كتاب الذبائح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1
شرط الذكاة 2 بالذبح قطع الحلقوم 3، والودجين 4، فإن بقى شيء منها لم تتم الذكاة 5، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أفرى الأوداج وذكر اسم الله عليه فكل" 6، وقوله: "الذكاة في الحلق واللبة 7 " 8 ولأن الذبح ما لم يكمل في هذه المواقع جاز أن تعيش معه.
فصل [1 - من شرط الذبح أن يكون في قطع واحد]:
ومن شرطها أن يكون ذلك في قطع واحد، فإن قطع البعض، ثم رفع يده
ثم أعادها فتممه لم تؤكل لأنا لا نأمن أن يكون التلف كان عن الأول، ولأنه إذا رفع يده صار لكل قطع حكم نفسه كما لو تراخى في القطعين 1.
فصل [2 - في ترك الذبيحة حتى تبرد]:
وينبغي أن يتركها حتى تبرد 2 لأنه صلى الله عليه وسلم كذلك فعل لما نحر الهدايا تركها حتى بردت ثم قال: "من شاء اقتطع" 3، ولأن ذلك أخف عليها وأقل لإيلامها، وإن تمادى حتى قطع الرأس أو زلت 4 السكين بحدتها فأبانه 5، لم يحرمها لأن شرائط الذكاة قد حصلت.
فصل [3 - في كون الذكاة لا تخرج عن الحلق واللبة]:
الذكاة لا تخرج عن الحلق واللبة، فالنحر في الإبل والذبح في الغنم والبقر، فإن نحرت البقر من غير ضرورة جاز أكلها 6، وإنما قلنا ذلك لورود السنة به واتصال العمل من المسلمين في كل الأعصار به، أما الإبل فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحرها 7، ولا يحفظ عن أحد فيها الذبح.
وأما الغنم فإنه صلى الله عليه وسلم ذبحها 8 ولم يرو عن أحد أنه نحرها.
وأما البقر، فإن المستحب فيها الذبح لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ 9، وإن نحرت جاز لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نحر عن
نسائه البقر 1، وقيل: إن الفرق بين الإبل والغنم أن عنق البعير طويل، فيبعد خروج الدم من الجوف إلى موضع الذبح منه فيكون في ذلك تعذيبه، وزيادة ألم في خروج روحه، والنحر أسهل وأخف لأنه في آخر العنق فيكون متوسط بين الرأس وباقي البدن.
وأما الشاة، فإن عنقها قصير ولا لبة لها، فلا يتمكن من نحرها إلا بما يقرب من جوفها، فكان الوجه فيها الذبح، فإذا ثبت هذا فإن ذُبِح بعير أو نُحرت شاة: فإن كان لضرورة جاز أكلها مثل أن تقع في بئر أو مضيق لا يوصل منه إلى موضع الذبح من الشاة أو النحر من البعير أو ما أشبه ذلك.
وإنما أجزنا لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الذكاة في الحلق واللبة" 2 فأطلق، ولأنه من الأنعام فجاز أن يستباح بالذبح أو النحر، فإن كان من غير ضرورة فاختلف فيه على وجهين: أحدهما: أنه لا يؤكل تحريما، والآخر: أنه يكره ولا يحرم، وزاد ابن بكير 3 وجهًا ثالثًا وهو أنه قال: يؤكل البعير إذا ذبح ولا تؤكل الشاة إذا نحرت 4، فوجه التحريم هو أن من ذبح بعيرًا أو نحر شاة، فقد أتى بالذكاة على خلاف الوجه المأمور به في الشرع فأشبه من ذبح من القفا أو أبقى شيئًا من الأوداج.
ووجه الكراهة 5 هو أن ذلك جائز مع الضرورة، فلولا أنه يكون ذكاة مع عدمها على وجه، وإلا لم يجز كالطعن في الفخذ، وأما ابن بكير فإنه فصل بينهما بأن قال: إن البعير له موضع الذبح، وإنما عُدل إلى النحر لأنه أقل
لتعذيبه والشاة لا منحر لها لأن موضع لبتها يقرب من خاصرتها، فيكون كالطاعن في جوفها، وهذا تلزم عليه الضرورة.
فصل [4 - ذكاة الجنين بذكاة أُمه]:
إذا ذكيت البهيمة فخرج من جوفها جنين ميت كامل الخلق نابت الشعر كان ذكيًا بذكاتها 1 خلافًا لأبي حنيفة في منعه أكله 2 لقوله صلى الله عليه وسلم: "ذكاة الجنين ذكاة أُمه" 3، ولأن التذكية في الشرع بحسب القدرة والتمكين وتذكية الجنين لا يوصل إليها إلا بأن تذكى أمة فيذكى بذكاتها، ولأن الجنين المتصل بأُمه تابع لها في كل 4 الأحكام الثابتة لها، وكذلك في الذكاة، ولأن ما امتنع مفردًا من المأكول يذكى بذكاة أصله على وجه كسائر الأعضاء.
فصل [5 - إذا لم يشعر الجنين أو نزل حيًّا]:
وإنما شرطنا نبات الشعر خلافًا للشافعي 5، لأن ذلك علامة نفخ الروح فيه لأن الروح 6 لا يكون إلا فيما قد تم خلقه، فأما ما لم ينزل ميتًا فإن ذكاة الأم لا تؤثر فيه وفي بعض الحديث: "ذكاة الجنين ذكاة أُمه إذا أشعر" 7.
فصل [6 - في تحريم الميتة وما في معناها]:
حرم الله تعالى الميتة وما في معناها من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة
وأكيلة السبع، واستثنى تعالى من التحريم ما ذكى، فدل على أن ما يذكي بعد حصول هذه الأشياء فإنه يؤكل 1، والمنخنقة: ما تخنق بحبل أو ما في معناها، والموقوذة: التي تضرب بالخشب حتى تموت، والمتردية: التي تسقط من مكان عليّ 2 فتتلف، والنطيحة: ما نطحها 3 ذات القرن فتتلف أو تقارب التلف، وما أكل السبع: هو ما فرسه وهذا كله إذا أصابه ما ذكرناه فلا يخلوا من ثلاثة أحوال:
إما أن تخرج روحه معه فيلحق بالميتة، لأن الميتة المحرمة هي ما تلف حتف أنفه مما يحتاج إلى ذكاة أو بوجه ليس بذكاة مثل ذبح المجوسي أو بغير آلة الذبح وكل 4 هذا موجود في مسألتنا.
وإنما قلنا: إن ذلك كله (5) ميتة لقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ 5، وقال صلى الله عليه وسلم: "والذكاة في الحلق واللبة" 6، فانتفى أن تكون ذكاة سواها، وقال: "ما أفرى 7 الأوداج وذكر اسم الله فكل" 8، وهذا معدوم في مسألتنا.
والثانية: أن يصيبها من 9 ذلك ما ينحتها ولا يصيب منها مقتلًا، ويمكن أن تبقى معه غالبًا سواء انتقض منها بعض البنية أو لم ينتقض، وذلك مثل أن يلحقها
مرض أو كسر يد أو رجل أو ما أشبهه، فهذه تذكى وتؤكل، وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ 1، فاستثنى ما استدركت تذكيته من التحريم، ولأن أشد ما في بابها أن تكون مريضة مثخنة، وذلك لا يمنع تذكيتها ما لم تبلغ حال النزع.
والثالثة: أن يصيبها من ذلك ما لا تعيش معه مثل أن تنفذ مقاتلها 2 أو يخرج السبع حشوتها أو يرض دماغها أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز أن تبقي معه، إما قطعًا أو غالبًا، فهذه لا تصح تذكيتها، والأصل فيه أن الذكاة تعمل في الحي دون الميت، وما هو في حكم الميت لا تعمل فيه، وهذه في حكم الميت لأن الحركة الباقية فيها مستعارة كحركة 3 المذبوحة، فلا تصح تذكيتها.
فصل [7 - إذا وقع البعير أو البقرة أو الشاة في بئر ولم يقدر على تذكيته]:
إذا وقع البعير أو البقر أو الشاة في بئر ولم يقدر على إخراجه ولا على تذكيته في حلقه أو لبته لم يؤكل بعقره في موضع من بدنه 4 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5، لأنه مما ذكاته النحر أو الذبح فلم يزل عن ذلك باختلاف حالاته أصله إذا هرب من يده 6، واحتاج إلى أخذه أو صعب عليه، وكان وحده ولم يتمكن أن يعقله لينحره، ولأن 7 أكثر ما في بابه أن يخاف عليه التلف متى 8 تركه، وذلك لا يبيح استعجال تذكيته على غير وجهها المأذون فيه مع القدرة عليه
أصله إذا أخذها سبع ولم يعقرها، وخاف إن بقيت معه أن يعقرها، فبادر برميها فإنها لا تؤكل.
فصل [8 - إذا توحش المتأنس]:
الحيوان المتأنس كبهيمة الأنعام إذا توحش شيء منه ولحق بالوحش لم يؤكل إلا بذكاة المتأنس 1 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الذكاة في الحلق واللبة" 3، وأشار إلى جملة الذكاة، ولأن توحشه لم ينقله عن أحكام المتأنس من سقوط الجزاء عن المحرم قتله، وجوازه في الضحايا والهدايا والعقيقة، فكذلك في الذكاة، فنقول: لأن الذكاة في الحلق واللبة من حكم المتأنس فلم يزل عنه بالتوحش أصله ما ذكرناه.
فصل [9 - لا يؤكل المقدور عليه المتأنس طبعًا أو بعد توحش إلا بذكاة]:
لا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد من إرسال السهام والجوارح سواء كان مما أصله التأنس كالأنعام والدجاج والفراخ أو مما أصله التوحش كالغزلان والأرانب ثم تأنس، وزال عنه الاستيحاش لأنه مقدور عليه، فلا يكون ذكاته العقر، وأما المتأنس طبعًا فقد بينا أن ذلك لا يبيحها، وإذا توحشت، فما دامت لم تتوحش فهي عن ذلك أبعد 4.
فصل [10 - فيمن ضرب عنق بعير]:
ومن ضرب عنق بعير فلا يأكله لأن ذلك قتل وليس بذكاة 5، لأن الذكاة في الحلق واللبة، وهذا لم يذكه في حلقه ولا لبته.
فصل [11 - توجيه الذبيحة إلى القِبْلة]:
يستحب للذابح أن يوجه ذبيحته إلى القِبْلة 1، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك 2، ولأنه إذا لم يكن بد من جهة يتوجه إليها كانت جهة القِبْلة أولى.
فصل [12 - التسمية على الذبيحة]:
والتسمية مسنونة 3 لأمره صلى الله عليه وسلم بها في الصيد 4، ولا فرق بين ذلك وبين الذبح، ولأنه صلى الله عليه وسلم سمَّى حين ذبح أضحيته 5، فإن تركها ناسيًا جاز لأن ترك السنن ناسيًا لا يبطل العبادة، وإن تعمد تركها قال مالك: لا تؤكل 6، فمن أصحابنا من حمله على التحريم تغليظًا لئلا يستخف بالسنن، ومنهم من قال: هي شرط بالذكر ساقطة بالنسيان، ومنهم من حمله على الكراهة 7 لقوله صلى الله عليه وسلم: "الذكاة في الحلق واللبة" 8، ولم يذكر التسمية، ولأنه قول باللسان فلم يكن شرطًا في إباحة الذبيحة كالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فصل [13 - في إراحة الذبيحة]: وينبغي للذابح أن يحد شفرته ويريح ذبيحته لورود الخبر بذلك 1، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" 2، وهذا من إحسانها.
باب: الأطعمة
1 صيد البحر كله حلال غير محتاج إلى ذكاة يجوز أكله ميتًا وبغير سبب طفي أو لم يطف على أي وجه تلف صاده مسلم أو مجوسي 2 خلافًا لأبي حنيفة في اعتباره أن يموت بسبب 3، لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ 4، ففرق بين الصيد والطعام، فدل أن الطعام ما مات بنفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 5، وفي حديث جابر 6: أن أبا عبيدة 7 أصاب حوتًا ميتًا فأكل أهل الجيش منه ثمان عشرة ليلة ثم أعلموا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله فهل معكم منها شيء" 8، واعتبارًا بتلفه عن سبب بعلة أنه من صيد البحر.
فصل [1 - حكم ما له شبه في البر]:
لا فصل بين ما له شبه في البر وبين ما لا شبه له في جواز أكله مثل كلب الماء وخنزيره وغير ذلك من أنواع صوره 1، خلافًا للشافعي 2، لعموم الظواهر، ولأنه من صيد البحر كالذي لا شبهة له.
فصل [2 - في أكل الطير]:
يؤكل الطير كله ما له مخلب وما لا مخلب له 3، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4، لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ 5 الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ 6 ولأنه نوع من الطير فأشبه سائرها.
فصل [3 - في أكل سباع الوحش]:
يكره أكل سباع الوحش من غير تحريم 7 خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن جميعها حرام 8، والشافعي في قوله: حل الضبع والثعلب دون غيرهما 9 لعموم الظواهر، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "الحلال ما أحله الله في القرآن، والحرام ما حرمه الله في القرآن وما سكت عنه فقد عفى عنه" 10،
ولأن كل حيوان يظهر جلده بذبحه فلا يحرم أكله كسائر الصيود عندنا مع أبي حنيفة لأنه يوافقنا في أن الذكاة تعمل في تطهير أهب جميع السباع، وعلى الشافعي لأنه نوع من السباع لا يكفر مستحله كالضبع والثعلب.
فصل [4 - أكل الحمر الأهلية والبغال]:
أكل الحمر الأهلية مغلظة الكراهة 1 عند مالك، ومن أصحابنا من يقول: هو حرام 2 وليس كالخنزير، فوجه مالك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ 3 الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما سكت عنه فقد عفي عنه" 4، ولأنه حيوان معد للركوب كالخيل، ووجه التحريم ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر الأهلية 5، وحكم البغال حكم الحمير.
فصل [5 - في حكم أكل الخيل]:
فأما الخيل فيكره أكلها 6 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أنه مباح من غير كراهة 7، لقوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ 8، ففرق بينها وبين الأنعام، وأخبر عن المقصود منها وهو الركوب والتجميل 9 بخلاف المقصود من الأنعام، ولأنه ذو حافر، فجاز أن يتعلق المنع بأكله أصله الحمير والبغال،
ولا يدخل عليه حمير الوحش لما قلنا 1 فجاز، ويمكن أن نحترز بأن نقول متأنس، ولأن الخيل محتاج إليها للجهاد عليها، ففي إباحة أكلها تطريق إلى انقطاع نسلها.
فصل [6 - في حكم أكل الجراد]:
الجراد عند مالك لا يؤكل إلا إذا مات بسبب، وقال محمد بن عبد الحكم: يؤكل وإن مات بغير سبب 2، فوجه قول مالك: أنه من حيوان البر كسائر الحيوان، ووجه قول محمد قوله صلى الله عليه وسلم: "أُحلت لنا ميتتان فذكر: السمك والجراد" 3.
فصل [7 - في الانتفاع بجلد الميتة]:
في جلد الميتة إذا دبغ روايتان 4: إحداهما أنه نجس وأن الدباغ لا يعمل في تطهيره بوجه، والأخرى إنه يطهر بالدباغ وهي مخرجة على رواية ابن عبد الحكم في جواز بيعه بعد الدباغ إذا بين له وهو قول لابن وهب وأبي حنيفة والشافعي 5 فوجه الرواية الظاهرة قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ 6، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء" 7، ولأنه جزء من الميتة
نجس بالموت، فوجب أن تتأبد نجاسته كاللحم، ولأنه لما نجس بالموت استحال أن يطهر مع بقاء علة تنجسه، ووجه الأخرى قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" 1، وسائر الأخبار الواردة في الدباغ، ولأنها نجاسة طرأت على جلده تعمل الذكاة في لحمه فوجب أن يطهر بالدباغ كجلد المذكى.
فصل [8 - فيما يستعمل فيه جلد الميتة]:
يجوز استعماله في اليابسات دون المائعات 2، خلافًا لأحمد بن حنبل 3 لأن الأخبار تدل على ضرب من الإباحة، وقد ثبت أنه ليس المراد بها الطهارة، فلم يبق إلا نوع من الانتفاع، وإنما خصصنا اليابس لأنه لا يصل إليه شيء من النجاسة بخلاف الرطب.
فصل [9 - عدم طهارة جلد الخنزير]:
على الرواية الأخرى لا يطهر جلد الخنزير بحال خلافًا لأبي يوسف وداود 4 للظواهر، ولأن الدباغ يخلف الذكاة فيما تأتي الذكاة فيه ويمتنع فيما لا ذكاة فيه.
فصل [10 - في الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ]:
لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ 5 خلافًا لمن أجاز ذلك 6 لأنه نجس، وإنما شرط الدباغ في تطهيره أو في إباحة الانتفاع به، فإن خالفوا في = والنسائي في الفرع والعتيرة، باب: ما يدبغ به جلود الميتة: 7/ 154، وابن ماجه في اللباس، باب: من قال: لا ينتفع من الميتة بإهاب: 2/ 1194، والترمذي في اللباس، باب: ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت: 4/ 194، وقال: حديث حسن.
نجاسته قبل الدباغ دللنا عليه بالظواهر، وأنه جزء من الميتة كانت فيه حياة، فوجب أن ينجس بالموت كاللحم، فإن خالفونا 1 في إباحة الانتفاع به دللنا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما على أهلها لو أخذوا جلدها فدبغوه فانتفعوا به" 2، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: "أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت" 3.
فصل [11 - في عظم الميتة وقرنها]:
عظم الميتة وقرنها نجس 4 خلافًا لأبي حنيفة 5 لأنه جزء كانت فيه حياة كاللحم، ويدل على أنه كانت فيه حياة قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ 6، ولأن الإدراك يقع به كاللحم.
فصل [12 - طهارة شعر الميتة وصوفها]:
شعر الميتة وصوفها طاهر 7 خلافًا للشافعي 8 لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ 9 فعم، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا بأس
بصوفها إذا غسل بالماء" 1، ولأنه لا حياة فيه فاستحال أن ينجس بالموت، يبين ذلك أن الإدراك لا يقع به وأن أخذه جائر حال الحياة ولا يكون نجسًا بخلاف اللحم والجلد.
فصل [13 - في شعر الخنزير]:
لا فرق بين شعر الخنزير وغيره 2 لأن أكثر ما في الخنزير أن يكون ميتة 3.
فصل [14 - في أكل ذبيحة أهل الكتاب]:
يجوز أكل ذبيحة 4 أهل الكتاب 5، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 6 فعم، ولأن كل جنس جاز نكاح نسائهم جاز أكل ذبائحهم كالمسلمين عكسه المجوس، وإن جاز أكل ذبائحهم جاز أكل سائر أطعمتهم.
فأما إذا خيف منهم استعمال النجاسة كالخمر والخنزير وغير ذلك، فيجب اجتنابها إلا ما نشاهد منها سليما من إصابتها إياه.
فصل [15 - طعام وذبائح المجوس]:
طعام المجوس الذي لا يحتاج إلى ذكاة يجوز أكله ولا يؤكل ما ذكوه 7 لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 8، فدل على أن غيرهم بخلافهم، ولأن كل من لا ينكح نساؤهم فلا يؤكل ذبائحهم كالمرتدين والوثنيين عكسهم أهل الكتاب.
فصل [16 - في شحوم اليهود]:
شحوم اليهود المحرمة عليهم مكروهة عند مالك، وليست بمحرمة، وعند ابن القاسم وأشهب أنها حرام، وقيل: أنه مروي عن مالك 1، وعند أبي حنيفة والشافعي أنها مباحة غير مكروهة، فوجه التحريم أنها ذكاة قصد مذكيها إلى محلّل، محرم في اعتقاده فوجب أن يبيح ما يعتقد تحليله دون ما يعتقد تحريمه أصله المسلم إذا ذبح الشاة، فإن التذكية تنصرف إلى اللحم دون الدم.
ووجه الإباحة أن اليهودي يعتقد استباحة الشاة وإنما يعتقد تحريم بعض منها واعتقاده ذلك باطل عندنا، فكان كالمسلم يعتقد بالذبح إباحة اللحم دون الشحم، فإذا كان ذلك غير مؤثر فكذلك ها هنا، ووجه الكراهة أنه لما 2 لم يقصد اللحم بالتذكية، فأشبه الدم الذي لا يقصده المسلم بالتذكية، ولأن الأفضل أن يكون كلما يؤكل مقصود كاللحم.
فصل [17 - ما ماتت فيه الفأرة من الطعام والشراب]:
ما ماتت فيه الفأرة من الطعام والشراب ألقيت وما حولها إن كان جامدًا وأكل باقيه 3 إلا أن يطول مقامها فيه فيطرح جميعه، وأما المائع فيطرح كله 4، وإنما قلنا ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم، وسئل عن فأرة وقعت في سمن: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فأريقوه" 5، ولأنه إذا كان جامدًا لم تتعد النجاسة موضع وقوعها وما جاوره، ولم تسر إلى باقيه، وليس
كذلك إذا كان مائعًا لأنها تنتشر فيه وتسري إلى باقيه، وكذلك إذا أطال مقامها في الجامد ذابت وتفرقت أجزاؤها وانتشرت إلى جميعه.
فصل [18 - فيمن يضطر إلى أكل الميتة]:
المضطر الخائف على نفسه التلف له أن يأكل الميتة للظاهر 1، والإجماع 2، وفي قدر ما يؤكل منه روايتان: إحداهما ما يسد به رمقه، والأخرى حتى يشبع 3.
فوجه الأولى: أن الإباحة لحفظ 4 النفس، فإذا وجد لم تجز الزيادة عليه لأنه يخاف التلف اعتبارًا بالسبع *.
ووجه الثانية: عموم الظاهر، ولأن الضرورة حاصلة فيما دون التلف كحصولها مع خوفه، فجاز له أكلها، وله أن يتزود منها احتياطًا واستظهارًا لجواز أن يدوم به العدم، فإن استغنى عنها طرحها.
باب: الأشربة
1 الخمر 2 مجمع 3 على تحريمها 4، وورود القرآن والمتواتر من الأخبار بذلك، ووقوع العلم الضروري به من دين الأمة مغن عن زيادة عليه، فإذا ثبت ذلك فالمجمع عليه هو عصير العنب النيء الذي لم تمسه النار، فأما ما عداه فإن كل شراب أسكر كثيرة فقليله حرام نيئًا كان أو مطبوخًا من أي نوع كان من عنب أو زبيب أو تمر أو رطب 5 أو بسر أو دبس أو عسل أو ذرة أو شعير أو قمح 6 أو أي شيء كان 7، هذه الجملة يوافقنا فيها الشافعي 8، ولأبي حنيفة في ذلك تفصيل يطول شرحه إلا أنه يبيح في الجملة نبيذ التمر المسكر المطرب إذا شرب منه قدرًا لا يبلغ بشاربه السكر 9. فدليلنا من وجهين: أحدهما: إثباتنا ذلك كله خمرًا، والآخر الاستدلال على عين المسألة، فأما إثباتها خمرًا فله طريقان: الأخبار والقياس، فالأخبار ما
روي النعمان بن بشير 1: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من العنب خمرًا، وإن من الزبيب خمرًا، وان من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وإن من الشعير خمرًا وأنهاكم عن كل مسكر" 2، وروي: أن أبا هريرة 3 قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة" 4، وروي ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مسكر حرام وكل مسكر خمر" 5، وعند المخالف: أن نبيذ التمر لا يكون خمرًا على وجه أسكر، أو لم يسكر، وفي حديث أنس: أن الخمر لما حرمت قال أبو طلحة 6 قم إلى هذه الجرار فأكسرها 7، وكان فيها شراب من بطيخ وتمر، فأما القياس، فلما علمنا أن العرب إنما سمت الخمر بهذا الاسم لوجود الإسكار والشدة المطربة، ولم يوافقونا على قصر ذلك على جنس ما توجد فيه دون غيره وجب
إجراء العلة حيث وجدت، وعلمنا بأنها 1 علة بالطريق الذي به تعلم العلل، وهو وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها؛ لأن العصير ما لم يشتد يسمى خمرًا، فإذا اشتد سمي بذلك، فإذا زالت الشدة زال الاسم فثبت ما قلناه، فأما الاستدلال على نفس المسألة بالنقل المستفيض روت عائشة رضي الله عنها: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" 2 قال الراوي: البتع هو نبيذ العسل 3، وروي ابن عمر وأبو موسى قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مسكر حرام" 4، وروي جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" 5، وقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" 6، ولأنه إجماع الصحابة 7، ولأن عمر رضي الله عنه حد على شراب سأل عنه فقيل: أنه يسكر ولم ينكر عليه أحد، واعتبر السُكر
دون كونها خمرًا لأنه قال 1: وجدت من فلان ريح شراب زعم أنه الطلاء 2 وإني سائل عنه، فإن كان يسكر حددته 3، ولم ينكر عليه أحد، ولأنه شراب يسكر كثيره، فوجب أن يحرم قليله كالخمر.
فصل [11 - الحد على شارب المُسكِر]:
إذا ثبت ما ذكرناه فعلى شاربه الحد اعتبارًا بالخمر ولا يراعى أأسكر القدر الذي شرب منه أو لم 4 يسكر، والحد فيه ثمانون 5، خلافًا للشافعي في قوله أربعون 6، لإجماع الصحابة عليه، وسؤال عمر رضي الله عنه وتعليل عليّ رضي الله عنه: بأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي، وإذا هذى افترى فيجلد حد المفتري 7، ولم ينكر عليه ذلك أحد، وروي عن عمر وعثمان وعليّ وعبد الرحمن وابن مسعود وابن عباس وأبي موسى 8، ولأنه ليس في الأصول حد يقصر عن ثمانين، فكان ما قاله خلافًا للأصول 9.
فصل [2 - في منع تملك المسلم خمرًا]:
ولا يحل لمسلم أن يتملك خمرًا خلافًا لأبي حنيفة 10، ولا شيئًا من المسكر
فمن وجدت عنده أريقت عليه 1 للإجماع على إراقة الخمر، وحديث أبي سلمة 2 أنهم أراقوا ما كان عندهم 3، ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر بإراقتها 4، فأما ظروفها فاختلف أصحابنا فقيل: يكسر جميعها وتشق تأديبًا له وردعًا عن أن يمسكها ثانية، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بإراقتها وشق ظروف الخمر التي كانت لليتيم 5، وقيل: يشق منها ويكسر ما أفسدته الخمر ونجسته مما لا ينتفع به إلا في الخمر، وما عدى ذلك من الظروف التي إذا غسلت زال عنها الخمر جملة فلا تشق لأنه لا فائدة في ذلك أكثر من إضاعة المال، وذلك منهي عنه.
فصل [3 - الخمر إذا تخللت]:
ومن عصى بإمساك الخمر حتى تخللت ولم يرقها جاز له أكلها ولا خلاف في ذلك 6، وإن تعمد تخليلها كره له ذلك وجاز له أهلها 7، (هذه الرواية الظاهرة، وعنه رواية أخرى أنه لا يجوز أكلها) 8 تغليظًا، وقول الشافعي: أنه لا يجوز أكلها إذا خللت لبقائها على النجاسة، ودليلنا للرواية الظاهرة: أن التنجيس والحظر إنما كان لأجل الشدة فإذا زالت 9 وجب زوالها، لأن الحكم يجب زواله بزوال علته، وإن شئت أن ترده إلى أصل، قلت: كما لو انقلبت
بنفسها، ولأنه مائع نجس لوجود معنى لو زال بغير صنع آدمي لظهر، فكذلك يجب أن يزول بفعل الآدمي أصله الماء إذا تغير من نجاسة ثم زال التغير 1.
فصل [4 - في مؤاجرة الرجل نفسه أو داره أو غلامه في شيء من عمل الخمر]:
لا يجوز أن يؤاجر الرجل نفسه ولا داره ولا غلامه ولا دابته في شيء من عمل الخمر 2، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن ذلك جائز تجب الأجرة فيه 3 لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ 4، وهذا منه لأنه عقد إجازة علي شيء 5 محظور فلم يجز، أصله إذا اكترى غلامًا ليتلوط 6 به أو امرأة ليزنى بها.
فصل [5 - في فسخ عقود إجارة عمل الخمر إذا أدركت قبل الفوات]:
إذا ثبت منع ذلك، فإذا أدرك قبل الفوات فسخ العقد، وإن لم يدرك حتى فات أخذت الأجرة فتصدق بها ولم تترك على واحد منهما 7 عقوبة للمستأجر، ولأن عمل المؤاجر لا يستحق عوضًا 8 عليه.
فصل [6 - كراهية شرب الخليطين]:
يكره شرب الخليطين من التمر والرطب أو الزبيب والعنب أو التمر والبسر 9
أو الزبيب والبسر أو البسر والرطب 1 للنهي عن ذلك 2، والمعنى فيه: أنه إذا جمع بين نوعين من هذه الأنواع أسرعت الشدة إليها وبطل على جامعها ما أراد من الانتباذ المباح، فإن فعل ذلك أساء وينظر، فإن وجدت 3 الشدة المطربة حرمت وإلا جاز شربه ما لم يسكر وخلطها للنبيذ والخل سواء.
فصل [7 - جواز شرب العصير]:
شرب العصير جائز لا خلاف فيه أعلمه 4؛ لأنه غير مسكر ولا مخمر، فهو كأكل العنب، وكذلك العقيد إذا طبخ طبخًا لا يسكر معه، وينبغي أن يطبخ حتى يذهب منه الثلثان لأن ذلك حد لجواز شربه أو أكله، ولكن لا يؤمن منه تبقى فيه قوة الشدة، والعقيد أن يطبخ رب العنب والتمر حتى يذهب أكثره ويثخر ثم يمزج بالماء ويشرب.
فصل [8 - جواز الانتباذ في كل الأوعية]:
والانتباذ في كل الأوعية جائز إلا الدباء والمزفت 5 لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الانتباذ فيهما 6، والدُباء القرع، والمزفت المطلي بالزفت والقار
كالدنان 1 وغيرها، وإنما كره ذلك، لأن الشدة تسرع إليه، وإن سلم منها فلا بأس بشربه.
فصل [9 - جواز شرب السوبية]:
شرب السوبية جائز 2 لأنه لا يسكر، وذكروا أنه شراب يعمل بمصر يشبه الفقاع وليس بمعروف عندنا ببغداد ولا بسائر العراق، وعِلَّة المنع السكر، فإذا عدمت جاز شربه .. والله أعلم 3.
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ