كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وفي المغرب روايتان: إحداهما، أنه يشير إليهم بعد فراغه من تشهد الركعة الثانية، والأُخرى أنه يقوم إلى الركعة الثالثة فينتظر الفرقة الأخرى 1. فصل [2 - ترجيح هذه الصفة من صلاة الخوف]: وإنما قلنا: إن صلاة الخوف على هذه الصفة خلافًا لأبي حنيفة 2 في قوله: أن الإِمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة بسجدتيها ثم تنصرف فتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الأخرى فيصلي بهم الركعة الثانية ويتشهد ويسلم، ثم تنصرف هذه الطائفة وتقف بإزاء العدو وتعود الطائفة الأُولى فيقضون لأنفسهم ركعة وسجدتين وحدانًا وتتشهد وتسلم ثم تنصرف وتقف بإزاء العدو، وتأتي الأخرى فتقضي كذلك، لأنا روينا صلاة الخوف من طريق صالح بن خوات 3، عن سهل بن أبي حثمة 4 على الصفة التي ذكرناها 5، وهم صاروا إلى أخبار رووها، فالكلام بيننا في ترجيح الأخبار، فوجدنا أخبارنا أولى بالمصير إليها لأمور منها: أنها أكثر عددًا لأنها مروية عن ثلاثة من الصحابة 6، وسائر ما رووه مروي عن
واحد إلا حديث ابن مسعود 1، وهو حديث مختلف عليه فيه 2، ولأن ظاهر القرآن معنا: وهو قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ 3، فأفردهم بالسجود، فاقتضى ذلك أن يسجدوا لأنفسهم سجودًا ينفردون به لا يشركهم فيه الإِمام مع كون الإِمام في الصلاة لقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ 4، وهذا لا يمكن إلا على ما نقوله: أن كل طائفة تصلي ما بقي عليها حال صلاة الإِمام، وعلى قول أبي حنيفة لا تصح، لأن القضاء عنده لا يكون إلا بعد فراغ الإِمام من الصلاة لكلتا الطائفتين 5. قال أحمد بن المعذل: ولأن ما قلناه أحوط لأن انصراف الطائفة الأولى التي قد صلت مع الإِمام ركعة إلى مكان الطائفة الواقعة بإزاء العدو، وإنما هو للحفظ والحراسة، فيجب أن تكون تقف في مكانها وهي فارغة لما قصدت له غير مشتغلة بمراعاة ما سواه، لأن ذلك أمكن في التحرز وأشبه بالمعنى الذي استدعيت له، ولأنهم ربما احتاجوا في التحفظ إلى كلام وصياح وغير ذلك من العمل الذي يبطل الصلاة بكثرته، فيزول ما بني عليه أمر صلاة الخوف من التحفظ للصلاة.
فصل [3 - الإِمام ينتظر الطائفة الثانية إذا فرغوا سلم بهم]: وإنما قلنا: إن الإِمام ينتظرهم، فإذا فرغوا سلم بهم، وهو قول الشافعي 1 فوجهه قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ 2، وهذا يفيد جميع صلاتهم، وأنه يؤدي إلى التسوية بين الطائفتين في الفضيلة فكان أولى، ولأن الخبر بذلك مسند 3، والخبر الآخر موقوف على صحابي 4، وهو سهل بن أبي حثمة، فإذا قلنا: أنه لا يسلم بهم 5، وهو الظاهر من المذهب فلأن تغيير صلاة الخوف إنما جاز للضرورة فإذا استوت الحال حملناها على الأصل، ولا فضل 6 بين سلام الإِمام قبلهم وبين انتظاره إياهم في باب الضرورة، ولأن انتظاره إياهم زيادة عمل في الصلاة غير محتاج إليه لأجل الخوف وذلك مكروه، ويفارق قيامه من الركعتين، لأن ذلك لانتظار الطائفة الأخرى، وذلك محتاج إليه في صلاة الخوف، ولأن المأمومين لا يقفون على فراغه من التشهد إلا بإشارة منه أو التفات أو غير ذلك مما يشعرهم به، وذلك زيادة عمل فكان التسليم أولى به 7، ولأنه قد لا يصل إلى العلم بفراغهم جميعهم من تلك الركعة لاختلافهم في القضاء من السرعة والإبطاء، فلا يخلوا أن يسلم بهم على حسب ما يغلب على ظنه من فراغهم، فتفوت الفضيلة بعض الطائفة أو أن ينتظرهم ما يعلم بالعادة أن جميعهم قد فرغوا، فذلك زيادة في صلاته غير محتاج إليها، لأن الطائفة الأولى لما كان ابتداؤها في القضاء بعد انفصاله عن الركعة الأولى، فيجب أن تكون كذلك الطائفة الأخرى، وهذا لا يمكن إلا بعد سلامه لأنه ما لم يسلم فهو في الصلاة.
فصل [4 - صفة صلاة الخوف في صلاة المغرب]:
وإنما قلنا في المغرب: يصلي بالطائفة الأولى ركعتين 1 خلافًا لما قال بعض الشافعية 2 أنه يجيء على قوله أنه يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين، لأن صلاة الخوف مبنية على التخفيف للتحرز والتحفظ من العدو، وما ذكرناه أقرب إلى المقصود لأنه إذا صلى بالأولى ركعتين وقف لانتظار قضاء ركعة، فكان أولى وقوفه لانتظار قضاء ركعتين، ولأن صلاة الخوف مبنية على المساواة، فإذا لم يمكن انقسام الركعة كان صلاته إياها بالأولى أولى لأن أول الصلاة أكمل من آخرها، ألا ترى أنه يقرأ في الأوليين بالحمد وسورة جهرًا، وفي الثانية سرًّا بالحمد، فعلم أن الثانية في حكم أول الصلاة.
فصل [5]:
ووجه قوله: أن إذا فرغ من تشهده أشار إليهم فقاموا للقضاء هو أن صلاة الخوف مبنية على المساواة وانتظاره إياهم في الجلوس أقرب إلى المساواة لأنهم يدركونه في أول قيامه، ووجه قوله: إنه ينتظرهم قائمًا ما قاله عبد الملك 3 أنه لا غاية لقعوده ولا أمارة يعلمون بها فراغه من تشهده وأوان قيامهم لقضاء ما عليهم لا يمكن إلا بأن يشير إليهم، وذلك زيادة عمل في الصلاة مستغنى عنه فكان انتظاره إياهم قائمًا أولى.
فصل [6 - صلاة الخوف في وقتنا هذا]:
صلاة الخوف جائزة في هذا الوقت، خلافًا لأبي يوسف في قوله: إنها ما أجيزت إلا للنبي - صلى الله عليه وسلم - 4، لقوله عَزَّ وجَلَّ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ
الصَّلَاةَ} 1، والأصل أنا مساوون له في الأحكام إلا ما قام الدليل على خصوصه، ولقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 2، وهذا عام في صلاة الخوف وغيرها، ولأن الصحابة قد صلوها بعده وأفتوا بجوازها 3، ولأنه عذر يغير نية الصلاة، فكان حكمنا فيه حكمه كالسفر والمرض، ولأن المعنى الذي له أجيزت صلاة الخوف حراسة المسلمين والتحرز من العدو وهذا لا يختص بزمان دون زمان.
فصل [7 - إذا اشتد الخوف]:
إذا اشتد خوفهم فلم يقدروا على أن يصلوا جماعة صلوا على حسب طاقتهم ركبانًا ورجالة ومشاء وإيماء لأنهم لا يقدرون على غير ذلك 4، والله أعلم.
...
باب: صلاة العيدين
صلاة العيدين 1 سُنَّة مؤكدة 2، خلافًا لمن قال: أنها فرض على الكفاية 3، لأنها صلاة تشتمل على ركوع وسجود، وليست بفرض على الأعيان، فلم تكن فرضًا على الكفاية كسائر النوافل، ولأنها ذات ركوع وسجود، وليس من سنتها الأذان بوجه كالاستسقاء.
فصل [1 - الدليل على أنها سُنَّة مؤكدة]:
وإنما قلنا: أنها سُنَّة مؤكدة لأنه صلى الله عليه وسلم صلاها وجمع لها وأمر بها وحض عليها وخطب فيها 4، فوجب بذلك كونها سُنَّة مؤكدة.
فصل [2 - ما جاء في الاغتسال لصلاة العيد]:
الغُسل لها مستحب 5 لأنه يوم عيد فاستحب فيه الغُسل كالجمعة، ولأن ذلك مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 6 وعن السلف، ويجوز أن يغتسل لها قبل الفجر
بخلاف الجمعة، والفرق بينهما أن وقت صلاة العيد غدوة 1، فيقرب من وقت الاغتسال وصلاة الجمعة بعد الزوال فلو أجَزْنَا الاغتسال لها قبل الفجر لبعد ما بينه وبين الصلاة وزال معنى تعليقه بالرواح.
فصل [3 - الزينة والطيب في العيدين]:
ويستحب فيها الزينة والطيب 2، لقوله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر المسلمين، إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه" 3، فندب إلى ذلك في الجمعة، وعلله بأنه عيد فكان كل عيد كذلك، وقال معاذ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا إذا غدونا إلى المصلى أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب 4، ولأن في ذلك زينة للإسلام وجمالًا للشرع وإعظامًا وإرهابًا للعدو.
فصل [4 - الأكل قبل الغدو في الفطر وفي الأضحى بعده]:
يستحب في الفطر الأكل قبل الغدو إلى المصلى، وفي الأضحى الأكل بعد الغدو من المصلى 5، "لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل ولا يطعم في الأضحى حتى يرجع" 6، وإنما هما يومان للمساكين
حق في ماله وينسب إليهما، فكان أكله مصاحبًا لإيصاله إليهم، فلما كان في الفطر يخرج الزكاة قبل الغدو، وكان أكله في ذلك الوقت، وفي الأضحى لما كان لا يضحي إلا بعد الرجوع كان أكله في ذلك الوقت.
ويستحب المشي إليهما لما ذكرناه في الجمعة، والنزول إليهما من ثلاثة أميال لأنها صلاة عيد أمر بالسعي إليها موجب تقدير ذلك لمن هو خارج المصر بثلاثة أميال كالجمعة.
فصل [5 - الرجوع من غير الطريق التي ذهب منها]:
يستحب أن يرجع من غير الطريق الذي غدا منها: "لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك" 1، وقد ذكر فيه فوائد أكثرها دعاوي فارغة 2، وليس إلا للاقتداء فقط.
فصل [6 - وقت صلاة العيدين]:
ووقت صلاة العيدين إذا أشرقت الشمس 3، "لأنه صلى الله عليه وسلم صلاها في ذلك الوقت" 4، وغدو المصلِّي إلى المصلَّى بحسب قرب منزله وبعده.
فصل [7 - إظهار التكبير في المشي والجلوس في العيدين]:
يظهر الغادي إلى المصلَّى التكبير في ممشاه وفي جلوسه في العيدين 5، لأن ذلك من عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلف بعده، وخالفنا أبو حنيفة، وقال: لا يكبر في
يوم الفطر في ممشاه ولا في جلوسه 1، ودليلنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخرج يوم الفطر فيكبر حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير 2، ولأنه يوم يصلي فيه صلاة عيد فأشبه يوم الأضحى.
فصل [8 - التكبير يوم الفطر دون ليلته]:
يكبر يوم الفطر دون ليلته خلافًا للشافعي 3، لأنه ذِكْر يختص استحبابه بالعيد فكانت البداية به يوم العيد دون ليلته كالتكبير في الصلوات يوم العيد، ولا يلزمه التكبير خلف الصلوات لأنه ليس بمختص بالعيد لأنه يقع في أيام التشريق.
فصل [9 - صلاة العيد في المصلى]:
الاختيار أن يصلي في المصلى دون المسجد الجامع 4، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها في المصلى 5، ولأنها صلاة عيد فوجب أن يكون لها موضع مختص بها منسوب إليها كالجمعة.
فصل [10 - صلاة العيد بلا أذان ولا إقامة]:
ولا أذان فيها ولا إقامة 6، لما روي ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة 7
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاها بغير أذان ولا إقامة 1، ولأنها صلاة نفل كسائر النوافل.
فصل [11 - صفة صلاة العيدين]:
وصلاة العيدين ركعتان كسائر الصلوات لا فرق بينهما وبين غيرها من الصلاة إلا زوائد التكبير، فيكبر في الأولى بعد تكبيرة الإحرام ستًّا وفي الآخرة بعد تكبيرة القيام خمسًا 2، كما روت عائشة رضي الله عنها وأبي واقد 3، وعمرو بن عوف 4 وابن عمر: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في العيدين سبعًا في الأول قبل القراءة وستًّا في الآخرة قبل القراءة" 5.
فصل [12 - القراءة في صلاة العيد]:
والقراءة فيها جهرًا بسبح والغاشية 6، ونحوها "لأنه عليه الصلاة والسلام
كان يقرأ فيهما بسبح والغاشية ويجهر بها" 1، ولأن كل صلاة بخطبة فالقراءة فيها جهرًا كالجمعة والاستسقاء.
فصل [13 - الخطبة بعد صلاة العيد]:
والخطبة فيها بعد الصلاة 2، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ فيها بالصلاة قبل الخطبة 3، وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم 4، وقد ذكر فيه خلاف 5 انقطع بتعذر الإجماع بعده.
فصل [14 - هل يجلس الإِمام في خطبة العيد إذا صعد المنبر؟]:
وإذا صعد المنبر ففي جلوسه روايتان 6: فإذا قلنا: أنه يجلس فاعتبارًا بالجمعة لأن من سنة الخطبة الجلوس قبلها، ولأن كل جلوس في الخطبة سن في الجمعة سن في خطبة العيد أصله الجلوس بين الخطبتين، ولأن في الجلوس استراحة من تعب الصعود والانتظار للناس أن يأخذوا مجالسهم، وإذا قلنا: يخطب ولا يجلس فلأنه لا معنى يقتضي جلوسه لأنه يجلس في الجمعة انتظارًا للفراغ من الأذان، وهذا معدوم في خطبة العيد.
فصل [15 - التكبير أثناء الخطبة في العيدين]:
ويكبر في أضعاف 7 خطبته في العيدين جميعًا، لأن ذلك مروي عن السلف،
ويكبر الناس بتكبير الإِمام 1، وقال المغيرة: لا يكبرون بتكبيره وينصتون له، فوجه قول مالك: أنه مروي عن ابن عباس 2، ولا مخالف له، ولأن التكبير في هذا اليوم مشروع الكافة، فإذا كبر الإِمام كان ذلك منه استدعاء له من الناس، ووجه قول مغيرة إن شروع الإِمام في الخطبة يقطع الكلام جملة أصله ما عدي التكبير.
فصل [16 - صلاة النافلة في مصلى العيد]:
ولا يصلي في المصلَّى قبلها ولا بعدها سوى صلاة العيد 3، لأنه موضع لا يتكرر فيه الصلاة فلم يكن موضعًا للنافلة ألا ترى أن سائر المساجد لما تكررت الصلاة فيها 4 كانت موضعًا للنافلة، ولأنه لما بني لصلاة العيد وحدها وجب أن يختص لما بني له، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى العيد في المصلَّى فلم يصل قبلها ولا بعدها.
فصل [17 - التكبير أيام التشريق]:
ويكبر خلف الصلوات 5 يبدأ عقيب الظهر من يوم النحر ويقطع عقيب الصبح رابع النحر، وجملته خمسة عشر صلاة 6، وإنما اخترنا ذلك لأن الناس في هذا تبع لأهل مِنَى، وأول صلاة يكبر الناس عقيبها بمِنَى صلاة الظهر وآخر صلاة يصلونها صلاة الصبح من اليوم الرابع لأنهم ينفرون بعد الزوال.
فصل [18 - لفظ التكبير]:
وللتكبير لفظان 1 إن شاء قال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وإن شاء قال: الله أكبر، الله أكبر، لأن الشرع لم يخص ذلك بلفظ معين ولا بقدر مؤقت، وهذان اللفظان مرويان عن السلف 2 فأيما قاله جاز والله أعلم.
...
باب: صلاة الكسوف
وصلاة كسوف الشمس 1 سُنَّة مؤكدة 2، لأنه صلى الله عليه وسلم صلاها وجمع لها وأمر بها وحض عليها فقال: "إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" 3.
فصل [1 - مكان صلاة الكسوف]:
وتصلي في المسجد دون المصلى 4، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها في المصلى، وإنما صلاها في المسجد 5، وكذلك السلف بعده، وليس فيها أذان ولا إقامة 6 لأنه لم يؤذن له فيها صلى الله عليه وسلم ولم يُقَم، ولأنها سُنَّة ولا أذان للسنن.
فصل [2 - صفة صلاة الكسوف]:
وصفتها 7 أن يكبر للإحرام، ثم يقرأ بأُم القرآن، وسورة طويلة ويستحب
تطويلها ما أمكن ولم يضر بمن خلفه إن كان إمامًا، والقراءة في جميعها سرًّا، ثم يركع ركوعا طويلًا قريبًا من طول قراءته، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ بأُم القرآن عند مالك، ويقرأ بعدها سورة طويلة دون التي قبلها، وعند محمَّد بن مسلمة يقرأ السورة ولا يقرأ أُم القرآن 1، فإذا فرغ من القراءة ركع وأطال نحوًا من قراءته، ثم رفع ثم سجد سجدتين، فقيل: كسجود سائر الصلوات، وقيل: تطويلها كتطويل الركوع، ثم يقوم: قائمًا فيأتي بالركعة الثانية على مثل صفة الركعة الأولى ويتشهد ويسلم، وإنما اخترنا ذلك، خلافًا لأبي حنيفة 2 في قوله: أنها ركعتين كسائر الصلوات لحديث عائشة وابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بخسوف الشمس، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا ثم رفع، فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فسجد ثم فعل في الركعة الأُخرى مثل ذلك 3، وهذا إنما قلنا بالخبر لأن القياس لا يوجبه.
فصل [3 - أدلة صفة صلاة الكسوف]:
وإنما اخترنا تطويل القراءة لما روي في الحديث أنه بنحو من سورة البقرة 4، وفي الثاني بنحو سورة آل عمران 5، وإنما قلنا: أنه يسر القراءة في الصلاة
كلها لما روي في الحديث أنه قرأ بنحو من سورة البقرة 1، وهذا يدل على أنه أسر، وقال ابن عباس: كنت وراءه فلم أسمع منه حرفًا 2، وفي حديث سمرة بن جندب قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتًا 3.
ووجه القول بإعادة أُم الكتاب بعد الرفع الأول من الركعة الأولى أنها قراءة يتعقبها ركوع فكان فيها قراءة أُم القرآن في سائر الصلوات، ولأنها قراءة مستأنفة من أصل بنية الصلاة فوجب أن يتقدمها أُم الكتاب اعتبارًا بالركوع الأول، ووجه القول بأنها لا تعاد أنها ركعة واحدة لأن الركوعين في حكم ركوع واحد وكذلك القراءتان في حكم قراءة واحدة، فإذا ثبت ذلك فالركعة الواحدة لا يقرأ فيها بأم القرآن إلا مرة واحدة اعتبارًا بسائر الصلوات.
ووجه القول بأنه لا يطيل السجود أن هذه الصلاة لما خالفت بنية سائر الصلوات وجب أن يقتصر فيها على قدر ما ورد به الخبر، وليس في الأخبار إلا تطويل القراءة والركوع دون السجود فلم يتعد إلى غيره.
ووجه القول الآخر هو أن السجود من حقه أن يكون بمثابة 4 الركوع في اللبث اعتبارًا بسائر الصلوات.
فصل [4 - وقت صلاة الكسوف]:
في وقتها ثلاث روايات 5:
إحداها: أنها تصلي في كل الأوقات، ووَجهها قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" 1، فعم ولم يخص ولأنها لما خالفت سائر النوافل في البنية جاز أن يتأكد فعلها في الوقت.
والثانية: أنها لا تصلى بعد العصر ووجهها نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولم يخص، ولأنها صلاة نفل فكانت ممنوعة بعد العصر كسائر النوافل.
والثالثة: أنها تصلي ما لم تزل الشمس ووجهها أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في هذا الوقت 2، ولأنها صلاة نفل يتعقبها ذكر وعظه 3، فكان وقتها ما لم تزل الشمس أصله صلاة العيدين والاستسقاء.
فصل [5 - تذكير ووعظ الناس بعد الفراغ من الصلاة]:
إذا فرغ الإِمام من الصلاة ذكَّر الناس ووعظهم من غير خطبة مرتبة 4 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5، لأنه لم يرو أنه صلى الله عليه وسلم خطب لها، ولأن من سُنَّة كل صلاة بخطبة أن يجهر فيها بالقراءة، وصلاة الكسوف يسر فيها القراءة، فدل أنه لا خطبة فيها.
فصل [6 - لا يصلي جماعة لخسوف القمر]:
ولا يجمع لخسوف القمر ويصلي الناس لنفوسهم أفرادًا كسائر النوافل 6
خلافًا للشافعي في قوله: إن من سنتها أن يجمع لها 1، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها في جماعة ولا دعا إلى ذلك، ولأنها تكون ليلًا في وقت تلحق المشقة في الاجتماع لها، وبهذا فارقت كسوف الشمس.
فصل [7 - بم تدرك صلاة الكسوف؟]:
ومن أدرك من صلاة كسوف الشمس الركوع الثاني من الركعة الأولى، فقد أدرك الصلاة ولا يقضي شيئًا 2، وفوات الركوع الأول كفوات القراءة ولو فاتته القراءة الأولى بأسرها والركوع الأول من الركعة الثانية كان مدركًا للثانية بإدراك الثاني منها وقضى الركعة الأولى بركوعها دون ما فاته من الثانية.
...
باب: صلاة الاستسقاء
صلاة الاستسقاء 1 سُنَّة 2، فإذا تأخر المطر واحتيج إليه خرج الإِمام بالناس إلى المصلى متواضعين متخشعين، فيصلي بهم صلاة الاستسقاء، وهي ركعتان كسائر الصلوات يكبر فيها تكبيرة واحدة للإحرام، ثم يقرأ بأم القرآن وسورة مثل الأعلى والليل ونحوهما جهرًا، فإذا سلم صعد على المنبر متوكئًا على قوس أو عصى كالجمعة والعيدين، ويجلس إذا أخذ الناس مجالسهم قام وخطب وأكثر من الاستغفار في خطبته، ثم يجلس ثم يقوم فيخطب، فإذا فرغ استقبل القِبْلة وحول رداءه، فجعل ما على يمينه على شماله وما على شماله على يمينه، وليس عليه تنكيسه، ثم يستسقي الله تعالى ويدعوه بما تيسر له والناس جلوس فإذا تم 3 ينزل وينصرف 4. وقال أصبغ: إذا شرف على فراغه من الخطبة الآخرة حول وجهه إلى القِبْلة على غير ما وصفناه، فإذا فرغ من الدعاء عاد بوجهه إلى الناس فأتم بهم الخطبة ثم نزل ولا يكبر فيها سوى تكبيرة الإحرام وتكبير الخفض والرفع المعتاد في سائر الصلوات، ولا أذان فيها ولا إقامة ولا بأس بتكرار الخروج 5 إذا احتيج إليه.
ولا يمنع المتجالات من النساء 1 الخروج وليس على الناس صيام قبل الاستسقاء ولا يمنع من أراد ذلك.
فصل [1 - دليل سنية الاستسقاء]:
وإنما قلنا صلاة الاستسقاء سُنَّة، خلافًا لما يحكى عن أبي حنيفة أنها بدعة 2 لما روي معمر 3 عن الزهرى 4 عن عباد بن تميم 5 عن عمِّه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيها وحول رداءة فدعى واستسسقى واستقبل القِبْلة" 6، ورواه ابن عباس 7، وأبو هريرة 8، وأنس 9،
وجابر 1، ولأن الخطبة في الأصول في العبادات لا تكون إلا مقارنة لصلاة كخطبة العيدين والجمعة.
فصل [2 - الدليل على خروجهم متواضعين متخشعين]:
وإنما قلنا: إنهم يخرجون متواضعين متخشعين لما رواه ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في الاستسقاء متواضعًا متخشعًا متضرعًا متبذلًا وصلى ركعتين" 2، ولأنها صلاة تفعل عند المحل والجدب طلبًا للفرج وزوال الشدة وسؤالًا للغيث والرحمة، فيجب أن يكون ذلك بتضرع وخشوع وتواضع وخضوع، لأن ذلك شأن الداعي السائل والراغب الطالب، وتفارق صلاة العيد لأن الغرض بها إظهار الشرع والإبانة على جماله والفخر به على المشركين.
فصل [3 - الدليل على أن لا أذان ولا إقامة في الاستسقاء]:
وإنما قلنا: أنه لا أذان فيها ولا إقامة لأنه لم ينقل أنه أُذِّن فيها للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أقيم، ولأنها صلاة مسنونة كالعيدين والخسوف.
فصل [4 - دليل التكبير في الاستسقاء]:
وإنما قلنا: أنه يكبر فيها تكبيرة الإحرام فقط، ولا يزيد على تكبير سائر الصلوات خلافًا للشافعي في قوله: إنه يكبر سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية 3، لما روي: أنه صلى الله عليه وسلم استسقى فصلى ركعتين وكبر واحدة 4، وهذا نص، ولأنها صلاة في غير عيد فلم يزد في تكبيرها كسائر الصلوات، ولأنها صلاة لم توضع لأجل نسك كالجمعة.
فصل [5 - دليل الجهر بالقراءة فيها]:
وإنما قلنا: أنه يجهر بالقراءة فيها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -كذلك فعل 1، ولأنها صلاة ذات خطبة لنفسها كالجمعة والعيدين.
فصل [6 - دليل تقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء]:
وإنما قلنا: أنه يقدم الصلاة على الخطبة، خلافًا لما يحكي عن ابن الزبير 2 إن صح 3، لأن ذلك هو المنقول عن (النبي - صلى الله عليه وسلم -) 4، ولأنها صلاة مسنونة بخطبة فكانت الخطبة بعدها كالعيدين.
فصل [7 - الدليل على أن الإِمام يخطب متوكئًا على قوس أو عصي]:
وإنما قلنا: إن الإِمام يخطب متوكئًا على قوس أو عصى لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك في الجمعة والعيدين 5، والمعنى فيه أن الإِمام يطول قيامه فيحتاج إلى استراحة واعتماد، أو خوف من أن يأخذه الدوار وما لا يؤمن معه سقوط وبالاعتماد يأمن ذلك.
فصل [8 - دليل تحويل رداء الإِمام]:
وإنما قلنا: إن الإِمام يُحوِّل رداءه خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن ذلك ليس من
السنة 1، لأنه صلى الله عليه وسلم حوَّل رداءه فجعل يمينه على شماله وما على شماله على يمينه 2، وقيل: إنما فعل ذلك تفاؤلًا ورجاء لانقلاب حالهم عن الشدة إلى الرخاء وعن الجدب 3 إلى الخصب فثبت كون ذلك سنة لفعله له.
فصل [9 - الدليل على أن التنكيس ليس سُنَّة]:
وإنما قلنا: إن التنكيس ليس بسنة، لأنه لم يرو من فعله، والقدر الذي روي تحويل الرداء فلا يقاس عليه غيره.
فصل [10 - الدليل في تحويل وجه الإِمام إلى القِبْلة]:
وإنما قلنا: إنه يُحوِّل وجهه إلى القِبْلة بعد الفراغ فيدعوا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك فعل 4، ووجه قول مالك إنه يفعل ذلك بعد الفراغ من الخطبة الثانية هو أنه لا يجوز له قطع الخطبة شيء يتشاغل به عن أمور تلك العبادة سواها اعتبارًا بالعيدين والجمعة، لأنه ليس له قطعها لصلاة ولا أذان ولا لغير ذلك بل من سنتها الاتصال والانتظام، ولأنها إحدى خطبتي الاستسقاء، فوجب ألا تقطع لما سواها كالأولى.
ووجه قول أصبغ هو أن السُّنَّة في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء بعدهما كان ذلك زيادة على الخطبتين لأن الدعاء حينئذ منفرد له حكم نفسه، فإذا أتى به في تضاعيفهما لم يكن له حكم نفسه، بل كان نقصًا 5 لهما والله أعلم.
فصل [11 - الدليل على تكرار الخروج للاستسقاء]:
وإنما قلنا: لا بأس بتكرار الخروج لأن الخروج إنما احتيج إليه لتأخر المطر والحاجة إليه والرجاء من الله تعالى إجابة الدعاء بالغياث، وما دامت الحاجة قائمة، فالمعنى موجود، وقد روي: "أن الله يحب الملحين في الدعاء" 1.33359468
فصل [12 - الدليل على [عدم] منع النساء المتجالات من الخروج للاستسقاء]:
وإنما قلنا: إنه لا يمنع النساء المتجالات من الخروج لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" 2، وليس ذلك بمقصور على المساجد وحدها بل أراد الصلاة في مواضعها، ولأن بهن حاجة إلى ذلك كالرجال، ولأن الدعاء يشترك فيه الناس كلهم والكل مندوبون إليه، وبخلاف ذلك المرأة الشابة والمخوف عليها أو منها الفتنة للجمال فكانت صيانتها في منع الخروج أولى.
فصل [13 - الصيام قبل الاستسقاء]:
فأما الصيام قبل الاستسقاء، فلم يرد شرع به، فإن فعل كان ذلك جائزًا لأنه قربة وفعل خير، وكل ما زاد الإنسان في فعل القرب فأكثر منها كان أقرب له إلى الإجابة وأدى إلى إجابة طلبه والله أعلم.
تم كتاب الصلاة والحمد لله رب العالمين
...