كتاب الجراح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فصل [5 - في عدم تحمل العاقلة قيمة العبد]:
ولا تحمل العاقلة قيمة العبد 1 إذا قتل خطأ 2 خلافًا للشافعي 3، لأنهما إتلاف مال فلم تحمله العاقلة كالبهائم.
فصل [6 - فيما يجب في ذكر الخصي وفي اليد الشلاء]:
في ذكر الخصي الاجتهاد 4 خلافًا للشافعي 5؛ لأن منفعته ناقصة لأنه لا ينزل ووطؤه ناقص ولزوجته الخيار إذا تزوجته فلم يستحق به كمال الدية وكذلك في اليد الشلاء لأن منفعتها معدومة وهي ميتة فلا يجب القصاص بها من الصحيحة، وكذلك العين القائمة.
فصل [7 - إذا قتل عبد عبدًا أو حرًّا]:
إذا قتل عبد عبدًا أو حرًّا فأولياء المقتول بالخيار إن شاءوا قتلوا 6 لأن دمه مكافيء لدم العبد وناقص عن دم الحر، وإن شاءوا استرقوه لأن جنايته متعلقة برقبته فسيد القاتل بالخيار إن شاء أفتكه بأرش الجناية وهي قيمة العبد المقتول أو دية الحر، وإن شاء أسلمه فصار ملكًا للمجني عليه.
وإنما قلنا إنه مخير لأن سيد العبد المقتول قد أسقط حقه من القصاص إلى أخذ بدل عن جنايته وهو غير مستحق للرقبة بنفس الجناية دون إسلام السيد إياها، والذي وجب له الأرش فإذا بذل له فقد سقط حقه من الرقبة فإن افتكه
سيده بالأرش عاد إلى ملكه كما كان قبل الجناية، وإن امتنع أن يفديه لزمه إسلام رقبته وصار ملكًا للمجني عليه، وإنما قلنا ذلك لما قدمناه أن الجناية تعلق شيء 1 برقبته وجعل لسيده افتكاكه ورده إلى ملكه فإذا لم يختر ذلك فقد رضي بتركه.
وقال أصحاب الشافعي يخير سيد العبد القاتل بين أن يفديه بالأرش أو يسلمه ... فيكون لسيد المقتول جميع ثمنه إن كان بإزاء الأرش، أو دونه وليس له شيء آخر إن كان الأرش أكثر من ثمنه، فإن زاد الثمن على الأرش كان له منه بقدر الأرش وكان الفاضل لسيده، وليس له أن يملك رقبته 2.
ودليلنا أن الجناية لا تخلوا أن تكون متعلقة برقبة العبد أو بمال السيد: فإن كانت 3 متعلقة بمال السيد وجب أن يؤخذ من سائر ما يملكه من العبد وغيره ولا يبطل بتلف العبد كسائر الجنايات وذلك باطل، وإن كانت متعلقة 4 برقبة العبد وجب أن يستحق الرقبة بدلا من أرش الجناية لتعلقها به لأنه ليس معنى تعلقها بالرقبة أكثر من أن حق المجني عليه قد انتقل إليها فكان له بأن يملكها 5، وإنما جعل للسيد إسقاطها عن الرقبة ببدل [الأرش] فإذا لم يفعل فقد اختار تسليمها.
فصل [8 - في تضمين السائق والقائد والراكب]:
السائق والقائد والراكب ضامنون بجناية الدابة 6 لأن ذلك بتفريط منهم في إمساكها أو حادث عن إثارتهم لها إلا أن يكون ما فعلته كان ابتداء لا صنع لهم
فيه فلا شيء عليهم منه ويكون في لك هدرًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "جرح العجماء جبار" 1 أي لا شيء فيه، وكذلك إذا كانت واقفة وحدها بحيث يجوز لصاحبها أن يقفها فأصابته إنسانًا فهو هدر لا شيء فيه.
فصل [9 - ما تلف في معدن أو بئر من غير فعل]:
وما تلف في معدن أو بئر من غير فعل أحد فهو هدر 2 لقوله - صلى الله عليه وسلم - "البئر جبار والمعدن جبار" 3، ولأن تلفه لا صنع لأحد فيه فكان هدرًا.
فصل [10 - إذا جرح عدة جراحات تجب فيها عدة ديات]:
إذا جرح عدة جراحات تجب فيها عدة ديات فله جميع ذلك 4، لأن كل جراحة قائمة بنفسها لا يسقط ما يجب بها بمشاركة غيرها لها إلا أن تصير نفسا فتجب الدية فيه ويسقط ما عداها وذلك إذا مات في الحال.
...
باب [في حكم القسامة وصورتها]
والحكم بالقسامة 1 واجب 2، وصورتها: أن يوجد قتيل لا يعلم من قتله فيدعي أولياؤه الدم على رجل بعينه أو جماعة بأعيانهم ويكون معهم لوث يقوي دعواهم، واللوث: أمارة يغلب معها عند الظن صدقهم، فيحلف الأولياء، على ما يدعونه ويجب لهم في العمد القود، والدية في الخطأ ونحن نبين تفضيل ذلك.
فصل [1 - إذا ادعى قوم أن دم مقتول لهم لا يعرف قتله عند رجل بعينه]:
إذا ادعى قوم أن دم مقتول لا يعرف قتله عند رجل بعينه قتله عمدا، ولا بينة لهم على ذلك والمدعى عليه ينكر: فإن كان معهم لوث حلف أولياء الدم إن كانوا اثنين فصاعدا من العصبة خمسين يمينًا تردد الأيمان على عدد رؤوسهم واستحقوا 3 الدم فقتلوا أو عفوا واللوث هو أن يقول المقتول: دمى عند فلان عمدا إذا كان بالغا مسلما حرا عدلا أو فاسقا ذكرا كان أو أنثى، ومن اللوث الشاهد العدل يشهد 4 على رؤية القتل أو رؤية المدعى عليه بقرب المقتول عليه بيده سكين أو سيف وثيابه ملوث بالدم.
فأما الشاهد الواحد والجماعة غير العدول والنساء ففيهم روايتان: إحداهما أن شهادتهم لوث والأخرى أنها ليست بلوث ومن أصحابنا من يجعل شهادة العبيد
والصبيان لوثا فإذا وجد اللوث بدىء بأولياء الدم على ما بيناه فحلفوا ولهم أن يستعينوا من عصبة الميت بمن يحلف معهم، وإن لم تكن له ولاية في الدم مثل أن يترك بنين وأخوة وعمومة فالولاية للبنين: فإن شاءوا حلفوا وإن شاءوا أدخلوا معهم إخوة الميت وعمومته فخففوا 1 عنهم وحلفوا معهم، وإن كان ولي الدم واحدا لم يحلف وحده ولكن يستعين من عصبته من يحلف معه، وإن كان 2 ولاة الدم خمسين حلف كل واحد يمينًا واحدًا، وإن زادوا على الخمسين ففيها روايتان: إحداهما يحلف منهم خمسون فقط، والأخرى أنهم يحلفوا كلهم ويجبر كسر اليمين بإكمالها على من عليه أكثرها، وإذا نكل المستعان بهم من الأيمان لم يؤثر نكولهم وحلف أولياء الدم إن كانوا اثنين فصاعدا فإن نكل بعض ولاة الدم عن الأيمان وقد بقي اثنان 3 أو أكثر ففيها روايتان:
إحداهما أن للباقين أن يحلفوا ويأخذوا أنصبائهم من الدية، والأخرى أن الأيمان ترد على المدعى عليه فإن حلف سقطت الدعوى عنه، وأن نكل ففيها روايتان: إحداهما (أنه يحبس إلى أن يحلف فإن طال حبسه خلي، والأخرى أن الدية تلزمه في ماله إذا أقسموا ثم عفى بعضهم سقط الدم وكان لمن لم يعف نصيبه من الدية، وهذا في الولد والأخوة رواية واحدة، وفي غيرهم من العصبة روايتان:) 4 إحداهما مثل هذا، والأخرى أن من نكل منهم على الأيمان حلف الباقون واستحقوا الدم، ولم يقتل بالقسامة إلا واحد ويجلد الباقون كل واحد منهم مائة جلدة 5 ويحبس عاما وكذلك قاتل العمد إذا عفى عنه.
وإذا ادعى ولاة القتل على جماعة اختاروا واحدا يقسمون عليه ويقتلونه.
وإذا اختلف ولاة الدم في صفة القتل: فقال بعضهم (خطأ وقال بعضهم عمدا أقسموا على القتل وكانت لهم الدية، فإن قال بعضهم) 1 عمدًا وقال الآخرون لا علم لنا بقتله لم يقسم أحد منهم، وإن قال بعضهم خطأ، وقال الآخرون لا علم لنا أقسم مدعو القتل وأخذوا حقوقهم من الدية، وقال شيخنا 2 أبو بكر القياس ألا يقسموا، ولا قسامة في عبد ولا أمة ولا ذمي ولا في جراح 3 ولا في من وجد قتيلا في محلة قوم.
وإذا اقتتلت قبيلتان 4 فوجد بينهما قتيل ففيها روايتان: إحداهما إن وجوده بينهما لوث يقسم معه الأولياء على من يدعون عليه قتله ويقتلونه، والأخرى أنه لا قسامة 5 فيه، فإن كان من إحدى الفريقين فعقله على الأخرى، وإن كان من غيرهما فعقله عليهما، ويجلب في القسامة إلى مكة والمدينة وبيت المقدس من كان من أعمالها دون ما زاد على ذلك، والقسامة في الخطأ واجبة لورثة المقتول من الرجال والنساء يحلف فيها الواحد وحده العصبة وغير العصبة والزوج والزوجة، والأيمان على قدر مواريثهم ويجبر كسرها على من عليه أكثرها، وإذا قال المقتول قتلني فلان خطأ 6 ففيها روايتان: إحداهما أنه لوث والأخرى أنه ليس بلوث 7.
فصل [2 - في دليل وجوب العمل بالقسامة]:
وإنما قلنا إن الحكم بالقسامة واجب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بها على ما سنبينه، ولأن في ترك الحكم بها إضاعة الدماء لأن من يريد قتل غيره إنما يتعمد به مواضع
الخلوات 1 التي يأمن فيها من يراه بالغالب، فلو لم يحكم فيها باللوث لم يشأ 2 من يريد قتل غيره ويأمن من أن يأخذ به إلا وفعل من غير تعذر عليه في الغالب، وقد روي أن القسامة كانت في الجاهلية فأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - 3، وإنما قلنا إن أولياء الدم يبدؤون باليمين خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن الأولياء لا يحلفون وإنما الأيمان.
على المدعى عليهم 4، لقوله - صلى الله عليه وسلم - للأنصار "أتحلفون خمسين يمينًا وتسحقون دم صاحبكم قالوا لم نحضر قال فتحلف لكم اليهود، فبدأ الأولياء بالأيمان فلما نكلوا عدل بها إلى المدعى عليهم" 5 ولأن الأيمان 6 في الأصول تجب على أقوى المتداعيين سببا والأولياء قد قوى سببهم باللوث الذي يغلب معه على الظن صدقهم فيه فكانت اليمين في جنبهم 7.
وإنما قلنا إن أقل من يحلف اثنان لأن أيمان الأولياء أقيمت مع اللوث إقامة البينة فلما لم يكف في البينة شهادة واحدة فكذلك لا يكفي في الأيمان واحد، وكذلك روي في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - عرضها على الجماعة فقال أتحلفون وتستحقون 8.
وإنما قلنا إن الأيمان إلى العصبة في دعوى: دم العمد لأنه ليس طريقها الميراث
لأنها مستحقة بالنصرة والولاية كالنكاح فهو كذلك تُعقل عن القاتل عصبته دون سائر ورثته، وإنما قلنا إن الأيمان خمسون يمينا لقوله - صلى الله عليه وسلم - للأنصار "يحلفون خمسين يمينًا" 1، ولا خلاف في ذلك 2، وإنما قلنا إن الأيمان ترد عليهم لأنا لو أحلفنا كل واحد خمسين لكانت أيمان القسامة أكثر من خمسين ولم تكن مقدرة وذلك غير صحيح.
وإنما قلنا إنها على عدد الرؤوس لأنه ليس طريقها الميراث فيتساوون في كل الأحكام، وإنما قلنا إنهم يستحقون الدم 3 إذا حلفوا خلافًا للشافعي في قوله لا يستقاد 4 بها الدم 5 وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" 6، وروي: قاتلكم" 7، وقوله "تقسمون خمسين يمينا على رجل منهم ادفعه إليكم برمته 8 " 9 ولأنها حجة ثبت بها قتل العمد 10 فوجب أن يستحق بها قتل 11 من ثبت عليه كالشهود.
(وإنما قلنا إنه لا بد من لوث يحلفون معه لأن الأيمان في الأصل على المدعى
عليهم لأنهم أقوى سببا، ولأنهم بريئون في الأصل فوجب اعتبار سبب تقوى به جنبة الأولياء ليتمكن نقل الأيمان إليهم دون مجرد الدعوى) 1.
فصل [3 - لم كان قول المقتول في العمد دمي عند فلان لوثًا؟]:
وإنما قلنا إن قول المقتول في العمد دمى عند فلان لوث خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2، لقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ 3 والقصة معروفة في الرجل الذي قتله ابن أخيه ورمى أهل القرية بقتله فأمر الله تعالى بذبح 4 بقرة وبضرب المقتول ببعضها فإنه يحيى ويخبر بقاتله ففعلوا ذلك فحيي المقتول وقال: قتلني ابن أخي، فصار ذلك أصلا في قبول قول المقتول وتأثيره في الحكم بدمه، ولأن اللوث سبب ينضم إلى دعوى أولياء، المقتول يقوي به دعواهم، وحال الموت حال تقرب إلى الله تعالى وإقلاع عن المعاصي وتوبة من الذنوب هذا هو الظاهر من المسلمين والعادة فيهم فلا يتهمون في الحال بتزويرهم عند ورودهم على الله، وقتل النفس 5 المحرمة وسفك الدماء المحظورة، ولأنه ليس أحد 6 أعدى للإنسان من قاتله فلا يجوز أن يظن به دعوى الدم وغيره.
وإذا ثبتت هذه الجملة كان قوله دمي عند فلان أمارة قوية في صدقه، فكان للأولياء أن يحلفوا معه، وإنما شرطنا أن يكون بالغًا لأن الصبي لا حكم لقوله ولا يقتل بدعواه، وشرطنا أن يكون مسلما لأن الذمي لا قسامة فيه على ما نبينه، وشرطنا أن يكون حرا لأن العبد مال والقسامة لا تكون في مال ولم نشرط أن
يكون عدلًا ولا ذكرًا لأن الأيمان لا يراعى فيها ذلك، ولأن الغالب من المسلمين عند الموت انتفاء التهمة وتحري 1 الصدق.
فصل [4 - في كون الشاهد العدل لوث]:
وإنما قلنا إن الشاهد العدل لوث لأنه يقوى الظن به، ولأن له تأثيرًا في الأصول في نقل اليمين إلى جنبة المدعى، وسواء رآه أو رأى آثار القتل على من يدعى عليه الدم لأن كل ذلك تقوى معه الدعوى، ووجه قوله في غير العدل وفي جماعة النساء إن [شهاتهم] * لوث فلان الدعوى تقوى بها , ولأن الغالب من حال الجماعة الذين ظاهرهم الإسلام والحرية 2 أنهم لا يشهدون الزور في الدم.
ووجه قوله إنها ليست بلوث أن شهادة النساء لا مدخل لها في إثبات الحقوق فلم يكن لوثا , وإنما قلنا لولاة الدم أن يستعينوا بغيرهم من العصبة فيخففوا عنهم فلأن كلهم 3 عصبه وأهل نصرة والأيمان لهم وكذلك للمدعى عليه أن يستعين بغيره من عصبته فيحلف معه إلا أن يدعي الدم على جماعة فلا يبرأ كل واحد منهم إلا بأن يحلف خمسين يمينا , ووجه قوله إن الأولياء إذا كانوا أكثر من خمسين حلف كل 4 واحد يمينا واحدًا لأن الأيمان حق على كل من كان له نصيب في الدم فوجب أن يحلف كل واحد أصله إذا كانوا خمسين رجلًا , ووجه قوله يحلف منهم خمسون فقط أم الخمسين يمينا حاصلة فلم يحتج إلى زيادة عليها أصله إذا كانوا خمسين أو أقل.
وإنما قلنا إن نكول المستعان بهم لا يؤثر لأنه لا حق لهم في ولاية الدم ألا
ترى أن الدم يستحق مع عدمهم، وكل من لا حق له في ولاية الدم لم يتعلق سقوط الدم به، ووجه قوله إنه إذا نكل بعض ولاة الدم فلمن بقي 1 أن يحلفوا أو يستحقوا من الدية بقدر أنصبائهم فلأن بنكولهم لم يسقط حق غيرهم في قتل الخطأ.
وإنما قلنا إن الواجب يكون دية لا دما لأن الدم لا يتبعض فإن سقط بعضه تعذر أخذ البعض وصار إلى الدية، ووجه قوله إنه ليس لمن بقى أن يحلف وترد اليمين على المدعى عليهم هو أن الحق لجماعتهم فليس بعضهم بإثباته بأولى من بعض وإذا ردت على المدعى عليه: فإن كان واحدا لزمه أن يحلف خمسين يمينا لقوله (أو تبريكم يهود بخمسين يمينًا) 2، ولأنها أيمان تعلقت بإحدى جنبتي القسامة فكانت خمسين يمينا أصله في جنبة المدعين، ولو كان الدعوى على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا لأنه يريد إبراء نفسه من الدم فالبراءة من الدم 3 لا تكون بأقل من خمسين.
ووجه قوله إن المدعى عليه إن نكل حبس حتى يحلف فلأن يمينه استظهار، ولأنه لم يتقدمه ما يستحق عليه به مع نكوله حكم وإن طال حبسه خلي 4 لأنه لم يتجه عليه حكم لأن ولاة الدم أضعفوا سببهم وأتمموا 5 دعواهم بنكولهم، ووجه قوله إن الدية تلزمه في ماله أن نكوله بمنزلة اعترافه والعاقلة لا تحمل اعترافًا فكانت الدية في ماله، ولأنه قد اتفق سببان موجبان للحكم وهما اللوث ونكول المدعى عليه فوجب أن يحكم عليه.
وإنما قلنا إنه إذا عفى بعضهم بعد الإيمان كان لمن يعف أنصباؤهم من الدية لأن القود بتعذر مع عفو من عفى، ولا يجوز أن يبطل الدم بعد استحقاقه في حق من لم يعف والقود إنما تعذر مع استحقاق بدل الدم فلم يبق إلا الدية، ووجه افتراق الولد والأخوة ومن بعد من العصبات إن قرب الولد والأخوة أمس ورحمهم آكد بدلالة أنهم يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس ولهم من المزية ما ليس لغيرهم فلم يكن نكول غيرهم مؤثرًا في سقوط القود، ووجه التسوية بينهم اتفاقهم في ولاية الدم كالولد والأخوة.
وإنما قلنا لا يقتل بالقسامة أكثر من واحد خلافًا للشافعي 1، لقوله - صلى الله عليه وسلم - "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته" 2، ولأن القسامة أضعف من الإقرار والبينة، ولأن الردع يحصل بقتل واحد منهم.
إذا ثبت أنه يقتل واحد فقط فلا دية على الباقين خلافًا لمن قال 3 بقسط تقسيط المقتول ويلزم الباقون بقسطهم 4 لأن الباقين لم يثبت عليهم الدم لا بقسامة ولا بغيرها فلا وجه لإلزامهم الدية.
وإنما قلنا يضرب من عفى منهم 5 مائة ويحبس سنة لأنه قد روي قاتل العمد إذا عفي عنه ضرب مائة وحبس سنة، ولأنه قد كان 6 يجوز أن يقتل بأن يقسم عليه فلما لم يقتل وجب تأديبه وكان معتبرًا بالزاني أن الزنا لما كان مع الإحصان يوجب القتل كان إذا عري من الإحصان يوجب ضرب مائة وحبس سنة.
وإنما قلنا إن الدم إذا ادعى على جماعة أقسم 1 كل واحد لقوله "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" 2، ولأنه إنما يقسم عليه ليقتل فإذا لم يقتل أكثر من واحد فلا فائدة في القسامة على أكثر منه.
وإنما قلنا إن اتفاق ولاة الدم على القتل واختلافهم في صفته يوجب لهم القسامة 3 وأخذ الدية، لأن القتل يثبت بدعواهم له وأيمانهم، مع اللوث وأكثر ما في اختلافهم أنه يتعذر معه القود فيصير إلى الدية، فأما إذا ادعى بعضهم العمد ولم يدع الباقون قتلا فلا قسامة لأنها إنما تثبت 4 باتفاق الأولياء، دون اختلافهم، ووجه قول مالك أن من ادعى منهم الخطأ أقسم مع جحد الباقين لأن الواجب بقتل الخطأ مال وذلك لا يفتقر إلى اتفاق الأولياء، ووجه ما قاله 5 شيخنا اعتبارًا بالعمد، وإنما قلنا لا قسامة في عبد ولا أمة خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 6، لأنه مال والأموال لا يثبت إتلافها بالقسامة كالحيوان والعروض.
وإنما قلنا لا قسامة في ذمي لنقصان حرمته عن المسلم والقسامة وضعت حراسة للدماء وحفظًا لها، ولأن بالعبد لما لم تكن فيه قسامة مع زيادة حرمته بالدين فالكافر 7 مع نقصه بالكفر أولى، وإنما قلنا لا قسامة في جراح لأن السنة جاءت بها في القتل 8، ولأن حرمة الجراح أخفض من حرمة النفس ألا ترى أنه لا كفارة فيها 9.
وإنما قلنا إنه لا قسامة فيمن وجد قتيلًا في محلة قوم خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه لوث إذا كان به أثرًا اعتبارًا به إذا لم يكن به أثر 1.
ووجه قولنا في القتيل بين الفئتين أنه يقسم معه أنه يغلب على الظن بحصوله مقتولًا بينهما أن قتله لم يخرج عنهما فكان ذلك لوثا يوجب القسامة لأوليائه، وهذا كله إذا كان القتال على غير تأويل دين فإن كان بخلاف ذلك فلا قسامة ولا دية ولا قود.
ووجه قوله إنه لا قسامة فيه أن القسامة لا تكون إلا مع لوث في مشار إليه معين فإذا ثبت أنه لا قسامة فديته على الفئة التي نازعت إن كان من الأخرى، وعليهما إن كان من غيرهما لعلمنا بأن الطائفتين إنما نصبتا للحرب واقتتلتا وشهرتا السلاح قام كل فريق لا يقتل أصحابه، وإنما يطلب أعداءه وخصومه وقد علمنا أن قتله لم يخرج عنها فكانت ديته عليهما إذ ليس إحداهما بأولى من الأخرى.
وإنما قلنا 2 يجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس من أعمالهما في القسامة تعظيمًا لحرمة الدماء وليرتدع مدعو الدماء إن كانوا مبطلين في دعواهم تعظيمًا للكعبة، ولقبر النبي، ومنبره وإكبارا لحرمه هذه المواضيع أن يحلفوا الأيمان فيها على سفك الدماء الحرام، ولا يجلب إلى غيرها إلا من اليسير لأنه ليس لغيرها من الحرمة مثل مالها.
وإنما قلنا إن جميع الورثة يقسمون في الخطأ أن عدد 3 الأيمان بقدر المواريث لأن الواجب بها ما يرثونه كسائر التركة فاحتاج كل من له حق ميراث إلى تبيينه، وإنما قلنا إن كسرها يجبر لأن اليمين لا تتبعض فوجب تكميلها وكان من عليه أكثرها أولى بذلك.
وإنما قلنا إن قوله قتلني فلان خطأ لوث اعتبارًا بقوله قتلني عمدًا 1، ووجه التفريق بينهما أن حرمة الدم أغلظ من حرمة المال، وفي الخطأ يتهم أن يريد نفع ولده بإيصال المال إليهم وهو أمر يمكن تلافيه والدم لا يمكن تلافيه، والأول 2 أقيس وهو قول ابن القاسم وأشهب.
...
باب [في كون الدية موروثة]
والدية موروثة كسائر التركة كانت عن خطأ أو عمد تغليظ 1؛ لأنها مال للمقتول إذ هي بدل عن نفسه ألا ترى أنه يقضى منها ديونه وتنفذ وصاياه، وروى الضحاك 2 بن سفيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه أن يُورِّث امرأة أشيم الضبابي 3 من تركة زوجها 4.
فصل [1 - هل يرث القاتل؟]:
ولا يرث قاتل العمد ولا يحجب، وقاتل الخطأ يرث من المال ولا يحجب في الدية 5، وهذا يرد في المواريث.
فصل [2 - وجوب الكفارة في قتل الخطأ]:
والكفارة في قتل الخطأ واجبة 6 ولقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} 1، (ولا خلاف فيه 2، ولا تجب الكفارة في قتل عمد خلافًا للشافعي 3، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 4 5 فدل أن العمد بخلافه، ولأنه معنى موجب للفعل فلم يجب على قاتله كفارة كالزنا مع الإحصان، ولأن الكفارة لتغطية الذنب والمأثم، وقتل المؤمن عمدا أعظم من أن يكفره.
فصل [3 - سقوط الكفارة في قتل العبد]:
ولا كفارة في قتل عبد 6 خلافًا للشافعى 7 لأنه مال مقوم فلم تجب بإتلافه كفارة كالبهائم.
فصل [4 - سقوط الكفارة في قتل الكافر]:
لا كفارة في قتل كافر خلافا لمن أوجبها 8 لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 9 فدل علي أن الكافر بخلافه، ولأن الكفارة في قتل المؤمن لحرمته وتحريم دمه وذلك غير موجود في الكافر، ولأنها لم تجب بقتل العمد وهو مؤمن فكانت بأن لا تجب في قتل الكافر أولى، واعتبارًا بالحربي والوثني والمرتد.
فصل [5 - في وجوب الكفارة على كل فرد من جماعة قتلت رجلًا مؤمنا]:
وإذا قتل جماعة رجلًا مؤمنا فعلى كل واحد كفارة 1 خلافا لمن قال كفارة واحدة 2، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ 3 فعم الاشتراك والانفراد ولأنه قاتل خطأ فأشبه المنفرد.
فصل [6 - في ماهية الكفارة]:
والكفارة: إعتاق رقبة، وصيام، ولا إطعام فيها وشرط الاعتاق أن تكون رقبة ليس فيها شرك ولا عقد 4 من عقود العتق 5، وقد بينا ذلك في الأيمان والظهار وكذلك في الصوم.
...
باب [في دية الجنين]
وفي جنين المرأة الحرة غرة 1 عبد أو أمة 2 لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بذلك في الجنين 3 إذا قتل في بطن أمه، تكون قيمتها خمسون دينارًا أو ستمائة درهم ليكون بقدر عشر دية أمه كما يعتبر جنين الأمة بعشر قيمتها، ولا خلاف في ذلك إلا أن أبا حنيفة في قول قيمتها 4 خمس مائة درهم 5 لأن عنده أن دية الأم خمسة آلاف، وحكي عن قوم أنهم قالوا لا شيء في الجنين 6، وهذا غلط لما رويناه من أنه - صلى الله عليه وسلم - قضى فيه بغرة، وفي حديث أبي هريرة في المرأتين لما ضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها أنه - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدية على عصبة القاتلة وقضى في الجنين بغرة فقال المقضي أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل أليس مثل ذلك يبطل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اسجع كسجع الجاهلية" 7 وقضى فيه بغرة 8.
فصل [1 - وراثة دية الجنين]:
ودية الجنين موروثة على حسب المواريث، خلافًا لما يحكى الليث بن سعد 1 إن كان قاله أنها للأم وحدها، لأنها دية نفس آدمي مقتولة فكانت لجميع ورثتها أصله إذا انفصل حيا 2.
فصل [2 - وجوب الغرة في جنين الأمة من سيدها الحر]:
وفي جنين الأمة من سيدها الحر 3 مثل ما في جنين الحرة 4 لأنه حر من حين 5 خلق كجنين الحرة، وفي جنين الأمة من غير سيدها عشر قيمتها كما في جنين الحرة عشر ديتها.
فصل [3 - في دية جنين الكتابية]:
وفي جنين الكتابية من المسلم مثل ما في جنين الحرة المسلمة 6، لأن حكمه حكم أبيه في الدين فكان فيه نصف 7 عشر دية أبيه على ما بيناه.
فصل [4 - في دية جنين الكتابية من زوجها الكافر]:
وفي جنين الكتابية من زوجها الكافر عشر ديتها، كذلك المجوسية اعتبارا بسائر دياتهم 8.
فصل [5 - إذا استهل الجنين صارخًا]:
إذا استهل صارخًا ففيه الدية بكمالها، وتحملها العاقلة لأن حياته قد ثبتت فقاتله قاتل خطأ، فإن ضرب عمدًا ففيه القود بالقسامة 1 ومن قتل جنينين ففيهما غرتان، ولو ماتت الأم ثم خرج الجنين بعد موتها ميتا فلا شيء فيه 2 خلافًا للشافعي في إيجابه الغرة فيه 3، ولأن تلفه قبل الانفصال كتلف بعض من أبعاضها فيكون تابعًا لا حكم له.
فصل [6 - إذا طرحت الأمة جنينها فاستهل صارخًا]:
وإذا طرحت الأمة جنينها فاستهل صارخًا ثم مات ففيه قيمته 4 لأنه عبد كالكبير، وإن لم يستهل صارخًا ثم مات 5 ففيه عشر قيمة أمة اعتبارًا بجنين الحرة أنه يكون معتبرًا بأمه.
...
باب [في الردة]
يحبط عمل المرتد 1 بنفس الردة 2 من غير اعتبار بموته قبل التوبة أو بعدها، وفائدة ذلك أنه إذا عاد إلى الإسلام لم يلزمه قضاء الصلوات التي تركها في ردته وكان عليه استئناف الحج ويكون حكمه حكم الكافر الأصلي إذا أسلم 3. فصل [1 - في دليل سقوط ما ترك من الصلاة في ردته]: فأما سقوط قضاء 4 ما ترك من الصلاة في ردته خلافًا للشافعى 5، فلقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 6 فعم، ولأنها صلاة متروكة في حال كفره كالكافر الأصلي، أما استئناف الحج خلافًا للشافعي 7، فلقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 8 فأخبر أن الارتداد يحبط العمل فإذا انحبط لزمه إعادة الحج، ولأنه أسلم عن كفر فلزمه الحج، ولأنه أسلم كالكافر الأولى إذا أسلم 9.
فصل [2 - في حرابة المرتدين]:
إذا اجتمع المرتدون ونصبوا راية الحرب وقاتلوا المسلمين وأتلفوا أموالًا ثم تابوا لم يؤخذوا بشيء من ذلك 1 خلافًا لأحد قولي الشافعي 2، لأن أبا بكر الصديق والصحابة لم يضمنوا من رجع من أهل 3 الردة، ولأنها فئة ممتنعة اتلفت على وجه التدين فلم يلزمها ضمان كأهل الحرب.
يستتاب المرتد ثلاث فإن تاب قبلت توبته وإن أبى قتل وكان ماله فيئا للمسلمين 4 ولا يرثه ورثته المسلمون ولا أهل الدين الذي ارتد إليه، وسواء ما ملك قبل ردته أو ما كسبه حال ردته، وإنما قلنا يستتاب ثلاث لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه بلغه أن رجلًا ارتد فقتل قبل أن يستتاب فأنكر 5 ذلك وقال: هلا حبستموه ثلاثا وأطعمتوه كل يوم رغيفًا فإن تاب وإلا قتلتموه، اللهم لم أمر ولم أرض إذ بلغني 6، ولا مخالف له، ولأنه لا يجوز أن يكون عرضت له شبهة فإذا روجع وذكَّرناه 7 الإسلام زال عنه، ولأن من قبلت توبته عرضت عليه كسائر الكفار.
وإنما قلنا أن توبته تقبل، خلافًا لمن حكى عنه أنها لا تقبل 8، لقوله
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ 1، وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 2، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا لله فهذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" 3، ولأنها توبة عن كفر يظهر كالكافر الأصلي، وإنما قلنا إنه إذا لم يتب قتل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه" 4، ولا خلاف في ذلك 5. وإنما قلنا إن المرتدة تقتل خلافًا لأبي حنيفة 6، لعموم الخبر لأن كل من جاز أن يقتل بالقتل جاز أن 7 يقتل بالردة كالرجل، ولأنه سبب يقتل به الرجل فجاز أن تقتل به المرأة كالقتل وإنما قلنا إنه لا يورث وأن ماله فيء خلافًا لمن قال إنه يورث 8، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" 9 ولأنه ممن لا يرث بحال فلم يورث كالعبد، ولأنه مات كافرا فلم يرثه مسلم كالكافر الأصلي، وإنما لم نفصل ما بين ما ملكه قبل ردته أو في حالها
لأبي حنيفة في قوله أن يورث عنه ما كان له قبل الردة دون ما كسبه فيها 1، لأن الخبر عام، ولأنه مال مات عنه فأشبه ما كسبه حال ردته.
فصل [3 - في عدم قبول توبة الزنديق]:
لا تقبل توبة الزنديق 2: وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإِسلام خلافًا للشافعي 3، لأنا لا نصل إلى العلم بتوبته 4 لأنه لم يكن له ظاهر يرجع عنه فيستدل منه على تركه له، ولأن التوبة من المعصية المستتر بها لا تسقط الحد 5 الواجب فيها كالزنا والسرقة.
وإذا انتقل الكافر من ملة إلى ملة أخرى من الكفر لم يتعرض له 6 خلافًا للشافعى في قوله أنه يقتل إذا لم يسلم 7، لأن الدين الذي انتقل إليه مما يجوز الإقرار عليه فجاز أن يقر عليه الانتقال كما لو كان ابتداء، ولأنه لو كان يعقوبيًّا 8 فصار نسطوريًّا 9 لم يترض له لأنه انتقال من كفر إلى كفر فكذلك إذا انتقل من النصرانية إلى اليهودية.
باب [في حد السحر]
:
والسحر له حقيقة خلافًا لمن نفاه 1، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ 2 فجعلهم كفرة، فثبت أن له حقيقة فإذا فعل السحر بنفسه لم يستتب فإن قال قد تبت لم تقبل توبته 3 خلافًا للشافعي 4، لأنه مستتر به فلا تقبل التوبة منه كالزنديق 5، ولأن علمه به وفعله له كفر عندنا بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ 6 أي لا تتعلم السحر، ولأن الآلام الواصلة إلى الحيوان التي تضر بهم وتقتلهم 7 من فعل الله تعالى وهو المنفرد بالقدرة عليها واعتقاد الإنسان أن ذلك فعله وأنه قادر عليه كفر.
وأما إذا 8 دفع شيئًا إلى من عمل له السحر فلا يقتل لأنه ليس بساحر بهذا الفعل وهو كمن دفع مالا إلى رجل ليقتل له إنسانًا فلا يقتل الدافع للمال ولا يكون قاتلًا بذلك.
...
باب [في الغسل والصلاة على المقتول من الفئة الباغية]
والمقتول من الفئة الباغية يغسل ويصلى عليه 1 خلافًا لأبي حنيفة 2، لأن بغيه لا يخرجه عن أحكام الملة كالعدل، ولا يتبعون فيما استهلكوا من مال ولا دم إذا كان القتال على تأويل دين لإجماع الصحابة على ذلك في قتال 3 يوم الجمل وصفين 4 وهما من وقائع الإِسلام، ولأنهما فئة امتنعت وأتلفت بتأويل فلم يلزمها ضمان كأهل الحرب إذا أتلفوا مالا على المسلمين.
...
باب [الحرابة]
المحارب هو: القاطع للطريق المخيف للسبيل الشاهر للسلاح الطالب للمال فإن أعطي وإلا قاتل عليه كان في العصر أو خارج العصر، فهذا إذا ظهر عليه قبل توبته أقيم عليه حد الحرابة: وهو القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف أو النفي أو الحبس، وذلك موكول إلى اجتهاد الحاكم على ما يراه كافيًا في ردعه وزجره، فإن كان ذا قوة وبطش ورأى وتدبير ويجتمع 1 إليه ويتحيز إلى جهته فهذا حدهُ القتل، (وإن كان ذا قوة وبطش فقد: قطع من خلاف، وإن كان الذي ليس فيه ذلك وإنما فعله مره ولعله أن يتوب فهذا يضرب على ما يراه الإمام وينفي فيحبس بغير بلده) 2 إلى أن تظهر توبته، ويجوز قتل المحارب وإن لم يكن قتل، وإذا جاء تائبًا قبل القدرة عليه سقط عنه حد الحرابة وآخذ بحقوق الناس قبله 3 من قتل وقطع وأخذ مال.
ويقتل في الحرابة المسلم بالكافر والحر بالعبد، ولا يجوز فيه لولي الدم عفو، وحكم اللص وحكم المحارب، وللرجل أن يمانع عن نفسه وماله فإن قتل فشهيد وإن آل إلى قتل اللص فهدر لا شيء فيه 4.
فصل [1 - في العمل في المحارب]:
قد بينا أن حكم المحارب على التخيير، وأنه موكول إلى اجتهاد الإمام، وقال
أبو حنيفة والشافعي هي على الترتيب 1 فلا يقتل من لم يقتل ولا يصلب ولا يقطع فإن قتل ولم يأخذ مالا قتل فقط ولم يقطع ولم يصلب، وإن أخذ مالًا 2 ولم يقتل قطع، وإن قتل وأخذ المال قال أبو حنيفة: الإمام مخير إن شاء جمع القطع والقتل وإن شاء جمع القطع والصلب (ثم قتل بعد الصلب، وإن شاء جمع بين القتل والصلب 3) 4، وقال الشافعي يقتلهم خنقًا ويصلبهم 5، فدليلنا على أن له أن يقتله، وإن لم يكن قتل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ 6 الآية، ولم يشترط أن يكونوا قتلوا، ولأنه خير بين هذه الحدود فدل على سقوط الترتيب، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أشهر سيفه ثم وضعه وجب 7 دمه" 8 وإنما قلنا إذا جاء تائبًا قبل القدرة عليه يسقط عنه حد الحرابة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 9 فأخبر بأن التوبة قبل القدرة تسقط حد الحرابة لأنه استثناه ممن أخبر بأن جزاءه القتل وغيره.
وإنما قلنا إن حقوق الناس قبله لا تسقط لأن التوبة لا تأثير لها في حقوق
الآدميين، ألا ترى أن من غصب رجلا شيئًا وأتلفه ثم تاب فإن بدله واجب عليه كذلك القتل والجراح 1 وغيره، ولأن التوبة من هذه الأشياء إذا انفردت عن الحرابة لا تسقط حقوق الناس 2 المتعلقة بها فكذلك إذا انضمت إليها.
وإنما قلنا يقتل فيها المسلم بالكافر والحر بالعبد لأن ذلك ليس بقتل قصاص فيمتنع ويراعى فيه تكافؤ الدماء وإنما هو لحق الله ولذلك قلنا إنه لا عفو لولي الدم لأن قتله ليس لأجل البدل عن قتل وليه يدل عليه إذا سقط عنه القتل لحق الله وصار حينئذ قتل قصاص فثبت للولي حق العفو، وإنما قلنا أن حكم اللص حكم المحارب لأنه طالب للمال آخذ للنفوس غلبة فكان نوعًا من المحاربة، وإنما قلنا إن للإنسان دفعه عن ماله ومنعه وأنه لا شيء في قتله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل دون ماله فهو شهيد" 3، فلولا أن قتله 4 بحق وإلا لم يكن شهيدًا بالقتل، وروي أن امرأة خرجت تحتطب فتبعها رجل فراودها عن نفسها فرمته بحجر فقتلته فوقع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: قتيل الله والله لا يودى أبدًا فأهدر عمر رضي الله عنه 5 دمه 6 ولأنه إذا قصد غيره ظلما 7 طلبا لقتله أو ماله فالمقصود مضطر إلى دفعه عن نفسه فكان اللص معاونا فوجب أن يهدر دمه.
باب [في دفع الصائل من البهائم]
وإذا صال الفحل 1 أو غيره من البهائم على الإنسان وخافه على نفسه فله دفعه عن نفسه: فإن أدى ذلك 2 إلى قتله فلا ضمان عليه 3 خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه يضمنه 4 لأنه قتله بدفع مباح فلم يضمنه كالآدمي، ولأن حرمة الآدمي أعظم من حرمة البهيمة 5، فإذا لم يضمن في الآدمي ففي البهيمة أولى، وهذا إذا قامت له بينة بما يدعيه فأما إن لم يعلم إلا بقوله فإنه يضمن لأنه مقر بإتلاف مال غيره ومدع الإباحة وسقوط الضمان فلا يقبل قوله بدعواه.
فصل [1 - إذا نزع المعضوض يده من فم العاض فذهبت أسنانه]:
ومن عض أصبع رجل فنزع المعضوض يده من فم العاض فذهبت أسنانه فعلى الجابذ ضمانه، وقال يحيى بن عمر 6 من أصحابنا لا ضمان عليه 7 وقاله أبو حنيفة والشافعي 8، فوجه قول مالك أن العاض لم يقصد النفس وإنما قصد العض نفسه والذي يستحق بإتلاف ذلك العض غير ما فعل به فوجب أن يكون
كل واحد ضامنا ما جنى على الآخر كمن قلع عين الرجل فقطع الآخر يده فإنهما ضامنان ووجه قول يحيى بن عمر أنه دفعه بدفع مباح فلم يضمن ما كان عليه أصله إذا أراد النفس 1.
فصل [2 - فيما يجنيه الطبيب مما لم يقصده]:
وما أتى على يد الطبيب مما لم يقصده فيه روايتان 2: إحداهما أنه يضمنه، والأخرى أنه لا يضمنه فإذا قلنا إنه يضمن فلأنه قاتل خطأ فوجب أن يضمن كغير الطبيب، وإذا قلنا إنه لا يضمن فلأنه يولد عن فعل مباح مأذون له فيه كالإمام إذا حد إنسانًا فمات.
فصل [3 - من حفر بئرًا في موضع ليس له أن يحفر فيه فعطب فيه إنسان]:
من حفر بئرًا في موضع ليس له أن يحفره فيه فعطب فيه إنسان فهون ضامن لأنه قاتل خطأ متعد بحفره في ذلك الموضع، ولو كان في موضع له حفره لم يلزمه ضمان، وكذلك ممسك الكلب العقور عليه ضمان ما تلف به من نفس أو مال، وكذلك صاحب الحائط المستهدم إذا أشهد عليه أو بلغ من الخوف على الناس من وقوعه إلى حيث يعلم ذلك من حاله، ونكت جميع هذه المسائل تعديهم بتبقية جميع هذه الأشياء على الوجه الذي يتعدى أذاه إلى الغير وفعلهم من ذلك ما ليس لهم فعله فلزمهم ضمان ما يحدث عنه 3.
فصل [4 - ما أفسدته المواشي نهارًا]:
ولأهل المواشى إرسالها نهارًا المرعى، ويلزم أرباب الزرع والحوائط حفظها نهارًا فما أفسدته فلا شيء على أربابها لأنه مأذون لهم في إرسالها لضرورتها إلى الرعي فالتفريط من قبل أرباب الحوائط بإهمالها وترك حفظها مع علمهم يكون
المواشى مرسلة ولا بد أن تعيث 1 وتفسد وأما ما أفسدته ليلا فعلى أربابها ضمانه لأن عليهم حفظها ليلا ومنع إرسالها 2 وقال أبو حنيفة إن كان صاحبها معها فعليه الضمان وإن لم يكن معها فلا ضمان عليه 3 فاعتبر في الضمان كون صاحبها معها ولم يعتبر الليل ولا النهار 4 ودليلنا حديث البراء أن ناقته دخلت حائطا فأفسدته فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى أن على أهل الأموال حفظها نهارًا وعلى أرباب المواشى حفظها ليلًا 5، ففرق بين الليل والنهار فسقط قول من لا يعتبرها، وقد فرقنا بينهما بما ذكرناه، وبالله التوفيق.
...