المعونة على مذهب عالم المدينةكتاب الجنائز
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنائز

عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب: صفة غسل الميت

1 صفة غسل الميت كصفة غسل الجنابة 2، والغرض به التنظيف وإزالة الأذى عنه على الميسور، ويستحب أن يكون وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر، على ما يحتاج إليه في اجتهاد الغاسل، بماء وسدر 3 وأن يكون في الآخرة كافورًا 4 ويستر عورته وينزع ثيابه، ولا يفضي بيده إلى عورته إلا وعليها خرقة إلا أن يكون هناك مما يحتاج إلى مباشرته بيده، ويعصر بطنه عصرًا رقيقًا إن احتيج إلى ذلك، ولا يقلم له ظفر ولا يحلق له شعر.
فصل [1 -] فصل غسل الميت ومواراته والصلاة عليه 5: وإنما قلنا: إن الغرض به التنظيف من غير حد سوى أن المستحب فيه الوتر لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابنته: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" 6، فوكله إلى اجتهادهن وإلى ما يرين من الحاجة إلى التنظيف.

وإنما قلنا: يكون بستر عورته لأنه لما وجب سترها وهو حي فكذلك بعد الموت، لأن حرمته باقية كهي في حال الحياة، وروي أن محمَّد بن سيرين 1 غسل أنس بن مالك، فلما بلغ إلى عورته قال لأهله: أنتم أحق دونكم فاغسلوها 2، فجعل الذي غسلها على يده خرقة وجعل على عورته ثوبًا ثم غسل عورته من تحت الثياب.
وإنما قلنا: ينزع ثيابه خلافًا للشافعي 3 في قوله: إنه يغسل في القميص، لأن ذلك أمكن في غسله وأبلغ في تنظيفه وأعون لغاسله على ما يريده من ذلك.
وإنما قلنا: إنه إن احتاج إلى مباشرة عورته بيده فعل، فلأن تلك حال ضرورة، والضرورات تنقل الأصول عن بابها، وتغير موجباتها للحاجة إلى إزالة ما تدعو الضرورة إلى إزالته.
وإنما قلنا: إنه يعصر بطنه عصرًا رقيقًا، فلأنه لا يؤمن أن يخرج منه شيء فيلطخ أكفانه وتنتهك بذلك صيانته ويزول المعنى المطلوب بتكرار غسله من المبالغة في تنظيفه، وقد روي ذلك عن السلف.
وإنما قلنا: لا يقلم له ظفر ولا يحلق له شعر خلافًا للشافعي في استحبابه لذلك 4، ولأحمد بن حنبل في قوله: بحلق عانته وتقليم أظفاره 5، لأن الأصل ألا يفعل في الميت شيء إلا بشرع، ولم يرد شرع بذلك، ولأنه إزالة شيء متصل به خلقة بدنة فأشبه الختان.

فصل [2 - جواز أن يغسل كل من الزوجين صاحبه]: ويغسل كل واحد من الزوج صاحبه، فأما غسل المرأة زوجها فلا خلاف فيه 1، والأصل فيه: "أن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس" 2، "وغسلت أبا موسى الأشعري امرأته" 3، وقالت عائشة رضي الله عنها: "لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرناه ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أزواجه" 4، ولم ينكر عليها أحد ذلك، ولأن الغسل لما كان فيه اطلاع على العورة والبدن والمغايب 5 لم يكن بذلك أحد أولى من الزوجة.
فصل [3 - الرجل يغسل زوجته]: إنما قلنا: إن للرجل أن يغسل زوجته خلافًا لأبي حنيفة 6، لأن عليًّا غسل فاطمة رضي الله عنهما 7، ولم ينكر لذلك أحد، ولأن زوال الزوجية بالموت لا يمنع أن يغسل الحي منهما الميت أصله إذا مات الزوج، ولأن كل معنى لم يحرم نظر الزوجة إلى الزوج لم يحرم نظره إليها اعتبارًا بالأصول كلها كالمرض 8، وغيره.

فصل [4 - الرجل يغسل أَمته]: ويغسل الرجل أَمته ومدبرته وأم ولده وكل من يستبيحه إلى حين الموت 1 فهي بمنزلة الزوجة، والعِلَّة ما ذكرناه من جواز الاطلاع على العورة حين الموت.
فصل [5 - نهي الرجل أن يغسل مبتوتته]: ولا يجوز أن يُغَسِّل الرجل مبتوتته منه وإن ماتت في عدتها، ولا تغسله هي إن مات (2)، لأن العصمة منقطعة بينهما في الحياة كالأجانب، ولأنه لما لم يجز لأحدهما الاطلاع على عورة الآخر في الحياة فكذلك بعد الموت، لأن عِلَّة جواز ذلك في الموت هو استدامة جوازه حال الحياة إلى الموت.
فصل [6 - غسل الرجل مطلقته الرجعية]: وعنه في المطلقة الرجعية روايتان 2: إحداهما أن أحدهما يغسل الآخر إذا مات في العدة، والأخرى أنه لا يغسله، فوجه الجواز أن أحكام الزوجية باقية بينهما إلى الموت بدليل لحوق الإيلاء والظهار والنفقة وثبوت التوارث فكانت كالمرتجعة، ووجه المنع فلأن الاستمتاع بها والنظر إليها كان محرمًا في الحياة، فكذلك بعد الموت لأن عِلَّة جواز ذلك في الموت استدامة جوازه في حال الحياة ولم يحصل ما يزيل المنع من الارتجاع فأشبه المبتوتة.
فصل [7 - غسل ذوي المحارم والأجانب]: ويجوز أن تغسل المرأة ذوي محارمها من الرجال من وراء ثوب إذا لم يكن معهم من يغسلهم من الرجال، وكذلك الرجل يغسل ذوات محارمه من النساء إذا لم يحضر من النساء من يغسلهن 3، لأن نظر بعضهم إلى أبدان بعض جائز، ألا ترى أن السفر جائز معهم، فأما الأجنبية إذا ماتت في سفر ولم

يحضرها إلا رجال أجانب، فإن من حضرها من الرجال ييممها يمسح وجهها وكفيها، والرجل إذا مات ولم يحضره إلا نساء أجانب يممنه: فمسحن وجهه ويديه إلى المرفقين 1، لأن ما زاد على كف المرأة إلى الذراع عورة فليس للأجنبي الاطلاع عليه، وبدن الرجل ليس بعورة فجاز أن يبلغن بالتيمم غايته، وإنما قلنا: أن كل واحد من هؤلاء يُيَّمم لأن التيمم قد جعل في الشرع بدلًا من الغسل عند تعذره، فلما تعذر الغُسل في هذا الموضع لتحريم النظر إلى بدن الأجنبي قام التيمم مقامه.
فصل [8 - استحباب الاغتسال لمن غسل ميتًا]: ويستحب لمن غسل ميِّتًا أن يغتسل لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من غسل ميتًا فليغتسل" 2، ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر عليًّا أن يغتسل لما غسل أباه 3، والمعنى في ذلك أن الغاسل ربما خاف أن ينتضح عليه من الماء الذي يصيب بدن الميت فقطعه ذلك عن الانبساط والمبالغة فيه، فإذا علم أنه يغتسل زال عنه ذلك.
فصل [9 - الكافر لا يغسل]: ومن مات له نسيب كافر أب أو غيره فلا يغسله ولا يلي شيئًا من أمره 4 إلا أن لا يكون من أهل دينه من يكفيه ذلك فيواريه، لأن الغُسل تابع للصلاة فلما لم يصل عليه لقطع 5 الولاية بينهما لم يغسله، ولأن غسل الميت تطهير له والكافر ليس من أهل التطهير.

باب: كفن الميت وحنوطه ومؤونة الدفن

1 والكفن والحنوط 2 ومؤنة الدفن من رأس المال 3 لأن ستر الميت وكفنه وصيانته حق لله تعالى، وحقوق الله مقدمة لا يجوز تركها ولا التراض بإسقاطها، ألا ترى أن الميت لو وصى بألا يكفن وأن يدفن عريانًا لم يكن له ذلك، فإنه لو لم يخلف كفنا لوجب على المسلمين تكفينه، ولأن حرمته كحرمة الحي، فلما لم يجز أن ينزع من الحي كسوته التي لا بد منها فكذلك من الميت، ولأن الميت مالك لقدر الكفن والحنوط من ماله بدليل أنه لا يجوز له منعه منه، ولأن ما يتعلق بحاجته بعد موته كحاجته في حياته، فلما كان في حاجته أولى الناس بماله فيما يحتاج إليه فكذلك بعد موته.
فصل [1 - إذا كان الكفن مرتهنًا]: فإن كان الكفن مرهونًا فالمرتهن أولى لأنه بحيازته إياه قد صار حقه سابقًا لحال الميت لتعلق العوض به 4، والعين إذا تعلق بها حقان: أحدهما بعوض، والآخر بغير عوض كان ما يتعلق بالعوض مقدمًا على الآخر، كالدين والزكاة والوصية.
فصل [2 - القدر المطلوب من الثياب للكفن]: وليس في الكفن حد لأن الغرض به ستر الميت وصيانته، ويستحب الوتر 5

لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفن في وتر وهو ثلاثة أثواب 1، وكفن ابن عمر ابنًا له في خمسة أثواب 2. فصل [3 - جواز الكفن اللبيس]: ويجوز في الكفن اللبِّيس 3، لأن أبا بكر رضي الله عنه أمر أن يكفن في ثوب من ثيابه التي يلبسها وقال: الحي أحق بالجديد، وإنما هو للمهنة والصديد 4، ولأن الغرض ستر الميت وصيانته دون المفاخرة والزينة.
فصل [4 - البياض في الكفن]: البياض في الكفن أحب إلينا من غيره 5، لقوله صلى الله عليه وسلم: "خير ثيابكم البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم" 6، ولأنه لما كان هو المستحب من اللباس في الدنيا، فكذلك بعد الموت.
فصل [5 - تحنيط الميت بالمسك والعنبر]: ويحنط بالمسك والعنبر، وكل طيب يجوز التطيب به للحي، فيجوز أن يحنط به الميت 7، وذلك: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حنط بالمسك" 8، وحنط عمر

رضي الله عنه بالكافور 1، ووصى عليّ رضي الله عنه أن يجعل في حنوطه مسك وقال: وهو فضل حنوط النبي - صلى الله عليه وسلم - 2، ويستحب أن يجعل الحنوط في مفارقه ومفاصله ومواضع سجوده، لأن هذه المواضع أشرف ما في جسده، وقد قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ 3، وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ 4. ...

باب: وقت الصلاة على الجنائز

1 والصلاة على الجنائز جائز في كل وقت إلا عند طلوع الشمس، وعند غروبها 2، لأنها لما لم يكن لها وقت راتب كأوقات الفرائض المرتبة جازت في جميع الأوقات، وكرهت عند طلوع الشمس وغروبها لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها في هذين الوقتين بنهيه عن الصلوات فيهما عمومًا 3، ويجوز أن يصلي عليها بعد العصر ما لم تصفر الشمس لأنها آكد من النفل لكونها من خير الفروض، وإن لم تكن على الأعيان، وهذا إذا أمن تغيرها، فإن خيف ذلك صلى عليها أي وقت كان، لأن النهي مضمَّن بالسلامة والأمن من هتك الحرمة، فإذا لم يؤمن ذلك زال المنع، ولأنه لو منع ذلك مع الخوف لم يخل من أحد أمرين: إما أن يدفن بغير صلاة وذلك ممنوع، أو أن ينتظر به ذهاب هذه الأوقات فيؤدي إلى هتك الحرمة، وذلك ممنوع أيضًا فلم يبق إلا ما قلناه.
فصل [1 - حكم الصلاة على الجنائز]: والصلاة على الجنائز من فروض الكفايات 4، خلافًا لأصبغ وغيره في قوله: أنها سُنَّة 5، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا على موتاكم" 6 وقوله:

"صلوا على من قال: لا إله إلا الله" 1، وقوله: "حق المسلم على المسلم ثلاث فذكر: ويصلي عليه إذا مات" 2، ولأن ذلك متعلق بالموالاة وحرمة 3 الدين.
فصل [2 - التكبير في صلاة الجنازة]: والتكبير فيها أربع 4، "لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى على النجاشي فكبر أربعًا" 5 وروي: "أنه صلى على قبر مسكينة فكبر أربعًا" 6، وصلى عليّ رضي الله عنه على يزيد بن المكلف فكبر أربعًا 7، ولأن التكبير في صلاة الجنازة أقيم مقام الركعات في الصلوات، فجعل عدده كأكثر أعداد الركعات وهو أربع.
فصل [3 - إحرام وتحليل صلاة الجنازة]: ولها إحرام وتحليل، فالإحرام هو التكبيرة الأولى والتحليل هو السلام 8،

والأصل فيه أن كل صلاة افتتحت بالتكبير افتتاح تحريم ختمت بالتسليم، كالفرائض والنوافل، والسلام فيها واحدة، لأنه سلام تحليل كسائر الصلوات إلا أن المأموم لا يزيد على واحدة لأنه ليس فيها رد بخلاف الصلوات هو تحليل فقط، ويستحب إخفاءه لأن ذلك هو المنقول عن السلف.
فصل [4 - قراءة القرآن في صلاة الجنازة]: لا يقرأ فيها شيء من القرآن 1، خلافًا للشافعي في قوله: إنه لا بد أن يقرأ فيها بأُم القرآن 2، لأن كل صلاة لا ركوع فيها لم يكن من سنتها قراءة أصله الطواف، ولأنه ركن من أركان الصلاة منفرد فلم يكن فيه قراءة أصله سجود التلاوة.
فصل [5 - عدم ترك الصلاة على الميت]: ولا تترك الصلاة على أحد ممن يصلي إلى القِبْلة 3، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا على موتاكم" 4، وقوله: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" 5، ولأن الصلاة متعلقة بحرمة الدين، وذلك يستوي فيه جميع أهل الملة.
فصل [6 - الصلاة على العدل والفاسق والباغي وصاحب الكبيرة وغيرهم]: إذا ثبت ذلك فلا فرق بين العدل والفاسق والباغي وصاحب الكبيرة والمقتولين في حد وقود، إلا أنه يكره للإمام وأهل الفضل أن يصلوا على البغاة وأهل البدع، وللإمام خاصة ألا يصلي على من قتله في حد 6، لأن الله تعالى نهى

نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة على المناققين 1 تأديبًا لهم وردعًا، فكان ذلك أصلًا في كل من كان على غير الطريق من فساد الاعتقاد، فإن الإِمام وأهل الفضل يجب ألا يصلوا عليه، ويصلي عليه سائر الناس.
فأما من قتله الإِمام في حد فلأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز 2، والغامدية (2) لما رجمهما، وكذلك الأئمة بعده لم يصلوا على من أقاموا عليهم الحدود بل تركوهم مع أهليهم، ويصلي عليهم سائر الناس، ولأنا قد بيَّنا أن في ذلك ردعًا لهم وإبانة عن نقصهم ليكون ذلك زجرًا لغيرهم ممن سلك طرائقهم.
فصل [7]: ومن جلده الإِمام في حد فمات من الضرب فإنه يُصلَّى عليه بخلاف المرجوم 3 لأنه قصد قتل المرجوم ولم يقصد قتل المجلود، وإنما مات من مرض وهو الوجع من الضرب.
فصل [8 - الصلاة على السقط إذا استهل صارخًا]: ولا يصلي على سقط 4 إلا أن يستهل صارخًا، تحرك أو لم يتحرك 5،

خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 1، لأن الصلاة إنما هي على من علمت حياته قبل موته، وأمارة الحياة هي الصياح أو ما يقوم مقامه من طول المكث إذا طالت به مدة يعلم أنه لو لم يكن حيًّا لم يبق إليها، ولا معتبر بالحركة لأنها لا تدل على الحياة، لأن المقتول يتحرك وليس بحي، ولأنه قد كان متحركًا قبل وضعه ولم يحكم بحياته، وروي: "إذا استهل المولود صارخًا غسل وصلى عليه ووجبت ديته وميراثه" 2. فصل [9 - عدم الصلاة على الشهداء]: والشهيد المقتول في سبيل الله لا يغسل ولا يصلي عليه، ويدفن بثيابه إذا مات أو انفذت مقاتله في المعترك 3، خلافًا لأبي حنيفة 4، لما روى جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويسأل أيهما أكثر أخذًا للقرآن فيقدمه في اللحد، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم" 5، وروي: "أنه لم يصل على أحد من الشهداء إلا حمزة" 6

ولأن الغُسل متعلق بالصلاة فإذا كان الشهيد لا يغسل ثبت أنه لا يصلي عليه، ولأنه مستغن بفضل الشهادة عن الصلاة بقوله: أنا شهيد على هؤلاء.
فصل [101 - الصلاة على من جرح في المعركة ثم عاش بعدها]: فأما إن حمل من المعترك جريحًا فبقي زمانًا أو أيامًا، ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه 1، لأن الخبر ورد فيمن قتل في المعترك، ولأنه إذا حمل وعاش أمكن أن يكون مات من سبب طرأ عليه فلم يكن حكمه حكم من مات في المعترك، ولأن الذي فاضت نفسه في المعترك له منزلة لا يدانيه فيها غيره لأنه فارق الدنيا على نصرة الدين 2 والتوحيد، وذلك أشرف المقامات فلم يحتج إلى شفاعة المصلين، وهذا هو الفرق بين الشهيد في سبيل الله وبين سائر الشهداء من الغريق والطعين والهديم 3 والحامل ومن قتل دون ماله ومن ذكر معهم 4. فصل [11 - السبي يموت قبل أن يتلفظ بالشهادتين]: ومن مات من السبي 5 قبل أن يتلفظ بالشهادتين فلا يغسل ولا يصلى عليه 6 لأنه مات على أصل الكفر، لأنه لم يثبت له الإسلام لا من جهة الاعتقاد ولا الحكم، لأنه لم يكن سوى سبيه، والسبي لا يزول عنه حكم الكفر، وإن قالها ابتداء غسل وكفن وصلى عليه، وكذلك إن قالها عن تلقين إذا كان طوعًا من غير

إكراه، لأن الظاهر إجابته إلى الإسلام وتدينه به، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا على من قال لا إله إلا الله" 1، فعم ولم يفرق.
فصل [12 - فيمن يصلي على الميت]: والإمام أولى بالصلاة على الميت من عصبته 2، لأن طريقها الولاية وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤم الرجل في سلطانه ولا بيته إلا بإذنه" 3، ولأن الحسين 4 رضوان الله عليه قدم سعيد بن العاص 5، وكان الأمير فصلى على الحسن 6 رضي الله عنه وقال: أنت الأمير ولولا السنة ما قدمتك 7، ولأنها صلاة تفعل في الاجتماع فكانت إلى الأئمة كالجمعة والعيدين، ولسان السلطان لما كان مقدمًا على صاحب الدار كان مقدمًا على الولي.
وإذا كان بموضع لا سلطان فيه فالحق للأولياء، فأولاهم بذلك أقواهم تعصيبًا وأحقهم الابن ثم ابن الابن ثم الأب ثم ولده، وهم الأخوة ثم ولد ولده وهم بنو الإخوة، ثم الجد ثم ولده وهم العمومة، ثم ولدهم وهم بنو العمومة، فإنما قدمنا الإخوة وبنيهم على الجد، لأن الولاية يطلب فيها محض التعصيب وتعصيب الإخوة أمحض تعصيب، لا يشوبه ولادة ولا يأخذون بالفرض بحال.

فصل [13 - ولاية الزوج في الصلاة على الميت]: ولا ولاية للزوج لأنه ليس من قرابتها 1، إلا أن يكون ابن عمها فيصلي بالتعصيب لا بالزوجية، ولأن العصمة منقطعة بينه وبينها فكان كالأجنبي، ويفارق الغسل لأنه يتعلق بمسها والنظر إلى بدنها وللزوج من التخصيص بذلك والاطلاع عليه ما ليس للأولياء فكان أولى منهم.
فصل [14 - ترتيب الجنائز]: وإذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء قرب إلى الإمام جنائز الرجال ثم بعدها جنائز النساء، فإن كان معهما جنائز صبيان جعلت بعد جنائز الرجال وبعدها جنائز النساء، وإن كان معهم خناثًا جعلت جنائزهم بعد الصبيان ثم النساء بعد الجميع 2. وإنما قلنا ذلك لأن من يلي الإمام يجب أن يكون مقدمًا أو مؤخرًا حسب حرمته، وذلك أن المصلين خلف الإمام يترتبون على هذه السبيل: فيكون صفوف الرجال أقرب إلى الإمام ثم صفوف النساء بعده، فكذلك في هذا الموضوع يجب أن يكون الأفضل من يلي الإمام، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "ليلني منكم ذوو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" 3، فجعل الرتبة في القرب منه والبعد بحسب الحرمة والجنس.
وإذا ثبت ذلك جعلت جنائز الرجال ما يلي الإمام لأنهم أعلى حرمة 4 من النساء، ثم الصبيان لأنهم من جنس المذكور، والتذكير في الجملة أفضل من التأنيث، ثم النساء بعد الصبيان.

وإن كانت معهم خناثًا جعلت جنائزهم بعد الصبيان ثم النساء بعد الكل لأنه لما أشكل أمرهم كانوا أقرب إلى الرجال من الإناث المقطوع بأنوثتهن.
فصل [15 - المسبوق في صلاة الجنائز]: ومن فاته بعض التكبير قضى ما فاته، ودعا بين التكبيرات 1، إن لم يخف رفع الجنازة قبل فراغه، وإن خاف أن ترفع عن سرعة قضاه قضاء نسقًا 2، لأنه إذا خاف ذلك لم يمكنه أن يدعوا، لأنه إن تشاغل بالدعاء حصل منه أن يكون مصليًا عليها بعد رفعها وذلك غير جائز، وإذا أمن ذلك دعي بين التكبيرات كما كان لو أدركها من أولها لزوال الضرورة.
فصل [16 - تكبيرة المسبوق لوقته أو مع الإمام]: وإذا سبقه الإمام بتكبيرة أو تكبيرتين وجاء والإمام يدعوا ففيها روايتان 3: إحداهما أنه يكبر لوقته، والأخرى أنه لا يكبر وينتظر تكبيرة الإمام ثم يكبر هو لإحرامه، فوجه الأولى اعتبارًا بسائر الصلوات أنه إذا فاتة بعض الصلاة أحرم حين يدخل ولم ينتظر فعل الإمام، ووجه الثانية أن التكبيرات كالركعات، فلما كان لفوات بعضها تشاغل بما أدرك دون قضاء ما فات كذلك هاهنا.
فصل [17 - إعادة الصلاة على الميت]: لا تعاد الصلاة على الميت قبل الدفن ولا بعده 4 خلافًا للشافعي 5، لأن الفرض قد سقط بالصلاة الأولى، فما زاد عليه تنفل، وذلك غير جائز على الميت، ولأنه حكم وجب فيه بالموت، فإذا سقط الفرض فيه لم يعد كالغُسل.

فصل [18 - الصلاة على القبر]: ولا يصلي على قبر إلا أن يكون دفن قبل أن يصلي عليه 1، لأنه لو جاز ذلك لكان أولى من فعل به ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لفضله ورجاء البركة بالصلاة عليه، ولأن الدفن لو لم يمنع إعادة الصلاة لم يكن لذلك غاية ينقطع إليها.
فأما إذا دفن 2 بغير صلاة فتلك حال ضرورة لأن الفرض لم يسقط فيه، وكذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمسكينة لما 3 دفنت من غير أن يعلم من دفنها.
فصل [19 - الصلاة على بعض الجسد]: إذا وجد أكثر الجسد صلى عليه 4، لان حكم الأكثر حكم الكل، ولا يصلي على العضو كاليد والرِجل خلافًا للشافعي 5، اعتبارًا بالسن والشعر، ولأن الصلاة على الميت لا تعاد ويمكن أن يوجد أكثر البدن فتعاد الصلاة.
وأظن أن من أصحابنا من يقول يصلي عليه 6، ويُنْوِي به الميت وهو قول عبد العزيز بن الماجشون 7، ووجه اعتباره بالكثير بعلة أن تعذر الجملة لا يمنع ذلك في البعض.

فصل [20 - في دفن الميت]: ويجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن القِبْلة 1 لقوله: "أشرف المجالس ما استقبل به القِبْلة" 2، "ولأنها حال يحتاج فيها من القربة إلى نهاية الممكن، وقد روي عن السلف أنهم أمروا أن يفعل ذلك بهم عند احتضارهم، ولأن الميت كان يعظم هذه الجهة في حياته فيجب أن يوجه إليها بعد وفاته، فإن لم يقدر على ذلك جعلت رجلاه في القِبْلة واستقبلها بوجهه كالمريض يوجه للصلاة، وقيل: في المريض إذا لم يتمكن من توجيهه على الجانب الأيمن فعلى الأيسر، فإن لم يقدر جعلت رجلاه في القِبْلة فيجب أن يكون كذلك في الدفن.
فصل [21]: وليس لمن ينزل القبر لتولي الدفن عدد معلوم 3، وإنما هو على حسب الحاجة، فقد يكون الميت عظيم الجثة ثقيلها فيحتاج إلى جماعة يتناولونه من النعش إلى اللحد، وقد يكون خفيفًا يكفيه الواحد، وفي الجملة فلا ينبغي أن يزاد على قدر الحاجة كما لا ينبغي أن ينقص عنها.
فصل [22 - اللحد والشق]: واللحد 4 أفضل من الشق إلا لضرورة 5 لقوله صلى الله عليه وسلم:

"اللحد لنا والشق لغيرنا" 1، "وأُلْحِدَ له صلى الله عليه وسلم 2، وكذلك السلف بعده وعليه عمل الأمة.
فصل [23 - النهي عن تجصيص القبر]: وينهى عن تجصيص القبور وبنيانها 3، "لنهيه صلى الله عليه وسلم عن تقصيص 4 القبور" 5. والقصة الجص، ولأن ذلك من زينة الدنيا وتفاخرها والميت غير محتاج إليه والله أعلم.
...

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل