المعونة على مذهب عالم المدينةصفحات 157-194
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب (1) الطهارة

صفحات 157-194
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فصل [10 - مس الأنثيين]: ولا وضوء من مس الأنثيين 1 خلافًا لعروة بن الزبير 2، ولا من مس الدبر 3 خلافًا للشافعي 4؛ لأنها مواضع من البدن لا لذة في مسها فأشبهت سائر الأعضاء.
فصل [1 - مس المرأة فرجها]: وفي تخريج مس المرأة فرجها خلاف على وجهين: أحدهما ألا وضوء فيه لأن الخبر ورد في الذكر دون غيره، والثاني أن فيه الوضوء مع اللذة والإلطاف لأنه شخص ملتذ بمس فرجه كالرجل.
فصل [12 - ما لا يوجب الوضوء مما خرج من غير السبيلين]: ولا وضوء مما يخرج من غير السبيلين من قيئ أو رعاف أو غيره 5، خلافًا لأبي 6، لأنه خارج من غير المخرج المعتاد للحديث، فأشبه الدود الخارج من الجرح 7، ولأن كل خارج لم ينقض قليله الوضوء، فكذلك كثيره، أصله الدموع عكسه البول.

فصل [13 - الوضوء من القهقهة]: ولا وضوء من القهقهة في صلاة ولا غيرها 1 خلافًا لأبي حنيفة 2؛ لأن كل ما لم يكن حدثًا في غير الصلاة لم يكن حدثًا في أصل الصلاة كالكلام، ولأنها صلاة شرعية فلم تتناقض بالقهقهة أصله صلاة الجنازة 3. فصل [14 - الوضوء مما مسته النار]: ولا وضوء مما مسته النار خلافًا لبعض المتقدمين 4، لأنّه صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ" 5، ولما روى: "أن آخر الأمرين كان منه صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار" 6. فصل [15 - الوضوء من كل لحوم الإبل]: ولا وضوء من آكل لحوم الإبل 7 خلافًا لأحمد 8 وداود 9، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتوضأ من طعام أحله الله عَزَّ وجَلَّ" 10، ولأنه مأكول فأشبه الخبز.

فصل [16 - غسل اليد والفم من أكل اللحم واللبن]: ويستحب غسل اليد والفم من أكل اللحم واللبن 1، ولأنه صلى الله عليه وسلم شرب لبنًا فمضمض وقال: "إنَّ له دسمًا" 2، ولأنه مقصود به النظافة وإزالة الرائحة من الفم كالسواك.
فصل [17 - ما يوجب الغسل]: ويوجب الغسل شيئان: أحدهما المني 3، ودم الحيض والنفاس والولد، والثاني: الإيلاج في قبل أو دبر 4، فأما المني فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ 5، وقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ 6، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء" 7، وقوله: "من رأت ذلك منكن فلتغتسل" 8، وأما دم الحيض والنفاس والولد فيذكر فيما بعد.
فصل [18 - الإيلاج دون الإنزال]: وأما الإيلاج في القبل إذا عرى من الإنزال فإنه يوجب الغُسل 9، خلافًا لداود 10، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى الختانان فقد وجب

الغُسل" 1، وفي حديث آخر: "أنزل أو لم ينزل" 2، ولأنه حكم يجب بالإنزال، فوجب أن يجب بالإيلاج، وإن لم يكن إنزال كالحد والمهر.
فصل [19 - الإيلاج في الدبر]: وإذا أولج في دبر لزم 3 الغُسل، وإن لم ينزل لأنه فرج يتعلق به الحد فأشبه القبل.
فصل [20 - حيض الجنب أو جنب الحائض]: إذا حاضت الجنب أو أجنبت الحائض، فلا غسل عليها حتى تطهر، فإذا طهرت كفاها غُسل واحد 4 خلافًا لداود 5، لأنّهما حدثان ترادفا موجبهما واحد فناب عنهما طهر واحد كما لو كانا من جنس واحد كالجنابتين.
فصل [21 - وجوب الغُسل على من أسلم]: إذا أسلم الكافر فعليه الغُسل 6 لأنه صلى الله عليه وسلم أمر غيلان 7، وثمامة 8 حين أسلما بالغُسل 9، ولأنه جنب فلزمه الاغتسال للجنابة.

فصل [22 - حكم لبث الجنب في المسجد]: ولا يجوز للجنب اللبث في المسجد 1 خلافًا لداود 2، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض" 3، ولأنه شخص يلزمه الغُسل كالكافر.
فصل [23 - حكم الجنب يجتاز المسجد]: ولا يجوز له الاجتياز فيه 4 خلافًا للشافعي 5 للخبر 6، ولأنه نوع من الكون فيه كاللبث.
فصل [24 - منع المحدث من مس المصحف]: ولا يجوز لمحدث حدثًا أعلى أو أدنى 7 مس المصحف خلافًا لداود 8، لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ 9، والنهي على الحظر 10، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمس القرآن إلا طاهر" 11، والمراد ما كتب فيه.

فصل [25 - الصبيان يمسكون الألواح والمصاحف]: ويجوز إمساك الصبيان الألواح والمصاحف 1 على غير وضوء للضرورة إلى تعليمهم والمشقة اللاحقة في أخذهم بالتطهير في كل وقت مع قصورهم عن حد التكليف.
فصل [26 - الجنب يقرأ القرآن]: ولا يجوز للجنب أن يقرأ 2 خلافًا لداود 3، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقرأ جنب ولا حائض شيئًا من القرآن" 4، وقول عليّ رضي الله عنه 5: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن 6 إلا الجنابة"، ولأنه لما منع من الدخول إلى المسجد كان بأن يمنع قراءة القرآن أولى.
فصل [27 - قراءة الآيات اليسيرة من الجنب]: ويجوز أن يقرأ الآيات اليسيرة على وجه التعوذ 7 خلافًا لأبي حنيفة

والشافعي 1، لأن حكم اليسير مخالف حكم الكثير، ألا ترى: "أن النبي صلى الله عليه وسلم منع أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو" 2، ثم كتب إليهم: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله﴾ 3 الآيات، ولأن الإنسان يتعوذ بذكر الله تعالى فيحتاج إليه للتعوذ، فكان ما يحتاج إليه من ذلك مستثنى من المنع.
فصل [28 - حكم قراءة الحائض]: وفي قراءة الحائض روايتان 4: فوجه المنع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقرأ جنب ولا حائض شيئًا من القرآن" 5، ولأنه حدث موجب للغسل كالجنابة، ووجه الجواز فلأنها غير قادرة على رفع حدثها وتطول مدتها فكانت معذورة بذلك للمشقة التي تلحقها كالمحدث.
فصل [29 - في المنع من استقبال القبلة للغائط والبول]: ولا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها بالغائط والبول في الصحاري 6، خلافًا لداود 7، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تستقبلوا القِبْلة ولا تستدبروها

بغائط ولا بول" 1، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولكن شرقوا أو غربوا" 2. فصل [30 - جواز ذلك في الدور والأبنية]: ويجوز ذلك في الدور والأبنية 3 خلافًا لأبي حنيفة 4، لما روى ابن عمر رضي الله عنه: "أنه صلى الله عليه وسلم كان في بيت حفصة مستدبر الكعبة مستقبل بيت المقدس" 5، ولأن الأبنية قد تضيق فلا يمكن إلا على هذه الصفة ففي منع ذلك مشقة.
فصل [31 - حكم الجماع مستقبلًا القبْلة]: وفي الجِماع مستقبلًا القبلة روايتان 6: قال ابن القاسم 7: لا بأس به، وقال ابن حبيب 8: يكره، فوجه قول ابن القاسم أن النهي ورد في الحدث

دون غيره فوجب قصره عليه، ولأن الجماع مفارق للحديث لأنّه يتعلق به حكم الندب في بعض الأحوال، ووجه قول ابن حبيب لأنّه يتعلق بكشف العورة فأمر بالاستتار فيه فكان كالحدث، ولأن المعنى في معنى الاستقبال بالحدث لتعظيم القبلة وإجلال حرمتها، وذلك يقتضي تساوي هذه الأمور في المنع.
فصل [32 - حكم إزالة النجاسة]: اختلف أصحابنا في إزالة النجاسة هل هي واجبة وجوب السنن المؤكدة، أو وجوب الفرائض 1، وفائدة ذلك تتصور في منع 2 تعمد الصلاة بها مع القدرة على إزالتها، وإذا قيل: إنها سُنَّة مؤكدة فلأن الاتفاق حاصل على جواز الصلاة مع اليسير من جنسها كدم البراغيث وغيره 3، وعند أبي حنيفة بقدر الدرهم من سائر النجاسات 4، ولو كانت فرضًا لم تجز الصلاة مع شيء منها كالطهارة من الحدث، وإذا قيل: إنها فريضة فللإجماع على منع تعمد الصلاة بها 5 وذلك يفيد كونها فرضًا كالطهارة من الحدث، فإذا ثبت هذا فعلى القول بأنها سُنَّة يأثم ولا إعادة عليه، وعلى القول الآخر بأنها فريضة لا يجزيه وعليه الإعادة.
فصل [32 - الصلاة بالنجاسة ناسيًا أو ذاكرًا مع عدم القدرة على إزالتها]: وعلى كلا الوجهين إن صلى بها ناسيًا أو ذاكرًا، ولكن لا يقدر على إزالتها فصلاته جائزة 6، لما روي: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم، فلما فرغ قال لهم: "لم خلعتم نعالكم؟ "، فقالوا: رأيناك

خلعتها، فقال: "إن جبريل أخبرني أن فيها قذرًا" 1، وروي: "نجسًا" 2 ولم يعد الصلاة ولا أمرهم بإعادتها ولا قطعها بل مضى عليها.
فصل [34 - عدم جواز الصلاة بشيء من النجاسة]: كل نجاسة سوى الدم فإنه لا يصلى بشيء منها كالبول والغائط والمذي وسائر النجاسات 3، خلافًا لأبي حنيفة 4 في تجويز الصلاة بقدر الدرهم، لأنها نجاسة يمكن الاحتراز من جنسها 5 كالزائد على قدر الدرهم.
فصل [35 - الصلاة بيسير من الدم]: وأما الدم فيجوز الصلاة بيسيره، فإن كثر وتفاحش لم يجز 6، لأن الدم مخفف في الأصل، إنما حرم مسفوحه فكان أخف من سائر النجاسات، ولأن أكل اللحم وفيه اليسير من الدم جائز، وكذلك قالت عائشة - رضي الله عنه -: ولولا أن الله قال: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ 7 لتتبع الناس ما في العروق" 8. فصل [36 - الصلاة بدم الحيض]: لا خلاف عندنا أن كل دم عدا دم الحيض تجوز الصلاة مع يسيره، وأما دم

الحيض ففيه روايتان 1: إحداهما: أن حكمه حكم سائر الدماء، والأخرى: أن قليله وكثيره سواء لا تجوز الصلاة بشيء منه بخلاف سائر الدماء، فوجه الأولى هو أنه دم فأشبه سائر الدماء، ووجه الثانية أن دم الحيض مغلظ أمره بخلاف غيره لأنه خارج من فرج فكان كالبول والمذي.
فصل [37 - الثوب الذي عليه بول الصبي والصبية]: ويغسل الثوب من بول الصبي والصبية 2 خلافًا للشافعي 3 في قوله: لا يغسل من بول الصبي؛ لأنه بول آدمي كبول الأنثى، والحديث المروي في التفريق بينهما 4. قال مالك: ليس بالمتواطأ عليه 5. فصل [38 - حكم أبوال وأرواث الحيوان]: لا خلاف أن أبوال ما يحرم أكله وأرواثه 6 نجسة، وأما ما يؤكل لحمه فعندنا أبوالها وأرواثها طاهرة 7، وقال أبو حنيفة والشافعي 8 نجسة، فدليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أُكل لحمه فلا بأس ببوله" 9، و"لأنه صلى الله

عليه وسلم أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها" 1، وقوله: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" 2، ثم "طاف بالبيت على بعير" 3، فدل أن بوله غير نجس وإلا لم تكن لتعرض المسجد لما نهي عن مثله، ولأنه مائع أباح الشرع شربه كاللبن.
فصل [39 - نجس المني]: والمني نجس 4 خلافًا للشافعي 5؛ لأنه مائع خارج من السبيل فأشبه البول، ولأنه مائع يوجب البلوغ كدم الحيض، ولأنه يجري في مجرى البول ولو كان طاهرًا في الأصل لوجب أن ينجس لجريه في مجرى نجس.
فصل [40 - غسل المني رطبه ويابسه]: ويغسل رطبه ويابسه 6 خلافًا لأبي حنيفة 7، لقول عائشة رضي الله عنها: "كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيخرج إلى الصلاة ونقع الماء على ثوبه" 8، ولأنه نجس فكان كسائر النجاسات.

فصل [41 - الشك في موضع النجاسة من الثوب]: وإذا تيقن إصابة النجاسة لثوبه وشك في موضعه غسله كله؛ لأنه ليس بعضه أولى من بعض، ولا أمارة يتميز له ما أصابه من الموضع الذي لم يصبه، فوجب غسل جميعه لأنه لا يصل إلى غُسل ما أصابه إلا بذلك، كما يلزم إمساك جزء من الليل إذا لم يمكن تمييز النهار مثله؛ لأنه لا يصل إلى استيفاء النهار إلا بذلك وإن علم الجهة من الثوب وشك في موضع الإصابة منها لم يكن عليه غسل باقيه، وإن شك هل أصابه شيء أم لا نضحه استحبابًا لجواز أن يكون أصابه ولم يلزمه لأن الشك لا يلزم به طهارة 1. فصل [42 - ما يزيل النجاسة]: لا يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء المطلق 2 عن الثياب والأبدان 3 خلافًا لأبي حنيفة 4 لقوله صلى الله عليه وسلم: "في دم الحيض حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء وصلي فيه" 5، ولأنه 6 لا يرفع النجاسة عن نفسه فلم يرفعها عن غيره، ألا ترى أن الماء لما صح أن يدفع النجاسة عن نفسه صح أن يدفعها عن غيره.

فصل [43 - السيف يصيبه الدم]: السيف إذا أصابه الدم أجزأه مسحه عن غسله لأنَّه صقيل لا يقبل النجاسة لأنها لا تتخلله 1، ولأن به ضرورة إلى ذلك لئلا يفسد متى غسل 2. فصل [44 - إزالة النجاسة من الخف والنعل]: ويغسل الخف والنعل من العذرة والبول، فأما من أرواث الدواب، ففيه روايتان 3: إحداهما أنه يغسل والأخرى أنه يمسح، فوجه قوله: أنه يغسل اعتبارًا بالثياب والحصر، ووجه قوله: أنه يمسح فلأن غسله إفساد له فسومح فيه 4، مع كون الأرواث مكروهة عندنا غير نجسة.
...

باب الاستنجاء

1 ويستنجي من البول والغائط لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن" 2، وقوله: "لا يكتفين أحدكم بدون ثلاثة أحجار" 3. فصل [1 - الاستنجاء من الريح]: ولا يستنجي من الريح لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من استنجى من الريح" 4، ولأنها ليست جسمًا يعلق ولا أثر لها.
فصل [2 - الجمع بين الأحجار والماء في التطهير]: والأفضل الجمع بين الأحجار والماء 5، لأن الأحجار تراد للتجفيف والماء يزيل الأثر ويطهر الموضع، فإن لم يكن ذلك فالماء أفضل، فإن اقتصر على الأحجار أجزاه لما رويناه 6 ما لم يَعْدُ المخرج أو ما لا بد منه، فإن عداه لم

يجز فيه إلا الماء، وإن الموضع مخصوص بذلك دون سائر البدن والرخص لا تتعدى بها مواضعها.
فصل [3 - الحجر الواحد في الاستنجاء]: وإذا أنقى بحجر واحد أجزاه 1 خلافًا للشافعي 2 في قوله: لا بد من ثلاثة أحجار، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من استجمر فليوتر" 3، وأقله واحد، ولأنه استنجاء فلم يلزم فيه سوى الإنقاء كالماء، ولأن الإنقاء قد وجد فأشبه إذا أتى بالثلاثة.
فصل [4 - كراهية الاستنجاء بالعظام]: ويكره الاستنجاء بالعظام 4 لقوله صلى الله عليه وسلم: "أما العظم فزاد إخوانكم من الجن 5، فإن فعل أجزاه خلافًا للشافعي 6، لأن النهي عن ذلك لتعلق حق الغير وهو كونه طعامًا له، وذلك لا يقتضي الفساد.
فصل [5 - كراهية الاستنجاء باليمين]: ويكره الاستنجاء باليمين إلا من عذر 7، ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن

ذلك 1، وروي أن يده اليمنى صلى الله عليه وسلم كانت لطعامه وشرابه واليسرى لما يكون من أذى 2، فأما مع العذر فجائز للضرورة إليه.
...

باب في طهارة الماء

أصل الماء الطهارة والتطهير 1 على اختلاف صفاته وأماكنه: من سماء أو أرض أو بئر أو بحر أو عذب أو مالح، كان مائعًا في أصله أو ذائبًا بعد جموده، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ 2، وقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ 3، وقوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ 4، وقوله صلى الله عليه وسلم: "خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء" 5، وروي: "إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" 6، وقوله في بول الأعرابي: "صبوا عليه ذنوبًا من ماء" 7 في نظائر لهذه الأخبار.
فصل [1 - حكم ماء البحر]: ولا خلاف في الجملة التي ذكرناها إلا في ماء البحر 8، فذكر عن بعض

الصحابة منع التطهير به 1، والجمهور على أنه مطهر طاهر لعموم الظواهر التي ذكرناها، ولقوله صلى الله عليه وسلم وسئل عن التطهر بمائه: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 2، واعتبارًا بسائر المياه.
فصل [2 - الماء المطلق]: المياه ضربان: مطلق ومضاف، فالمطلق هو ما لم يتغير أحد أوصافه بما يخالطه مما ينفك عنه غالبًا مما ليس بقرار له ولا حادث عنه، والمضاف هو ما تغير بما وصفناه من ذلك المتغير بالزعفران 3، والعصفر 4 والخل واللبن وغيره، فأما المتغير بالطين، ففي القسم الأول لأنه قراره ولا ينفك عنه غالبًا، وكذلك الطحلب 5 لأنه متولد عنه عن طول مكثه، وكذلك تغييره بالحمأة 6 وما أشبهها، ثم بعد هذا على ضربين: طاهر ونجس وذلك يرجع إلى صفة ما تغير به 7، فإن كان طاهرًا سلبه حكم التطهير فقط، وكان طاهرًا غير مطهر كسائر المائعات، وإن كان نجسًا سلبه الصفتين جميعًا.
فصل [3 - الماء المضاف]: قد بينا أن ما خالطه الزعفران والعصفر وغيَّر ذلك أوصافه، فإنه يخرجه عن

إطلاقه ويشبه التطهير 1، وعند أبي حنيفة 2 أنه على إطلاقه وأن التطهير جائز به إلا أن يكون عن طبخ فلا يجوز، ودليلنا أنه تغير بما ليس بقرار له ولا متولد عنه، بل بما ينفك عن مخالطته غالبًا، فأشبه إذا تغير بنجاسة أو بطبخ.
فصل [4 - الماء المتغير بالنجاسة]: فأما ما تغير بالنجاسة فإنه نجس لا خلاف فيه 3، وما لم يتغير طاهر إذا كان كثيرًا وإن كان يسيرًا فمكروه 4 إلا أنه في الحكم طاهر مطهر، ولا حد في ذلك سوى التغيير، وقال أبو حنيفة كل ماء حلته النجاسة نجس إلا أن يكون من الكثرة بحيث يعلم أن النجاسة لم تصل إلى جميعه، واعتبار ذلك عنده بأن لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر 5، ودليلنا قول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ 6، فعم، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر أحد أوصافه لونه أو طعمه أو ريحه" 7، (وقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث بئر بضاعة: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" (8)) 8، ولأنه لم يتغير من نجس كما لو لم تضطرب جنباته، ولأن هذا يؤدي إلى تنجيس المياه كلها لأننا نعلم أن البحار والأنهار لا تنفك من وقوع النجاسة فيها، فإذا كان ذلك الموضع نجس يجب تنجيس ما جاوره ويمتد ذلك إلى جميعه وذلك فاسد.

فصل [5 - الاعتبار في القلتين بتغير الماء]: ووافقنا الشافعي في القلتين 1 فصاعدًا أن الاعتبار في ذلك بالتغير، وخلافنا 2 فيما قصر عنهما فقال: ينجس بنفس مخالطة النجاسة له تغير أو لم يتغير، وقدرهما عنده خمسمائة رطل بالعراقي على ضرب من التقريب 3، ودليلنا ما قدمناه 4، ولأنه لم يتغير من النجاسة كالقلتين، ولأنه مخالط لما لم يغلب عليه فلم ينقله عن حكمه أصله الطاهرات، ولأن كل ما لم ينقل الماء من حكمه إذا كان قدره قلتين، فكذلك إذا قصر عنهما أصله سائر الأشياء المخالطة له وما يستعمل فيه.
فصل [6 - الماء المستعمل]: والماء المستعمل في طهارة الحدث طاهر 5، خلافًا لأبي يوسف 6 إذ يقول: أنه نجس، لعموم الظواهر، ولأنه ماء لاقى جسمًا طاهرًا فلم ينجسه كما لو استعمل في تبرد أو تنظف.

فصل [7]: والتطهير به مكروه غير محظور 1، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2 في قولهما إنه كسائر المائعات، لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ 3، والطهور الطاهر المطهر، وقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ 4، فعم كل أحواله، وروي أن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسلت في جفنة فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ليغتسل منها أو ليتوضأ، فقالت: إني كنت جنبًا فقال: "إن الماء لا يجنب" 5، وروي: "لا جنابة عليه"، ولأن أوصافه باقية كالذي لم يستعمل.
فصل [8 - الوضوء بنبيذ التمر]: ولا يجوز الوضوء بنبيذ التمر 6 خلافًا لأبي حنيفة 7، لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ 8، فلم يجعل بين الماء والصعيد واسطة والمخالف يجعل بينهما واسطة وهي النبيذ، ولأنه مائع لا يجوز الوضوء به حضرًا فلم يجز سفرًا كسائر المائعات عكسه الماء لما جاز التطهير بجميع أنواعه حضرًا جاز التطهر به سفرًا.

فصل [9 - إذا وقع في الماء ما لا نفس له سائله]: ما لا نفس له سائلة كالذباب والصرار 1، إذا مات في الماء لم ينجسه 2 خلافًا للشافعي 3، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فاملقوه، فإن في إحدى جناحه دواء وفي الآخر داء، وإنه يقدم الداء ويؤخر الدواء" 4. وهذا يدل على أنه لا ينجسه وإلا كان أمرًا بإضاعة المال، والإجماع من الأُمة.
في سائر الأعصار على جواز أكل النحل الذي تموت فيه الدود 5. فصل [10]: فإذا ثبت أنه لا ينجس ما مات فيه: فإن مات في ماء نظر، فإن لم يغيره فالماء مطلق على أصله قبل موته فيه، فإن غيره سلبه التطهير وجعله مضافًا 6 كسائر الأشياء الطاهرة 7. فصل [11 - إذا مات في الماء حيوان]: أما ما له نفس سائله إذا مات في الماء: فإن كان من دواب البر فعقد الباب فيه 8: أنه إن تغير فهو نجس قليلها كان أو كثيرًا لا يحل شربه ولا بيعه ولا

استعماله في طهارة ولا أكل شيء عجن به، وإن لم يتغير فهو في الحكم طاهر مطهر إلا أنه يكره استعماله إذا كان قليلًا أو كانت البئر صغيرة، ويستحب أن يطرح 1 منها بقدر ما تطيب به النفس ليس في ذلك حد، وإنما هو على حسب كثرة الماء وقلته وصغر البئر وكبرها 2. فصل [12 - موت دواب الماء في الماء]: وأما دواب الماء التي لا تعيش إلا فيه كالسمك والسرطان والسلحفاة، وغير ذلك فإنه طاهر في عينه لا ينجس إذا مات، ولا ينجس ما مات فيه تغير أو لم يتغير إلا أنه إن غير الماء منع الوضوء به من جهة الإضافة فقط 3، والأصل في هذه الجملة قوله صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 4، ولأنه لا يحتاج إلى ذكاة فلم تلحقه نجاسة كسائر الطعام والشراب.
فصل [13 - سؤر الكلب]: الكلب طاهر وسؤره مكروه، وفي الحكم أنه طاهر مطهر 5 (خلافًا للشافعي 6 في قوله: إن الكلب نجس ودليلنا) 7 لأنه حي فأشبه الحيوان، ولأن كل حي نجسًا بعد الموت، فإن الحياة علة لطهارته كسائر الحيوان، ويدل على طهارة سؤره قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ 8، ولم يأمر بغسله، وقوله صلى الله عليه وسلم وسئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها الكلاب والسباع فقال: "لها ما حملت في بطونها ولكم ما بقي شرابًا

وطهورًا" 1، ويدل على أن غسل الإناء منه تعبد 2، فنقول: لأنه غسل مقيد بعدد فأشبه الوضوء.
فصل [14 - غسل الآنية إذا ولغ فيها الكلب]: إذا ثبت أنه طاهر، فإذا ولغ 3 الكلب في الإناء غسل سبعًا للخبر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" 4 وذلك تعبد عندنا لا لنجاسته، ولا يختلف المذهب أن الإناء يغسل من ولوغه إذا كان فيه ماء، فأما إذا كان فيه لبن أو خل أو غسل، ففي غسله روايتان 5: فإذا قلنا: إنه يغسل فلعموم الخبر وقياسًا على الماء، وإذا قلنا: إنه لا يغسل فلأن الغسل من ولوغه تعبد لا تعرف عِلَّته فلا يقاس عليه والخبر وارد في الماء، فلا يجوز تعديه، ولأن الماء يخف أمره لكثرته، وعدم التشاح فيه، ولأنه لا خطر لثمنه وسائر الأطعمة والأشربة بخلافه.
فصل [15 - سؤر النصراني والسباع]: ويكره الوضوء بسؤر النصراني 6؛ لأنه لا يتوقى النجاسات من الخمر وأكل الخنزير، وكذلك سؤر كل حيوان لا يتوقى النجاسات كالدجاج المخلاة 7، وسائر السباع وكل هذا كراهية وليس بتحريم.
...

باب الدماء

الدماء التي تزجيها الرحم ثلاثة: دم حيض 1، ودم نفاس 2، ودم عِلَّة وفساد وهو الاستحاضة 3، فأما دم الحيض والنفاس فيمنعان وجوب الصلاة وصحة فعلها ويمنعان صحة الصوم دون وجوبه، وفائدة (الفرق بينهما) 4 أنهما إذا زالا لزم قضاء الصوم ولم يلزم قضاء الصلاة، ويمنعان الجماع في الفرج وما دونه، ويمنعان الطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف.
فصل [1] وفي منعهما قراءة القرآن خلاف فيه 5. فصل [2 - الدليل على منع وجوب الصلاة على الحائض والنفساء]: فأما منعهما وجوب الصلاة 6 فلما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها

قالت: "كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" 1، ولأن ذلك إجماع 2. فصل [3 - الدليل على منع الحائض فعل الصلاة]: وأما منعها من صحة فعلها 3 فلقوله صلى الله عليه وسلم: "دعي الصلاة أيام أقرائك" 4، وقوله: "إذا كان فامسكي عن الصلاة" 5، ولأنهما يمنعان رفع الحدث فمنعا الأداء، ولا خلاف أيضًا في ذلك.
فصل [4 - الدليل على منع أداء الصوم للحائض والنفساء لا الوجوب]: فأما منعهما فعل الصوم فلا خلاف فيه 6، وكذلك لا خلاف أنهما لا يمنعان (وجوبه) 7، وإن منعا أداءه 8، ويدل (على ذلك) 9 حديث عائشة

رضي الله عنها: أنها قالت: "كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" 1، والفرق بينهما لحوق المشقة في قضاء الصلاة لتكرارها وكون ذلك مؤديًا إلى فوات ما يجب في المستأنف إلا بالمداومة إلى أن يفرغ من الماضي، والصوم بخلافه لأنه غير متكرر ولا يؤدي إلى ضيق أو حرج.
فصل [5 - الدليل على منع الجماع في الفرج للحائض والنفساء]: وأما منعهما من الجماع في الفرج فلقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ 2، والأخبار متظاهرة بذلك، ولا خلاف فيه 3. فصل [6]: فأما الوطء فيما دون الفرج 4، فممنوع عندنا، خلافًا 5 لأصبغ 6 وغيره لقوله: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ 7 فعم، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -

سئل عما يحل للرجل من امرأته إذا حاضت فقال: "ما فوق الإزار 1 وليس له ما دونه" 2، ولأنه وطء مقصود في العادة كالوطء في الفرج.
فصل [7 - عدم جواز الوطء بعد الطهر وقبل الغُسل]: ولا يجوز وطؤها بعد انقضاء الدم وقبل الغُسل 3، خلافًا لمن أجازه 4، لقوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فآتوهن﴾ 5 معناه: فإذا فعلن التطهير، وانقطاع الدم الذي به تطهر، ليس من فعلها، ولأنها حائض انقطع دمها فأشبه انقطاعه قبل العشرة الأيام 6 ولم يمر بها وقت الصلاة.
فصل [8]: والاستمتاع بها فوق الإزار جائز 7 لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "شدي عليك إزارك ثم عودي إلى مضجعك" 8، وقوله:

"للرجل من الحائض ما فوق الإزار وليس له ما دونه" 1، ولأن المنع من الفرج وما دونه لأجل ملاقاة الأذى وذلك مأمون فيما فوق الإزار.
فصل [9 - دليل منع الحائض والنفساء من الطواف]: وأما منعهما الطواف 2 فلأمرين: أحدهما: منعهما من دخول المسجد، وقد دللنا عليه فيما تقدم، والآخر أن الطواف لا يصح إلا بطهارة، وأما منعهما مس المصحف وقراءة القرآن، فقد ذكرناه فيما تقدم.
فصل [10 - دليل منع الحائض والنفساء من الاعتكاف].
وأما منعهما الاعتكاف 3: فلأنهما يمنعان شرطين من شروطه وهما: دخول المسجد وصحة الصوم، ولا يمنعان وجوبه لأنهما لو نذرتاه في حال الحيض والنفاس أنهما يفعلانه بعد الطهر للزمهما إذا طهرتا، فأما إن نذرتا أن تعتكفا حال الحيض والنفاس فلا يلزمهما سواء نذرتاه في المدة أو قبله، لأن ذلك نذر معصية كما لو نذر إنسان صوم يوم النحر والفطر، فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين أن ينذر اعتكاف ليلة، لم قلتم على قول بعض أصحابكم يلزمه يوم وليلة؟ فإن كان الليل لا يصح فيه الصوم، كذلك يجب أن يكون زمان الحيض والنفاس، قلنا: لا يجب ذلك والفرق بينهما واضح وهو: أن الليل زمان الاعتكاف على وجه ألا ترى أنه يحرم عليه في ليلة ما يحرم عليه في نهاره، ولو فعل في ليله ما يفسد اعتكافه لبطل اعتكافه إلا أنه لا يصح إفراده لأنه تبع لنهاره، كما أن حال خروجه من المسجد يكون معتكفًا تبعًا لحال حصوله فيه فإذا كان كذلك فلم ينذر معصية، وألزمناه يومًا وليلة؛ لأن إيجاب التبع للمتبوع لأنه مشروط به، كما لو نذر صلاة لكان قد أوجب على نفسه التطهر لها وزمان الحيض بخلافه لأنه ليس بزمان للاعتكاف على وجه لا تبعًا ولا غيره، ألا ترى أنه إذا طرأ على الاعتكاف قطعه وإذا طرأ عليه الليل لم يقطعه والله أعلم.

فصل [11]: وجميع ما ذكرناه من الظواهر وإن كان النص 1 فيها متناولًا للحيض وحده، فإن النفاس ملحق به بالإجماع 2؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما في هذه الأحكام، أو بالقياس وهو أنه دم خارج من الفرج لا يكون إلا مع البلوغ.
فصل [12 - أقل الحيض]: وأقل الحيض لا حد له 3، خلافًا لأبي حنيفة 4 في قوله: ثلاثة أيام، والشافعي 5 في قول: إنه يوم وليلة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان الحيض فإنه دم أسود يعرف فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضيء وصلي" 6، فلم يعلقه 7 بأكثر من وجوده ورؤيته، ولأن المبتدأة 8 تترك الصلاة برؤية الدم بالإجماع 9. فلولا أنه حيض وإلا لم تؤمر به بإضاعتها والتغرير بها، ولأنه دم يسقط فرض الصلاة، فلم يكن لأقله حد مخصوص كالنفاس.

فصل [13 - أكثر الحيض]: وأكثره خمسة عشر يومًا 1، خلافًا لأبي حنيفة 2 قوله: أنه عشر أيام، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فامسكي عن الصلاة" 3، فوجب استدامة ذلك ما لم يمنعه دليل، وقوله صلى الله عليه وسلم: "تمكث إحداكن نصف عمرها لا تصلي"، وروي: "شطر عمرها" 4، فسوى بين ما تفعل فيه الصلاة وبين ما تتركها 5، وذلك يقتضي أن يكون أكثر من عشرة أيام، ويفرض الكلام في أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، فإن لم يسلم مخالفنا دللنا عليه في موضعه، وإن سلم بنينا مسألتنا عليه، فقلنا: أن كل أيام من أيام الدم أبقت 6، لأقل الطهر وقتا من الشهر جاز أن يكون حيضًا كالعشرة وما دونها.
فصل [14 - أقل النفاس]: ولا حد لأقل النفاس 7، خلافًا لأبي يوسف إذ يقول: أقله أحد عشر يومًا 8، لأن ذلك تقدير يرجع إلى دعوى ولا فصل بين مدعيها وبين مقابله لخلافهما؛ لأن الرجوع في ذلك إلى الوجود وقد وجد كثير من النساء بنفس الساعة والدفعة 9.

فصل [15 - أكثر النفاس]: وفي أكثره روايتان 1: إحداهما أن الرجوع فيه إلى العادة وما يعلم النساء أنه أقصى ما تجلسه المرأة، والثانية أنه ستون يومًا وهذه أولى لأن ذلك قد وجد عادة مستمرة في النساء فيجب الحكم بكونه نفاسًا.
فصل [16 - أقل الطهر]: فأما أقل الطهر الفاصل بين الحيضين: فقيل: ما يعلم أنه يكون طهرًا من غير تحديد، وقيل: خمسة، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة، وقيل: خمسة عشر يومًا، وعليه متأخرو أصحابنا البغداديين 2، فوجه نفي التحديد: أن كل أمر وجب تحديده ولم يرد نص به وجب الرجوع فيه إلى العرف، وكل ما قيل في ذلك يرجع إلى دعوى فلم يجب قبولها، ورُجع إلى العادة، ولذلك نظائر: منها العمل في الصلاة، والقبض في البيع، والحرز في القطع وغيره، وقد أمر الله تعالى بالرجوع إلى النساء، وجعلهن مُومَّنات فيما يخبرن به عن نفوسهن من ذلك 3 فقال: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ 4، وأما التحديد بالخمسة فذكر أحمد بن المعذل 5 عن عبد الملك 6 أنه معلوم

بالتجربة وأنه قد وجد عادة مستمرة، وأما الثمانية والعشرة فما نحفظ عن من قال بهما شيئًا يمكن أن يعتمد ويعول عليه، وأما تحديده بخمسة عشر فلأن أقل الطهر يجب أن يكون في مقابلة أكثر الحيض، تجري العادة بقلة أحدهما مع كثرة الآخر لأن الله تعالى جعل عدة المطلقة التي تحيض ثلاثة أقراء 1، وجعل عدتها إذا كانت يائسة 2 ثلاثة أشهر 3، فأعلمنا أن بدل كل قرء شهر ولا يصح إلا أن يكون أقيم مقام أقل الطهر وأكثر الحيض.
فصل [17 - أكثر الطهر]: ولا حد لأكثر الطهر لاختلاف العادات 4 وتفاوتها، وكذلك الاستحاضة لا حد لأقلها ولأكثرها ولا خلاف في ذلك 5. فصل [18 - المبتدأة]: والحُيِّض على ضربين: مبتدأة ومعتادة 6، فالمبتدأة تترك الصلاة برؤية أول دم تراه، ثم إن دام بها إلى أيام لداتها 7، وانقطع، فذلك آخره فلتغتسل عند انقطاعه ولتصلي، فإن زاد على أيام لذاتها، ففيه ثلاث روايات 8: إحداها

أنها تجلس بذلك القدر فقط، ثم تكون مستحاضة، والثانية أنها تستطهر 1 عليه بثلاثة أيام، ثم تكون مستحاضة، (والثالثة أنها تجلس ما دام الدم بها إلى أن تبلغ خمسة عشر يومًا، فإن زادت كانت مستحاضة) 2، فوجه الأولى هو أن أمر الحيض مجتهد فيه فلما أمكن أن تكون حائضًا أقل الحيض وأكثره وما بينهما وجهل أمرهما لم يكن الحكم ببعض ذلك بأولى من الحكم بغيره، فكان أولى الأُمور ردها إلى عادة لداتها وأقرانها؛ لأن الأغلب تناسب طباعهن إذ ليس ما هو وأولى منه، ووجه الاستظهار قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء الحارثية: "اقعدي أيامك التي كنت تقعدين واستظهري بثلاثة أيام ثم اغتسلي وصلي" 3، فإذا ثبت ذلك في المعتادة قسنا عليها المبتدأة بعلة أنها حائض أشكل عليها مدة أكثر حيضها، ولأنه مائع خارج من البدن أشكل أمره فطلب التمييز بينه وبين غيره، فجاز أن يعتبر بثلاثة أيام كلبن التصرية، ووجه الثالثة أن كل دم خرج من الفرج في زمن فالحيض 4 أولى به لأنه لما أمكن أن يكون الحيض منتقلًا من زيادة إلى نقصان ومن نقصان إلى زيادة وجب أن يحكم له بالظاهر وهو أنه حيض لبقاء زمانه ولا مانع منه.
فصل [19 - المعتادة]: فأما المعتادة ففيها روايتان 5: إحداهما الاستظهار على أيام عادتها بثلاثة أيام والأخرى الجلوس ما دام الدم بها إلى أقصى مدة الحيض وقد ذكرنا وجوهها.

فصل [20 المستحاضة]: فإذا تمادى الدم بعد الأيام المحكوم بكونها حائضًا فيها، والمبتدأة والمعتادة سواء 1، فإنما تكون مستحاضة فتغتسل وتصلي وتصوم وتوطأ ويحكم لها بحكم الطاهر، ثم لا تزال كذلك إلى أن تنقضي مدة أقل الطهر على ما بيناه من الاختلاف، فإذا مضت نُظر، فإن كان الدم قد انقطع قبلها ثم رأت الدم بعد مضيها فذلك حيض مستأنف، لأن مضي المدة الفاصلة بين الدمين يوجب كون الدم الثاني حيضًا، وإن اتصل الدم بعد مضي مدة أقل الطهر نظر: فإن كان متغيرًا إلى صفة دم الحيض حكم بأنها حائض من وقت تغيره سواء كان تغيره عند تقضي أقل الطهر بلا فصل أو بعده، وإن لم يتغير فالاستحاضة ثابتة فتصلي أبدًا حتى يوجد التغيير، ولا يعتبر بتغيره قبل مضي مدة أقل الطهر أو بقائه على لونه، وإنما يعتبر بالتمييز بعد المدة على ما وصفناه 2. فصل [21 - اتصال وانقطاع أيام الحيض والنفاس]: وأيام الحيض والنفاس قد تتصل وقد تنقطع، فإذا اتصلت فالحكم ثابت لها، وإذا انقطعت فرأت الدم يومًا والطهر يومًا أو رأت الدم يومين والطهر يومًا أو يومين: فإنها تترك الصلاة في أيام الدم وتغتسل عند انقطاعه وتصلي وتصوم ثم تُلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر المتخللة لها ولا تحتسبها طهرًا في عدة ولا استبراء، فإذا كمل لها من أيام الدم مدتها المعتبرة على الاختلاف الذي بيّناه اغتسلت وصلت وكانت مستحاضة إلى أن يتغير الدم عليها تغيرًا تعلم أنه دم حيض 3 على ما قدمناه.

فصل [22 - هل تحيض الحامل]: الحامل تحيض 1 خلافًا لأبي حنيفة 2 لقوله صلى الله عليه وسلم: "دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة" 3 فعم، ولأنها رأت الدم في أيامها المعتادة فصح أن تكون حائضًا كالحائل 4، ولأنه دم يمنع الصلاة والصوم فصح وجوده مع الحمل كالنفاس؛ لأن أبا حنيفة يقول: إذا وضعت ولدًا وبقى [في بطنها ولد آخر] 5، ورأت في خلال الوضعين دمًا، فإنه نفاس، ولأن العوارض التي تمنع الحيض لا تمنعه جملة كالمرض والرضاع، وبذلك فارق الإياس لأنه خلقة وليس بعارض، ولأنه قد ثبت أن الحائض تحمل فصح أن الحامل تحيض.
فصل [23 - استمرار الدم بالحامل]: اختلف عنه إذا تطابق 6 الدم بها هل تستظهر أم لا، فعنه فيه روايتان 7: إحداهما أنها تستظهر اعتبارًا بالحائل، والأخرى لا تستظهر لأن أمرها ضعف من أمر غيرها لأن حيضها مختلف فيه وثبوته من طريق الاجتهاد فضعف أمرها عن الحائل، والله أعلم.

فصل [24 - حكم الصفرة والكدرة]: والصفرة 1 والكدرة 2 حكمهما حكم الدم، فهما في أيام الحيض حيض وفي أيام النفاس نفاس، وفي أيام الاستحاضة استحاضة، والأصل فيه حديث عائشة رضي الله عنها: "كنا نعد الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيضًا" 3، ولأنها صفة للدم كالحمرة والسواد.
فصل [25 - علامات طهر الحائض]: وللطهر علامتان 4: الجفوف 5 والقصة البيضاء 6، وكل واحد منهما يكون علامة لطهر من جرت عادتها به، وإن رأته غير من جرت عادتها به كان طهرًا لها أيضًا لإمكان انتقال العادة على اختلاف بين أصحابنا [في ذلك] 7، 8. ...

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل