كتاب الصيد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 الأصل فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشىء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ 2، وقوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ 3، وقوله: ﴿وما علمتم من الجوارح .. إلى قوله: فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ 4 وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل ما ردت عليك قوسك" 5، وقوله: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل" 6، ولأنه إجماع 7. فصل [1 - الآلة التي يصاد بها]: والآلة التي يصاد بها ضربان: سلاح وجوارح، فأما السلاح فالاصطياد بجميع أنواعه 8 مباح من السيوف والسهام والرماح وغيرها، والأصل فيها 9 قوله تعالى: ﴿ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ 10
الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل ما ردت عليك قوسك" 1، وقوله في المعراض: "إذا خرق فكل" 2، ولأن المذكى ضربان: مقدور عليه، وممتنع، فلما كان المقدور عليه يذكى بالسلاح فكذلك الممتنع، ولا خلاف في ذلك 3. فصل [2 - ما مات بقتل السهم]: وما مات بقتل السهم له جاز أكله 4 لقوله: "كل ما ردت عليك قوسك" 5 وقوله لأبي ثعلبة 6: "ذكيًا وغير ذكي" 7، ولأن إرسال السهم كمباشر الذابح الذبح 8. فصل [3 - ما قتل بالمعراض]: ما قتل بالمعراض 9 أكل إن كان بحده، ولا يؤكل إن كان بعرضه 10،
لقوله في حديث عدي 1: "إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله تعالى فخرق فكل وإن أصاب بعرضه فلا تأكل" 2، والمعراض: خشبة غليظة في رأسها كالزج يلقيها الفارس على الصيد، فربما أصابته الحديدة فجرحته وأسالت دمه، فهذا يجوز أكله لأنه حينئذ كالسيف والرمح، وربما أصابته الخشبة فترضه أو تشدخه فيكون حينئذ 3، وقيدًا كالمرمى بالبندقة والحجر، فلا يجوز أكله إلا أن يدرك ولم تنفذ مقاتله، فيذكى فإنه يؤكل، وإن بلغ إلى حيث لا ترجى له حياة لم تعمل الذكاة فيه.
فصل [4 - ما قتلته الحبالة]:
لا يؤكل ما قتلته الحبالة 4 وهي الشَرَك لأنه مقتول بغير ذكاة سهم لأن 5 الحبالة: أحبل تكون فيه مناجل توضع للصيد عند الماء، فإذا وردت علقت به فاضطرب، فربما أصابته المناجل التي فيها فلا يؤكل لأنه حينئذ مقدورة عليه 6 فذكاته بالذبح دون العقر.
فصل [5 - في منع أكل ما قتله السهم المسموم]:
لا يؤكل ما قتله السهم المسموم 7 وعللَّه مالك رحمه الله بعلتين: إحداهما أنه لا يعلم هل قتله السهم أم السم، والأخرى أن الخوف على من يأكله.
فصل [6 - ما صيد بالجوارح]: وأما الجوارح فكل جارح فَقَه التعليم من أي الجوارح كان من الكلاب والفهود والبزاة 1 والصقور والشواهين 2 وغيرها إذا كان معلمًا، فصيده جائز 3 خلافًا لمن ذهب إلى أنه لا يؤكل إلا صيد الكلاب دون البزاة وغيرها 4، ولمن ذهب إلى أنه لا يؤكل ما صاده الكلب الأسود 5، لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله﴾ 6 يريد مصرين 7 إلى قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ 8 فعم، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل" 9، ولم يفرق بين البهيم وغيره، وقوله في حديث عدي بن حازم: "ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته، وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك" 10، ولأنه جارح يفقه التعليم فجاز الاصطياد به كالكلب الذي ليس ببهيم.
فصل [7 - في اشتراط كون الجوارح معلمة]:
وإنما اشترطنا أن تكون معلمة للظواهر والأخبار 1، وصفة التعليم أن يطيعه إذا نبهه ويسترسل إذا أرسله ويسارع إذا أمره وينزجر إذا زجره، ويتكرر ذلك منه تكريرًا يعلم معه في العادة أنه قد فقه التعليم ولا حد في ذلك سوى ما ذكرناه.
فصل [8 - عدم اشتراط ترك الأكل]:
وليس من شرطه ترك الأكل 2 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3، لقوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ 4، ولم يفرق، وفي حديث أبي ثعلبة: "وإن أكل فكل" 5، ولأنه قتل إذا 6 لم يتعقبه أكل كان ذكاة، فكذلك إن تعقبه كالذبح، ولأنه أداة في تذكية الصيد، فإذا أنفذ عقره مقاتله لم يضره ما طرأ بعد ذلك أصله السهم، ولأنه جارح أبيح صيده كالبازي، ولأنه لو بادر بأخذه من فم الكلب عقيب قتله لجاز أكله، ولو كان ترك الأكل من 7 شرط التعليم لم يجز ذلك دون أن يتوقف لينظر هل يأكل أم لا.
فصل [9 - فيما إذا أثر الجارح في الصيد]:
لا خلاف أنه إذا أثر فيه بتخليب أو تنبيت جاز أكله لأن عقره ذكاة له، وإن أمسكه أو ضمه ولم يؤثر فيه فلا يجوز أكله 8، لأن ذلك ليس بقتل له، فأما
إذا صدمه أو نطحه، فمات منه من غير جرح فعند ابن القاسم لا يؤكل وهو قول أبي حنيفة 1، وعن أشهب يؤكل وهو أحد قولي الشافعي 2.
فوجه قول ابن القاسم: إنه آلة للاصطياد، فإذا قتل الصيد بصادم 3 أو غيره، مما ليس بجرح لم يؤكل كالسهم، ولأنه حصل مقتولًا بغير جرح كما لو ضربه بالعصى، ووجه قول أشهب قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ 4 يريد قتلن بإرسالكم ولم يفرق، وكذلك الخبر، ولأنه حصل مقتولًا بجارح مرسل عليه كما لو جرحه.
فصل [10 - إذا أدرك الصيد والجوارح تنهشه]:
إذا أدرك الصيد والجوارح تنهشه وتجرحه ولم تنفذ مقاتله وقدر على تخليصه منها فلا يأكله إلا بأن يذكيه 5، لأنه صار مقدورًا عليه قبل أن تكون ذكاته العقر، وإن لم يقدر أن يذكيه حتى مات بجرحها جاز أكله، لأن فوات نفسه حصل قبل القدرة عليه، وكذلك إن خلصه جريحًا، فمات في الفور قبل أن يتمكن من تذكيته، فإن أكله جائز خلافًا لأبي حنيفة 6، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن قتل" 7، ولأن الجارح عقره قبل القدرة على تذكيته 8، فكان كما لو مات في يديه قبل القدرة
على تخليصه، وإن خلصه من الجارح قبل فوات نفسه أو نفاذ 1 مقاتله، فتركه حتى مات فلا يؤكل لتفريطه في تذكيته، وكذلك لو تشاغل بإخراج سكين يذبحه بها.
فأما إذا أدركه في أفواه الجوارح، وقد أنفذت مقاتله فأكله جائز، لأن ذكاته قد تمت بقتلها له فليس بمحتاج 2 إلى تذكية أخرى، وكذلك القول فيه 3 إذا وجد والسهم فيه أنه إن كان السهم قد أنفذ مقاتله، فالذكاة قد تمت وإن كان لم ينفذ مقاتله لم يؤكل إلا بذكاة، فإن تركه حتى مات لم يؤكل لأنه قدر على تذكيته كأخذه من فم الجارح قبل إنفاذ مقاتله سواء.
فصل [11 - في عقر الصيد غائبًا]:
وليس من شرط تذكيته أن يعقره الجارح أو السهم، بحيث يشاهده، بل يؤكل إذا قتله غائبًا عن رؤيته ما لم يحصل منه تفريط في طلبه إذا غاب، فرأى فيه أثر كلبه أو سهمه، وسواء توارى عنه بعد أن رأى الجارح علق به أو قبل ذلك 4، خلافًا للشافعي في أحد قوليه: إنه إذا قتله غائبًا عنه بعد أن رآه قد علق 5 به فلا يؤكل، وفي أحد قوليه 6: إنه إذا كان قبل مشاهدته متشبثًا به فلا يؤكل 7، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل" 8، ولأن في اعتبار مشاهدته 9 عقره تكليف ومشقة تؤدي
إلى سد باب جواز أكل الصيد إذا صاده 1 الجارح لأن الغزال أو الطائر لا يملك عدوه وسرعة طيرانه واختباره في المكامن 2 والغياض 3 والكهوف والمواضع التي لا يصل إليها إلا الجارح بحيلولة الحوائل، ولأنه إذا رآه وفيه سهمه أو بالقرب منه جارحه فالظاهر منه أنه ليس به إلا عقر ما أرسله عليه، فجاز أكله، ويفارق الميت لأن هوام الليل تنتشر فيه فلا يؤمن مشاركتها فيه.
فصل [12 - إذا بات الجارح عنه]:
إذا بات الجارح عنه والصيد ثم وجده من الغد مقتولًا 4 لم يأكله، واختلف في السهم، فقيل: إنه كالجارح، وقيل: بخلافه 5، فأما منع ذلك في الجارح، فلما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فإن بات 6 عنك فلا تأكله لا تدري، لعل كلبًا غير كلبك قتله" 7، ولأن الليل مخالف للنهار لأن الهوام تظهر فيه وتنتشر فيجور أن تكون أعانت على قتله، وأما السهم فإذا 8 قلنا: إنه لا يؤكل الصيد إن بات عنه، فلما روي أن رجلًا أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظبيًا، فقال: إني رميته يا رسول الله، ثم اتبعته من الغد فوجدت سهمي فيه أعرفه، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا آكله لا أدري أهوام الأرض قتلته ولو أعلم أن سهمك قتله لأكلته" 9، وفي حديث آخر: "لو
أعلم أنه لم يعين على حتفه 1 دواب المغار 2، لأمرتك بأكله"، وهذا نص وتعليل.
وإذا قلنا: يؤكل، فلما روي سعيد بن جبير 3 عن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله، إني أرمي الصيد فأطلبه فلا أجده إلا بعد ثلاثة 4، فقال: إذا وجدت أثر سهمك ولم يؤكل منه السبع فكله" 5، والفرق بين السهم والكلب أن السهم يوجد في موضع الإصابة، فإذا لم ير هناك أثرًا لغيره علم أن سهمه 6 قتله، وليس كذلك الجارح 7، لأنه ليس لجرحه علامة يعرفه بها، فلا يأمن أن يكون قتله بغير جرحه.
فصل [13 - إذا سقط الصيد في الماء أو وقع من أعلى جبل وقد جرحه السهم أو الكلب]:
إذا سقط الصيد في الماء أو وقع من أعلى جبل وقد جرحه السهم أو الكلب، فإن كان لم ينفذ مقاتله فلا يأكله لأنه لا يتيقن أن موته بجرح السهم أو الكلب لإمكان أن يكون موته بالتردي أو بالماء، وإن كان قد أنفذ مقاتله جاز أكله 8 لأن التردي والغرق كانا بعد تمام الذكاة، وإذا تمت الذكاة لم يؤثر فيها ما طرأ بعدها، وكذلك الذبيحة مثل الصيد سواء.
وإذا أرسل كلبه على صيد بشركة كلب آخر نظر، فإن كان لصائد مسلم قد أرسله على شرائطه الجائزة كان الصيد بينهما لأنه لا مزية لأحدهما عن الآخر، فلا يكون أولى به منه إلا أن يعلم أن الأول أنفذ مقاتله قبل وصول الثاني إليه، فيكون أولى به، لأن الذكاة تمت به دون الثاني وهذا إذا كان الآخر أرسله على ذلك الصيد أو أرسله إرسالًا مطلقًا، فأما إن أرسله على غيره، فعدل إليه أو كان كلبًا مسترسلًا بنفسه أو لمجوسي فينظر، فإن أصابه بعد إنفاذ الأول مقاتله فهو ذكي بالأول ولا يضره الثاني كالتردي من جبل بعد الذكاة، وإن كان ذلك قبل إنفاذ المقاتل أو لم يعلم لم يؤكل خلافًا للشافعي 1 في إجازته 2 أكل ما شورك فيه على كل وجه، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عدي: "وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله" 3، ولأنه نوع من التذكية فمشاركته من لا تؤكل تذكيه لو انفرد يمنع الأكل أصله الذبح إذا اشترك فيه المسلم والمجوسي.
فصل [14 - ما استرسل عليه كلب بغير إرسال]:
لا يؤكل ما استرسل عليه الكلب بغير إرسال 4 لأن الإرسال شرط في جواز الأكل بدليل قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ 5، ولا يكون ممسكًا علينا إلا بأن نرسله، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل" 6، ولأن من شرط الذكاة النية فإرسال الصائد كنية 7 الذابح، ولأن التعليم شرط فلو لم يكن الإرسال شرطًا لم يكن للتعليم فائدة، ولأن الجارح آلة كالسهم.
فصل [15 - التسمية عند الإرسال]:
ويسمى الله عز وجل 1 عند الإرسال 2 لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فكل" 3، ولأن العقر أحد نوعي الذكاة كالذبح.
فصل [16 - إذا صاد صيدًا ثم أفلت فصاده غيره]:
إذا صاد صيدًا ثم فلت: فصاده غيره، فإن كان عن قرب كاليومين والثلاثة فهو للمالك الأول، وإن كان بعد طول زمان ولحوق بالوحش فهو لمن صاده 4 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنه للأول على كل حال 5، لأن الثاني صاده ممتنعًا مختلطًا بالوحش على صفة ما هي عليه من الإباحة، فكان له أصله الأول، ولأن ما أصله الإباحة إذا ملك ثم عاد إلى ما كان عليه كان للذي ملكه ثانيًا، أصله الماء في نهر إذا أخذ منه إنسان ثم أنصب من يده إلى النهر.