه لمخالفته قتلا جميعا وكذلك العبد مع سيده 2 ودليلنا على وجوب قتل (المباشر أنه قاتل لغيره ظلما فوجب أن يقاد به [........] 3 أصله غير المكروه، ودليلنا على وجوب قتل) 4 المكره إذا كانت تلزمه طاعته إذا اضطره إلى قتل غيره ظلما وأنه ألجأ إلى قتله فوجب أن يتعلق الحكم بالقتل 5 كالشاهدين زورا بالقتل، ودليلنا على وجوب قتل المباشر إذا كان لا يمكنه المخالفة أنه قتله لاستبقاء نفسه 6 منه ظلما فأشبه إذا جاع فقتله وأكله، ودليلنا على أن الآمر إذا كان ممن لا يلزم المأمور طاعته ولا قود عليه أنه لم يكن منه إلجاؤه إلى قتله كالدال.
اختلف عنه في النساء هل لهن مدخل في الدم أو لا فعنه فيه روايتان 7:

إحداهما أن لهن مدخلا فيه كالرجال، والأخرى أنه لا مدخل لهن إذا لم يكن في درجتهن عصبة، فوجه الأولى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا وإن شاءو عفوا وأخذوا الدية" 1 فعم، وقوله "يحلف خمسون منكم" 2، ولأن القصاص لمستحق على استحقاق الميراث فوجب أن يثبت بتجميع الورثة كسائر الحقوق، واعتبارا بالرجال، ووجه الثانية أن ولاية الدم مستحقة بالنصرة ولسن من أهلها فلم يكن لهن مدخل في الولاية المستحقة وإذا قلنا أن لهن مدخلا في ذلك ففي أي شيء لهن مدخل روايتان: إحداهما في القود دون العفو لأن العفو إسقاط الحق وليس لهن ذلك، والأخرى في العفو دون القود 3. فصل [9 - في ولاية الدم إذا كان بعض العصبة أصاغر وبعضهم أكابر]: إذا كان بعض العصبة أصاغر وبعضهم أكابر فإن ولاية الدم للأكابر العقلاء إن شاءوا اقتصوا وإن شاءوا عفوا 4، خلافًا للشافعي 5 , لأنهما ولاية مستحقة بالتعصيب فلا مدخل للصغير والمجنون فيها، أصله ولاية النكاح، ولا يلزم عليه الغائب لأن الغيبة لا تقطع ولايته.
فصل [10 - في عدم القود والعقل إلا بعد اندمال الجرح]: لا يستقاد ممن جرح ولا يعقل إلا بعد اندماله خلافًا للشافعي في قوله 6: يستقاد 7 في الحال منه 8 لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن الجرح ليستفاد منه حتى

يندمل 1، ولأنه قد يؤول إلى النفس فيعاد القود ثانية وذلك خروج عن المماثلة، ولأن المقتص منه يموت قبل الجاني، وربما تلف وبرأ الجاني فيكون في ذلك تلفا 2 للقصاص وذلك غير جائز.
فصل [11 - حكم القاتل يلجأ إلى الحرم]: ومن قتل في الحرم أو الحل ثم يلجأ إلى الحرم قتل فيه ولم يؤخر إلى الحل 3، خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يقتل في الحرم إذا لجأ إليه ولكن يضجر ويلجأ إلى الخروج منه 4، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن شاءوا قتلوا" 5 ولم يفرق، ولأن كل موضع جاز استيفاء القصاص فيه إذا كانت الجناية فيه جاز استيفاؤه فيه وإن وجبت 6 في غيره كالحل، ولأنه قصاص لو وجد سببه في الحرم جاز استيفاؤه فيه فإذا وجد في الحل جاز استيفاؤه في الحرم كالأطراف.
فصل [12 - إذا جرح رجلا ثم قتله]: إذا جرح رجلا ثم قتله أو قتل غيره قتل ولم يجرح إلا أن يكون مثل به فإنه يفعل به مثل ما فعله ثم يقتل 7، وقال أبو حنيفة والشافعي يجرح ثم يقتل 8، ودليلنا أن ما دون النفس يدخل في النفس لأن القتل يأتي عليه لأن

الغرض بالقصاص: إما أن يكون التشفي أو إبطال العضو الذي أتلفه على المجروح وأي ذلك كان فحصوله بالقتل أبلغ، فأما إذا مثل به فإنه يمثل به ثم يقتل, لأن التمثيل مقصود بالقصاص منه ليقع الارتداع عن مثله فلا يدخل في القتل كما لم يدخل فيه الجرح الذي لم يقصد به التمثيل، كما يقول إن من وجب عليه جلد وقتل فإنه يقتل ولا يجلد إلا أن يكون الجلد وجب للفرية بالجلد حينئذ زوال المعرة عن المقذوف وذلك لا يكون إلا بجلد القاذف.
فصل [13 - في عدم ضمان السراية عن القصاص]: السراية عن القصاص غير مضمونة 1 خلافًا لأبي حنيفة 2 , لأنه قطع استحق عليه بسبب كان منه فلم يضمن كالقطع في السرقة.
فصل [14 - إذا جرح فترامى الجرح إلى زيادة عليه ثم اندمل]: إذا جرح فترامى الجرح إلى زيادة عليه ثم اندمل فإن كان عمدا اقتص منه لجرحه الأول ثم ينظر به فإن بلغ إلى حيث بلغ جرح المجنى عليه فقد استوفى حقه، وإن زاد عليه يضمن الزيادة، فإن نقص لم يقتص منه ثانية 3 ولكن يعقل له ما بينهما 4، وإنما قلنا لا يقتص منه فيما ترامى إليه لأن ذلك غير متعمد والقصاص لا يكون إلا في العمد، وإنما قلنا إن الزيادة هدر لما قدمناه من أنها زيادة على قود مستحق عليه، وإنما قلنا إن قصر عن جرح المجني عليه لم يقد منه ثانية لأنه 5 لا يستحق عليه قود فيما زاد على الجرح المباشر، وإنما قلنا

يعقل له ما بينهما لأنه نقص عن 1 جناية لا قود فيه فكان فيه الدية 2 كالخطأ.
فصل [15 - في أقسام الجراح]: وأول الجراح الدامية وهي التي تدمي الجلد، ثم الخارصة وهي التي تشقه، ثم السمحاق وهي التي تكشطه، ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم، ثم المتلاحمة وهي التي تقطع اللحم في عدة مواضع، ثم الملطاءة وهي التي يبقى بينها وبين انكشاف 3 العظم جلد رقيق، ثم الموضحة وكل ما ذكرناه قبلها 4، فإن كان عمدا ففيه القود لعموم الظواهر، ولأن القصاص ممكن فيه من غير خوف غالب على النفس، وإن كان خطأ ففيه الاجتهاد وليس فيه دية مسماة، فأما الموضحة التي توضح عن العظم فإن كانت في الرأس أو الوجه ففيها نصف عشر الدية، وإن كانت في سائر 5 الجسد ففيها حكومة وفي عمدها القود أين كانت، ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم ولا دية فيها، ثم المنقلة وهي التي تطير فراش العظم منها مع الدواء وفيها عشر ونصف عشر الدية إذا كانت في الوجه أو الرأس فإن كان في سائر الجسد فالاجتهاد، ثم المأمومة وهي التي تخرج إلى أم الدماغ وفيها ثلث الدية، وكذلك في الجائفة وهي التي تصل إلى الجوف 6.

فصل [16 - أقسام الجراح من حيث المماثلة]: الجراح على ضربين: ضرب يتأتى المماثلة فيه، وضرب لا يتأتى فيه، فما تتأتى فيه نوعان: منه ما لا يعظم الخطر والخوف منه على النفس غالبا فالقصاص فيه واجب وذلك كالدامية وما بعدها إلى الموضحة وقطع الأطراف ونزع العين وغير ذلك من الأعضاء 1، والأصل فيه قوله تعالى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ 3، ومنه ما يعظم الخطر فيه على النفس ويخاف التلف بالقصاص منه فهذا لا قصاص فيه لأن القصاص لو ثبت فيه لكان كالأخذ للنفس في مقابلة الجرح وذلك غير جائز، وقد اختلف في بعضها ونحن نبينه.
فصل [17 - فيما يجب في الأمومة والموضحة والجائفة]: أما المأمومة والموضحة والجائفة فلا أعلم خلافًا من قول مالك ألا 4 قود فيها، ويدل عليه حديث العباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال "ليس في المأمومة ولا الجائفة ولا المنقلة قود" 5 وهذا نص، ولأن الخطر فيها يعظم على النفس فيكون متى اقتصصنا منها قد أخذنا النفس بما دونها.

فصل [18 - فيما يجب في المنقلة]: وأما المنقلة ففيها روايتان 1: إحداهما وجوب القود، والأخرى سقوطه، 2 فوجه السقوط أن أمرها أخف من المأمومة لأن أكثر ما فيها رض العظم الذي كشفت عنه الموضحة وذلك لا يوجب التلف غالبًا، وذكر مالك عن ربيعة 3 أن ابن الزبير أقاد منها 4، ووجه نفي القود الخبر الذي رويناه واعتبارا بالمأمومة لعلة عظم الخطر فيها.
فصل [19 - في كسر الفخذ]: كسر الفخد لا قود فيه من المتالف، فأما غير الفخد ففيه روايتان 5، وكل ذلك مبني على إمكان المماثلة، فإن فاتت فيه ولم يعظم الخوف على النفس 6 يجب القصاص، وإن اشتد الخوف فلم يجب.
فصل [20 - سقوط القصاص فيما لا يتأتى فيه المماثلة]: فأما ما لا يتأتى فيه المماثلة فلا قصاص فيه, لأن معنى القصاص هو المماثلة فإذا عدمت خرج ما يفعله بالجاني عن أن يكون قصاها فلم يجب، وتعذر المماثلة يكون بثلاثة أوجه: أحدها بمعنى يعود إلى العقل كما يقول أصحابنا في الشلل وذهاب بعض ضوء العين والسمع وقطع ما يمنع بعض الكلام من اللسان

فهذا مما تتعذر المماثلة فيه في الظاهر، والثاني أن تتعذر المماثلة لفقد المحل مثل أن يقلع أعمى عين بصير أو يضرب أصم أذن سميع فيذهب سمعه وما أشبه ذلك، والثالث: تمنع لعارض المماثلة مع إمكانها قبل حصوله وهو أن يعفو بعض أولياء الجناية فيتعذر القود لأنه لا يمكن استيفاء حقه على الانفراد وهذا يتصور في القتل 1. ...

باب [- في أنواع الدية]

والدية 1 ثلاثة أنواع: إبل وذهب وفضة لا يؤخذ مما سوى ذلك من عروض ولا حيوان ولا غير ذلك، وموجبها ثلاثة أشياء: قتل خطأ وقتل عمد وقتل شبه العمد، وهي من الإبل مائة، ومن الذهب ألف دينار، ومن الورق اثني عشر ألف درهم، فأما دية الخطأ فهي خمسة أخماس خمس بنات مخاض، وخمس بنات لبون، وخمس بنو لبون، وخمس حقاق، وخمس جذاع، وأما دية العمد [فأرباع] * بنات مخاض، وبنات لبون، وحقاق، وجذاع.
وأما شبه العمد فقد بينا اختلاف قوله فيه، وأنه لا يثبت إلا في قتل الأب لابنه على وجه الشبهة دون العمد، ودية ذلك عنده وغيره من شبهة العمد إذا أثبته أثلاث: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة: وهي الحوامل، وإذا وجبت مغلظة فإن وجبت على أهل الذهب والورق ففيها روايتان: إحداهما أنها لا تغلظ ولا تؤخذ منهم زيادة على ما يؤخذ في دية الخطأ والعمد، والأخرى أنها تغلظ وفي كيفية تغليظها روايتان: إحدهما أنه يلزمه من الذهب أو الورق قيمة الإبل مغلظة ما بلغت ما لم ينقص عن ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، والأخرى أنه ينظر قدر ما بين دية الخطأ والتغليظ فيحصل جزاء زائدًا على دية الذهب والورق 2.

(وإنما قلنا إن الدية مائة من الإبل لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عمرو بن حزم وغيره: "أن في النفس مائة من الإبل" 1 ولا خلاف في ذلك 2) 3. فصل [1 - في قيمة دية النفس من الذهب]: وإنما قلنا إنها من الذهب ألف دينار، والكلام فيه في موضعين: أحدهما مع أبي حنيفة في قوله إنها من الورق عشرة آلاف درهم 4، والأخرى مع الشافعي في قوله إن على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل الذهب والورق قيمة المائة من الإبل بالغة ما بلغت من غير اعتبار بألف دينار ولا باثني عشر 5 ألف درهم 6. فدليلنا على أبي حنيفة حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قوم الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم 7، وقد روي ذلك مرفوعًا من طريق عمرو بن حزم على ما ذكره بعضهم 8، ولأنه تقويم للذهب والورق فيما طريقه الحد والاتلاف فوجب أن يكون كل دينار باثنى عشر درهما أصله القطع في السرقة.
ودليلنا على الشافعي أن عمر رضي الله عنه قوَّم الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم وذلك بحضرة المهاجرين والأنصار

وقد روي مرفوعًا، ولأنه نوع مال يجوز إخراجه في الدية فكان أصلًا بنفسه كالإبل، ولأن الدية معنى جعلته الإبل فيها أصلًا وكان الذهب والورق فيها أصلًا كالزكاة.
وإنما قلنا لا يؤخذ مما سوى هذه الأصناف خلافًا لأبي يوسف ومحمد في قولهما يؤخذ من أهل البقر مائتا بقرة، ومن أهل الغنم ألف شاة، ومن أهل الحلل 1 مائتا حلة يمانية 2، لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قضى في النفس بمائة من الإبل 3، وهذا يوجب بعين ما يخرج فيه، ولأن الصحابة قوَّمت الإبل بألف دينار واثني عشر ألف درهم فسلمناه للإجماع، ولم تقومه بغير هذين النوعين، ولأنه نوع من العروض فأشبه العبيد والعقار.
وإنما قلنا إن دية الخطأ 4 أخماسًا خلافًا لأبي حنيفة في تفسير 5 الأخماس وجعله مكان بني لبون بني مخاض 6، لما روي سليمان بن يسار 7

أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب في دية الخطأ أخماسًا: فذكر عشرين بني لبون 1، ولأنه أنقص من بنات مخاض كالفصلان.
وإنما قلنا إن دية العمد المحض أرباعا، خلافًا للشافعي في قوله أثلاثًا كالمغلظة 2، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي النفس مائة من الإبل" 3 وظاهره لا يفيد أقل ما يتناوله الاسم، ولأنه أحد نوعي القتل معتبر بنفسه لا بغيره فلم يجب في ديته الحوامل كالخطأ ولا يلزم عليه شبه العمد لأنه مشبه بغيره.
وإنما قلنا في دية التغليظ إنها ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة للخبر الذي روي في التغليظ 4، وكذلك في حديث عمر بن الخطاب: أنه أخذ الدية في قصة المدلجي الذي حذف ابنه مغلظة ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعون خلفة ودفعها إلى أخي المقتول 5. فصل [2 - في عدم تغليظ الدية على أهل الذهب والفضة]: ووجه قوله لا تغلظ على أهل الذهب والورق أن التغليظ ابتداء إثبات دية فلا يثبت إلا بسمع ولم يرد سمع إلا في الإبل، ولأن الصحابة لم تقوم دية التغليظ على أهل الذهب والورق وقومت دية العمد والخطأ، ولأن التغليظ في الإبل 6 بالسن وهذا لا يتصور إلا في الإبل.

ووجه إثباتها أنه نوع يؤخذ في الدية فجاز أن يلحقه التغليظ كالإبل، ولأنه نوع من القتل فوجب أن يلزم دية أهل الذهب والورق بصفتها كالإبل أصله دم الخطأ.
ووجه قوله في صفة التغليظ أنه بقيمة الإبل المغلظة أنه نقل 1 دية إلى دية فوجب أن يكون بقيمة المنقولة أصله دية الخطأ، ووجه قوله الآخر أن الألف [الدينار] * لما عدلت للمائة من الإبل في الخطأ وجب أن يكون القدر الزائد على دية الخطأ هو الزائد عليه في الذهب.
فصل [3 - تغليظ الدية في الجراح]: وتغلظ 2 في الجراح كما تغلظ في القتل 3، وصفة ذلك أن ينظر الواجب في الجرح من الدية: فإن كان نصفها أو ثلثها أو عشرها فتدفع إلى المجروح على صفة التغليظ في الأصل، مثل أن يقطع أصبعه ففيها عشر الدية فيدفع إليه ثلاث حقاق وثلاث جذاع وأربع خوالف.
ما لا قود في عمده المحض من الجراح لا تغليظ فيه نص عليه عبد الملك، وذلك لأن التغليظ في الدية هو عوض عند سقوط القود فإذا كان القود غير واجب فلا وجه للتغليظ، واختلف فيما يلزم بقتل الأب الذي لا يجب به قود من دية التغليظ على من يجب: فقال ابن القاسم تكون في مال الأب حالة، وقال أشهب وعبد الملك 4 تحملها العاقلة حالة 5، فلابن القاسم أنها وجبت في غير خطأ لم تحملها العاقلة كالعمد المحض، (ولغيره أنها دية عن عمد فلا قود

فيه، وإذا قلنا إنها على القاتل حالة فلأن كل دية لزمت الجاني في ماله فإنها حالة كالعمد) 1، وإذا قلنا إنها على العاقلة حالة فإنها لما تغلظت بالسن والصفة تغلظتها أيضا بالحلول، ولأن صفتها 2 أغلظ من الخطأ.
فصل [4 - فيما تحمله العاقلة من الديات]: لا تحمل العاقلة إلا دية الخطأ المحض، ولا تحمل دية عمد ولا اعترافا ولا صلحا 3، والأصل فيه أن كل جناية فإن بدلها يستوفي من الجاني، وأما الخطأ فإن العاقلة حملت ديته تخفيفا عن الجاني ومواساة له لأنه لم يكن منه ما يوجب القود، والعمد طريقه التغليظ، وأما الاعتراف فإنه إقرار على الغير فلا يلزم العاقلة شيء منه، وكذلك الصلح هو ابتداء التزام شيء فلا يجب على العاقلة.
فصل [5 - إذا أقر بقتل خطأ]: إذا أقر بقتل خطأ ففيها ثلاث روايات 4: إحداهما أنه لا شيء عليه ولا على عاقلته لأن دية الخطأ لا تلزم المخطيء وإنما تلزم العاقلة فكأنه مقر على غيره فلم يلزم شيء العاقلة بإقراره، والثانية أن إقراره لوث 5 يقسم معه الأولياء لأنه سبب تقوى دعواهم إذ لا يتهم فيه، والثالثة أن الدية تلزمه في ماله لأنه اعتراف

بالجناية وادعى أنها على وجه تلزم غيره فقبل منه اعترافه بها ولم يقبل منه ما يلزم غيره بإقراره، وهذا هو الصحيح.
فصل [6 - في القدر الذي تحمله العاقلة من الدية]: وتحمل العاقلة ثلث الدية فصاعدا ولا تحمل ما دونه 1، خلافًا للشافعي 2، لما رواه ربيعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقل بين قريش والأنصار فجعل على العاقلة ثلث الدية فصاعدا 3، ولأن حمل العاقلة لذلك على وجه التخفيف عن الجاني والمواساة خيفة أن يجحف الأداء به، وهذا إنما يكون في الكثير دون القليل.
فصل [7 - الاعتبار في ثلث الدية، وعدم حمل العاقلة دية من قتل نفسه]: اختلف في الثلث الذي يعتبر فيه 4: فروى أشهب أن الاعتبار بثلث دية المجروح خاصة، وروى ابن القاسم أنه إذا بلغ ثلث دية المجروح أو الجاني حملته العاقلة 5، فوجه الأول أن الاعتبار فيما 6 يلزم الجاني بدية المجني عليه لا بالجاني، كما لو قتلت امرأة رجلًا للزم بقتلها دية رجل، ووجه الثانية أن ثلث الدية يتعلق به حمل العاقلة أصله ثلث دية المجروح.

لا تحمل العاقلة من قتل نفسه عمدا ولا خطأ، خلافًا لمن حكي عنه أنه تحمل عنه الخطأ, لأنها جناية منه على نفسه كالجناية على ماله أو العمد، ولأن العاقلة تحمل عنه ما يحصل لغيره عليه تخفيفا عنه، ولا يتصور أن يجب للإنسان شيء على نفسه أو على غيره بجنايته عليها.
فصل [8 - في تنجيم الدية على العاقلة]: وتنجم الدية على العاقلة في ثلاث سنين 1، لما روي أن عمر وعليًّا قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين 2، ولم يخالف عليهما أحد، ولأن العاقلة تحملها مواساة للجاني فيجب أن يخفف عنها وكانت في الأصل من الإبل وقد تكن وقت الوجوب حوامل فلا يجوز أن يكلفوا إذا حوامل 3، وفي الثانية لوابن فوجب أن يؤجلوا ثلاث سنين ليجمع لهم ما يشتري به السنن المؤقتة.
فصل [9 - اختلاف القول في تنجيم بعض الدية]: واختلف في البعض فعنه في ذلك روايتان 4: إحداهما أنه تؤخذ حالة ولا تنجم إلا الدية الكاملة، ووجهها اعتبارها بما دون الثالث، والأخرى أنه تنجم لأنه أرش جناية خطأ بلغ الثلث فأشبه الكاملة، وفي كيفية التنجيم روايتان: إحداهما النصف في سنتين لأنه أقرب إلى التخفيف، وليتكامل وضع الحوامل، والثلث في سنة اعتبارًا بتقسيط البعض على الجملة والثلثان في سنتين، والأخرى أنه يجتهد فيها على ما يرى.
فصل [10 - في كون النساء والصبيان لا يحملون العاقلة]: ولا تحمل النساء ولا الصبيان لأنها على العصبة الذين إليهم القيام بالدم

والميراث والنصرة وليس لأموالهم حق، ولا لما يؤخذ من آحادهم حد وإنما هو على الاجتهاد فمن لا قبيلة له عقل عنه المسلمون من بيت المال، ومن كانت نائية عن موضعه عقل عنه أقرب الناس إلى قبيلته، وتحمل جناية المرأة عصبتها وليس على ابنها شيء إلا أن يكون أبوه من عصبتها، وقد قيل يحمل وإن كان أبوه أجنبيًّا 1 لأن البنوة عصبة بنفسها كالميراث والنكاح.
...

باب: من الديات

وفي العينين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية لورود النص بذلك، وفي حديث عمرو بن حزم: "وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون وفي العين خمسون" 1، ولأن كل عضو فيه جنس منفعة كاملة وجمال ظاهر فإن الدية تجب بإتلافه ومنافع هذه الأعضاء ظاهرة مقصودة كاملة: 2 وهي قوام البدن وعماد منفعته فباليدين البطش والتصرف والتمكن من الصناعات، والرجلان مشاركتان لليدين في النفع وإن انفردتا بنوع يخصهما من المشي والعدو والسفر ونفعهما لا خفاء به، والعينان منفعتهما أيضًا كاملة وجمالهما ظاهر ولهما في النفع مزية 3 على سائر الأعضاء لأن بمنفعة البصر يتمكن من جميع ما ذكرناه من التقلب في المعايش والتصرف والاحتيال، وفي الشفتين الدية لأن نفعهما كامل وجمالهما ظاهر 4. فصل [1 - وجوب الدية في ثديي المرأة]: وفي ثديي المرأة الدية 5 لأن منفعتهما مقصودة وهي الإرضاع وجمالهما ظاهر لأنهما من المحاسن المطلوبة، والدية في ذهابهما أو بعضهما معتبرة بإبطال مخرج اللبن، وفي ثديي الرجل الاجتهاد لأنه ليس فيهما نفع ظاهر ولا جمال بين.

فصل [2 - وجوب الحكومة في الحاجبين وسائر الشعور]: وفي الحاجبين حكومة 1 لأنهما زينة فقط بلا منفعة، وكذلك في سائر الشعر كأهداب العين واللحية 2 لأن الدية لا تتعلق 3 بالجمال المنفرد عن المنفعة، وفي أشراف الأذنين روايتان: إحداهما الدية، والأخرى الاجتهاد، فوجه إيجاب الدية ما روي "وفي الأذن خمسون" 4، ولأنهما عضوان منهما اثنان في البدن كاليدين، ووجه الحكومة أن نفعهما غير كامل لأن السمع يقع بغيرهما وأكثر ما فيها مرسل 5 الصوت إلى السمع، ولأن جمالهما غير ظاهر تغطيهما القلنسوة والعمامة كما قال أبو بكر رضي الله عنه 6. فصل [3 - وجوب الدية في العقل]: وفي العقل الدية 7 لأنه أشرف المنافع وأعلاها وما عداه من المنافع متعلق به لأن به يتمكن من التصرف في المعاش والمصالح فكان أولى بوجوب الدية.
فصل [4 - وجوب الدية في الأنف]: في الأنف الدية 8 إذا قطع مارنه 9، لما روي في الحديث "وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية" 10 ولأنه عضو فيه نفع كامل وجمال ظاهر كالبصر

وإن قطع بعضه ففيه من الدية بحسابه، وإن أذهب الشم وحده ففيه الدية لأنها منفعة مقصودة كالسمع والبصر، وكذلك إن قطع الأنف وبقي الشم ففيه الدية، وإن ذهبا معا في ضربة ففيهما دية واحدة لأن أحدهما من الآخر، وقال بعض شيوخنا القياس أن تكون فيهما ديتان قال: لأن كل واحد إذا انفرد بالذهاب كانت فيه فباجتماعهما لا تسقط.
فصل [5 - وجوب الدية في السمع]: وفي السمع إذا ذهب الدية، فكذلك البصر لعظم منفعتهما، فإن ذهب 1 من إحدى الجهتين ففيها نصف الدية أعني أن البصر إذا ذهب في إحدى العينين ففيه نصف الدية 2، والسمع إذا ذهب من إحدى الجهتين 3 ففيه نصف الدية، وإن ضربه فأذهب سمعه وبقى أذناه ففي ذهاب السمع الدية، وإن قطع أذنيه وبقي السمع ففيها الدية، وإن ذهبا في ضربة واحدة 4 ففيهما الدية، وقال شيخنا الذي حكينا عنه القياس أن تكون فيها ديتان أو دية وحكومة على حسب اختلاف قوله في الأذنين، ووجه ذلك ما ذكرناه في ذهاب 5 الشم والأنف 6. فصل [6 - وجوب الدية في الصلب]: وفي الصلب 7 إذا كسر الدية 8 , لأنه يذهب به منفعة جليلة مقصودة يتمكن معها من التقلب في الصنائع والتصرف في المعاش فذهابه زمانه كقطع

الرجلين، وذلك إذا آل إلى القعد، فإما إن قدر على القيام والمشي على قصر 1 ففيه الاجتهاد بحسابه من الدية إن عرف قدر النقص.
فصل [7 - وجوب الدية في اللسان]: وإذا قطع من اللسان ما منع الكلام ففيه الدية، وإن ذهب بعضه ففيه الدية بحسابه 2، لما روي في ذلك مرفوعًا 3، ولأن فيه منفعة كاملة مقصودة وجمالًا ظاهرًا لأن ضده الخرس الذي يتعذر معه التصرف في المعاش وغيره إلا على كلفة ومشقة، وفي ذهاب البعض بحسابه اعتبارًا بذهاب المنافع التي تجب بذهابها الدية من السمع والبصر وغيرهما.
فصل [8 - وجوب الدية في الذكر]: وفي الذكر الدية لما روي في الحديث، وكذلك الأنثيين فإن قطعا معا ففيهما ديتان، وإن قطع أحدهما بعد الآخر في ضربة واحدة ففيها روايتان: إحداهما أن فيهما ديتين، والأخرى أن في الأولى دية وفي الثاني حكومة 4. وإنما قلنا إن فيهما ديتين للجمال بهما والمنفعة الكاملة المقصودة، ووجه القول بأن فيهما ديتين، وإن قطع أحدهما بعد الآخر 5 في فور واحد قوله "وفي الذكر الدية" 6 ولم يفرق، ولأن الفور الواحد يجري مجري القطع الواحد وأنه لم

يسبق أحدهما الآخر, ووجه القول إن في الثانية 1 حكومة أن المتأخر منهما لا منفعة فيه بعد ذهاب الأول فأشبه أن يقطع بعد اندمال الأول.
فصل [9 - في أقل ما يتعلق به الدية من قطع الذكر]: وأقل ما يتعلق به الدية من قطع الذكر ذهاب الحشفة لأن المنفعة المقصودة بها تتعلق من اللذة وغيرها , وفي قطع بعضها بحسابها وما قطع بعد ذلك فبحسابه.
فصل [10 - وجوب الدية في عين الأعور]: وفي عين الأعور الدية كاملة 2 , خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن فيها نصف الدية 3، لأن في ذلك إجماع الصحابة روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر 4 رضي الله عنه 5، ولا مخالف لهم، ولأن الدية تجب وكذلك لو قطعها فوجدنا منفعة البصر 6 تكمل لذي العين الواحدة إذ يدرك بها مثل ما يدركه ذو العينين أو قريبًا منه، فإذا أتلف عليه فقد أتلف جميع منفعة البصر فكان كمتلف العينين.
فصل [11 - فيما يجب في السن]: وفي السن خمس من الإبل 7، لورود الخبر بذلك 8، ومقدم الفم

والأضراس لوقوع الاسم على الجميع 1، وإذا ضربت السنن فاسودت ففيها العقل لذهاب منفعتها، ثم إذا طرحت بعد ذلك ففيها عقلها أيضًا لذهاب الجمال بها كالأنف يضرب فيذهب الشم ففيه الدية، ثم إذا قطع بعد ذلك ففيه دية أخرى لذهاب الجمال به.
فصل [12 - فيما يجب في الموضحة والمنقلة والأمومة والجائفة]: وإنما قلنا في الموضحة نصف العشر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي الموضحة خمس من الإبل" 2، ولا خلاف في ذلك 3، فإن برئت على شين 4، فقال مالك يزاد فيها بقدره لأنه نقص حدث عن جناية كما لو كانت في الجسد, وقال أشهب لا يزاد بها شيء 5، ووجه ذلك قوله: "في الموضحة خمس من الإبل" 6، ولم يوجب زيادة عليه، ولأن المقدار إذا وجب فيها لم يكن بعد ذلك حكم.
وإنما قلنا إن في المنقلة عشر ونصف عشر الدية لقوله - صلى الله عليه وسلم - "وفي المنقلة خمس عشر فريضة" 7 ولا خلاف في ذلك 8.

(وإنما قلنا إن في المأمومة ثلث الدية وكذلك في الجائفة لأن ذلك مروي في الحديث ولا خلاف فيه) 1 وإنما قلنا إن فيما دون الموضحة الاجتهاد وكذلك جراح الجسد والهاشمة لأن مقادير العقل لا تؤخذ بالقياس وليس في ذلك شرع بتقدير فلم يبق إلا الاجتهاد، ومعنى الحكومة والاجتهاد واحد وهو أن يقوَّم المجني عليه لو كان عبدا كم يساوي سليما لا جراح فيه فيقال مائة دينار 2 ثم يُقوَّم وبه الجراح فيقال ثمانين دينارا فيعلم أن الجناية قد نقصت خمس قيمته فيجعل ذلك جزءًا من ديته فيلزم الجاني خمس دية المجروح.
فصل [13 - عقل ما لا قود فيه من الجراح هل تحمله العاقله؟]: عقل ما لا قود فيه من الجراح كالمأمومة والجائفة فيه ثلاث روايات: إحداها أنه على العاقلة، والأخرى أنه في مال الجاني، والثالثة أنه يبدأ بمال الجاني فإن كان فيه وفاء وإلا كان الباقي على العاقلة، فوجه الأولى أنها جناية استحق المال بها بنفسها لمنع القود فيها فحملتها العاقلة أصله الخطأ، ووجه الثانية جناية عمد فلم تحملها العاقلة كالذي يجب فيه القود، ووجه الثالثة أن هذا الجرح قد أخذ شبها من العمد وشبها من الخطأ ووجدنا شبهه بالعمد أكثر فوجب أن يبدأ بمال الجاني كما يفعل في دية العمد فإن وفى وإلا تمم من العاقلة لشبهه بالخطأ في منع أخذ القود 3. فصل [14 - فيما يجب في أصابع اليدين والرجلين]: وفي كل أصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل 4، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:

"وفي كل أصبع مما هنالك 1 عشر من الإبل" 2، ولأن في اليد الواحدة والرجل الواحدة 3 خمسون من الإبل والدية تجب فيها بذهاب الأصابع فيجب أن يكون في كل أصبع عشرة، وفي كل أنملة ثلاثة أباعر 4 وثلث لأن الأنملة ثلثها ففيها ثلث ديتها إلا في الإبهام ففي كل أنملة منهما خمس لأنهما أنملتان فالأنملة منهما نصفها.
...

باب [- في دية المرأة والكتابي والمجوسي والعبد

...] ودية المرأة على النصف من دية الرجل 1 لقوله - صلى الله عليه وسلم - "دية المرأة على نصف من دية الرجل" 2، وأما دية جراحها فإنها تساوي الرجل فيما دون ثلث الدية، ويرجع إلى حساب ديتها فيما زاد على ذلك وإذا قطع لها أصبع أو أصبعان أو ثلاثة أخذت ثلاثين من الإبل فإن قطع بها أربع أصابع أخذت عشرين بحساب ديتها ... ". وإنما قلنا ذلك خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، 3 لأنه إجماع أهل المدينة نقلا 4، وقد أغلظ سعيد بن المسيب لربيعة بن أبي عبد الرحمن 5 لما سأله عن ذلك وحاجه من طريق المقايسة وقال أعراقي أنت لما قال له: أحين عظمت مصيبتها واشتد جراحها قل عقلها فقال هي السنة 6، ولأن كل إتلاف كان موجبه أقل من ثلث الدية فإن الأنثى تساوي الذكر فيه أصله دية الجنين.
فصل [1 - في دية الكتابي]: دية الكتابي نصف دية المسلم، 7 خلافًا لأبي حنيفة في قوله مثل دية

المسلم 1، وللشافعي في قوله ثلث دية المسلم 2، فدليلنا على أبي حنيفة أن الديات موضوعة على التفاضل في الحرم ألا ترى أن النساء لما انخفضت حرمتهن عن حرمة الرجال نقصت دياتهن عن ديات الرجال فالكافر أخفض حرمة من المسلم للنقص المانع من قول شهادته ومواريثه وإنكاحه للمسلمات والإسهام له في الغنيمة وغير ذلك، فكذلك يجب أن ينقص عنه في الدية ولأنها بدل عن النفس فكان الكفر مؤثرا في نقصانها كالقصاص، ودليلنا على الشافعي أن كل نوع نقصت ديته عن دية المسلم الذكر إلى جزء منه فإن ذلك الجزء هو النصف أصله دية المرأة المسلمة، ولأنه جزء تنقص الدية إليه فلم يجز أن يكون دون النصف اعتبارًا بالربع.
فصل [2 - في دية المجوسي]: دية المجوسي ثمان مائة درهم 3، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنها مثل دية المسلم 4؛ لأن عمر بن الخطاب حكم بذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد وكان يكتب إلى عماله بذلك بحضرة المهاجرين والأنصار 5، ولأن كل جنس لا يؤكل ذبيحته ولا تنكح نساؤه فلا يجب بإتلافه ما يجب بإتلاف المسلم أصله الوثني والمرتد، ولأنا قد بينا أن نقصان الحرم بالأديان يؤثر في نقصان الدية فلما كان الكتابي أخفض دية من المسلم نقصت ديته عن ديته كذلك المجوسي لما نقصت حرمته عن حرمة الكتابي وجب أن تنقص ديته، وديات نساء أهل الكتاب والمجوس في نفوسهم وجراحهم على حساب ديات نساء المسلمين من رجالهم.

فصل [3 - في دية العبد]: وفي قتل العبد قيمته بالغة ما بلغت 1، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه لا يبلغ به دية الحر 2؛ لأنه مملوك فوجب أن يضمن في إتلافه بكمال قيمته كالبهائم والسلع، ولأنه نسب يضمن به العبد فوجب أن يضمن بكمال قيمته أصله اليد والعين.
فصل [4 - فيما يجب في الجناية على العبد]: في كل جناية على العبد فيما دون النفس ما نقص عن قيمته إلا في الشجاج الأربع الموضحة والمنقولة والمأمومة والجائفة ففي كل واحدة من هذه بقيمته بقدر ما في الحر من ديته، ففي موضحة العبد نصف عشر قيمته وفي منقلته عشر ونصف عشر قيمته، وفي مأمومته ثلث قيمته، وكذلك للجائفة 3، وقال الشافعي في كل جناياته مثل ما في جنايات الحر من ديته 4. وإنما قلنا ذلك لأنها جناية على مملوك أتلف جزءًا منه وأثرت نقصا فيه فوجب أن يكون فيها بقدر 5 ما نقص من قيمتها أصله البهائم، فأما الشجاج الأربع فإنما قلنا إن فيها بقدر ما في الحر من ديته لأنها قد تبرأ على غير نقص فلو لم يجعل فيها بقدر ما في دية الحر من قيمة العبد لأدى ذلك إلى بطلانها لأنه ليس هنالك نقص من القيمة يرجع إليه وسائر الجراح بخلافها لأنها تؤثر نقصا لا محالة.

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل