المعونة على مذهب عالم المدينةصفحات 577-600
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المناسك

صفحات 577-600
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

محسر 1، فإنه لا يبيت به، ويحرك دابته في المسير إذا انتهى إليه، ثم يمكث بها حتى يصلي الصبح، فإن لم يبت فعليه دم ثم يأتي المشعر الحرام فيقف به ويدعو، ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى مِنَى، وللإمام أن يقدم ضعفة أهله من مزدلفة إلى مِنَى ليلة 2 النحر.
وإذا جاء مِنَى بدأ برمي جمرة العقبة راكبًا إن قدر فيرميها وحدها ثم ينحر هديًا إن كان معه، ثم يحلق أو يقصر والحلاق أفضل، وإن قَدَّم العلائي على النحر أو النحر على الرمي فلا شيء عليه، وإن قدَّمِ العلائي على الرمي فعليه دم، ثم يرجع إلى مكة فيطوف ويركع ثم يعود إلى مِنى.
وأما المراهق 3 فيمضي على وجهه إلى عرفة فيفعل ما وصفناه، وإذا طاف للإفاضة سعى عقيبه ولا دم عليه لترك طواف القدوم وإن تركه غير المراهق فعليه دم.
فصل [1 - في أن الطواف ثلاثة]: وإنما قلنا: إن الطواف ثلاثة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلف بعده لم يأتوا بزيادة على ذلك إلا ما بينوا أنه تطوع مبتدأ لا تعلق له بفروض الحج ولا بسنته.
فصل [2 - السعي عقيب الطواف]: وإنما قلنا: إنه يسعى عقيب طواف القدوم لما رويناه من فعله صلى الله عليه وسلم لذلك 4، فإن فاته سعى عقيب طواف الإفاضة لأن السعي لا يكون إلا عقيب طواف، ولتقرر الإجماع على ذلك 5.

فصل [3 - حكم طواف القدوم]: وإنما قلنا: إن طواف القدوم مسنون، وربما عبر عنه أصحابنا بالواجب 1 لشدة تأكده 2 لفعله صلى الله عليه وسلم له 3، ولأنه شرط في ركن من أركان الحج وهو السعي، فكان من متأكد السنن.
فصل [4 - الخروج إلى مِنَى]: وإنما قلنا: إنه إذا فرغ من السعي خرج إلى مِنَى ليصلي بها يوم التروية لما روي أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، رواه ابن عباس 4، وجابر 5، وأنس 6. فصل [5 - متى يقطع الحاج التلبية]: وإنما قلنا: إنه يقطع التلبية بعرفة بعد الزوال خلافًا للرواية الأخرى 7، ولمن ذهب إليها 8، وهي أنه يقطع عند جمرة العقبة، لإجماع الصحابة عليه، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وابن عمر وعائشة وسعد وجابر

وابن الزبير وأُم سلمة 1 رضي الله عنهم 2، وذكر مالك أنه إجماع أهل دار الهجرة 3، ولأن التلبية إجابة للنداء بالحج دعى إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعى إليه، فقد انتهى إلى غاية ما أمر به، فلا معنى لاستدامتها.
فصل [6 - في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة]: وإنما قلنا: إنّه يجمع بعرفة بين الظهر والعصر لما روي جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك 4. فصل [7 - الوقوف يتلوا الصلاة]: وإنّما قلنا: إنه يتلوا ذلك بالوقوف لورود الرواية بذلك من حديث جابر (5)، وغيره، ولنقل الأُمة إياه بالعمل 5. فصل [8 - الوقوف بعرفة راكبًا]: وإنما استحببنا أن يقف راكبًا لأنه صلى الله عليه وسلم وقف راكبًا على راحلته القصواء 6، ولأن الركوب أعون على الوقوف وأمكن له في الدعاء أروح من التعب.
فصل [9 - الوقوف في أي موضع سوى بطن عرنة]: وإنما قلنا: أن يقف أي موضع شاء سوى بطن عرنة لقوله صلى الله عليه وسلم: "عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة" 7.

فصل [10 - زمن الوقوف بعرفة]: وإنما قلنا: إنه يقف إلى الغروب لأنه صلى الله عليه وسلم كذلك فعل 1، وإنما قلنا: إنه إن دفع قبل الغروب ولم يرجع فيقف جزءًا من الليل، فقد فاته الحج خلافًا، لأبي حنيفة والشافعي 2، لما روي عليّ 3 وجابر 4، وأسامة 5 أنه صلى الله عليه وسلم دفع حين غابت الشمس، ففيه دليلان: أحدهما فعله، والآخر قوله: "خذوا عني مناسككم"، وروي عطاء عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أدرك عرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة بليل، فقد فاته الحج" 6، ولأنه لم يقف بعرفة جزءًا من الليل، وكان كالواقف قبل الزوال، ولأن النهار لو كان وقتًا للوقوف لاستوى أوله وآخره كالليل.
= عرفة كلها موقف: 3/ 232، وقال: حسن صحيح، وأحمد: 5/ 82، والبيهقي: 5/ 239، والحاكم: 1/ 462، وغيرهم مع اختلاف في ألفاظ الحديث.

فصل [11 - الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء بمزدلفة]: وإنما قلنا: إنه يمضي إلى مزدلفة فيجمع بها بين العشائين 1 , لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك فعل، رواه جابر 2، وأسامة (3) وغيرهما، وهذا الجمع عندنا سنة مؤكدة، فإن صلى المغرب في وقتها بعرفة والعشاء في وقتها، فقد ترك السنة والاختيار ويجزيه خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا يجزيه 3؛ لأنهما صلاتان سن الجمع بينهما في وقت إحداهما، فلم يمنع ترك الجمع بينهما جوازهما أصله الظهر والعصر بعرفة.
فصل [12 - في المبيت بمزدلفة]: وإنما قلنا: إنه يبيت بها لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك فعل 4، وإنما قلنا: إنه يبيت أي موضع شاء منها إلا بطن محسر لقوله صلى الله عليه وسلم: "مزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر" 5. فصل [13 - حكم المبيت بمزدلفة]: والمبيت بالمزدلفة سنة يجب بتركها بغير عذر الدم 6، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا شيء فيه 7، ولأنه صلى الله عليه وسلم بات بها ولم يرخص في ترك ذلك إلا للضعفاء ورعاة الإبل 8، فوجب كونه مسنونًا.

فصل [14 - الوقوف بالمشعر الحرام عند الإسفار]: وإنما قلنا: إنه يقف بالمشعر الحرام 1 فيدعوا ثم يدفع عند الإسفار لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ 2، وفي حديث جابر: "أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فرقى واستقبل القِبْلة فحمد الله وكبره وهلله، ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا ثم دفع قبل طلوع الشمس" 3، وفي حديث آخر أنه قال: "كان أهل الشرك يدفعون بعد طلوعها حيث تعتم بها رؤوس الجبال، وإنا ندفع قبل طلوعها هدينا مخالف هدي أهل الشرك والأوثان 4. فصل [15 - في تقديم دفع الضعفة من مزدلفة]: وإنما أجزنا للإمام تقديم ضعفة أهله، وكذلك رعاة الإبل لإرخاصه صلى الله عليه وسلم في ذلك 5، ولأن فيه رفقًا بهم وتخفيفًا عنهم، وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون هذا الإرخاص بشرط الدم، والظاهر خلافه.
فصل [16 - رمي جمرة العقبة]: وإنما قلنا: إنه يأتي مِنَى فيرمى جمرة العقبة، لما روى جابر: "أنه صلى الله عليه وسلم دفع من مزدلفة فذكر ... إلى أن قال: حتى أتى الجمرة عند

الشجرة فرماها 1 بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، وكل حصاة منها كحصاة الخذف 2 " 3. فصل [17 - من أين ترمي الجمرة]: والمستحب أن يرميها من بطن الوادي ولا يرميها من فوقها, لما روي عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: أنه رمى الجمرة من بطن الوادي ثم قال: "والذي أنزلت عليه سورة البقرة لقد رأيته يرمي ببطن الوادي صلى الله عليه وسلم" 4 روي عن عبد الله بن مسعود 5 نحوه 6. فصل [18 - في نحر الهدي]: وإنما قلنا: ينحر هديًا إن كان معه بعد الرمي؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك فعل رمى الجمرة ثم نحر البدن 7. فصل [19 - الحلاق بعد الإتمام]: وإنما قلنا: إنه إذا أتم حلق رأسه لأنه صلى الله عليه وسلم حلق بعد أن نحر، رواه ابن عباس قال لما رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمرة أتى بنسكه فنحره ثم دعى الحلاق فقال: "ابدأ بالشق الأيمن" 8.

فصل [20 - في الحلاق]: الحلاق نسك يثاب فاعله خلافًا لأحد قولي الشافعي أنه مباح بعد حظر وليس بنسك 1 لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ 2، فوعدهم بدخولهم على هذه الصفة ممتنًا عليهم بها، فدل على تعلق الفضيلة بها، وقوله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله المحلقين ثلاثًا"، قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين" 3 وهذه المبالغة بتكرار الدعاء، فدل على الفضيلة، وقوله: "ليس على النساء حلاق وإنما عليهن التقصير" 4، ولأنه قول عمر وابنه 5 ولا مخالف لهما.
فصل [21 - في تقديم النحر على الرمي أو الحلاق على النحر]: وإنما قلنا: إنه إن قدم النحر على الرمي أو الحلاق على النحر جاز لما روى عبد الله بن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح فقال: "اذبح ولا حرج"، وجاءه آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر نحرت قبل أن أرمي، فقال: "إرم ولا حرج" 6. فصل [22 - فيمن حلق قبل الرمي]: وإنما قلنا: إنه إن حلق قبل الرمي فعليه دم 7 خلافًا للشافعي 8، لقوله

عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 1، ولأنه صلى الله عليه وسلم رمى ثم نحر ثم حلق 2، ولأنه حلق في إحرام منعقد لم يتحلل منه فأشبه قبل النحر 3. فصل [23 - في أفضلية الحلق]: وإنه شاء حلق وإن شاء قصر والحلاق أفضل للظاهر 4، والخبر 5، وسنة النساء التقصير لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على النساء حلاق وإنما على النساء التقصير" 6، ولأنه شهرة فيهن، والسنة إيعاب الرأس وأكثره، لما روي: "من عقص أو لبد فعليه الحلاق" 7، والمعنى فيه تعذر الاستيفاء مع العقص 8، والتلبيد 9، ولأنه حكم تعلق بالرأس في الشرع عبادة كالمسح.
فصل [24 - في الإفاضة]: وإنما قلنا: إنه إذا فعل ذلك عاد إلى مكة فأفاض ثم عاد 10 إلى مِنَى لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ 11، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

كذلك فعل، روى جابر أنه صلى الله عليه وسلم نحر ثم ركب فأفاض إلى البيت 1، وصلى بمكة الظهر" 2، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: "ثم رجع إلى مِنَى فمكث بها ليالي أيام التشريق" 3. فصل [25 - في أن المراهق يترك طواف القدوم]: وإنما قلنا: إن المراهق يمضي إلى عرفة ويترك طواف القدوم؛ لأن ذلك عذر يسوغ له تركه متى تشاغل به خاف فوات الحج ولا دم عليه؛ لأن ترك السنة مع العذر جائز، وفي تركه لغير عذر الدم اعتبارًا بسائر السنن المؤكدة.
فصل [26 - في رمي الجمار]: جملة ما يرمي من حصي الجمار يوم النحر وأيام مِنَى 4 سبعون حصاة منها جمرة العقبة يوم النحر بسبع، وفي أيام مِنَى كل يوم يرمي الثلاث بإحدى وعشرين حصاة كل جمرة بسبع، هذا لمن لم يتعجل فإذا تعجل رمى تسعًا وأربعين وسقط عنه رمي اليوم الآخر وهو إحدى وعشرين حصاة.
فصل [27 - متى ترمى الجمار أيام التشريق]: ولا يرمى الجمار أيام مِنَى إلا بعد الزوال 5، خلافًا لأبي حنيفة في إجازته ذلك في ثالث أيام التشريق 6 لما روى جابر قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

يرمي يوم النحر ضُحِّي، فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس" 1، ورواه ابن عباس 2، وعائشة 3، واعتبارًا باليوم الأول والثاني.
فصل [28 - استحباب الرمي يوم النحر راكبًا وأيام مِنَى ماشيًا]: المستحب أن يرمي يوم النحر راكبًا وأيام مِنَى ماشيًا , لأنه صلى الله عليه وسلم كذلك فعل 4، ولا يقف عند جمرة العقبة ويقف عند الأولى والثانية، وكذلك في حديث عائشة 5، وعبد الله بن عمر 6، وروي عن عمر 7، وابنه 8. فصل [29 - رمي السبع رمية واحدة]: ولا يجزيه أن يرمي السبع رمية واحدة 9 خلافًا لأبي حنيفة 10،

لأنه صلى الله عليه وسلم رماها سبع رميات، ولأن المستحق عليه أعداد الرمي به.
فصل [30 - صفة التعجيل]: صفة التعجيل أن ينفر ثالث النحر بعد رميه ما لم تغلب الشمس، فهذا فعل ذلك سقط عنه رمي الغد والأصل فيه قوله تعالى 1: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 2، ولأنه صلى الله عليه وسلم رخص فيه لرعاة الإبل في البيتوتة 3 يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ليومين ثم ينفرون 4، فإن غابت الشمس عليه قبل أن ينفر لزمه المبيت لدخول الوقت الذي ينفر عنه.
فصل [31 - حكم طواف الوداع]: طواف الوداع مستحب 5 لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" 6، وروي عن عمر 7 وغيره.
فصل [32 - عدم وجوب طواف الوداع]: وليس بواجب خلافًا لأبي حنيفة 8، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث

صفية: "أحابستنا هي" 1، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذن، فلو كان واجبًا لكان يقف عليها كطواف الإفاضة، ولأنه طواف يفعل خارج الإحرام كالتطوع.
فصل [33 - لا يجب الدم بترك طواف الوداع]: ولا يجب الدم بتركه خلافًا للشافعي 2؛ لأن الحائض تتركه ولا دم عليها، ولأنه طواف خارج الإحرام كالتطوع.
فصل [34 - هل يشرع طواف الوداع للمقيمين بمكة؟]: وليس بمسنون للمقيمين بمكة لأن الوداع يقتضي مفارقة الموضع، وذلك لا يوجد في أهل مكة، ولأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا يصدرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" 3، فخاطب بذلك من يريد الانصراف.
...

باب: [في الإحصار]

ومن أحصر 1 بعذر فله التحلل 2، وينحر هديًا إن كان معه وينصرف ولا هدي عليه سواء كان حاجًّا أو معتمرًا في الحرم وغيره 3، "لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك يوم الحديبية تحلل ونحر وانصرف" 4. فصل [1 - لا هدي على المحصر بعدو]: ولا هدي عليه لأجل تحلله 5 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 6؛ لأنه تحلل مأذون له فيه غير منسوب إلى تفريط ولا إدخال نقص، فلم يلزمه فيه هدي اعتبارًا به إذا أكمل حجه، ولأنه لما خفف بإجازة التحلل من إحرام قد عقده كان بأن يخفف عنه من إيجاب هدي أولى.
فصل [2 - المحصر بعدو لا يقضي]: ولا قضاء عليه لما تحلل منه 7 خلافًا لأبي حنيفة 8 , لأنه ممنوع عن

الوصول إلى فعل المناسك بيد غالبة فلم يلزمه قضاء أصله إحرام العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن زوجها على الصحيح من المذهب، ولا يلزم عليه للضرورة لأن ما يلزمه ليس بقضاء، بل هو الواجب عليه في الأصل، ولأنه صلى الله عليه وسلم تحلل هو وأصحابه ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء، ولا روي عنهم أنهم قضوا.
فصل [3 - التحليل بعُمرة لمن أحصر بمرض ونحوه]: ومن أحصر بمرض أو بأي شيء سوى حصر العدو فلا يتحلل إلا بعمل 1 العُمْرة خلافًا لأبي حنيفة 2؛ لأنه متلبس بالحج لم يصده عنه يد غالبة، فكان كمخطيء الوقت، ولأن كل من لا يستفد بتحلله تخلصًا من الأذى فلا يجوز له التحلل كالضال عن الطريق عكسه المحصور بعدو.
فصل [4 - وجوب الدم على من أحصر بمرض]: وعليه دم لتحلله 3 لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 4 معناه: فحللتم، ولا يجوز ذبحه إلا بمكة أو بمِنَى، خلافًا للشافعي في قوله: إنه ينحره حيث أحصر 5، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 6 فعم، ولأنه موضع تحلله يجب أن يكون محل هديه ألا ترى أن المحصور بعدو لما كان يحل حيث أحصر كان ذلك الموضع محل هدي إن كان ساقه.

فصل [5 - ليس على من أحصر فعل بقية المناسك سوى العُمرة]: وليس عليه ولا على من فاته الحج رمي ولا فعل بقية المناسك سوى عمل العمرة فقط 1، خلافًا للمزني 2؛ لأن أعمالك الحج توابع للوقوف، فإذا فات المتبوع سقطت توابعه 3. ...

باب: [الوطء في الإحرام]

الوطء في الإحرام ممنوع لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ 1، فإذا وطيء عامدًا في الفرج أفسد حجه وعمرته بلا خلاف 2، وكذلك الناسي خلافًا للشافعي 3 لأنه وطء صادف إحرامًا منعقدًا كالعمد.
فصل [1 - فساد الحج والعُمرة بالإنزال]: كل إنزال 4 عن نوع من الاستمتاع يفسد الحج والعُمْرة كالإنزال في الوطء دون الفرج أو مع القبلة أو اللمس أو غير ذلك 5، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 6 لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ 7، ولأن الإنزال هو المقصود وهو أبلغ من الإيلاج، فإذا كان الإيلاج يفسده فالإنزال أولى، ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج، فالإنزال مع المباشرة يفسدها أصله الصوم.
فصل [2 - إذا حصل ذلك قبل الوقوف أو بعده]: لا خلاف أن ذلك إن حصل قبل الوقوف، فإنه يفسد الحج، فأما بعده وقبل الرمي، فالظاهر أنه يفسده أيضًا، وبه قال الشافعي 8، وقد قيل: لا يفسده وهو قول أبي حنيفة 9، فإذا قلنا: يفسده، فالعِلَّة بقاء الإحرام وعدم التحلل

كالوطء قبل الوقوف، وإذا قلنا: لا يفسده فالعِلَّة أمن الفوات كالوطيء بعد الرمي والطواف.
فصل [3 - فيمن وطيء بعد الرمي وقبل الطواف]: وأما الوطء بعد الرمي وقبل طواف الإفاضة، فالظاهر من قول مالك رحمه الله 1: أنه لا يفسد، وعنه رواية: أنه يفسده 2، فعلة الرواية الظاهرة أنه وطء في إحرام منحل كالوطء بعد التحلل الكامل، وعلة الرواية الأخرى أن كمال التحلل لم يحصل فحرمة الإحرام مبقاة كقبل الرمي.
فصل [4 - إذا قلنا: لا يفسد حجه عليه الهدي والعُمرة]: إذا قلنا: إن حجه لا يفسد فعليه العمرة والهدي بعد أن يطوف (3) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3 في قولهما: لا عُمرة عليه, لأن ذلك مروي عن ابن عباس 4، ولأن عليه أن يأتي بالطواف والسعي في إحرام لا وطء فيه.
فصل [5 - المضي في الحج على من أفسده]: إذا أفسد حجه مضى عليه حتى يتمه ولم يخرج منه بالفساد، وكذلك العمرة 5 خلافًا لمن قال: أنه يرى قضاء ويستأنف إحرامًا جديدًا 6 , لأنه إجماع الصحابة 7، ولأنه سبب يجب معه قضاء الحج فلم يخرج به من الإحرام أصله الفوات.

فصل [6 - القضاء والهدي على من أفسد حجه]: وعليه القضاء والهدي في الفساد لأن ذلك إجماع السلف، ولأنه إن كان فرضًا فهو باق في الذمة لأن الفاسد في الذمة لا يبريء من الصحيح، وإن كان متطوعًا فقد لزمه بالدخول فيه.
وأما الهدي فلأنه لما كان يلزم بترك شعيرة من شعائره كان بأن يلزم في النص بإفساده أولى، ولأن الفوات يجب به الهدي للتأخير، فكذلك الفساد، وكذلك روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم 1. فصل [7 - التفريق بين الزوجين إذا أفسدا حجهما]: يفترق الزوجان إذا أفسدا حجهما وأرادا قضاء 2 خلافًا لأبي حنيفة 3، ومن حيث يحرمان لا من حيث أفسداه خلافًا للشافعي 4 في قوله: من حيث أفسداه لأن ما قلناه مروي عن عثمان وعليّ وابن عباس 5، ولأنهما يتذاكران ما كان منهما فيدعوهما ذلك إلى إفساده ثانية، وإنما لم يؤخراه عن وقت الإحرام إلى وقت الإصابة؛ لأن الذي أُمرا لأجله بالافتراق هو خوف الفساد ثانية، وليس آخر الإحرام بأولى بالاحتياط من أوله.
فصل [8 - في تكرار الوطء]: ولا يجب بتكرار الوطء هدي 6 خلافًا لأبي حنيفة 7 لأنه وطء لم يفسد به الحج فلم يجب به هدي أصله إذا وطيء قبل التكفير.

فصل [9 - في حج الصغير]: الصغير له حج 1 خلافًا لأبي حنيفة 2 لقوله صلى الله عليه وسلم وسألته المرأة ألهذا حج؟، قال: "نعم ولك أجر" 3، ولأنه ممن له صلاة فكان له حج كالكبير.
فصل [10 - ما زاد على نفقة الصغير]: وما زاد على نفقته في الحضر من مال الولي 4 خلافًا للشافعي 5، وكذلك ما قتل من صيد أو ما يحتاج إليه من فدية, لأن الصبي لا حاجة به إلى الحج وليس من الإصلاح والحظ إلزامه نفقة فيما لا يحتاج إليه، وكذلك جزاء ما قتل من صيد لأن الولي سبب ذلك.
فصل [11 - حكم الحج للعبد إذا أعتق والصبي يبلغ والكافر يسلم يدركون الوقوف]: العبد إذا أعتق والصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم، فأدرك كل واحد منهم الوقوف بعرفة جزءًا من الليل، فأحرم ووقف، فقد أدرك الحج، فإن دخل العبد في الإحرام حال رقه أو إحرام الولي بالصبي حال صغره ثم عتق 6 العبد وبلغ الصبي، وهما في الإحرام فإنهما يمضيان على ذلك الحج، ويكون تطوعًا على ما كانا عليه ولا ينقلب فرضًا 7؛ لأنه ليس في الأصول عبادة تفتتح تطوعًا ثم تنقلب فرضًا كالصلاة والصوم، فإذا ثبت هذا فعليهما حجة الإِسلام لأنها باقية في الذمة لا تسقط بالتطوع.

فصل [12 - التقليد والإشعار]: ومن ساق بدنه قلدها 1 "لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلد بدنه وأشعرها" 2، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن الإشعار بدعة 3، لما روي ابن عباس: "أنه صلى الله عليه وشلم أشعر بدنته من الجانب الأيمن وسلت الدم عنها" 4، والفائدة في التقليد والإشعار أن يعلم من رآه إذا ضل أنه هدي قد أوجب فلا يقدم عليه، وصفة الإشعار أن يشق في عرض سنامها في جانبه الأيسر، ويستحب له أن يسمي الله تعالى عند الإشعار كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - 5، والاختيار نحر البدن قيامًا لأنه صلى الله عليه سلم نحرها قائمة 6، فإن صعبت عقلها 7 ليتمكن من نحرها.
فصل [13 - الأكل من الهدي]: ويؤكل من الهدي كله إلا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد ونسك الأذى ونذر المساكين 8 وما عدى ذلك من هدي التمتع والقِران ومجاوزة الميقات والفوات والإفساد وغير ذلك سوى ما ذكرناه فإنه يؤكل، ووافقنا أبو حنيفة في هدي

التمتع والقِران، وخالفنا في الواجب بحكم الإحرام 1، ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ 2، وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ 3، ولأنه هدي لم يسم للمساكين ولا يدخل فيه إلا طعام كالتطوع واعتبارًا بالضحايا والعقيقة.
فصل [14 - عدم الأكل من جزاء الصيد]: وإنما قلنا لا تؤكل من جزاء الصيد لأن الله تعالى جعله للمساكين بقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ 4، وكذلك نسك الأذى لقوله صلى الله عليه وسلم: "أو إطعام ستة مساكين" 5، وما سماه هو للمساكين فقد نذره لهم فلا يجوز له الرجوع فيه.
فصل [15 - ما عطب من هدي التطوع]: وما عطب من هدي التطوع قبل محله لم يجز له أكله لأنه قد يتهم أن يكون أعطبه ليأكل منه، فإن أكل منه أبدله 6، لقوة التهمة فيما ذكرناه، وما عطب من واجب جاز أكله لأن عليه بدله فلا فائدة في منعه أكله.
فصل [16 - نكاح المحرم]: لا ينكح المحرم ولا ينكح 7 خلافًا لأبي حنيفة 8 لقوله صلى الله عليه

وسلم 1: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" 2، ولأنها عبادة تمنع الطيب فمنعت عقد النكاح كالعدة، وله أن يراجع لأنه ليس بابتداء عقد وإنما هو استصلاح لما انثلم منه.
فصل [17 - المعتمرة تحيض قبل أن تطوف]: المعتمرة إذا حاضت قبل أن تطوف، فإن كان في وقتها سعة: انتظرت أن تطهر وتتم العمرة ثم تنشيء إحرامًا بالحج، وإن ضاق وقتها وهي تريد الحج وتخاف الفوات أردفت الحج على العمرة وصارت قارنة وعليها الهدي ثم يستحب لها أن تستأنف عمرة 3 بعد الإحلال 4 كما فعل صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها 5. فصل [18 - يوم الحج الأكبر]: يوم الحج الأكبر يوم النحر 6 لأن فيه يقع التحلل ويفتتح الرمي، ولأن الوقوف الذي يتعلق إدراك الحج به هو بليلته المضافة إلى يومه، ولأن ما بعده تابع له.
فصل [19 - أشهر الحج]: وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة 7 لقوله تعالى: {أَشْهُرٌ

مَعْلُومَاتٌ} 1، وأقلها ثلاثة كاملة، ولأن كل شهر كان أوله من أشهر 2 الحج، فكذلك آخره أصله شوال، وفائدة ذلك تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة وبخروجه والله أعلم.
...

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل