كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
النصاب، وإن انفرد النتاج لقوة التسوية 1 بين النصاب ودونه، وتفارق العين لما ذكرناه من تعلق زكاة الماشية بالساعي ومشقة التمييز عليه.
فصل [10 - زكاة الخلطاء]:
للخلطة 2 تأثير في الزكاة وهو أن الخليطين يزكيان زكاة المالك الواحد 3، وقال أبو حنيفة: لا تأثير لها أصلًا 4، ودليلنا قوله: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" 5، فأثبت للخلطة حكمًا زائدًا على الانفراد، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة" 6، فدل ذلك على أن للاجتماع والافتراق تأثيرًا في الزكاة لولا ذلك لم يكن للخشية معنى، ولأن لخفة المؤونة وثقلها تأثيرًا في الزكاة في تخفيفها وتثقيلها اعتبارًا بالسيح 7 والنضح 8، وهذا موجود في الخلطة، فوجب أن يكون لها تأثير في ذلك.
فصل [11 - شروط تأثير الخلطة]:
ولا تؤثر الخلطة إلا إذا كان لكل واحد من الخليطين نصاب، فإن كان جميع المال نصابًا، ولكل مالك دون النصاب أو لبعضهم دونه فلا تأثير
للخلطة 1 خلافًا للشافعي 2 لقوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" 3 فعم، ولأن قصور الملك عن النصاب مسقط للزكاة أصله المنفرد، ولأنه ممن لا يخاطب بالزكاة إذا انفرد، فإذا خالط من هو مخاطب بالزكاة لم يلزمه لمخالطته زكاة كالعبد والذمي، ولأن تأثير خفة المؤونة وتثقيلها هو في تغيير حكم الزكاة من تثقيل إلى تخفيف، أو تخفيف إلى التثقيل لا إلى ابتداء إيجاب أصله السيح والنضح.
فصل 4 [12 - صفات الخلطة المؤثرة]:
وصفات الخلطة المؤثرة هي الراعي والفحل 5 والدلو 6 والمسرح 7 والمبيت، وقد اختلف أصحابنا في المراعي 8 منها، فمنهم من يقول: إذا اجتمعا على صفتين منها فما زاد كانا خليطين أيهما كانت، ومنهم من يقول: إن الاعتبار في ذلك الاجتماع في المرعى والراعي، ومنهم من يقول: الراعي وحده، وإذا قلنا: أن الاعتبار بأكثر من وصف واحد فلقوله: "والخليطان ما اجتمعا في الدلو والمراح والراعي والفحل" 9، فقد ثبت أنه لا يراعي جميع هذه الأوصاف، ولم يقم دليل على وصف واحد فلم يبق إلا ما قلناه، ولأن الخلطة إنما أثرت لتأثيرها في تخفيف المؤونة، ولذلك لا يكون بالوصف الواحد فوجب مراعاة وصف زائد عليه.
ووجه القول بأن المراعي هو الاجتماع في المرعى قوله: "وما كانا من خليطين" 1، فالاسم يحصل بوصف واحد، وقوله بعد ذلك: "والخلطاء ما اجتمعوا في الدلو والمراح" 2، المراد به الغالب من أحوالهم لا أن ذلك شرط، ولأن الخلطة معنى يعتبر به حكم الزكاة، فوجب أن يتعلق على أقل ما يتناوله الاسم الصحيح أصله الزيادة على مائة وعشرين.
ووجه القول بأن المراعاة في ذلك الاجتماع على راع واحد وهو أن ما يعتبر 3 حكمه بالإجماع والانفراد كان المعتبر بالذي يحصل به الجمع، ويكون المجتمع تابعًا كالإمامة في الصلاة لما كانت الصلاة تختلف بالانفراد والاجتماع روعي في ذلك الإمام، فكان الراعي كالإمام في الكفاية به وحده.
فصل [13 - صفة تأثير الخلطة في التخفيف]:
وصفة تأثير الخلطة في التخفيف هو أن يكون مائة وعشرون من الغنم بين ثلاثة لكل واحد أربعون، فيكون عليهم في الانفراد ثلاث شياه، وفي الاختلاط واحدة، وصفة تأثيرها في التثقيل أن يكون لاثنين مائتان وشاة، فلأحدهما مائة وللآخر مائة وشاة، فيكون عليهما في الانفراد شاتان وفي الخلطة ثلاث.
فصل [14 - الخلطة أجل الهروب من الزكاة]:
فإذا ثبت هذا فلا يجوز للمنفردين أن يختلطا ولا للمختلطين أن ينفردا قاصدين بالاختلاط والانفراد تخفيف الزكاة، وصفة ذلك ما ذكرنا من اختلاط الثلاثة المنفردين كل واحد بأربعين ليسقط عنهم شاتان، وانفراد المختلطين بمائتي شاة وشاة ليسقط عنهم بالانفراد شاة، والأصل في ذلك "نهيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين مفترق أو يفرق بين مجتمع خشية الصدقة 4؛ لأن في ذلك
إضرار بالفقراء وذريعة إلى إسقاط حقوقهم قصدًا إلى نقص ما أوجبه الله إكماله لهم.
فصل [15 -]:
إذا ثبت المنع من ذلك فمتى فعل لم يؤثر في حكم الزكاة وأخذ أصحاب الماشية بما كانوا عليه من قبل 1 خلافًا لمن أبى ذلك، لقوله: "ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" 2، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأن في ذلك ذريعة إلى إسقاط حقوق الفقراء لأنه لا يشاء من تجب عليه شاة إلا وجد خلطة تسقط عنه ثلثيها ويبقى عليه ثلثتيهما.
فصل [16 - فيمن بدل عينه بعين أخرى يبنى على حول الأولى]:
وكذلك 3 قلنا: أن من أبدل عينه بعين مثلها أو إبله مثلها أو بقرة ببقرة وغنمه بغنم، فإن ذلك لا يسقط الزكاة عنه وإنه يبنى على حول الأولى 4 خلافًا 5 لأبي حنيفة 6 في قوله في الماشية، وللشافعي في الجميع 7، والأصل ما قلناه من الذريعة إلى سقوط الزكاة، وذلك أن من ملك أربعين من الغنم فتركها حتى قبل الحول بالشيء اليسير أبدلها بمثلها، فإن التهمة تقوى في قصده الفرار من الصدقة لا لغرض سواه، لأن الجنس واحد والفرض واحد لا يتفاوت الاختلاف 8 فيه، فلم يبق ما يحمل أمره عليه إلا الفرار من الصدقة ولأن ملكه
زال عن العين إلى مثلها وجنسها وما يقوم مقام نوعها أو يقاربه، فكان كالعين الأولى للاتفاق في الجنس والفرض، ولأن أبا حنيفة يوافقنا في من كان معه عشرون دينارًا، فابتاع بها سلعة في بعض الحول ثم باعها في آخر الحول بعشرين دينارًا أن عليه الزكاة، فكذلك يجب أن يكون حكمه إذا باعها بمثلها.
فصل [17 - إذا أبدل ماشيته بخلافها]:
إذا أبدل ماشيته بخلافها ففيها روايتان 1: أحدهما: أنه كإبدالها بجنسها فيبنى الثانية على حول الأولى، والثانية أنه يستأنف حولًا للثانية، فوجه الأولى أنه أبدل ماشية تجب فيها الزكاة بماشية تجب فيها الزكاة، فوجب أن يبني 2 الثانية على حول الأولى 3 أصله إذا أبدلها بجنسها، والنكتة في ذلك قوة التهمة بالفرار من الصدقة ولا يلزم عليه العين بالماشية لأن العين جنس والماشية جنس والأغراض فيها متباينة لأن العين تراد للتصرف فيها بالشراء والبيع، إذ لا يستغنى أحد عنها، والماشية تراد للدر 4 والنسل والنماء، وهذا المعنى يستوي فيه الجنس والأجناس وتبيين ذلك أن الخلطة ثبتت في الماضية بين المختلطين ولا تثبت في العين على أن في بيعها بالعين خلافًا أيضًا، ووجه الثانية أن لإبداله 5، وجهًا يحمل عليه بسوى الفرار من الصدقة وهو اختلاف الأغراض وتباين المنافع فضعفت التهمة، فإذا ضعفت حمل الأمر على ظاهره، وكان كإبداله الذهب والفضة بإبل أو غنم والله أعلم.
فصل [18 - عدم قصد الفرار من الصدقة بالجمع والتفريق]:
فأما إذا لم يقصد بالجمع والتفريق الفرار من الصدقة، فإن ذلك جائز، ويزكيها الساعي على ما يجدها عليه من اختلاط أو انفراد، ويقبل قولها أربابها
فيها 1، وإنما قلنا ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" 2، فقيد المنع بالفرار، فدل أنه إذا لم يقصد به ذلك، فإنه جائز، ولأن لهم في ذلك رفقًا ومعونة وأداؤه إلى تخفيف الزكاة مرة كإبداله إلى تثقيلها مرة أخرى، فكان مباحًا كسائر التصرف، وإنما قلنا: إن الساعي يقبل قول أرباب الماشية، ويحمل الأمر على ظاهره؛ لأن عمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسعاته كذلك كانوا يفعلون، ولأن الظاهر أنهم يفعلون ذلك للارتفاق والترفه بالاجتماع على الراعي والمرعى، فأما قصد الفرار من كثرة الزكاة فأمر يبطن ويخالف الظاهر، فوجب أن لا يترك الظاهر ويصار إلى خلافه إلا بأمارة تقوي 3 التهمة في قصده.
فصل [19 - إذا خاف الساعي وجود قصد الفرار من الصدقة]:
إذا خاف الساعي أن يكون قصد الفرار من الصدقة أو أن يكون يستر عنه بعض ماشيته بنقصها من النصاب حمل الأمر على الظاهر من الصدق، وإن أراد استحلافه على ذلك نظر، فإن كان ذلك الإنسان على ظاهر الأمانة والديانة والصدق ولم يعرف منه إدغال ولا كذب ولا خيانة في معاملة، فليس له استحلافه لأن ظاهر حاله ينفي التهمة عنه، ووجب حمله على أداء الأمانة دون خفرها 4، وإن كان المعروف منه خلاف ذلك من قلة مراعاة الدين ومحبة توفير المال من وجهه وغير وجهه، وما يجري عليه معاملته بين الناس من خيانة أو ترك 5 نصفه فإنه يستحلفه 6؛ لأن في ذلك توصلًا إلى استيفاء حقوق الفقراء
إذ قد يجوز أن يكون كتم حقوقهم فيرتدع عن اليمين، ولأن الزكاة حق في مال 1 يستحقه آدمي فجاز إحلاف جاحده إذا عدمت البينة كحقوق الآدميين، فأما إذا كان الفعل مما يقوي التهمة فيه ويكون قبول قول ربه فيه ذريعة إلى إسقاط الزكاة، فإنه يعمل فيه على ما يؤدي إلى استيفاء الزكاة ولا يقبل قول أربابها، وكذلك إذا كان الإنسان معروفًا باللدد 2 ومنع الزكاة والهرب بماشيته، فإنه يزكي ما يجد في يده ولا يلتفت إلى ما يدعيه لقوة الإمارة الدالة على كذبه.
فصل [20 - اجتهاد ساعي الزكاة]:
إذا كانت الماشية نصابًا وهي بين خليطين لكل واحد منهما دون النصاب، فأخذ الساعي منهما الزكاة لزمهما، وصار كحكم الحاكم بما فيه خلاف 3، وإن كانت كلها دون النصاب فأخذ الساعي منها شاة، فذلك ظلم منه لأنه خلاف النص والإجماع ولا يلزم من لم يؤخذ منه ردها على المأخوذ منه، لأن الظلم لا يجب التراد فيه 4.
فصل [21 - في الأوقاص بين الخلطاء]:
الأوقاص على المنفرد لا شيء فيها، وهي ما بين السنين من العدد، فأما بين الخلطاء فتخرج على روايتين 5: إحداهما: وجوب الزكاة فيها، والأخرى سقوطها، وفائدة ذلك في خليطين لهما أربعة عشرة من الإبل لأحدهما خمس وللآخر تسع، فعليهما شاتان، وفي كيفية وجوبها روايتان: إحداهما أن على كل واحد منهما شاة كاملة، وهذا يوجب أن لا شيء في الأوقاص لأن كل شاة
في مقابلة الخمس والأربع عفو، والأخرى أن الشاتين يترادان بينهما على أربعة عشر سهمًا، فيلزم صاحب الخمسة خمسة أجزاء، وصاحب التسع تسعة أجزاء من أربعة عشر، ويمكن أن يقال: أن هذا الاختلاف في صفة الإخراج لا يوجب كون الزكاة في الأوقاص لكنه من مضمون 1 الشركة لقوله صلى الله عليه وسلم 2: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" 3، فوجه القول بوجوب الزكاة في الأوقاص على الوجه الذي ذكرناه قوله: "في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم" 4، وهذا يوجب أن الغنم تؤخذ من الأربع وعشرين ومتى قلنا: أن الأوقاص لا شيء فيها أوجب 5 أن تكون مأخوذة من العشرين وأن تكون الأربع عفوًا، وقوله: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" 6 وهذا يفيد تعليق الزكاة بجميع المال، ووجه القول الآخر -وهو الصحيح- قوله: "ليس فيما دون الخمس ذود صدقة" 7 فعم، وروي: "ليس في الأوقاص شيء" 8، ولأنه وقص قصر قدره عن نصاب فلم يتعلق به وجوب، أصله الأربع من الإبل المبتدأة.
فصل [22 - تأثير الخلطة فيما عدا الماشية]:
لا تأثير للخلطة فيما عدا الماشية من الأموال 9 لقوله: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" 10، فخص بذلك الماشية، ولأن صفات
الخلطة لا تتصور في غير الماشية، فلم يلحق غيرها بها، ولأن الخلطة يرتفق بها الملاك مع بقاء الأعيان على الانفراد والتمييز، وذلك غير ممكن في العين والزرع.
فصل [23 - الزكاة في الخيل]:
لا زكاة في الخيل 1 خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه الزكاة في إناثها 2 لقوله: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" 3، وقوله: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" 4، وقوله: "ليس في الجبهة ولا في الكسعة ولا النخت صدقة" 5، قال أهل اللغة: الجبهة الخيل 6، والكسعة الحمير 7، والنخت الرقيق ولأنه حيوان يقتنى للزينة والركوب كالحمير والبغال، ولأنه حيوان لا يجزي في الضحايا والهدايا كالدجاج والفراخ والوحش، ولأنه حيوان يسهم له كالذكور، ولأنه جنس لا زكاة في ذكوره، فلم يجب في إناثه كالرقيق والبغال عكسه الإبل والبقر 8.
فصل [24 - شرط مجييء الساعي]:
مجيء الساعي شرط في وجوب الزكاة في الجملة 1 خلافًا لمن لم يعتبره 2 لقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" 3، فأضاف ذلك إلى نفسه ولأنه كان ينفر عماله وسعاته إلى أن قبض صلى الله عليه وسلم، وقال لمعاذ: "خذ الصدقة من أغنيائهم فردها في فقرائهم" 4، ولأن أبا بكر رضي الله عنه قاتل أهل الرِّدِّة على امتناعهم من أداء الزكاة إليه 5، ولأنه معنى لو تلف المال قبله لم يلزمه ضمانه فوجب أن يتعلق الوجوب به كالحول.
فصل [25 - تحقيق القول في شرط مجيء الساعي]:
وتحقيق القول في ذلك: أن الزكاة في الماشية تجب بالنصاب والحول وإمكان أدائها إلى الإمام بشرط أنه إن تعذر ذلك في كل سنة كان أمرها مراعًا، فإن جاء الساعي فوجدها على الحال التي كانت عليها أخذ منها الواجب الذي كان له فيها كل سنة، وإن وجدها قد تلفت أو أتلفها المالك بوجه مباح لا يقصد به الفرار من الزكاة لم يضمن، والأصل فيه أن وجوبها لم يتقرر لعدم شرط من شروطه، فكان مجيء الساعي كالخلطة في أنه تارة يخفف وتارة يغلظ، وذلك للضرورة، فإنه لا يجيء في السنة إلا مرة واحدة ولا يتكرر مجيئه، فجعل له أن يزكي المال على ما يجده عليه 6، وكذلك إذا تأخر عن مال سنين، ثم جاء زكاه لتلك السنين على ما يجده عليه والله أعلم.
باب: في زكاة الحبوب والثمار وغيرها
وما أنبتته الأرض من الأقوات وما يجري مجراها من الثمار والحبوب المأكولة المدخرة، ففيه زكاة ولا زكاة فيما أنبتته من غير المأكول لا 1 فيما لا يقتات ويدخر من المأكولات كالفواكه والبقول وما يجري مجراها 2، والأصل في وجوب الزكاة في الحرث والثمار قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ 3 وقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ 4، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت 5 السماء العشر وما سقي بالنضح ففيه نصف العشر" 6. فصل [1 - أنواع الثمار التي تجب فيها الزكاة]: وتجب الزكاة في الثمار في ثلاثة أنواع: وهي التمر والزبيب والزيتون، فأما التمر والزبيب فلا خلاف في وجوب الزكاة فيهما 7، ويدلس عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم: "يخرص مثل النخل ويؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ زكاة التمر تمرًا" 8.
فصل [2 - دليل وجوب الزكاة في الزيتون]:
وإنما قلنا: إن الزكاة تجب في الزيتون إذا بلغ كيلة خمسة أوسق 1، خلافًا للشافعي 2 بقوله: "فيما سقت السماء العشر" 3 فعم، ولأنه حب يقتات زيته غالبًا فأشبه السمسم، ولأن الزكاة تجب في الحمص واللوبياء وأنواع القطاني 4 والزيتون أعم منفعة في باب الأقوات، فكان أولى بوجوب الزكاة، فإذا ثبت أن فيه الزكاة فإنها تؤخذ من زيته لأن الأداء هو مما ينتهي إليه، فإذا صار إلى حد يقتات كما تؤخذ الرطب والعنب بعد أن يصير أقواتًا، فإن بيع حبًّا فقيل: يخرج من ثمنه، وقيل: من زيت مثله، فمن أصحابنا من جعل إخراج الزكاة من ثمنه رواية في أخذ القيم في الزكوات، ومنهم من علله بأن الإخراج من عينها قد فات ببيتها، وهذا هو الصحيح متى قلنا بإخراج الزكاة من الثمن، وإذا لم نقل ذلك أخرج من زيته مثله وهو النظر، وكذلك الحكم في الثمر الذي لا يثمر والعنب الذي لا يتزبب إنه يتوخى كم يخرج منه إن لو 5 كان مما يثمر أو يتزبب فيخرج منه ذلك القدر.
فصل [3 - إخراج القيم في الزكاة]:
ولا يجوز إخراج القيم في الزكاة خلافًا لأبي حنيفة لقوله صلى الله عليه = الخرص: 2/ 36، ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب، قال أبو داود: لم يسمع منه، وقال: أن نافع لم يدركه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (تلخيص الحبير: 2/ 171).
وسلم 1: "خذ الإبل من الإبل والبقر من البقر والغنم من الغم والحب من الحب" 2، ففيه دليلان: أحدهما: أن تعيينه ما يأخذ من كل جنس يمنع التخيير بينه وبين غيره، والثاني أن سياقة الجميع على أخذ الجنس من الجنس تنبيه على كون المنصوص مستحقًا، وفي 3 قوله: "في أربعين من الغنم شاة وفي خمس من الإبل شاة" 4، وقوله: "في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر" (5)، ففيه أدلة: أحدهما: أنه عيَّن بنت مخاض فلم يجز غيرها، والثاني: أن الشرط يقتضي أن لا يخرج ابن لبون مع وجود بنت مخاض وعندهم يجوز، وفي ذلك إسقاطًا الخبر، والثالث: أنه عين ما يخرج عند عدمها ولو كان إخراج القيمة جائزًا، لكان لا معنى للتعيين، وكذلك نصه في زكاة الفطر على التمر والشعير، ولأنه عوض عن الواجب المنصوص في الزكاة على وجه القيمة فأشبه السكنى، ولأن الزكاة حق تخرج على وجه الطهر كالرقبة في الكفارة، فلو تصدق بقيمة العبد لم يجزه، ولأنه لو أخرج في زكاة الفطر نصف صاع من غير قوت بلده قيمته قيمة صاع من قوت بلده لم يجزه لأنه إخراج زكاة بقيمة كذلك في مسألتنا، ولأن ذلك في معنى شراء الصدقة فليس له التصرف في ملك من لا ولاية عليه.
فصل [4 - أنواع الحبوب التي تجب فيها الزكاة]:
والحبوب التي تجب فيها الزكاة: كل مقتات مدخر وما جرى مجراه 5 من
الحنطة 1، والشعير 2، والسلت 3، والأرز والذرة والدخن 4 والباقلاء والحمص والسمسم واللوبيا والعدس والترمس والجلبان 5، والبسيلة 6، وحب الفجل وما قارب معانيها؛ لأن هذه الأشياء مقتاتة مدخرة وبعضها متخذ لمعنى القوت وما جرى مجراه وبها قوام عيش الناس غالبًا في أقواتهم وإدامهم.
فصل [5 - ما يضم من الحبوب والتمر والزيتون إلى بعضها وما لا يضم]:
وهذه الحبوب والثمار على ضربين: منها ما هو صنف بنفسه لا يضم إليه إلا ما كان من أنواع جنسه، وذلك كالتمر إنه جنس لا يضم إليه غيره من زبيب أو زيتون أو حنطة أو غيرها، ويضم أنواع 7 بعضها إلى بعض كالبرني 8 والمعقلي 9، والطبرزي 10، والآزاد 11، والدقل 12 هذا أنواعه عندنا
ببغداد والعراق، وعند أهل الحجاز ومصر البرنى والعجوة 1 والصيحاني 2 وغير ذلك، وكذلك الزبيب صنف واحد لا يضم إليه غيره ويضم أنواعه كالرازقي 3 والطائفي والخراساني والأسود، والضرب الآخر ما يضم إلى غيره ويكون معه كالجنس، وذلك هو الحنطة والشعير والسلت فقط لا يضم حب إلى غيره سوى هذه الأصناف الثلاثة لأنها في معنى الصنف الواحد على ما سنذكره، فأما القطاني وهي الحمص والعدس والفول واللوبيا والترمس والجلبان والبسيلة وما أشبهها، فإنها صنف واحد يجمع بينها في الزكاة 4، وقد قال في البيوع: إنها أصناف يجوز التفاضل بينها 5 إلا الحمص واللوبيا والجلبان والبسلة فمن 6 أصحابنا من خرج هذا رواية أخرى في الزكاة، ومنهم من قال: في الزكاة صنف وفي البيوع أصناف.
فصل [6 - لا يضم الصنف إلى غيره]:
إنما قلنا: إنه لا يضم صنف إلى غيره لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" 7، وقد علمنا أنه لم يرد بذلك من كل شيء، فوجب حمله على الصنف الواحد، ولأنه لا خلاف أنه لا يضم صنف إلى صنف
إذا لم يكن في وقته، فكذلك إذا كان في وقته، وكان من غير صنفه ولا خلاف في ذلك 1.
فصل [7 - دليل ضم أنواع الصنف الواحد بعضها إلى بعض]:
وإنما قلنا: إن أنواع الصنف يضم بعضها إلى بغض لأن الصنف قد جمعها، ولأن المنفعة واحدة لا تكاد تختلف فيها، فكان كالضأن والمعز والبخت والغراب والبقر والجواميس، وكذلك الزبيب والقشمش 2.
فصل [8 - في كون الشعير والحنطة والسلت في حكم الجنس الواحد]:
وإنما قلنا: إن الشعير والحنطة والسلت في حكم الجنس الواحد، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3، لقوله: "فيما سقت السماء العشر" 4 فعم، ولأن الحنطة والشعير والسلت يجتمعون 5 في المنبت والمحصد ولا يكاد أحدها ينفك من الآخر مع تقارب المنافع، فجرت مجرى العلس 6 والحنطة، وافتراقها في الاسم لا يوجب افتراقها في الحكم كالزبيب والقشمس والجواميس والبقر.
فصل [9 - نصاب الحرث]:
ولا زكاة في شيء من الحرث حتى تبلغ خمسة أوسق 7 خلافًا لأبي حنيفة 8
في قوله: إن الزكاة واجبة في قليله وكثيره من غير نصاب يعتبر، لقوله صلى الله عليه وسلم 1: "ليس فيما دونه خمسة أوسق صدقة" 2، ولأنه مال تجب الزكاة في عينه، واعتبر فيه النصاب كالعين والماشية، ولأنه حق يجب في المال ينسب إليه يصرف مصروف الزكوات فوجب أن يكون معتبرًا بحد لا يجب فيما قصر عنه أصله ربع العشر المأخوذ من الذهب والورق، ولأن الزكاة طريقها المواساة، فوضع النصاب ليبلع المال حدًّا محتملا له، وفي القول بأنه يلزم في العشر سنبلات سنبلة خروج عن الأصول، فوجب حمل هذا النوع من الأموال على باقي جنسه من الذهب والفضة والماشية.
فصل [10 - قدر النصاب]:
والخمسة الأوسق 3 هي ثلاث مائة صاع 4 وهي ألف ومائتا مد، والصاع أربعة أمداد وهو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، والوسق ستون صاعًا والجملة ألف وستمائة رطل بالبغدادي 5، وعند أبي حنيفة أن الصاع ثمانية أرطال بالبغدادي 6، ودليلنا نقل أهل المدينة خلفًا عن سلف 7، وقرنًا بعد قرن أن صاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما ذكرناه نقلوا ذلك نقلًا يتساوى أطرافه وهم من امتناع الكذب والغلط على مثل عددهم، ومن امتناع التواطي والتشاعر 8 والتراسل
بينهم بصفة من يلزم العلم بنقل خبرهم، فكان نقلهم لذلك بمثابة نقل قبره ومنبره صلى الله عليه وسلم في لزوم العلم به، وكان أولى من أخبار الآحاد وغيرها، ولذلك رجع أبو يوسف عن قول أبي حنيفة في الصاع إلى قول صاحبنا لما ناظره بحضرة الرشيد 1، فقال مالك رحمه الله 2: هذا صاع 3 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا ينقله الخلف عن السَلَف، واستدعى أهل الأسواق فكلهم أخبر بذلك فرجع يعقوب عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب إمام دار الهجرة 4، فكان هذا من أقوى حجه عليهم.
فصل [11 - فيما زاد على الخمسة أوسق]:
فإن زاد على الخمسة أوسق ففيه بحسابه لقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" 5، فمفهومه وجوبها في الخمسة وفيما زاد عليها، وقوله: "فيما سقت السماء العشر" 6، ولأنها زيادة على نصاب في مال ينسب ما يخرج منه إلى العشر، فكانت في القليل والكثير وكزكاة الإبل.
فصل [12 - لا حول في زكاة الحرث]:
ولا حول في زكاة الحرث 7، والفرق بينها وبين زكاة العين والماشية أن
الحرث وضع ترفيهًا لأرباب الأموال ورفقًا بهم ليمهلوا في أموالهم مدة تنمي بالتصرف وتزيد بالتقلب، وذلك غير محتاج إليه في الزرع لأنه متكامل ببلوغه متناهي النماء بإطعامه، فلم يحتج إلى ضرب مدة مع الاستغناء عنه، يبين ذلك أن قصور المال عن حد يحتمل المواساة لما كان يمنع الزكاة انتظر به بلوغه إلى ما يحتمل ذلك، ثم كانت زكاة الحرث مشاركة كزكاة 1 العين والماشية في الحاجة إلى ذلك فاعتبر منها.
فصل [13 - الواجب فيما سقى سيحًا ونضحًا]:
والواجب فيها معتبر بالسقي فما سقي سيحًا أو بعلًا 2، فيه العشر وما سقي نضحًا ففيه نصف العشر 3، وإنما قلنا ذلك لما روي في حديث عمرو بن حزم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء العشر أو كان بعلًا ففيه العشر وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر" 4، وروي: "فيما سقت الأنهار والعيون والسماء العشر وما سقي بالسانية 5 والنضح والغرب 6 نصف العشر" 7، هذه الألفاظ لم ترو في خبر واحد، وإنما جمعتها من عدة أخبار ولأن المؤونة إذا كثرت قلت الزكاة، وإذا قلت كثرت الزكاة اعتبارًا بالأصول.
فصل [14 - نصاب ما اختلف سقيه بالسيح والنضح]:
وإن اختلف سقيه بالسيح والنضح فخرجه أصحابه على روايتين 8: إحداهما
أن الأقل تابع للأكثر، والأخرى أنه يؤخذ من كل واحد 1 بحسابه، والروايتان بناء على بيع أصل الحائط وتأبير بعض الثمرة، وقيل: ينظر إلى الذي جييء من الزرع فيكون الحكم له ويكون الآخر تبعًا لا حكم له: فإذا قلنا: إن الحكم للأكثر فلأن غالب الأصول أن الأقل تابع للأكثر كالضأن والمعز إذا اجتمعا في الزكاة والغنم المأخوذ في صدقة الإبل وغير ذلك فكذلك في مسألتنا، وإذا قلنا: إنه يؤخذ من كل واحد بحساب سقيه فلقوله صلى الله عليه وسلم 2: "فيما سقت السماء أو كان بعلًا العشر وما سقى بالسانية ففيه نصف العشر" 3 وهذا عام، ولأنه زرع سقي سقيًا له تأثير في الزكاة فكان المأخوذ منه معتبرًا بسقيه، أصله إذا كان كثيرًا وكان سقيًا واحدًا، وإذا قلنا: إن المعتبر بما جيء به الزرع فلأن الغرض بالسقي كمال الزرع وانتهاؤه إلى حيث ينتفع به، وهذا لا يوجد إلا في الآخر الذي بفواته يفوت هذا المعنى، ولأن الأصول شاهدة لما قلناه كالرجل يداين قومًا في سقي زرع والنفقة عليه، ثم يفلس إنه يبدأ بآخرهم نفقة، فالذي جيئ الزرع بنفقته وسقيه كذلك في هذا الموضع.
فصل [15 - نصاب ما استوى سقياه]:
وإذا استوى سقياه أخذ منه ثلاثة أرباع العشر لعموم الخبر، ولأنه لا يكون الاعتبار بأحدهما أولى من الآخر، ولأنه ليس هناك ما يوجب الترجيح والتبع 4.
فصل [16 - الزكاة تؤخذ من النوع الواحد جيدًا أو رديئًا]:
لا يخلو التمر الصنف والحبوب المضموم بعضها إلى بعض 5 أن يكون نوعًا
واحدًا أو مختلفًا، فإن كان نوعًا واحدًا إما جيدًا أو رديئًا أخذت منه الزكاة لأن الوجوب متعلق به والأخذ تابع للوجوب، وقال عبد الملك 1: إذا كان رديئًا كله لم يؤخذ منه وكلف صاحبه أن يخرج من غيره واعتبره بالماشية أن صاحب السخال إذا كان له أربعون سخلة يكلف أن يأتي بالسن الوسط كذلك هذه، والفرق على قول مالك بالثمار والماشية في جواز الأخذ من صنف الثمر كان رفيعًا أو دنيًا من غير أن يكلف صاحبه سواه ومنع ذلك في الماشية وأخذ صاحبها بهذا 2 السنن الوسط 3 إلا أن يتطوع بالأعلى؛ لأن عمال النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يأخذون الجذعة والثنية ويأخذون عشر الثمار ما وجدوا منها، وكذلك ربع العشر من كل صنف العين جيدها ورديئها، ولأن الماشية تساق وتسير بنفسها من غير تكلف لحملها، فلو أجزنا المعيبة والمريضة والعرجاء والسخلة لاحتيج إلى تكلف أجرة لمن يحملها ولأدى ذلك إلى استهلاك العمل لقيمتها أو بعضها، وليس كذلك الثمار والحبوب لأنه لا بد من حمله فاستوى جيده ورديئه، ولأن الماشية تؤخذ في البوادي غالبًا، وبحيث يكون ثمنها قدرًا لو أريد بيعها وليس كذلك الثمار لأنها توجد بالمصر أو بقرية من السواد والقرى، وحيث 4 تكون أسواقها والمبالغة في أثمانها والتقارب فيه والأول أصح 5، وإن كان ذلك الصنف من الثمار مختلفًا فلا يخلوا من ثلاثة أحوال: إما أن يكون نوعين متساويين مثل أن يكون نصفه جيدًا ونصفه رديئًا، وهذا يؤخذ من كل صنف بقدره لأنه ليس الآخذ من إحداهما بأولى من الأخرى، أو يكون نوعين أحدهما الأكثر، والآخر الأقل، وتتخرج فيها روايتان: إحداهما: أن يؤخذ من أكثر ويكون الأقل تابعًا له والآخر أنه من كل واحد بقدره؛ أو أن يكون ثلاثة أنواع جيدًا ورديئًا
ووسطًا، ففيه روايتان: إحداهما: أنه يؤخذ من الوسط، والآخر: أنه يؤخذ من كل واحد بقدره، وإذا قلنا: إنه يؤخذ من الوسط فلأنه يشق على الساعي أن يعشر كل نخلة، ولأنه معتبر بالمواشي أنه لا يؤخذ من أعلاها ولا من أدناها، وإنما يؤخذ الوسط من السنن، فكذلك الثمرة، وإذا 1 قلنا: يؤخذ من كل واحد 2 بقدره، فلأن الوجوب لما كان جاريًا على الجميع أخذ من كل صنف بقدره اعتبارًا به إذا انفرد 3. فصل [17 - وقت وجوب زكاة الحبوب والثمار]: الزكاة 4 تجب في الثمار بطيبها وبدو صلاحها 5، وفي الحبوب بيبسها وإفراكها 6، لأن ما قبل ذلك يكون علفًا لا طعامًا، ألا ترى أن بيعها بالطعام قبل الإطعام جائز إلى أجل إذا قطعت، وأن التفاضل غير ممنوع في الجنس منها، فإذا أطعمت تعلقت بها أحكام الطعام 7. فصل [18 - من باع ثمرة قد بدى صلاحها]: إذا باع ثمرة قد بدى صلاحها، فالزكاة على البائع لأنه باعها بعد تقرر وجوب الزكاة فيها، فإن قبض المشتري الثمرة وأفلس البائع اتبعه المصرف بزكاتها ولم يطالب المشتري لأن البائع لما باع الثمرة تعلق الوجوب بذمته، كما لو أكلها، والمشتري لم يتعلق بذمته شيء فلم يطالب، وقال أشهب: تؤخذ الزكاة
من المشتري ويرجع به على البائع ووجه هذا 1: أن البائع باع حقه وحق المساكين فنفذ بيعه في حق نفسه ولم ينفذ في حق غيره كالبائع ملكه وملك غيره، والفرق على قول أشهب 2 بين يسار البائع وإعساره أن في يساره يتعلق الوجوب بذمته فله أن يؤديه 3 من حيث شاء، ولا ضرر على المساكين في مطالبته وليس كذلك مع الإعسار لأن ذمته معيبة 4، فلو رجع عليه في الزكاة لم يحصل للمساكين منه شيء، فلذلك عدل إلى الثمرة؛ وإن باعها مع الأصل 5 قبل بدو الصلاح 6، فلا زكاة على المشتري كما لو باع عبدًا بعد طلوع الفجر من يوم الفطر، لكانت الزكاة على البائع لأن الوجوب صادفه وهو في ملكه ولو باعه قبل طلوع الفجر أو غروب الشمس، لكانت الزكاة على المشتري لأن الوجوب صادفه وهو في ملكه كذلك في مسألتنا 7؛ وإن باعها بشرط القطع فلا زكاة على واحد منها، فإن أخرها المشتري حتى طالبت بطل البيع وكانت الزكاة على البائع لأنها على ملكه، وكذلك لو باعها بشرط التبقية وكذلك حكم الهبة إن كانت بعد بدو الصلاح فالزكاة على الواهب وإن كانت قبله، فعلى الموهوب له وكذلك في 8 موت المالك بعد بدو الصلاح أن الزكاة واجبة فيه وإن كان 9 في حصة كل وارث أقل من النصاب لأن الوجوب تقرر في ملك الميت
قبل انتقاله إلى الورثة؛ وإن مات قبل بدو الصلاح فلا زكاة 1 على الورثة إلا على من ملك منهم نصابًا لأن الوجوب تقرر بعد ملكهم 2.
فصل [19 - في خرص النخل والعنب]:
ويخرص 3 النخل والكرم إذا بدى صلاحهما فلا يخرص من الثمار سواهما 4، فإن بلغ ما يخرص نصابًا ضمن أصله حصة الفقراء منه وخلي بينهم وبينه إن شاؤوا أكلوا أو باعوا، وإن شاؤوا تركوا ولم يضمنوا وإن قصر عن قدر النصاب فلا شيء عليهم، وإن أصاب الثمر جائحة بعد خرصها لم يضمن أربابها إلا أن يبقى بعد الجائحة نصاب كامل فتكون فيه الزكاة، وإذا زاد الخرص أخرجت الزكاة من الزيادة استحبابًا لا إيجابًا، وإن نقص عن الخرص لم تنقص الزكاة، وفي تخفيف الخرص للأكل والعرية روايتان: إحداهما الإثبات، والأخرى المنع.
فصل [20 - دليل خرص النخل والعنب]:
وإنما قلنا: يخرص النخل والكرم خلافًا لأبي حنيفة 5 لما روي عتاب بن أسيد 6: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 7 أمر أن يخرص العنب كما تخرص النخل
وتؤخذ صدقة النخل ثمرًا 1؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله ابن رواحة 2 إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر ثم يقول: "إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي" 3، ولأن في ذلك نظر لأرباب الأموال والفقراء، ولأن العادة جارية بأن هاتين الثمرتين تؤكلان رطبتين، فلو منعنا الخرص لكنا بين أمرين: إما أن يمنع أربابها أكلها، وفي ذلك إضرار بهم أو منعهم من [التصرف فيها] 4 على الوجه المأذون فيه من التفكه واتخاذ العصير والخل وغير ذلك من ضروب المنافع التي إن أخروها إلى الجفاف بطلت عليهم أو أن يؤذن لهم في التصرف فيها أو أن 5 يطلقوا في تناولها قبل معرفة حق الفقراء، وفي ذلك إضرار في الفقراء لأنا لا نعرف حقوقهم ولا نرجع في ذلك إلى أرباب الأموال للعلم بتسرع أكثرهم إلى تناولها وقلة مراعاتهم حقوق الفقراء، فلم يبق إلا الخرص.
فصل [21 - الخرص في النخل والعنب دون غيرها]:
وإنما قصرنا الخرص على النخل والكرم دون غيرهما 6 للإجماع 7، ولأن العادة مختصة بهما في أكلهما حال رطوبتهما دون غيرهما، وكذلك ما فيهما من المنافع حال الرطوبة لا يوجد فيما عداهما، لأن غيرهما من الثمار إنما يحصل
الانتفاع به بعد 1 اليبس والجفاف، فلم تدعنا ضرورة إلى خرصه كما دعت إلى ذلك في مسألتنا، ولأن خرص سائر الثمار غير ممكن كإمكان ذلك في النخل والكرم، ولأن الرطب والعنب يظهران فيتمكن الخارص من خرصهما، إذ ليس شيء يمنع من رؤيتهما ولا يحول بينه وبينهما، وليس كذلك ما عداهما من الزرع والثمار لأنه إما مغيب في بيته 2 وسنبله أو كامن في ورقة ومستتر في أكمامه 3 وذلك كله 4 مانع من خرصه وحائل دون حرزه، فبان الفرق بين الموضعين.
فصل [22 - الخرص يكون بعد بدو الصلاح]:
وإنما قلنا: إنهما يخرصان بعد بدو الصلاح لحديث عائشة رضي الله عنها: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة الأنصاري 5 إلى يهود خيبر 6 ليخرص النخل حين تطيب قبل أن يؤكل منه" 7، ولأن ذلك وقت وجوب الزكاة، فأما قبله فلا حق للفقراء فيها فلم يجب خرصها، ولأن الخرص إنما يراد لمعرفة حق 8 الفقراء وحفظه عليهم، وذلك يقتضي أن يكون هناك حق قد وجب فيجب خرصه.
فصل [23 - التخلية بين الثمرة وأهلها بعد الخرص]:
وإنما قلنا: إنه إذا خرصها خلي بينها وبين أهلها، فلأن الخرص إنما وضع ليعرف مقدار حق الفقراء منها، فإذا عرف ذلك لم يبق ما يمنع أهلها منها ومن
تصرفهم فيها، وإنما قلنا: إن الثمرة إذا أجيحت فلا شيء على أربابها فلأنها في أيديهم أمانة لأنهم بنفس الخرص لا يضمنوها لأن الخرص لم يوضع للضمان، وإنما أريد لإباحة التصرف إذا عرف قدر حقوق الفقراء، فإن 1 تصرفوا فيها تعلقت الزكاة في ذمتهم بالتصرف، فإن تركوها كانت أمانة فلم يضمنوا" 2 جوائح السماء وكانوا شركاء للفقراء، فإن بقى بعد الجائحة نصاب كامل أخذت منه 3 لأن ما تلف كأنه لم يكن وصار كأنه لم يوجد سوى هذا القدر.
فصل [24 - إذا زاد الخرص]:
وإنما قلنا: إن الخير إذا زاد لم يلزم الزكاة فيه لأنه حكم قد نفذ، فلم ينقض من بعد، وكذلك إذا نقص لم ينقص الزكاة 4 لمثل ذلك، ووجه تخفيف الخرص للعرية والوصية ما روي: "خففوا الخرص فإن في المال العرية والوصية" 5، ولأن الزكاة مواساة فكانت مواساة بالتخفيف 6 أولى منها بالتثقيل، ووجه المنع قوله: "فيما سقت السماء العشر" 7، ولأنه بعض ثمرة فأشبه ما زاد على هذا القدر أن النصاب في الماشية لا يترك فيه عفو كذلك الحرث.
فصل [25 - حكم الزكاة في الفواكه والبقول والخضروات]:
ولا زكاة في الفواكه والبقول 8 والخضروات كالتفاح والبطيخ والكمثرى والقثاء
والخيار والباذنجان، وما أشبه ذلك، وكذلك ما يدخر نادرًا للتفكه لا على وجه الاقتيات من يابس الفواكه 1 خلافًا لأبي حنيفة 2 في إيجابه الزكاة في ذلك كله 3، لأن أهل المدينة نقلوا نقلًا متواترًا خلف عن سلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذ من الخضر والبقول شيئًا، ولا أحد من الخلفاء بعده 4، وقد كانت تزرع في أيامهم، فلو كان فيها زكاة لأخذوها منها، ولأنه نبت لا يقتات فأشبه الحشيش والجزر 5 والجوز واللوز والجلوز 6، وإن يبس أو أدخر فليس بأصل قوت ولا مما يؤخذ للمعاش، وكذلك ادخار الخوخ والمشمس، وإنما هو على وجه التفكه والتداوي لا للقوت.
فصل [26 - الزكاة فيما ليس بمأكول]:
ولا زكاة في قرطم 7 ولا قطن ولا قصب ولا كولان 8 ولا حشيش ولا غير ذلك، لأن ذلك ليس بمأكول والزكاة لا تجب في المأكول الذي ليس بقوت فضلًا عما ليس بمأكول ولا زكاة في عسل 9، خلافًا 10 لأبي حنيفة 11 في
قوله: إن الزكاة تلزم فيه إذا كان في أرض العشر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منه زكاة وقد كان في أيامه، ولأنه طعام يخرج من حيوان فأشبه اللبن ولأنه مأكول لم تنبته الأرض فأشبه اللحم.
فصل [27 - فيما يجب في أرض الخراج]:
ويجب العشر في أرض الخراج وغيرها 1، خلافًا لأبي حنيفة 2 في قوله: أن العشر والخراج لا يجتمعان، لقوله: "فيما سقت السماء العشر" 3، واعتبارًا بأرض الصلح، ولأن طريقهما مختلف لأن العشر زكاة والخراج كراء الأرض، فلم يمنع العشر كمن اكترى 4 أرضًا وزرعها.
فصل [28 - زرع العبد أو المكاتب]:
وإذا زرع العبد أو المكاتب فلا عشر عليهما 5 خلافًا لمن أوجبه 6؛ لأن ملكهما غير تام والزكاة لا تجب إلا على من يملك ملكًا تامًّا، وكذلك النصراني لا عشر عليه لأنه لا يخاطب بفروع الشريعة مع الإقامة على كفره، وقد ذكرنا ذلك في زكاة الماشية والعين وبالله التوفيق 7.
فصل [29 - في زكاة من استأجر أرضًا وزرعها]:
إذا استأجر أرضًا فزرعها، فالزكاة على صاحب الزرع دون صاحب الأرض 8 خلافًا لأبي حنيفة 9 في قوله: إنها تجب على صاحب الأرض،
لأنه حق يصرف في الأصناف المسمين في آية الصدقات، فكان المخاطب به المالك دون غيره كزكاة المال ولأنه حر مسلم خرج له نصاب زرع يجب في جنسه الزكاة وجب أن يلزمه العشر فيه أصله إذا كانت 1 الأرض في ملكه، ولأن كل حق تعلق بغير المال، فإن الوجوب يتعلق على مالكه 2 اعتبارًا بسائر الأصول والله أعلم 3. ...
باب زكاة الفطر
1
وزكاة الفطر 2 واجبة 3، خلافًا لأبي حنيفة 4، لما رواه ابن عمر: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير عن كل حر أو عبد ذكر أو أُنثى من المسلمين" 5، وقوله في صدقة الفطر: "أدوا صاعًا من قمح أو تمر" 6، والأمر على الوجوب، ولأنها زكاة في المال كسائر الزكوات.
فصل [1 - في قدر زكاة الفطر]:
وقدرها صاع بالمدني 7 من كل ما يخرج فيها 8، خلافًا لأبي حنيفة في
قوله: إنه يخرج نصف صاع من بر ويخرج مما عداه صاعًا كاملًا 1 لقوله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر:، أدوا صاعًا من تمر أو قمح" 2، وفي حديث المبارك بن فضالة 3 عن أيوب 4 عن نافع عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من تمر أو صاعًا من بر" 5، وفي حديث أبي سعيد: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من تمرًا أو صاعًا من شعير أو صاعًا من أقط 6 أو صاعًا من زبيب، فقيل له: أو مدَّين من قمح 7، فقال: تلك قيمة معاوية لا أقبلها" 8، ولأنه قوت يخرج في صدقة الفطر كالشعير والتمر.
فصل [2 - وقت وجوب زكاة الفطر]:
وعنه في وقت وجوبها روايتان 9: إحداهما غروب الشمس من آخر ليلة من رمضان، والأخرى بطلوع الفجر يوم الفطر، وجماعة من أصحابنا يقولون
بطلوع الشمس، فوجه قوله بغروب الشمس ما روي: "أنه صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان" 1، فأضاف الفطر إلى رمضان وحققته بغروب الشمس، ولأن من ولد بعد مغيب الشمس فلم يدرك شيئًا من رمضان لم يلزم إخراج الفطر عنه كمن ولد بعد الفجر، ووجه قوله 2: إنها تجب بطلوع الفجر ما روي: "أنه صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان" 3 فأطلق، وإطلاق ذلك لا يفهم منه إلا يوم الفطر، ولأنه حق في مال يخرج يوم عيد على طريق المواساة، فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر أصله الأضحية، ووجه قول من قال 4: إنها تجب بطلوع الشمس أنه نسك مضاف 5 إلى العيد، فكان وقته طلوع الشمس كالصلاة، وفائدة هذا الخلاف فيمن اشترى عبدًا أو ولد له ولد أو تزوج امرأة قبل غروب الشمس ثم باع العبد أو طلق الزوجة بعد وجوب نفقتها عليه أو مات الولد قبل طلوع الفجر: فإن قلنا: إن الزكاة تجب بغروب الشمس، فالزكاة عن الزوجة والعبد والولد عليه، لأن وقت الوجوب صادفهم في ملكه، وإن قلنا بطلوع الفجر لم يلزمه شيء لأن وقت الوجوب لم يصادفهم عنده، وكذلك لو ملك العبد بعد غروب الشمس أو ولد له مولود، فعلى رواية الغروب زكاة الفطر على البائع ولا زكاة على المولود لأنه طرأ بعد تقدم الوجوب، وعلى رواية الطلوع تجب على المشتري وعلي أبي المولود لأن وقت الوجوب صادفهم في ملكه.
فصل 6 [3 - متى يستحب إخراجها]:
ويستحب إخراجها قبل الغدو إلى المصلى 7 لما روى 8 ابن عمر: "أنه
صلى الله عليه وسلم أمر بإعطاء صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى" 1، وقوله: "اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" 2، وليأكل منها الفقراء قبل غدوهم، كما يستحب للإنسان أن يأكل قبل غدوه، وقيل: إن ذلك تأويل قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى﴾ 3 أنه أخرج 4 زكاة الفطر وغدى إلى العيد 5. فصل [4 - فيمن أخرجها قبل يوم الفطر وليلته]: ولا يجوز إخراجها قبل يوم الفطر أو ليلته على حسب اختلاف الروايات 6 لأن ذلك تقديم إخراجها على وقت الوجوب، وذلك غير جائز، وتأويل قول بعض 7 أصحابنا: إنه إن أخرجها قبل يوم الفطر بيوم أو يومين أجزاه أن يخرجها إلى الذي يحفظها ويحرسها وتجمع عنده إلى يوم العيد لأن تلك كانت عادتهم بالمدينة، ومن حمل هذا القول على ظاهره في جواز الإخراج على الإطلاق، فذلك مناقضة منه 8 يلزمه عليه جواز إخراجها من أول الشهر، وقبل دخوله أيضًا من حيث لا انفصال 9 له عنه.
مسألة [5 - عمن تجب زكاة الفطر؟]: وتجب على كل واجد سبيلًا إليها من الرجال والنساء والأحرار والعبيد والكبار والصغار والحاضرة والبادية 1 لقوله صلى الله عليه وسلم: "أدوا صدقة الفطر" 2، وهذا خطاب عام، وقول ابن عمر: "فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر من رمضان على الناس" 3 فعم، وقوله في حديث آخر: "عن كل ذكر أو أنثى صغير أو كبير غني أو فقير أو مملوك" 4. فصل [6 - وجوب زكاة الفطر على من ملك صاعًا]: ومن كان عنده صاع لا يلحقه ضرر بإخراجه من إفساد 5 معاشه أو جوعه أو جوع عياله أو دين يصرف فيه فعليه أن يخرجه ولا اعتبار بكونه مالكًا لنصاب من المال 6 خلافًا لأبي حنيفة 7، فأما الوجوب فلقوله: "أدوا صدقة الفطر" 8 وروي: "أنه فرض الفطر ولم يعتبر نصابًا" 9، ولأنه واجد لمقدارها قادر على أدائها من غير ضرر يلحقه كالواجب للنصاب، وأما سقوط الوجوب إذا لحقه ضرر فلأنه يحوجه إخراجها إلى الطلب، وذلك مناقض لوجوبها لأن الغرض به الاستغناء عن الطلب.
فصل [7 - الفقير الذي دفعت إليه زكاة الفطر يخرجها إذا فضل له له منها شيئًا]:
يستحب للفقير إذا دفعت إليه 1 زكاة الفطر وفضل عن قوته وقوت عياله صاع أن يخرجه 2 من غير إيجاب لأن غناه طرأ بعد تقدم 3 الوجوب.
فصل [8 - إخراج الزكاة عمن تلزم نفقتهم]:
ويلزم 4 الإنسان عن نفسه وعن غيره ممن تلزمه نفقته 5 خلافًا لداود 6 في قوله: لا يلزمه إلا عن نفسه وحده، لقوله صلى الله عليه وسلم 7: "أدوا زكاة الفطر عمن تمونون" 8، ولأنها طهرة تجري مجرى المؤونة فأشبهت سائر النفقات، ويلزمه عن ولده الصغير إذا لم يكن له مال، فإن كان له مال أخرج عنه من ماله، ويلزمه عن ولده الكبير إذا بلغ فقيرًا زمنًا 9، وعن أبويه الفقيرين المسلمين وعن عبيده المسلمين كانوا للتجارة أو للقنية وعن أمهات أولاده ومدبريه ومعتقيه إلى أجل، وفي مكاتبيه روايتان 10، فإذا قلنا: تلزمه فبالرق
مع كونه من أهل الطهارة 1، وإذا قلنا: لا تلزمه فلأنها تابعة للنفقة، فلما لم تلزمه النفقة على مكاتبيه لم تلزمه الفطرة عنهم.
فصل [9 - إخراج زكاة الفطر عن زوجته]:
إذا لزمته النفقة على زوجته 2 المسلمة لزمه إخراج الفطرة عنها موسرة كانت أو معسرة 3 خلافًا لأبي حنيفة 4 لقوله: "عمن تموتون" 5 فعم، ولأنها من أهل الطهرة، فوجب أن تلزمه فطرتها من تلزمه تفقتها إذا كان قادرًا عليها 6 أصله الولد الصغير، ولأن الفطرة متابعة للمؤونة فيمن هو من أهل الطهرة فيجب أن تلزمه بدلالة أن العبيد لما لزمت سادتهم نفقاتهم لزمتهم الفطرة عنهم، وإذا ثبت أنه تلزمه عن زوجته فتلزمه عن خادم من خدمها لأن نفقتها مستحقة عليه.
فصل [10 - إخراج زكاة الفطر عن عبيده الكفار]:
ولا يلزمه إخراجها عن عبيده الكفار 7 خلافًا لأبي حنيفة 8، لحديث ابن عمر: "فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين" 9، فقيَّده بالإسلام فدل على اعتباره في الوجوب، وروى ابن عباس قال: "فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطرة طهرة للصائم من
اللغو والرفث وطعمًا للمساكين" 1، فأخبر عن عِلَّة فرضها والغرض المراد به وأنه يختص المسلمين فانتفى وجوبه عن الكفار، ولأنها طهرة فلا تخرج إلا عمن هو من أهلها وإلا تناقض المقصود بالإخراج، ولأنه حق في مال طريقه القربة فلم تجب على العبد الكافر كالأضحية 2، وحكم الأبوين والزوجة حكم العبد.
فصل [11 - إخراج زكاة الفطر عن عبيد عبيده]:
ولا شيء عليه في عبيد عبيده لأنهم ليسوا عبيدًا له 3، وإنما يملكهم بالانتزاع ولا على ساداتهم أن يخرجوا عنهم لأن ملك العبيد غير مستقر ولا يلزمهم أن يخرجوا عن أنفسهم لأن نفقاتهم على غيرهم.
فصل [12 - زكاة فطر العبد بين شريكين]:
والعبد بين شريكين أو شركاء يلزمهم إخراج الفطرة عنه 4 خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه لا شيء على ساداته 5 لما روي: "أنه صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر من رمضان على كل حر وعبد" 6 فعم، وقال: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون" 7، ولأنه حق يتبع النفقة، فلما كانت لازمة لجميعهم فكذلك الفطرة، ولأنه من أهل الطهرة يلزم من يملكه مؤونته فلزمته فطرته أصله المالك الواحد.
فصل [13 - إخراج كل شريك بقدر ما يملك]:
إذا ثبت أن على ملاكه 1 إخراج الفطرة عنه فيلزم 2 كل واحد أن يخرج بقدر ما يملك منه لأنها مؤونة فأشبهت النفقة، ولأن الخدمة ومنافعه لما كانت بينهم متوزعة على قدر الملك فكذلك الزكاة.
فصل [14 - في العبد نصفه حر على من تكون فطرته]:
وفي العبد الذي نصفه 3 حر خلاف، روي عن مالك أن 4 على السيد بقدر ماله فيه من الملك ولا شيء على العبد في نصيبه الحر، وروي عنه أن على السيد بقدر نصيبه، وعلى العبد بقدر حريته وهو قول محمد بن مسلمة، وروي عنه أن على السيد إخراج جميع الصاع ولا شيء على العبد وهو قول عبد الملك، وعند أبي حنيفة لا شيء على العبد ولا على السيد 5، ودليلنا عليه ما قدمناه في العبد بين الشريكين، ولأنه ملك لجزء من العبد فأشبه ملك الجميع، ولأنه حق يجب لله تعالى 6 على مالك جميع العبد عن العبد فوجب أن تلزم لمالك بعضه بقدر ملكه كزكاة التجارة؛ فإذا ثبت هذا فوجه القول بأن على السيد بقدر ملكه ولا شيء على العبد لأن أحكام الرق أغلب عليه من أحكام الحرية بدلالة منع شهادته وميراثه ونقصان طلاقه وحدِّه 7، وسقوط الحج عنه فكذلك في الزكاة، ولأنه ناقض الملك لأن كمال الملك لا يكون مع بقاء شيء من الرق فأشبه العبد، ولأن كل من لم يخاطبه بجميع الزكاة عن نفسه لمعنى يمنع وجوب البعض، فكذلك في البعض أصله العبد الغني، ووجه القول بأن على العبد
بقدر ما فيه من الحرية اعتباره بالعبد بين شريكين بعلة أنهما يتقاسمان الخدمة والمنافع المستحقة بالملك، فكذلك حكمه 1 في زكاة الفطر ولأن الفطرة متابعة للنفقة، فلما كانت النفقة عليهما كذلك الفطرة بينهما؛ ووجه القول بأن جميع الفطرة على السيد أنه محبوس عليه بالرق كالذي يستغرقه الرق.
فصل [15 - لزوم الفطرة عن العبد المرهون والمبيع بالخيار وغيرهما ...]:
وتلزم الفطرة عن العبد المرهون والمبيع بالخيار للبائع والمبتاع والمبيع بيعًا فاسدًا قبل رده والأمة تباع على المواضعة قبل خروجها والعبد إذا قتل وحبس للقود على ساداتهم لأنهم على ملكهم لم يزل بجميع ما ذكرناه، وفي البيع الفاسد يرد إلى البيع الصحيح، إلى أن يحكم برده كالنفقة 2.
فصل [16 - المعتبر فيما يخرج في زكاة الفطر]:
الاعتبار فيما يخرج في زكاة الفطر بغالب قوت البلد الذي هو به، فمن أي أصناف الأقوات كان أخرجه حنطة أو شعيرًا أو سلتًا أو تمرًا أو أرزًا أو ذرة أو دخنًا 3 أو زبيبًا أو أقطًا أو أي شيء كان، وإنما قلنا: إنه يخرج هذه الأجناس لما روي: "أنه صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير" 4، وروي: "أدوا صاعًا من قمح أو تمر" 5، وفي حديث أبي سعيد: "كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط" 6، وإنما قلنا: إن الاعتبار بغالب قوت أهل البلد لقوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن