المعونة على مذهب عالم المدينةصفحات 1035-1074
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 1035-1074
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والباسط والمغلي والمرخص وإني لأرجو أن ألقي الله وليس لأحد منكم عندي مظلمة ظلمته إياها في عرض ولا مال" 1. فإذا ثبت ذلك فالذي يخاف ضرره بعقد التسعير هو الزيادة فيه وهذا يمكن حسمه بأن يقال لمن يحط السعر: إما أن تلحق بالناس، وإما أن تنصرف ومثاله أن يكون بيع الناس مثلًا للخبز عشرة أرطال بدرهم فيبتديء هو البيع على ثمانية فيقال له: إنا لا نسعر عليك ولا يلزمك البيع بما لا تختار، ولكن نأمرك بأن لا تضر بالناس تغلى 2 الأثمان زيادة على بيع غيرك لئلا يقتدى الباقون بك فيضر ذلك بالناس، فأما بعه على بيعهم وإلا أزلنا الأضرار عن الناس 3 بصرفك عنهم، وقد روي: أن عمر رضي الله عنه قال لحاطب بن أبي بلتعة مثل ذلك 4. فصل [6 - في الحكرة]: الحكرة 5 إذا أشرف بأهل البلد ممنوعة في كل ما بهم حاجة إليه وضرورة إلى شرائه وكثرته، سواء كان طعامًا أو ثيابًا أو أي شيء كان من أنواع الأموال 6، والأصل في منعها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحتكر إلا خاطيء" 7، وروي: "المتربصون بالطعام هم الآثمون" 8، وروي: أن

عمر رضى الله عنه خرج إلى المسجد فرأى طعامًا منشورًا فقال: ما هذا؟ قالوا: طعام جلب إلينا، قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه، قالوا: إنه قد احتكره فلان وفلان فدعاهما فقالا له: نشتري بأموالنا ونبيع، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بإفلاس أو جذام" 1، وهذا هو في البلدان الصغار الذين يَضُرُّ بهم الاحتكار، فأما البلدان 2 الكبار والأمصار الواسعة التي يكثر إليها الجلب ويتسع الحمل والتجهيز فلا بأس، لأن ذلك غير مضر بهم غالبًا إلا أن يتفق 3 في بعض الأوقات غلاء أو شدة ويؤدي ذلك إلى الإضرار بالناس فيمنع حينئذ.
فصل [7 - في عدم التعرض لمن جلب طعامًا وعدم جبره على بيعه ...]: لا يعرض لمن جلب طعامًا أو غيره إلى بلد ولا يجبر على بيعه ولا يمنع من اختزانه 4 وحكرته لأنه لم يضر بالناس ولا على عليهم سعرًا ولا استبد بشيء كان يجب أن يساويهم فيه، بل في منعه من ذلك إضرار به وافتيات عليه لأنه إنما تكلف جلبه وسافر في تخليصه 5 ليبقيه لنفسه، فليس لأحد اعتراض عليه فيه، وقد روى عن عمر 6 أنه قال: من جلب طعامًا على عمود ظهره، فذلك ضيف عمر يبيعه كيف شاء ويذهب به حيث شاء 7.

فصل [8 - بيع العربان]: بيع العربان منهي عنه إذا وقع على صفة دون صفته، وصفته الممنوعة أن يشتري الرجل السلعة بثمن معلوم أو يكتري دابة بكراء معلوم وينقد من ذلك شيئًا ليسكن البائع أو المكرى إليه على أنه إن رضي إمضاء 1 البيع أو الكراء وينقد بقيته وإن كره لم يرجع بما نقده 2. وإنما قلنا: إنه ممنوع لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان 3 ولأنه من أكل المال بالباطل لأنه يذهب بغير عوض ولا على وجه الهبة والصدقة، وإنما هو ضرب من القمار، ووقوعه على الصفة الجائزة 4، فهو أن يجعل العربان على يد غير البائع وعلى يده مختوما لئلا ينتفع به ثم يرده إن كره المشتري فيكون بيعًا وسلفًا، فإذا ختم عليه زال ما يخاف 5 من ذلك ثم ينظر: فإن اختار الإمضاء احتسب به من الثمن أو الأجرة إن كان كراء، وإن كره استرجعه، فهذا جائز لأنه ليس فيه ما يقتضي المنع.
فصل [9 - بيع الدين بالدين]: الدين بالدين 6 ممنوع 7 لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الكاليء بالكاليء 8 وهو الدين بالدين، وذلك إذا كان من الطرفين مثل أن يحل له

سلف من عروض على رجل فيجعلها ثمنًا لشيء آخر من سلم ينتقل إليه أو أن يسلم إليه في شىء بثمن معلوم يكون دينًا في ذمة المسلم للمسلم إليه، فهذا كله ممنوع، فأما فسخ الدين إذا حلَّ في عين بتأخر قبضها وتكون مضمونة على بائعها فمنعه مالك وابن القاسم وأجازه أشهب وغيره وذلك كثمرة يجتنيها أو سلعة غائبة أو دار يسكنها مدة أو ما أشبه ذلك، فوجه المنع أنه مفسوخ فيما لا يتنجز وما هو في ضمان الغريم، فأشبه أن يفسخ شيء في الذمة، ووجه الجواز أنه فسخ دين في عين كالمقبوض.
فصل [10 - فيما لا يجوز في الدين إلى أجل وهو ما يعرف بضع وتعجل]: الوضع على التعجيل ممنوع منه 1، وصفته أن يكون على رجل دين لم يحل 2 فيقول لصاحبه: تأخذ بعضه معجلًا وتبرئني من الباقي، فهذا غير جائز لأمرين: أحدهما أنه يدخله الربا إن كان في ذهب أو فضة أو طعام أو ما يحرم التفاضل فيه، والآخر أنه قرض يجر نفعًا 3، وروي ذلك عن ابن عمر وزيد ابن ثابت 4، وهو إجماع الصحابة وكذلك إذا عجل له بعضه قبل الأجل على إن أخره بالباقي زيادة على الأجل الأول لأنه ترك ذلك الأجل للتعجيل 5. فصل [11 - في تصرف الفضولي]: إذا باع ملك غيره بغير إذنه انعقد البيع ووقف على إجازة المالك أو رده 6، = مسلم، غير أن الحافظ ابن حجر نبه على خطأ الحاكم في ذلك، وقال: وفي إسناده موسى بن عبيدة وهو متروك (الدراية: 2/ 157) كما أخرج الحديث البيهقي: 5/ 290، والبزار وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهم.

وكذلك إذا اشترى له بغير إذنه 1، وفرق أبو حنيفة بينهما فأجاز في البيع ومنعه في الشراء 2، ومنعه الشافعي 3 في الموضعين 4، فدليلنا على الشافعي حديث حكيم بن حزام 5 وعروة البارقي 6: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع إليه دينارًا ليبتاع له شاة، فابتاع شاة ثم باعها بدينارين فابتاع بأحدهما شاة وجاء بالدينار الآخر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذه وبارك له في صفقته 7، ولأنه عقد تمليك يفتقر إلى الإجازة، فجاز أن يقع موقوفًا عليها كالوصية، ولأنه تمليك لملك الغير بغير إذنه 8 كالتصدق باللقطة، ودليلنا على أبي حنيفة: أن القبول أحد طرفي العقد فجاز أن يقف العقد 9 على إمضائه كالإيجاب.

فصل [12 - فيمن اشترى عبدًا نصرانيًّا]: إذا اشترى عبدًا نصرانيًّا جاز أن يبيعه من نصراني لأنه مساوٍ له في الدين كبيع المسلم من المسلم.
فصل [13 - إذا اشترى نصراني عبدًا مسلمًا]: إذا اشترى نصراني عبدًا مسلمًا ففيها روايتان 1: إحداهما أنه لا يصح ويفسخ والأخرى أن العقد يقع ويجبر على بيعه.
فوجه الأولى: أن كل معنى إذا طرأ على ما يملكه النصراني قطع استدامته في حق المسلم، فإذا وجد ابتداء منع العقد أصله النكاح لأنها إذا أسلمت تحته منع ذلك استدامة نكاحه 2، وكذلك وجود الإِسلام يمنع ابتداء عقده 3 عليها كذلك العقد على الرقبة.
ووجه الثانية: أنه قد ثبت له عليه ملك بوجه وهو أن يسلم في ملكه فيباع عليه، وإذا كان كذلك لم يفسخ عقده عليه وبيع عليه أصله إسلامه في ملكه.
فصل [14 - في بيع الكلاب]: اختلف أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب، فمنهم من قال: يكره، ومنهم من قال: يحرم 4. ووجه الجواز ما روي: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية 5، ولأنه جارح يصاد به كالبازي.

ووجه الحظر نهيه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ولأنه حيوان منهي عن اتخاذه إلا للضرورة كالسباع، وعلى من قتله قيمته لصاحبه خلافًا (للشافعي لأنه حيوان يصح الانتفاع به والوصية به كالخيل والبغال ولأنه بهيمة يجوز الاصطياد به كالبازي) 1. فصل [15 - في عدم جواز بيع الزيت النجس والعذرة]: لا يجوز بيع الزيت النجس ولا العذرة 2 للتزبيل 3 لأنها عين نجسة كالدم.
...

باب: [في الخيار]

البيع جائز بشرط الخيار 1 (لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث حبان: "واشترط الخيار ثلاثًا" 2) 3، وقوله صلى الله عليه وسلم: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار" 4، ولأن الإنسان يحتاج إلى تأمل ما يبتاعه واختياره فجاز ذلك.
فصل [1 - في جواز اشتراط الخيار من البائع والمشتري]: يجوز أن يشترطه البائع والمشتري لقوله صلى الله عليه وسلم: "واشترط 5 الخيار ثلاثًا" 6 ولم يفرق، ولأن الخيار وضع للتأمل والاختبار وكل واحد منهما محتاج من ذلك إلى مثل ما يحتاج إليه الآخر، فجاز اشتراط كل واحد منهما له.
فصل [2 - انفراد من اشترط الخيار بالفسخ دون الآخر]: فإن اشترطه أحدهما انفرد بالفسخ ولم يكن للآخر مقال معه، وإن اشترطاه معا، فقد تعلق الحق بهما فلا يسقط حق أحدهما إلا بإسقاطه له، ولا يثبت

البيع إلا باجتماعهما على إجازة أو رد، فإن اتفقا على إمضاء أو فسخ كان لهما وإن اختلفا فاختار أحدهما الرد والآخر الإمضاء، فالقول قول 1 المختار للرد لأن مختار الإمضاء قد أسقط حقه من الفسخ وبقي حق الآخر ولا يسقط بإسقاط غيره له.
فصل [3 - في خيار المجلس]: خيار المجلس غير ثابت والعقد بالقول لازم 2 خلافًا للشافعي 3 لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 4، ولأنه عقد معاوضة كالنكاح، ولأن كل خيار كان من مقتضى العقد جاز أن يبقى بعد الافتراق كخيار العيب وكل خيار لا يثبت بعد الافتراق، فليس من مقتضى العقد كالخيار في إغلاء 5 الثمن ورخص، ولأنه لو كان ثابتًا بمقتضى العقد لم يصح وقوع العقد على وجه لا يتصور فيه، فكان لا يصح للأب أن يشتري لابنه من نفسه لأن مفارقة 6 الإنسان من نفسه لا تصح.
فصل [4 - في وضع الخيار لتمام البيع واستقراره]: الخيار موضوع لتمام البيع واستقراره لا للفسخ، فإن اختار من له الخيار الإمضاء تَمَّ البيع وانبرم، وإن اختار الفسخ تبيّنَا أن الملك لم ينتقل إليه 7، وإنه لم يزل على ملك البائع، وفي الحالتين فهو في الحكم على ملك البائع وتلفه منه ما لم يتقرر من المشتري إمضاء خلافًا لمن يقول: إنه وضع للفسخ 8

وأن الملك قد انتقل بنفس العقد لأنه إيجاب لا يلزم البائع الثبوت عليه، فلم ينتقل الملك به على التجريد أصله إذا وجب ولم يقل للمشتري: قبلت، ولأن الإيجاب مع شرط الخيار غير محقق 1 لأنه متعلق بشيء يقع في المستأنف، فالمشتري يقبل إيجابًا غير محقق فلم ينتقل به الملك.
فصل [5 - في تصرف المالك في ملكه]: كل تصرف يفعله المالك في ملكه لا يحتاج إليه في اختيار 2 المبيع، فإنه يعد رضا ممن له الخيار ويكون من البائع فسخًا، ومن المشتري إمضاء وذلك كالوطء والتقبيل واللمس للذة وكالهبة والصدقة بالمبيع والإعتاق والتدبير والكتابة، واختلف في الإجارة والرهن والتسوم 3 بالسلعة 4: فعند ابن القاسم أنه اختيار لأنه تصرف من المالك لا يحتاج إليه في اختيار المبيع وليس باختيار عند أشهب لأنه قد يفعل نيابة عن الغير، وتزويج الأمة اختيار وتزويج العبد وإسلامه في صنعه اختيار عند ابن القاسم وليست باختيار عن أشهب، وجناية الخطأ ليست باختيار وجناية العمد اختيار عند ابن القاسم وليست باختيار عند أشهب، والنظر في هذا كله مع ابن القاسم والاستخدام ليس باختيار لأنه اختبار.
فصل [6 - في مدة الخيار]: مدة الخيار متعلقة بما يمكن اختيار 5 المشتري المبيع في مثله 6، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قصرها ذلك على ثلاثة أيام 7 (لقوله صلى الله عليه

وسلم: "لكل مسلم شرطه" 1، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا بيع الخيار" 2 فأطلق، ولأنها مدة ملحقة بالعقد فجاز أن يكون أكثر من ثلاثة أيام) 3 كالآجال لأنها مدة يحتاج فيها إلى اختبار المبيع كالثلاثة، ولأن الخيار موضوع لتأمل المبيع واختياره والمبيعات مختلفة في ذلك وفي قصرها على مدة محصورة إبطال لفائدته.
فصل [7 - إذا مات مشترط الخيار]: إذا مات مشترط الخيار من المتبايعين قام ورثته مقامه 4 خلافًا لأبي حنيفة 5، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ 6 فعم، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك ملكًا وحقًّا فلورثته" 7، ولأنه خيار ثابت في عقد بيع كالخيار بالعيب، ولأن من ورث شيئًا ورثه بحقوقه كالدين بالرهن وخيار التعيين 8 والرد بالعيب، ولا يلزم عليه الوطء لأن ذلك لا يتصور فيه على وجه.
فصل [8 - في اختلاف الورثة بين الإمضاء والفسخ]: إذا اختلف الورثة فأراد بعضهم الإمضاء وبعضهم الفسخ: فإما رضوا جميعًا أو فسخوا لأنهم يقومون مقام موروثهم ولم يكن له تبعيض الصفقة.
فصل [9 - في وراثة خيار الشرط أو الرؤية أو التعيين أو الرد بالعيب]: (لا فصل بين خيار الشرط أو الرؤية أو التعيين أو الرد بالعيب في أن ذلك كله موروث) 9.

فصل [10 - حكم التبايع على خيار رضا فلان]: يجوز أن يتبايعا ويشترطا أو أحدهما رضا فلان أو اختياره يومًا أو أيامًا 1 خلافًا لأصحاب الشافعي 2 لقوله صلى الله عليه وسلم: "واشترط الخيار ثلاثًا" 3 ولم يفرق، ولأن الخيار وضع لتأمل المبيع وحظ مشترطه، وقد لا يعرف ذلك فيشترطه لغيره ليُعرِّفه إياه.
فصل [11 - إذا ثبت الخيار لغير المتبايعين فهل يثبت مع ذلك لهما]: إذا ثبت 4 الخيار ويكون لمن اشترط له فهل يثبت (مع ذلك لمشترطه من المتبايعين أم لا؟ فيه خلاف 5 قال ابن القاسم: يثبت) 6 الخيار للأجنبي وللبائع إن كان هو الذي اشترطه 7، فإن اختار الأجنبي ردًّا أو إجازة وأباه البائع فالقول للبائع، وإن كان المشتري هو الذي شرط للأجنبي الخيار لم يثبت إلا للأجنبي فقط ولم يكن للمشتري أن يخالف 8 عليه، وروي عنه أيضًا: أن لهما المخالفة عليه وهو قول ابن حبيب.
وإنما قلنا: إن شرط الخيار للأجنبي لا يلزم البائع لأنه لم يشترط له على وجه التمليك، ولكن على وجه تنبيهه 9 وإرساله، ولأن الخيار للأجنبي فرع على ثبوته للبائع فيمتنع أن يثبت الفرع وينتفي به أصله.

ووجه التفريق بين البائع والمشتري أن حال المشتري 1 أضعف، لأن الإيجاب لا يتعلق بصفة والقبول يتعلق بها، فجعل أمره على التمليك والنظر التسوية بينهما لأنهما متساويان في العقد وحقوقه، لا يختلف أصحابنا أن شرط مشاورة الأجنبي جائزة ولا يلزم المتبايعين لأنه اشترطها لنفسه لا لغيره.
فصل [12 - عدم اشتراط حضور العاقد الآخر عند الإمضاء أو الفسخ]: إذا اختار مشترط الخيار أن يختار 2 أو يفسخ فله حضر الآخر أم غاب 3 خلافًا لأبي حنيفة في اشتراطه حضور صاحبه 4، لقوله صلى الله عليه وسلم في المصراة 5: "فهو بخير النظرين إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها" 6 ولم يفرق، ولأنه مختار 7 للفسخ مع بقاء مدة الخيار كما لو حضر صاحبه، ولأنه معنى ينقطع به خياره فلم يفتقر إلى رضا الآخر كالإجارة.
فصل [13 - الخيار المطلق]: إذا اشترط الخيار ولم يضربا له مدة صح العقد وضرب للسلعة مدة تختبر 8

في مثلها 1 خلافًا لمن قال: إن البيع فاسد 2؛ لأن الإطلاق محمول على العرف فيصير كالمشترط في البيع كالحمولة والنقد.
فصل [14 - عدم جواز اشتراط النقد في بيع الخيار]: لا يجوز اشتراط النقد في بيع الخيار لا إلى أجل قريب ولا بعيد 3 لأن ذلك يضارع البيع والسلف، فيكون مرة ثمنًا إن اختار المشتري الإمضاء ومرة سلفًا إن اختار الرد، فإذا ثبت منعه فاشتراطه يفسد البيع لأنه شرط ينافي موجب العقد كما لو شرط ألا يملكه وإن لم يشترط وتبرع المشتري بالنقد جاز 4. فصل [15 - تلف المبيع في أيام الخيار]: تلف المبيع في أيام الخيار من البائع إن كان في يده أو في يد غيرهما 5 لأنه على ملكه لم يدخل في ضمان المشتري، فإن تلف في يد المشتري فتلفه منه، وإن كان مما يغاب عليه لأنه قبضه لمنفعة نفسه وعلى وجه المبايعة دون مجرد الأمانة، ولا يضمنه إن كان مما لا يغاب عليه لأن الظاهر أن هلاكه بغير صنعه، وأنه غير متعد بقبضه كالرهن 6. فصل [16 - اختلاط الثوبين الذين اشتراهما بالخيار]: إذا ابتاع من رجلين ثوبين بشرط الخيار فاختلطا ولم يتميز ألزمه البيع ولا خيار له 7 لأنه لا يصل إلى رد ملك أحدهما عليه، فكان كالتالف 8.

فصل [17 - خيار الغبن]: اختلف أصحابنا في بيع السلعة بما لا يتغابن الناس بمثله مثل أن يشتري أو يبيع مما يساوي ألف بمائة، فمنهم من نفى أن يثبت الخيار لمغبون 1 منهما، ومنهم من قال: لا خيار إذا كانا من أهل الرشاد والبصر بتلك السلع، وإن كان أو أحدهما بخلاف ذلك فللمغبون الخيار 2. فإذا قلنا: لا خيار له فلأنه نقص في عين المعقود عليه كالقليل، ولأن المغبون مفرط لأنه كان يجب أن يوكل من يشتري له أو يبيع.
وإذا قلنا: له الخيار فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ 3 وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا بعت فقل لا خلابة" 4، ونهيه عن إضاعة المال 5، وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" 6، ولأنه نوع من الغبن في الأثمان فجاز أن يتعلق به الخيار أصله تلقي الركبان، ولأنه نقص بثمن المبيع 7 والغبن فكان مؤثرًا في الخيار كالعيب.
...

باب: [في الغش والتدليس في البيوع]

ومن أراد بيع سلعة له معيبة فعليه أن يبين ذلك ويُعلم المشتري به 1 لأنه إن كتمه ذلك فقد غشه والغش ممنوع في الدين.
وإنما قلنا: أنه غش لأن المشتري يدخل على مبيع سليم والبائع يعلم أنه لا يعلم بالعيب، وإنه لا يدري إذا علم به هل يرضى أم لا، فإذا كتمه فقد غشه (ولقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تصروا الإبل والغنم" 2، فنهى عن التصرية لأنها غش وتدليس لأن المشتري يظن أن ذلك قدر حلابها، وروي أن رسول الله) 3 صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعامًا فسأله كيف يبيع فأخبره فأومأ إليه أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده، فإذا هو مبلول فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من غش" 4. فصل [1 - صحة البيع الذي فيه غش]: إذا ثبت أن ذلك ممنوع فلا يمنع صحة البيع 5 خلافًا لمن ذهب إلى ذلك 6 لحديث المصراة، وقوله: "من ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين إن رضيها

أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" 1، فأثبت له الخيار فدل أن العقد صحيح، ولأن العيب ليس فيه إلا أنه نقص من المبيع، وذلك لا يوجب الفساد كما لو اشترى رزمة على أن فيها عشرة أثواب فكانت تسعة.
فصل [2 - في أن العيب يثبت الخيار للمشتري]: إذا ثبت أن العيب لا يفسد العقد وإنه يوجب الخيار للمشتري في أن يردّ ويرجع بالثمن أو يمسك ولا شيء له ما دام 2 المبيع قائمًا بحاله لم يفت ولم يتغير لقوله في حديث المصراة: "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين" 3 فأثبت له الخيار، ولأن المشتري إنما بذل الثمن ليحصل له المبيع سليمًا، فإذا أصابه معيبًا فلم يرض ببذل الثمن في معيب، فكان له رده، وإن اختار رد البيع والرجوع بالثمن، فذلك له إن اختار إمساكه والرجوع بأرش العيب حتى يحصل السلعة المعيبة 4 ببعض الثمن فليس ذلك له إلا برضى البائع.
وإنما قلنا ذلك لأن البائع دخل على أن يحصل له الثمن كله وتحصل السلعة للمشتري فلم يجبر على أن يحصل له بعض الثمن، ولأن المشتري لا يستحق الأرش على ألا يرد فلا يلزم المشتري إلا برضاه، (وفي حديث المصراة "إن رضيها أمسكها 5 وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" 6 ولم يجعل له إمساكها مع أخذ الأرش.
فصل [3 - إذا بذل البائع الأرش على ألا يرد]: وإذا بذل البائع الأرش على ألا يرد فلا يلزم المشتري إلا برضاه لقوله صلى الله عليه وسلم: "فهو بخير النظرين" (7)، فأثبت له الخيار وذلك ينفي الإجبار

على أحدهما، ولأنه يقول: إنما بذلت الثمن لتحصل لي سلعة سليمة كما أن البائع دخل علي أن له كل الثمن.
فصل [4 - سقوط الخيار إلى مال]: وإنما قلنا: إن ذلك جائز مع تراضيهما خلافًا لمن منعه 1 لأن هذا الخيار 2 قد سقط إلى مال لأن المبيع لو فات لكان للمبتاع الأرش فجاز إسقاطه الآن إلى مال كخيار القصاص، ولأن الجزء الفائت لما لم يعاوض عليه وجب له الرجوع بما قابله، فإذا تراضيا بذلك جاز، وكيفية الرجوع بالأرش أن ينظر إلى قيمة السلعة سليمة من العيب، فيقال: عشرون دينارًا فيقال: وكم تساوي مع العيب فيقال: ستة عشرة فيعلم أن العيب قد نقصها خمس قيمتها فيرجع على البائع بخمس الثمن، لأن ذلك في مقابلة الجزاء الفائت ولا يرجع بمقدار ما نقص من القيمة لأن المعاوضة إنما 3 كانت بالثمن لا بالقيمة، وهذا كله إذا كان المبيع قائمًا بعينه لم يفت ببعض وجوه الفوت، فأما إن فات فليس له إلا أخذ الأرش لأن رده مع الفوت غير ممكن لأنه يوجب ألا يستبد المشتري بأخذ الثمن وألا يرجع المبيع إلى البائع وذلك غير جائز ونحن نذكر وجوه الفوت.
فصل [5 - إذا تصرف في المعيب بعد العلم بعيبه]: وهذا كله إذا لم يتصرف فيه بعد علمه بعيبه ولم يظهر منه بتركه، فإن تصرف فيه بعد العلم بالعيب مختارًا، فذلك رضا منه بعيبه فليس له رد ولا أرش.
فصل [6 - في التصرف المضطر إليه في المعيب]: وإن تصرف مضطرًا مثل أن يشتري دابة معيبة ولم يظهر على عيبها إلا بعد أن

يسافر بها، فلما علم عيبها لم يرض وأراد ردها ولم يجد بُدًّا من ركوبها أو حمل متاعه عليها فعل ذلك مضطرًا ففيها روايتان 1: إحداهما: أن ذلك مسقط لرده، والأخرى: أنه لا يسقطه، فوجه الأولى أنه تصرف مع العلم بالعيب كالتصرف مع الاختيار، ولأن ضرورته لا تمنع سقوط ردها إذا تعلق بذلك حق غيره لأنه إنما تصرف لحظ نفسه، ووجه الثانية أن المضطر في حكم المكره ولو تصرف مكرهًا لم يسقط خياره، فكذلك مع الاضطرار.
فصل [7 - إذا ابتاع رجلان عبدًا فوجدا به عيبًا]: إذا ابتاع رجلان عبدًا فوجدا به عيبًا، فإن اتفقا على رد أو إمساك فذلك لهما، وإن أراد أحدهما الرد، والآخر: الإمساك، ففيها روايتان 2: إحداهما: أن لمن شاء منهما أن يرد وهو قول ابن القاسم، والأخرى: أنه لا يجب الرد مع اختلافهما وليس لهما تبعيض الصفقة على البائع وهو قول أشهب.
ووجه ثبوت الرد أنه بيع اجتمع 3 في أحد طرفيه عاقدان فلم يتعلق رد المعيب في حق أحدهما برده فوجب 4 في حق الآخر أصله إذا كان البائعان رجلين والمشتري واحدًا، ولأنه مبتاع وجد بما ابتاعه عيبًا فلم يرض به ولم يفت، فكان له رده من غير اعتبار بغيره 5 أصله إذا انفرد به، ولأن هذا العقد في حكم الصفقتين بدليل أن جملة الثمن معلومة في الجملة، وإن لم يعلم في حق كل واحد منهما ولو كان في حكم الصفقة الواحدة لم يصح.

ووجه سقوط الرد أن فيه تفريق الصفقة على البائع، وذلك إضرار به وخلاف لما دخل عليه، ولأنه رد لمبيع 1 وجب لجماعة عن عقد بيع، فوجب أن لا يملك أحدهم رد ما يخصه إلا برد الباقين أصله إذا ابتاع بالخيار شيئًا، فمات فليس لورثته أن ينفرد أحدهم بالرد دون الآخرين.
فصل [8 - ادعاء أن بالمبيع عيبًا]: إذا ادعى المبتاع أن بالمبيع عيبًا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يعلم بالمشاهدة كالقطع وغيره من النقص في البدن، أو أن لا يعلم بالمشاهدة كالسرقة والإباق والتزويج في العبد والأمَة وما أشبه ذلك، فإن كان مما يعلم بالمشاهدة لزمه إيقاف البائع عليه ثم ينظر، فإن كان مثله لا يحدث عند المشتري ولا يكون إلا متقدمًا على وقت الشراء فله الرد ولا مقال للبائع لأنه قد ثبت صدقه، فإن ادعى البائع عليه الرضا فله أن يحلفه على ذلك إن لم يقم له بينة به، إن حلف المشتري ثبت له الرد وإن نكل ردت اليمين على البائع، فإن حلف سقط عنه الرد، فإن نكل ثبت للمشتري وإن لم يدَّع البائع على المشتري الرضا لم يكن له إحلافه ولزمه رد 2 الثمن 3. فصل [9 - إذا كان العيب حادثًا]: فإن كان مثله حادثًا مما يعلم أنه لم يكن في ملك البائع وأنه لم يحدث إلا بعد البيع، فالقول قول البائع لأنه قد ثبت صدقه وكذب المشتري، فإن كان مما يمكن حدوثه 4 عند البائع وحدوثه عند المشتري فالقول قول البائع مع يمينه لأن الأصل السلامة ولزم البيع والمشتري يدعى ثبوت خيار واستحقاق فلا يقبل ذلك

منه إلا ببينة 1 وإلا حلف وسقط عنه الحكم، فإن نكل حلف 2 المشتري، ووجب له الردّ، فإن نكل فلا شيء له وإن حلف رده على البائع هذا إذا كان العيب مشاهدًا والأيمان ها هنا على البت دون العلم لأنه يوصل إلى اليقين فيه.
فصل [10 - إذا كان العيب لا يُعلم بالمشاهدة]: وأما إن كان مما لا يُعلم بالمشاهدة كالإباق والرقيق وغيره، فلا يقبل من المشتري إلا ببينة وإلا حلف البائع ثم كان الحكم على ما قدمناه.
فصل [11 - إذا حدث عند المشتري عيب ثم ظهر عيبًا كان عند البائع]: فإن لم يظهر المشتري على العيب حتى تصرف في البيع تصرفًا ينقص منه أو حدث به عنده عيب آخر، فإن البائع لا يخلو أن يكون دلس أو لم يدلس: فإن كان دلس للمشتري أن يطالبه بالأرش ويتمسك 3 بالسلعة أو يرد ويرجع بالثمن ولا شيء عليه فيما تصرف فيه أو حدث به عنده إلا أن يكون في حكم ذلك المتلف فيكون ذلك فوتًا وذلك مثل أن يشتري ثوبًا معيبًا 4، فلا يعلم به حتى يقطعه قميصًا أو سراويلًا أو غير ذلك مما يستعمل في مثله فله أن يرده ولا شيء عليه ولو مزقه أو أتلفه بتصرف الناس بمثله لم يكن له الرد وكان له الأرش، وإن كان المبيع عبدًا فتلف من ذلك العيب فللمبتاع الرجوع بالثمن ولا شيء عليه 5 من تلفه، فأما إن كان البائع لم يدلس فالمبتاع بالخيار إن شاء أن يأخذ الأرش وإن شاء أن يرد وما نقص 6.

فصل [12 - دليل أن حدوث العيب عند المشتري لا يمنع الرد]: وإنما قلنا: إن حدوث العيب عند المشتري لا يمنع الرد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 1؛ لأن البائع لم يوفه ما أوجب له العقد من سلامة المبيع، فكان له الرد إذا لم يرض بالإمساك أصله إذا لم يحدث عنده عيب، ولأن الرد أحد نوعي الخيار الواجب للمشتري بالعقد فلم يمنعه حدوث العيب عنده كالإمساك وأخذ الأرش، ولأنه نقص حدث بالمبيع فلم يمنع رده مع أخذ أرشه أصله حُلْبُ المصراة.
فصل [13 - في دليل أنه يمسك ويرجع بالأرش]: وإنما قلنا: إن له أن يمسك ويرجع بالأرش خلافًا لمن قال: ليس له إلا أن يرد 2؛ لأن الرد حق له والأرش حق له فلم يجبر 3 على أحدهما.
وإنما قلنا في التدليس: إن المشتري مخير إذا تصرف في المبيع تصرفًا يجوز مثله رده ولم يلزمه أرش لأن ذلك رضا من البائع لأنه لمَّا كتم العيب وهو يعلم أن المشتري يتصرف في المبيع، ولا يعد ذلك منه رضا لأنه تصرف عن غير علم بالعيب، كان راضيًا به لأنه هو الذي سلطه عليه فلم يلزم المشتري أرش.
فصل [14 - الرد يكون مع النقص]: وإنما قلنا: إنه إذا قطعه بما لا يقطع مثله لم يكن له رده إلا مع النقص لأن البائع لم يسلطه على ذلك لأنه دخل على أن يتصرف فيه تصرف مثله المعهود، فإن تصرف فيه المشتري بمثل ما يتصرف في مثله فلا شيء عليه، لأن البائع سلطه عليه فإن خرج عن العادة لم يكن له رده إلا مع الأرش لأن البائع لم يسلطه على ذلك ولا رضي به.

فصل [15 - إذا مات العبد من ذلك العيب]: (وإنما قلنا: إن العبد إذا مات من ذلك العيب فلا شيء على المشتري، فلأن البائع قصد أخذ مال المشتري بغير حق لأنه لم يوفه المبيع سليمًا بل دفع إليه ما لم يعاوض عليه، فإذا لم يرضه لم يلزمه تلفه لأنه على ملك البائع حتى يعلم رضا المشتري.
فصل [16 - ليس للمبتاع رد المبيع إذا لم يدلس البائع]: وإنما قلنا: إن البائع إذا لم يدلس فليس للمبتاع رد المبيع إذا تصرف فيه إلا مع الأرش لأن البائع لم يسلطه على التصرف) 1 ولا رضي به فلم يلزمه قبوله إلا مع الأرش، وسواء في ذلك إذا كان لم يعلم بالعيب أو كان علم به وأنسيه.
فصل [17 - إذا وجد بالمبيع عيبان]: وإذا وجد بالمبيع عيبان: أحدهما يعلم أنه قبل البيع، والآخر يمكن 2 فيه الأمرين، فالرد للمشتري بالأول واليمين عليه لأن الآخر لم يحدث عنده لأنه لم يكن 3 مدعى عليه استحقاق الأرش.
فصل [18 - الفوت الذي يصيب العبد من موت وزمانه وهرم غيره]: موت العبد وزمانته وهرمه الذي لا يبقى معه انتفاع به وعتقه وتدبيره وكتابته واستيلاد الأمة على ذلك فوت والأصل فيه أن كل ما يتعذر معه الرد فوت وكل هذا إتلاف منه مشاهدة ومنه من طريق الحكم، فأما البيع 4، ففيه ثلاث 5 روايات:

إحداها 1 أنه فوت ويرجع بالأرش على البائع وإن كان المشتري لم ينقص في الثمن كان له الأرش، فإن كان قد نقص فالبائع الأول بالخيار إذا اختار أن يعطيه الأرش أو يكمل له رأس ماله.
والثانية: أنه لا شيء له إلا أن يرده 2، والثاني: أو يرجع إليه بشراء أو هبة أو غير ذلك وما لم يرجع إليه أو يرده الثاني فلا شيء له على الأول.
والثالثة: أنه إن كان نقص لأجل العيب رجع بقدر ما 3 نقص على البائع، وإن لم ينقص فلا شيء له إلا أن يرجع إليه.
فوجه الأولى: أن المبيع إخراج له عن الملك، فكان فوتًا كالعتق والصدقة، وإما قلنا: أنه إن كان قد نقص فالبائع الأول مخير بين إعطائه الأرش وتكميل رأس المال؛ لأن ردَّه غير ممكن، والذي يلزم البائع تخليصه من العيب بأي الأمرين شاء ورجحنا في التخيير لأن جنبته أقوى بتعذر الرد.
ووجه الثانية: وهي أنه لا شيء له إلا أن يرد عليه أو يرجع إليه أن الرد غير ميئوس منه، فلم يكن فوتًا كالرهن والعارية، فإن عاد إليه كان له ردُّه لإمكان الرد بعد عوده.
ووجه الثالثة أنه إذا لم ينقص فلإطلاقه بينه وبين البائع ولا سيما 4 مع تعذر الرد، والأقيس 5 من هذا كله أن يكون له الأرش لأن البائع لم يوفه ما أوجب له العقد بالجزء 6 الفائت عنده.

فصل [19 - في حكم الإباق]: الإباق فوت 1 خلافًا للشافعي 2؛ لأن رده يتعذر معه ويجعله في حكم الميئوس منه، ولأن الإباق يوجب له القيمة في العيب وكذلك يجب أن يكون له الأرش في العيب.
فصل [20 - في وطء المشتري للثيب]: وطء المشتري للثيب لا يمنع الرد ولا يوجب عوضًا 3 خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه يمنع الرد 4 لأن الفوت هو تلف المبيع أو تغير بدنه أو عينه 5 أو أن يعقد عليه عقدًا يخرجه عن الملك لا سبيل إلى رده وكل هذا معدوم لأنه استمتاع كالقُبْلة والوطء فيما دون الفرج، ولأنها وطئت في ملك المبتاع كوطء الزوج والإكراه، وخلافًا لابن أبي ليلى في قوله: إنه يردها ومعها مهر المثل 6؛ لأنه وطء ملك فلم يستحق عليه عوض به أصله إذا فاتت، ولأنه لم ينقص شيئًا منها كالاستخدام.
فصل [21 - في وطء المشتري للبكر]: وطء البكر لا يمنع الرد خلافًا للشافعي 7، لما بيناه أن حدوث العيب لا يمنع الرد وليس الافتضاض بأكثر من قطع بعض الأعضاء، وإذا ثبت أن له أن يرد، فإنه يردها وما نقصها كسائر العيوب.

فصل [22 - وجوب الرد للمشتري إذا كان المبيع على حاله]: قد بينا أن الرد واجب 1 للمشتري إذا كان المبيع على حاله 2 لم ينم في يد المشتري ولا نقص ولا تغير عن 3 صفته، وسواء دلس به البائع أو نسيه، وبينا أنه إذا حدث به عيب عنده، فإن ذلك لا يمنع الرد ويرد معه ما نقصه العيب، فأما إذا نمى فإنه لا يخلو النماء أن يكون منفعة أو عيبًا، فإن كان المنفعة مثل استخدام العبد وسكنى الدار أو إجارتها أو ركوب الدابة وما أشبه ذلك، فإن هذا لا يمنع الرد بالعيب ولا شيء على المشتري فيما استعمل أو استعان ولا يلزمه رد شيء لأجله لأن هذا خراج والخراج به الضمان.
والأصل فيه ما روى ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف 4 أنه ابتاع غلامًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا فقضى له عمر بن عبد العزيز برده وغلته، فأخبره عروة عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان 5، فرد 6 عمر قضاه وقضى لمخلد بردِّه الخراج إليه ولا خلاف في ذلك أعلمه.
فصل [23 - الرد إذا كان النماء عينًا]: فأما إن كان النماء عينًا فإنه يختلف، أما ولادة الأَمَة ونتاج الماشية، فإنما ترد مع الأمهات وثمرة النخل بخلاف ذلك يرد أصل النخل ولا يرد الثمرة، (وقال أبو حنيفة: الولادة والنتاج والثمرة يبطل الرد ويوجب الأرش 7؛ لأن هذه

الأشياء عنده عيوب وحدوث العيب يمنع على أصله الرد) 1، وقال الشافعي: يرد الأصل وحده في ذلك كله ولا يرد الفرع 2. فدليلنا على أبي حنيفة: أنه نماء يحدث في يد المشتري بعد العقد، فلم يمنع الرد بالعيب أصله الغلة والكسب، ولأن أكثر ما فيه أن يكون عيبًا وقد بينا أن العيب 3 لا يمنع الرد، ولأنهم قد وافقونا أن العبد إذا أفاد عند المشتري مالًا 4 بهبة أو التقاط أو ركاز، فإن ذلك لا يمنع الرد بعيب إذا وجد به، وكذلك ولادة الأمَة لأنه لو كان منفعة لم يمنع الرد، فكذلك إذا كان عيبًا كنماء العبد.
ودليلنا على الشافعي في قوله: إن الولد لا يرد أن الأصول موضوعة على كل حكم لزم في رقبة الأم، فإن الولد يتبعها فيه كولد أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتقة إلى أجل وقد ثبت أن حكم الرد لازم في رقبة هذه الأم المبيعة من وقت البيع، فيجب أن يكون ما يحدث من ولد وحكمه حكمها فيه لأنه حدث بعد استقرار وجوب الرد، ولا يشبه الثمرة إذا حدثت عنده لأنها خراج وغلة لأنها ليست كخلق الأصل، والولد ليس بخراج فإن كانت الثمرة في النخل وقت الشراء ردها مع الأصل.
فصل [24 - في بيع الأصول وفيها الثمر، وبيع العبد له مال]: إذا ابتاع أصل النخل وفيها ثمر، فإن كان لم تؤبر فهو للمبتاع، وإذا أراد رد الأصل كان حكمه حكم ما حدث عنده، فإن كان قد أبر لزمه أن يرده مع الأصل عند ابن القاسم لأنه إذا أبر فليس بيع 5 بل كان واجبًا للبائع إلا أنه جعل للمبتاع اشتراطه رفقًا به فسقط حق الثمر 6.

وعند أشهب لا ترد الثمرة مع الأصل أبرت أو لم تؤبر لأنّه بيع 1 وغلة، فإن كان المشتري قد سقاها وأنفق عليها لزم البائع أن يعطيه ذلك كما لو سقاها أجنبي هذا إذا كانت الثمرة 2 قائمة، فأما إن كانت الثمرة 3 قد فاتت نظر، فإن كان بغير فعل منه فله أن يرد الأصل ولا شيء عليه كولد الأَمة الحادث بعد العقد إذا مات، ومال العبد مشترط معه إذا تلف أن له أن يرد الأَمة والعبد ولا شيء عليه، وإن أتلفها هو بأكل أو بيع فإنه يرد مثل مكيلتها عند مالك لأنها قد أخذت قسطها 4 من الثمن، وله أجر السقي والعلاج لأنها كملت بسقيه، وعند أشهب أنها غلة لا ترجع 5 مع الأصل اعتبارًا بما لم يؤبر، فأما إذا ابتاع غنمًا فجزَّ أصوافها فينظر: فإن كان حين ابتاعها كان 6 عليها صوف تام فجزَّه فإنه يرده معها لأنه قد دخل في البيع، وإن كان حدث عنده فليس عليه أن يرده معها سواء كان بيده أو قد فات هذا كله على قول ابن القاسم.
فأما أشهب فإنه يقول: لا يرد ذلك سواء كان موجودًا يوم الصفقة أو حدث بعدها لأنه تبع 7 ولغو، فأما الألبان والسمون فإنها للمبتاع لأنها غلة فإن كان موجودًا يوم العقد لم يلزم شيء إذا رد عند ابن القاسم وأشهب لأنه بيع غير مقصود 8 بالبيع، وإذا ابتاع عبدًا وشرط ماله رده معه في العيب وليس له انتزاعه لأنه ليس بغلة ولا خراج، وإن تلف عنده فلا شيء عليه وحكم ما أفاد من مال عند المشتري ما كان معه يوم العقد 9.

فصل [25 - العيوب التي توجب الرد]: الذي يوجب الرد من العيوب: كل عيب ينقص الثمن ويؤثر نقصًا في المبيع أو يخاف عاقبته، وذلك كالجنون والجذام والبرص والعنين والخصاء والإفضاء 1 والدفر 2 وبياض الشعر والبخر 3 والإباق والزنا والسرقة وما أشبه ذلك 4، ومنه ما يختص بالرائعة والمرادة للوطء كالحمل وغيره مما ذكرناه، ومنه ما يعم كالجنون وغيره بحسب ما يعلم من العادة فيما تراد له الجارية أنه يؤثر فيه وينقص الثمن لأجله أم لا، فأما عدم الخفاض فعيب في رقيق العرب لأن العادة أنهم يخفضون وليس بعيب في رقيق العجم لأنه يعلم أنهم لا يفعلونه وهذا مما يخص 5. فصل [26 - إذا زال العيب بعد العقد وقبل علم المشتري]: إذا زال العيب بعد العقد وقبل علم المشتري نظر: فإن كان مما تتقي عاقبته فله رد العبد به، وذلك كالزوجة في العبد والزوج في الأمَة، فإن الطلاق لا يسقط الرد فيهما، وكذلك ما أشبهه مما لا يؤمن عوده أو ضرره، وأما ما يؤمن ذلك فيه، فإذا زال فلا رد له كالدين إذا قضاه ولم يكن في [سفه] 6. ...

باب: [في عهدة الرقيق

1] إذا اشترى عبدًا أو أمة فعهدته ثلاثة أيام بلياليها، فما أصابه فيها من حدث فمن البائع وإن شاء المشتري أخذه 2 بعيبه بجميع الثمن له ذلك ثم له عهدة السنة بعد عهدة الثلاث من ثلاثة أدواء وهي: الجنون والجذام والبرص، فما حدث به من ذلك في السنة فالخيار للمشتري 3 في إمساكه أو رده فإن تلف منها كان من البائع 4، وهذا لما كان أهل المدينة يجرون أمرهم عليه واشترطوها في إبلهم ثم يبيتوا عليه 5، ولذلك قال مالك: لا يحمل عليها أهل الأمصار إلا أن يشترطوها 6، والكلام فيها إنما هو على تقدير بقاء ذلك اليوم بالمدينة ولو كان العرف جاريًا به في بلادنا.
وقال أبو حنيفة والشافعي: كل عيب حدث بعد قبض المشتري، أي عيب كان فهو منه 7، ودليلنا ما روى الحسن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عهدة الرقيق ثلاثة أيام" 8، وروي قتادة عن الحسن عن

النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا عهدة بعد أربع" 1، ولأن ذلك إجماع أهل المدينة نقلًا لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم في العهدة فقال: ما أجد لكم شيئًا أوسع مما جعل النبي 2 - صلى الله عليه وسلم - لحبان بن منقذ، فإنه جعل له عهدة ثلاثة أيام فيما اشترى إن رضي أخذه وإن سخط ترك 3. وقال محمَّد بن يحيى بن حبان 4: ما جعل ابن الزبير عهدة الرقيق ثلاثة أيام إلا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمنقذ بن عمر 5: "وأنت بالخيار ثلاثًا" 6، وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر 7: أن إبان بن عثمان 8، وهشام بن إسماعيل 9 كان يذكران في خطبتهما عهدة الرقيق في الثلاثة الأيام من حين = التجارات، باب: عهد الرقيق: 4/ 754، وأحمد: 4/ 152، والحاكم: 2/ 21، والحديث رواه الحسن واختلف عليه فيه، فمرة قال عن سمرة ومرة قال عن عقبة (مجمع الزوائد: 3/ 110).

يشتري العبد أو الوليدة 1، وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي الزناد 2، والزهري ورووه عن المشيخة السبعة 3، فأما عهدة السنة من الأدواء الثلاثة، وإنها تكمن في البدن فتظهر في السنة، فإذا ظهرت قبل كمال السنة علم أن أصلها كان عند البائع، وإذا حدثت بعده علم أنها حدثت في ملك المشتري.
فصل [1 - البيع بشرط البراءة]: اختلف قول مالك في البيع بشرط البراءة 4 فعنه فيه ثلاث روايات 5. إحداها: أنه جائز ويبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ مما عليه وكتمه واشترط البراءة منه، وهذا في الرقيق دون غيره من الحيوان والعروض، وهذه الرواية هي المعتبرة وعليها النظر.
والثانية: أن ذلك جائز في الرقيق وسائر الحيوان.
والثالثة: أن بيع البراءة غير نافع ولا يبرأ إلا مما 6 يقف المشتري عليه ويريه إياه.

فوجه القول بأن شرط البراءة جائز قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 1، ولأن ابن عمر باع غلامًا له بثمان مائة درهم بالبراءة فقال المبتاع: به عيب لم تسمه، فقال ابن عمر: "بعت بالبراءة فاختصما إلى عثمان فقضى عليه أن يحلف لقد باعه العبد وما به داء يعلمه 2 " موضع الدليل 3 أن ابن عمر باع بالبراءة ولم ينكر عليه عثمان، وإنما رأى البراءة مع العلم بالعيب لا ينفع 4 ولم يخالف عليه أحد، ولأنه شرط البراءة من عيب لم يدلس به ولا كتمه فأشبه إذا أراه إياه، ولا يدخل عليه العروض لأنا اعتللنا للجواز في الجملة.
فصل [2 - في عدم البراءة مما علم من العيوب]: ودليلنا على أنه لا يبرأ مما علم خلافًا لأبي حنيفة 5، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا بعت فقل لا خلابة" 6 وهذا موجود في مسألتنا، وما رويناه من حديث عثمان وابن عمر، ولأنه عيب وجد بالمبيع لم يوجد رضا به ولا إبراء لبائعه على أنه عالم به، فلم يلزم المشتري أصله إذا لم يشترط البراءة منه.
فصل [3 - وجه التفرقة بين الرقيق وغيره]: ووجه التفرقة بين الرقيق وغيره من الحيوان: أن الرقيق يقدرون على إخفاء ما بهم من العيوب وكتمانه، فلا يصل المالك إلى علم ذلك فجُوِّز له البيع بالبراءة للأمارة الدالة على صدقه في عدم علمه بعيب إن كان به وسائر الحيوان بخلافهم لأنه لا قدرة فيها 7 على كتم عيوبها، فالبائع والمشتري يتساويان في ذلك، فلم يجز له البيع بالبراءة إلا ما يسميه له.

ووجه التسوية بينهما: أن العيب قد يخفي ويستتر في الحيوان، فلا يكاد يقف عليه إلا أهل الطب والبياطرة، فجاز للمالك بيع البهيمة بشرط البراءة كجوازه في الرقيق.
ووجه قوله: أن شرط البراءة لا يبرأ مما يوجد فيها بعد نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر 1 وهذا منه، ولأنه شرط البراءة معنى يرتفق به أحد المتعاقدين فلا يصح مع الجهالة وإمكان التحرز في الغالب أصله الأجل، ولأن منع ذلك حسم للباب، ولأنه إذا وجد بالمبيع عيب أمكن أن يكون عالِمًا به فيجحد فيصير ذلك طريقًا إلى نفوذ حكم التدليس على المشتري وإلزامه إياه والأول أصح.
فصل [4 - في اشتراط البراءة من الحمل]: شرط البراءة من الحمل جائز عندنا في الوخش 2 والتي لا تراد للوطء وغير جائز في المرتفعات 3 إلا في الحمل الظاهر 4، والفرق أن ذلك في المرتفعات غرر، لأن الأمة المرتفعة المتخذة للتسري المرغوب فيها للحسن والجمال ينقص الحمل ثمنها ويضعها وضعًا بينًا وربما أتى على معظم قيمتها، فإذا لم يكن ظاهرًا فإن البائع والمشتري يدخلان على غرر ظاهر 5 لأنها إن لم تكن حاملًا فقد وضع البائع حقه خيفة 6 أن تكون حاملًا، وإن كانت حاملًا فالمشتري قد دفع الثمن رجاء أن لا تكون حاملًا وكل ذلك غرر، ولأن السنة مع الجواز 7 على المواضعة، وعليه مضى السلف: إذا ظهر الحمل زال الغرر ودخل كل

واحد على بصيرة وعلم ما يزيده في الثمن وينقصه، ولأنه لا موضع حينئذ للمواضعة، فأما الوخش فإن الحمل لا يضع منهن ولا يبطل شيئًا من أثمانهن بل لعله يزيد فيها، فجاز شرطه البراءة منه لقلة الغرر فيه.
فصل [5 - في كون العبد يملك]: العبد يملك عندنا 1 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ 3، والفقر والغنى من صفات المالكين لأن من لا يصح عليه الملك لا يصح وصفه بالغنى ولا بالفقر 4، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ 5، فالمقصد من هذا التنبيه على الصانع تعالى وعمومه الحر والعبد كما أن التنبيه عام فيهما، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من باع عبدًا وله مال" 6، وهذه لام التمليك، فهي محمولة على حقيقتها، ولأنه آدمي حي كالحر، ولأن الرق حال من أحوال الآدمي الحي فصح أن يملك معها كالحرية، ولأن المملوكات ضربان: أعيان، ومنافع، وقد ثبت أن العبد يملك المنافع كوطء زوجته وغير ذلك، فكذلك الأعيان، ولأن من صح أن يملك في حال صح أن يملك في كل حال اعتبارًا بالحر عكسه البهائم لما لم يصح أن تملك في حال لم يصح أن تملك في كل حال.
فصل [6 - في أن ملك العبد ناقص غير تام]: إذا ثبت أنه يملك فإن ملكه ناقص غير تام ولا مستقر ليس له أن يتصرف فيه إلا

بإذن سيده، ولسيده انتزاعه منه ما لم يتعلق به حق للغير على ما نذكره في باب المأذون، فإن باعه السيد وله مال: فإن شرطه المبتاع لكان للعبد بالشرط، وإن سكت عن ذكره فهو للبائع 1 لقوله صلى الله عليه وسلم: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" 2، وسواء كان عينًا أو عرضًا، ثم يكون المشتري فيها كالبائع إن شاء أقره في يده وإن شاء انتزعه، وله أن يطأ بملك اليمين إذا وهبه السيد أمة أو أذن له في ابتياعها.
فصل [7 - مال العبد المعتق]: ومال العبد تابع له في العتق 3 إلا أن يشترطه المالك لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق عبدًا فماله له إلا أن يستثنيه سيده" 4، فاختلف عنه في الوصية والهبة فعنه فيه روايتان 5: إحداهما: أنه للواهب، والأخرى: أنه تابع للعبد، وإنما اختلف ذلك لاختلاف التعليل في البيع والعتق: فمن أصحابنا من علل البيع بأنه عقد معاوضة، فلذلك كان مالك العبد لمن خرج عن ملكه وعلل العتق بأنه إخراج الملك عن غير عوض، فلذلك كان مال العبد تابعًا له، فعلى هذا يجب أن يكون في الوصية والهبة المال للعبد دون الموصي والواهب؛ لأنه خروج مالك من غير عوض كالعتق، ومنهم من علل البيع بأنه خروج ملك إلى مالك (والعتق بأنه خروج ملك إلى غير مالك) 6، فعلى هذا لا يكون في الهبة والوصية تابعًا للعبد لأنه خروج ملك إلى مالك.

باب: [التفرقة في البيع بين الأَمَة وولدها]

لا يجوز التفرقة بين الأَمَة 1 وولدها في البيع، ويفسخ ذلك إن وقع 2 خلافًا لأبي حنيفة 3، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا توله والدة عن ولدها" 4، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته 5 يوم القيامة" 6، ولأنه بيع منع منه لحق الله تعالى في أحكام المبيع، فكان باطلًا أصله بيع الخمر.
فصل [1 - في وقت جواز التفرقة بين الأمَة وولدها]: فإن أجاب المشتري إلى الجمع بينهما فلا يجوز البيع أيضًا لأن المنع من ذلك لحق الله تعالى فلا يسقط بإسقاط الآدمي، وفي حد التفرقة روايتان: الإثغار 7 لأنه يستقل عن ذلك بنفسه ولا يستضر بفراق أمه كالاحتلام، والأخرى البلوغ لأنها حال صغر اعتبارًا بما قبل الإثغار.

فصل [2 - في التفرقة بين الأب وولده]: ويفرق بينه وبين الأب لأنه لا يستضر الطفل بمفارقة الأب كاستضراره بمفارقة الأم، ولأن الأم أولى بذلك لأن حق الحضانة يثبت لها دون الأب.
فصل [3 - في عدم التفريق بين الأمَة المسبية وبين ولدها]: لا يفرق بين الأمَة المسبية وبين ولدها لعموم الأخبار، ولأن المعنى في المسبية وغيرها سواء، ويقبل قولها في أنه ولدها لأنه لا ضرر عليها في ذلك إلا في التوارث فلا يقبل.


باب: [التصرية]

التصرية عيب وتدليس إذا قصد به البائع التدليس، والمصراة هي: الشاة أو الناقة أو البقرة يجمع اللبن في ضرعها ليعظم 1 فيظن المشتري إذا حلبها أن ذلك قدر حلابها، والتصرية في اللغة الجمع، يقال: صريت الماء في الحوض إذا جمعته 2، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ في صَرَّةٍ﴾ 3، قيل: جمع من النساء 4، فمن ابتاع مصراة ثم علم بذلك بحلابها فهو بالخيار إن شاء أمسكها بعيبها وإن شاء ردها ورد صاعًا من تمر للبن الذي حلبه منها 5، وقال أبو حنيفة: ليست التصرية بعيب ولا يثبت بها حق رد واللبن الذي في الضرع لا قسط له من الثمن 6. ودليلنا أنها عيب قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو خير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" 7، ففيه أدلة: أحدها أنه نهى عنه، فدل على أنها تدليس، والثاني: أنه أثبت للمبتاع الخيار، والثالث: أنه أوجب عليه إذا ردها صاعًا من تمر وعندهم لا يجب، وفيه دليل على أن اللبن يأخذ قسطًا من الثمن، ولأن قيمة الشاة التي تحلب عشرة أرطال أكثر من قيمة الشاة التي تحلب خمسة

أرطال والرغبة في إحداهما أزيد فصارت التصرية تدليسًا 1 بالعيب، فكان للمشتري أن يرد، ولم يمنعه الحلب من الرد كما لو ابتاع ثوبًا، وقد دلس البائع فيه فلم يعلم حتى قطعه لكان له الرد.
فصل [1 - في البيع الفاسد]: إذا ابتاع شيئًا بيعًا فاسدًا فسخ البيع ورد الثمن على المبتاع: فإن تلف في البائع فتلفه منه لأنه على ملكه لم ينتقل عنه، فإن قبضه المبتاع وتلف في يده فضمانه منه لأنه لم يقبضه على الأمانة، وإنما قبضه لشبهة العقد فضمنه، فإن كان مما له مثل ضمنه بمثله، وإن كان مما لا مثل له ضمنه بقيمة يوم القبض لا يوم العقد لأنه لم يضمنه بالعقد فيعتبر يوم العقد، وإنما يضمن يوم العقد ما يكون عقده صحيحًا لا فاسدًا، وإن كان المبتاع استغله 2 واستخدمه لم يلزمه شيء لذلك، لأن الضمان منه فكان الخراج له، والعتق فوت لأنه لا يمكن رده معه لأنه ينفذ في شبهة العقد كنفوذه في العقد الصحيح لقوته وتغليبه، وحوالة الأسواق فوت لأن فيه ضررًا على البائع أن تؤخذ السلعة منه وهي تساوي مائة وترد عليه وهي تساوي عشرين، والعيوب في البدن فوت أيضًا.
وقد اختلف أيضًا 3 عنه هل هذا حكم جميع المبيعات الفاسدة أو حكم نوع منها، فعنه في ذلك روايتان 4: إحداهما: أنه حكم جميعها وهي رواية ابن نافع، والأخرى أنه ما اتفق على فساده وتحريمه كالربا والغرر وغير ذلك، فأما ما اختلف في تحريمه فإنه إذا مات أمضى بالثمن.

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل