المعونة على مذهب عالم المدينةكتاب الجهاد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الأصل في الجهاد 1 قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ 2، وقوله جل ذكره 3 ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ 4، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ 5، وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 6، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ 7، وهذا تأكيد يدل على قوة وجوبه، ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" 8، وفيه أخبار كثيرة ترد في مسائل الباب الأول، ولا خلاف بين الأمة في وجوبه 9.

فصل [1 - حكم الجهاد]: وهو من فروض الكفايات 1 دون الأعيان فمن قام به سقط به الفرض عن الباقين 2، ووجه القيام به أن تحرس الثغور 3 وتعمر وتحفظ بالمنعة والعدد، ولا تجوز المهادنة إلا لضرورة تدعو إليها، والقتال واجب لا يعدل عنه إلا باجابة أهل الكفر إلى أحد أمرين: إما الدخول في الإِسلام أو بذل الجزية لنا في دارنا.
وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ 4، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 5، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأمرائه: "اغزوا على اسم الله قاتلوا من كفر بالله ادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوا فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين، فإن أبو فادعوهم إلى الجزية فإن أعطوها فاقبلوها منهم فان أبوا فاستعينوا الله على قتالهم" 6. وإنما شرطنا أن يكون في دارنا ليكون أخذها على وجه الذل والصغار ولئلا يكون 7 ذريعة إلى الإمهال ليتقووا على قتالنا.
فصل [2 - اشتراط إذن الأبوين للاشتراك في الجهاد]: ومن منعه أبواه من الجهاد فليمتنع إلا أن يكون قد تعين الفرض عليه مثل أن يفجأ العدو فيحتاج إليه في الدفع عنها وكذلك إن كان أوجبه على نفسه في وقت

بعينه 1، والأصل فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن كان الغزو عند باب البيت فلا تذهب إلا أن يأذن أبواك" 2 ولأن طاعتهما من فروض الأعيان فهو أولى من فروض الكفايات، فأما إذا تعين عليه فلا يمتنع بمنعهما لأن منعهما له غير جائز لهما كمنعهما إياه من الصلاة والصوم الواجبين.
فصل [3 - إحراق أرض العدو وعقر دوابهم وقطع أشجارهم]: ولا بأس بإحراق أرض العدو وزروعهم وعقر دوابهم وقطع أشجارهم وفعل كل ما ينكيهم ويضر بهم 3، والأصل فيه قوله تعالى ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ 4، وقوله عز وجل: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ 5 ونزلت في قطعه - صلى الله عليه وسلم - نخل بني النضير 6، وقوله في خيبر 7، ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ 8، وهدم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض خيبر 9، وقطع بعض 10، ولأن ذلك من التضييق عليهم وإضعاف أمرهم وتوهينه فليس بأكثر من إباحة قتلهم.

فصل [4 - في تحريق النحل]: ويكره تحريق النحل وتفريقها لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة 1، وروى عن علي رضي الله عنه أنه نهى عن ذلك 2، ولأنها تنتقل إلى ديارنا كحمام الأبرحة ففي تركها استبقاء لها لمنفعة المسلمين، فإن اتفق أن يكون مجتمعة في موضع يكثر نفعهم بها ويؤثر فيهم إتلافها جاز ذلك لأنها ليست بأعظم حرمة من الخيل والأنعام التي تعرقب 3 أو توجًا 4 إذا عجز المسلمون عن سوقها.
فصل [5 - الدعوة قبل القتال]: ولا يقاتل العدو إلا بعد أن يدعو إلا أن يعجلونا 5 لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يوصي بذلك أمراءه فيقول: "إذا لقيت عدوا من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال 6: ادعهم إلى الدخول في الإِسلام فإن أجابوك إليه فاكفف عنهم" 7، ولأنهم قد يجيبون إلى الإِسلام فيستغنى عن قتالهم وهذا مستحسن فيمن بلغتهم الدعوة فأما من يخاف أن تكون لم تبلغه أو أن يكون قد سمع بها ولا يدري ما هي فيجب أن يدعى وكل هذا إذا أمكنونا فإذا أعجلونا تركت وتشوغل بقتالهم لأن التوقف حينئذ تمكين للعدو من المسلمين وذلك عين المحظور 8. = ومسلم في الجهاد باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها 3/ 1365.

فصل [6 - الغلول من الغنيمة]: ومن غلَّ 1 شيئًا من الغنيمة ولم يورده المقاسم ثم ظهر عليه عوقب ولم يقطع ولم يحرم سهمه 2، وإنما قلنا إنه يعاقب أدبا له لأنّه أتى محرمًا وغصب المسلمين أموالهم وخانهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "الغلول عار ونار وشنار على صاحبه" 3، وروي أن رجلًا مات فدعى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه فامتنع وقال: "صلوا على صاحبكم فإنه قد غل" ففتشوا رحله فوجدوا فيه 4 خرزات 5 لا تساوي درهمين 6. فصل [7 - عدم قطع الغال]: إنما قلنا لا يقطع لأنه خائن وليس بسارق وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على خائن قطع" 7، وقال: "من وجدتموه قد غل فأحرموه سهمه

واحرقوا رحله" 1، ومعلوم أن هذا على وجه التغليظ ولم يأمر بقطعه فلو كان القطع واجبًا لأمر به، فإن سرقها بعد حيازتها يذكر في باب السرقة.
فصل [8 - الغال لا يحرم]: وإنما قلنا إنه لا يحرم سهمه خلافًا لقوم 2 لأنه قد استحق السهم بحضور سببه من القتال والحضور وغلوله لا يخرجه عن ذلك فلم يجب سهمه 3، ولأنه ليس في الغلول إلا ركوب أمر محرم وذلك طارئ بعد استحقاق السهم فلا يؤثر فيه.
فصل [9 - في الخمس]: وتخمس الغنيمة وسائر أنواعها من عين وعرض 4 ونهب وسلب 5 ولا يختص القاتلون بالأسلاب إلا أن يرى الإِمام أن يخصهم بها بوجه من الاجتهاد فيكون لهم حينئذ 6 وقال الشافعي الأسلاب غير مخمسة وهي للقاتلين دون غيرهم من أهل العسكر 7، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 8 فأضاف الغنيمة إلى جماعة الغانمين واستثنى منها الخمس فدل على أن ما عداه لهم سلبا كان أو غيره، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أدوا الخياط والمخيط" 9 فعم السلب وغيره، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الغنيمة

فقال: "لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش" قيل هل أحد أحق بها من أحد قال: "لا ولا السهم تستخرجه من جنب أخيك المسلم" 1، ولأنه مال مغنوم عن المشركين في الحرب فلم يختص به بعض الجيش دون الباقين إلا بإذن الإِمام أصله ما عدى السلب واعتبارا به إذا قتله مُدْبِرًا.
فصل [10 - الإِمام ينادي بالسلب]: وإنما قلنا إن للإمام أن ينادي بذلك إذا رأى ضعفاء من الجيش يرغبهم ويغريهم عن القتال وقد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك يوم حنين ونادي: "من قتل قتيلًا فله النفل" 2. فصل [11 - في النفل]: النفل 3 كله من الخمس سلبا كان أو غيره والنفل زيادة على السهم لمن ليس من أهل السهم يفعله الإِمام لرأي يراه ويخص به إنسانا بعينه لحراسة أو محاصرة أو تجسيس أو تخبرا وزيادة عناء أو حسن بلاء أو غير ذلك مما يؤديه اجتهاده إليه فيكون ذلك من الخمس لأن الأربعة الأخماس ملك للغانمين فلا يجوز له أن يهب ملك غيره 4، والأصل فيه قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 5 فدل مفهومه أن الأربعة الأخماس للغانمين، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" 6.

مسألة [12 - حكم ما غنم المسلمون من أموال المسلمين]: ما حصل في أيدي العدو من أموال المسلمين على وجه الإغارة فإن أسلم من حصل في يديه وهو معه فلا سبيل لمالكه من المسلمين عليه وهو ملك لمن أسلم عليه 1 خلافًا للشافعي في قوله: أنه على ملك المسلم يكون له بغير ثمن 2 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الإِسلام يجب ما قبله" 3 ولأن للكفار شبه ملك على ما حازه من أموال المسلمين يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ 4 فسماهم فقراء بعد هجرتهم وتركهم ديارهم وأموالهم، ولأنه لا خلاف أنهم لو استهلكوه حال شركهم ثم أسلموا لم يضمنوه، ولو أتلفه مسلم على صاحبه للزمه غرمه فدل ذلك على ثبوت شبهة ملك للمشرك.
فصل [13 - المال يعود إلى المسلمين بالغنيمة]: فإذا ثبت هذا فإن عاد إلى المسلمين بالغنيمة في دار الحرب قبل إسلام من كان في يده فإن علم أنه ملك لمسلم لم يجز للجيش تملكه ولزم تركه إلى أن يأتي ربه، وإن لم يعلم أنه مال لمسلم 5 فللغانمين تملكه واقتسامه فإن أتى وأقام البينة على تملكه قبل قسمته فهو له بغير ثمن خلافًا لعمرو بن دينار 6 في قوله: أنه ملك لمن غنمه دون ربه 7، وإن لم يعلم حتى قسم فصاحبه أولى به بالثمن فإن

لم يبذل قيمته فليس له أخذه خلافًا للشافعي في قوله أنه له بغير ثمن قبل القسم وبعده 1. فصل [14 - إذا علم بملكه قبل قسمه]: وإنما قلنا إنه إذا علم به قبل القسم فهو لمالكه بغير ثمن لحديث ابن عباس قال: وجد رجل من المسلمين بعيرا له في المغنم قد كان أصابه المشركون فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن وجدته في المغنم فخذه وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن" 2، وحديث ابن عمر أنه ذهب فرس له فأخذها فظهر عليهم المسلمون فردت عليه في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - 3، ولأنه على أصل ملكه 4 لم يزل عنه بقسم ولا بإسلام من هو في يديه وقد زالت شبهة الملك عمن كان يزيده بعوده إلى المغانم فكان ملكًا لصاحبه.
وإنما شرطنا أن يعلم ذلك ببينة لأن الظاهر أنه من أموال الكفار وأنه بين المسلمين في جملة الغنائم ومدعيه يزعم أنه هو مستحق 5 له دونهم بأصل الملك وأنه لا يستحق قسمة فلا يقبل منه إلا ببينة.
فصل [15 - إذا قسم ملكه لم يكن له إلا بالثمن]: وإنما قلنا إنه إذا قسم لم يكن له إلا بالثمن للحديث الذي رويناه وفيه: "فإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن" 6 وهذا نص، ولأنه لما جاز أن يملك

المسلم على الكافر بالقهر والغلبة جاز أن يملك الكافر عليه بمثل ذلك، ولأن قسم الإِمام قد قطع حق صاحبها منها مع تقدم شبهة يد الكافر عليها, ولأن من حصلت يزيده بالقسم أخذها بحق سهمه 1 بحكم الإِمام فلو قلنا أنها تؤخذ منه بغير بذل لأدى ذلك إلى بطلان 2 حقه من الغنيمة لأن الإِمام لا يغرمه له ولا يقدر أن يرجع به على الغانمين.
فصل [16 - إذا بذل الثمن كان أولى به]: وإنما قلنا إنه إذا بذل الثمن كان أولى به ممن حصل في يده لأنه مقدم عليه 3 بحرمة تقدم الملك ولأنه إذا أعطاه الثمن 4 صار الثمن كأنه هو المستحق وفي الحديث "فأنت أحق به بالثمن" 5. مسألة [17 - الأكل من الغنيمة]: ويجوز للعسكر أكل الطعام وذبح الماشية وأخذ العلوفات قبل القسم ولا يحاسبون به في الغنيمة 6 لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك 7، ولم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - أنكر ذلك 8 عليهم ولا أحد من الأئمة بعده ولا أنهم تشاحوا في طعام ولا علوفة، ووصى أبو بكر الصديق 9 رضي الله عنه بذلك يزيد بن أبي

سفيان 1 قال: لا تذبحن شاة إلا لمأكلة 2 ولأن بالعسكر حاجة إلى ذلك لهم ولخيلهم ولو منعوا منه لضاق بهم ولاحتاجوا إلى 3 الشراء أو استعداد ما يكفيهم إلى آخر الحرب من دار الإِسلام وذلك باطل.
فصل [18 - فيمن يسهم له في قسم الغنائم]: ومن مات واصلا 4 في أرض العدو وقبل القتال فلا سهم له ومن جاء بعد انقضاء الحرب فلا سهم له وإن حضر القتال فقاتل أو كثر أسهم له يعني إلى انقضاء الحرب أو قاتل ومات ويأخذ ورثته سهمه، وإن حضر مريضا لا يمكنه القتال متى انقضت فله سهمه 5. فصل [19 - فيمن مات قبل القتال]: وإنما قلنا من مات قبل القتال فلا سهم له لأنه لم يحصل منه قتال ولا حضور لسببه فيكثر ولا أثر فيه 6 يفعل أصلًا فكان بمنزله أن يموت في دار الإِسلام، ولأن القتال سبب الغنيمة دون الخروج لأنه قد يلقى العدو إذا خرج وقد لا يلقاه.
فصل [20 - فيمن جاء بعد انقضاء الحرب]: وإنما قلنا إن من جاء بعد انقضاء الحرب فلا سهم له خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن المدد إذا جاء بعد تقضى الحرب والغنيمة لم تحمل إلى دار الإِسلام فإنه يسهم له وإن حملت إلى دار الإِسلام لم يسهم له 7، لقوله تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ 1 فجعل بما في الغنيمة لمن غنمها ومن جاء بعد تقضى الحرب فلم يغنم شيئًا فلم يكن له، وروي (الغنيمة لمن شهد الوقيعة) 2 وأظن بعضهم رفعه، ولأنه لم يحضر الحرب ولم يحصل منه قتال (فأشبه إذا جاء بعد الغنيمة ولأن من جاء بعد انقضاء الحرب ولم يحصل منه قتال) 3 ولا معاونة عليها فأشبه من جاء بعد عودة الناس إلى دار الإسلام.
فصل [21 - يسهم لمن شهد القتال قاتل أو لم يقاتل]: وإنما قلنا إن من شهد القتال فله سهمه قاتل أو لم يقاتل فلأنه حضر سبب الغنيمة وهو القتال، ولأنه ليس كل الجيش يقاتل لأن ذلك خلاف مصلحة الحرب لأنه يحتاج أن يكون بعضهم في الردء 4 وبعضهم يحفظون السواد وبعضهم في العلوفة على حسب ما يحتاج إليه في الحرب، فلو قلنا أنهم يقاتلون كلهم لم يستمر على ما بيناه، (ولو قلنا إنه لا يستحق إلا من قاتل لكان كل الجيش يقاتلون فيبطل التدبير) 5، ولذلك قلنا أن المريض يسهم له لأنه قد شهد الوقعة 6 وحصل منه التكثير، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ 7، أي كثروا 8.

فصل [22 - سهم المقتول في أول الحرب]: وإنما قلنا إن له سهمه وإن قتل في أول الحرب لأنه قد استحقه بالقتال والحضور، فإن بقي كان له وإلا فلورثته لأنّه حق تركه فوجب أن يورث عنه.
فصل [23 - السهام للأجراء والصناع في الحرب إذا لم يقاتلوا؟]: ولا يسهم للأجراء والصناع المتشاغلين باكتسابهم 1 خلافًا لمن قال: إنه يسهم لهم 2 لقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 3 ففرق بين حكميهما 4، ولأنه لم يحصل منه المعنى الذي يستحق به السهم وهو القتال والتكثير والمعاونة لأنه إنما حضر لخدمة من استأجره أو لغرض من الأغراض 5 غير القتل فلم يستحق السهم.
فصل [24 - الأجير يقاتل]: فأما من قاتل فله سهمه خلافًا لمن قال لا سهم 6 له أصلًا 7 لأنه ممن خوطب بالجهاد فإذا قاتل أسهم له كغير الأجير، ولأنه ليس في كونه أجيرا أكثر من أنه عوض على منافعه وذلك لا يمنع السهم له إذا قاتل كالذي يحج عن غيره 8 ومعه تجارة أو يؤاجر نفسه للخدمة لأن ذلك لا يمنع صحة الحج.
فصل [25 - هل يسهم للعبد والمرأة والصبي؟]: ولا يسهم لعبد ولا امرأة ولا صبي لأن هؤلاء فرض الجهاد ساقط عنهم فلم

يسهم لهم 1 ولا بأس أن يرضخ 2 للمعاونة الحاصلة منهم فأما الصبيّ المراهق إذا أطاق القتال فيسهم له عندنا 3 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4 لحديث سمرة ابن جندب 5 قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض عليه غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم فعرضت عليه عامًا فألحق غلامًا وردني فقلت يا رسول الله: ألحقته ورددتني ولو صارعني لصرعته قال: فصارعني فصرعته فألحقني 6، ولأنه قد وجد فيه ما يوجد في البالغ من القتال والمكابدة للعدو وهو من الجنس الذي يسهم له فكان كالبالغ.
فصل [26 - سهم الفارس والفرس]: للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه 7 خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن له سهمين 8 لما رواه ابن عمر (أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يسهم للخيل للفرس سهمين وللفارس سهما) 9، ورواه ابن عباس 10 وغيره، ولأن الفارس لما زيد على الراجل لكثرة مؤونته وكانت مؤونة الفرس أكثر من مؤونة فارسه فوجب أن يزاد له أيضًا بمثل ما له زيد فارسه على الراجل.

فصل [27 - سهم الراجل]: وللراجل 1 سهم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك أسهم له وأضعف للفارس والفرس، ولأن ذلك يوجب المساواة إلا أن يكون هناك معنى يقتضي الزيادة وليس ذلك بالفرس وقد ذكرناه.
فصل [28 - فيمن كان له عدة أفراس]: وإذا كان له عدة أفراس لم يسهم إلا لواحد 2 خلافًا لأبي يوسف وغيره 3 في قوله: إنه يسهم لفرسين ولا يسهم لما زاد عليهما ولابن الجهم 4 من أصحابنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسهم إلا لواحد في حروبه كلها، وكذلك الأئمة بعده، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد وما زاد على ذلك رفاهة وزيادة لا يؤثر في زيادة السهمين كالذي معه زيادة سيوف أو رماح واعتبارا بالثالث والرابع.
فصل [29 - الإسهام للهجن والبراذين]: والهجن 5 والبراذين 6 إن أجازها الإِمام أسهم لها 7 لأنها في جنس الخيل = وقال الترمذي: روى الحديث عن ابن عباس وجمع من جارية، وابن عمرة عن أبيه ذكر ذلك الترمذي في سننه: 4/ 105.

العتاق وتولدها، وإنما شرطنا إذن الإِمام لأن الإنتفاع بها يختلف بحسب المواضع فالهجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعرة كالشعاب والجبال والعتاق 1 تصلح للمواضع التي يأتي فيها الكر والفر فكان ذلك متعلقا برأي الإِمام، والعتاق خيل العرب والهجن والبراذين خيل الفرس والروم.
فصل [30 - الإسهام للبغل والحمار والبعير]: ولا يسهم لبغل ولا حمار ولا بعير 2 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "للفرس سهمان 3 " فخصه بالإسهام، ولأنه لم ينقل عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - أسهم لما سوي الخيل ولا الأئمة بعده، ولأنه لا يتأتى القتال عليها ولا تصلح للكر ولا للفر وإنما تصلح للحمولة.
فصل [31 - في قسمة غنيمة السرية]: إذا خرجت سرية 4 من عسكر فغنمت بينهما وبين بقية العسكر، وإن خرجت من بلد لم يقسم لأهل البلد معهم 5، والفرق بين الموضعين أنها إذا خرجت من جملة عسكر فبقية العسكر ردء لها وعون فبقوتهم وصلت إلى الإنفراد لأنه لو دهمها أمر لأمدها بقية العسكر ولولا أنهم خلفها لما أقدمت على التقدم والإنفراد، وليس كذلك إذا خرجت من بلد لأن أهل البلد ليسوا عونا لها حينئذ ولا ردءًا بدليل أنه لو دهمها أمر لم يصل أهل البلد إلى معونتها ولا انتفعت بهم بانقطاعهم عنها فإذا كان كذلك وجب انفرادها بما غنمت.

مسألة [32 - غنيمة أموال أهل الحرب]: ما غنم من أموال أهل الحرب على وجهين: منه مغنوم بقتال أو إيجاف 1 عليه بخيل أو ركاب فهذا يخمس فيكون خمسه للإمام وأربعة أخماسه للغانمين 2 والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 3 فدل على أن أربعة أخماسه للغانمين، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس" 4 فدل أن الباقي لهم.
ومنه مغنوم بغير إيجاف ولا حاجة إلى قتال وذلك هو ما ينجلي عنه أهله ويتركونه رهبة 5 وفزعا فهذا لا يقسم بل يصرف جميعه في مصالح المسلمين وحكمه حكم الخمس من الغنيمة خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه يخمس 6 والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ 7 فأخبر تعالى بأن استحقاقهم القسم لا يكون إلا بإيجافهم، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - لما نزل علي بني النضير فزعوا وجعلوا ينقبون الحصون ويهربون وحاز هو - صلى الله عليه وسلم - الديار بما فيها فانتظر المسلمون القسم بينهم فنزلت هذه الآية 8.

فصل [33 - حكم الفيئ والخراج والجزية]: الفيئ 1 وخمس الغنيمة والخراج 2 والجزية 3 حكم كله واحد لا يخمس شيء منه بل يأخذ الإِمام من كفايته وعياله 4 بغير تقدير بل لو احتاج إلى جميعه لأخذه 5 ويصرف الباقي في مصالح المسلمين من بناء القناطر والمساجد وعمارة الثغور وأرزاق القضاة على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده، (ويعطى من قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يؤديه اجتهاده) 6، وقال أبو حنيفة: يقسم خمس الغنيمة على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل، قال وسهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سقط بموته 7 , وقال الشافعي يقسم خمسة أخماس 8: سهم للنبى - صلى الله عليه وسلم - ويصرف اليوم في مصالح المسلمين وسهم لذوي القربى غنيهم وفقيرهم، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل 9. وحكى عن طاوس وغيره زيادة سهم سادس وهو ما ينصرف إلى عمارة الكعبة 10، فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس

مردود فيكم" 1، ولم يقل أن خمس الخمس مردود فدل على أن ما زاد على قدر كفايته منه ينصرف في مصالح المسلمين، ولأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضوان الله عليهم قسموا الخمس 2 على الاجتهاد 3. وروي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما 4 كانا لا يعطيان من سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا الفقراء 5 وأن عمر بن الخطاب تلى قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ..﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ 6 فقال: إنَّ 7 هذه الآية قد استوعبت الناس كلهم حتى الراعي بعدن 8. وروي أن عليا دخل على عمر رضي الله عنهما في المرض الذي مات فيه فأعطاه سهم ذوى القربى فقال على رضي الله عنه: أن بناء العام غنى عنه وبالناس 9 حاجة فاقسمه فيهم 10، ولأنه نصيب من الخمس فجارٍ صرفه إلى الفقراء ومصالح المسلمين اعتبارا بما عدى خمسه عليه السلام، وأما عمارة الكعبة فلم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الأئمة أن لها سهما مقدرا فكانت كسائر المصالح إن احتيج إلى عمارتها أنفق عليها بقدر الحاجة.

مسألة [34 - في الأسارى]: الإِمام في الأسارى مخير بين أشياء 1: إما قتلهم أو استرقاقهم أو فدائهم أسارى إن كانوا في أيدي العدو من المسلمين، أو منَّ عليهم وأطلقهم بغير شيء، أو عقد ذمة على أداء الجزية في بلادنا فإذا لم يقتلهم فبأي وجه 2 رآه من هذه الوجوه فقد حصل لهم معه الأمان فلا يجوز بعده قتلهم.
فصل [35 - جواز قتل الأسارى]: فأما جواز قتلهم فلا خلاف فيه 3 إلا ما يحكى عن بعض التابعين 4، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ 5 قيل بالقتل الكثير 6، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ 7، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - قتل جماعة من الأسارى منهم عقبة والنضر بن الحارث وغيرهما 8، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في الفجاءة: وددت أني لم أحرقه وكنت قتلته سريحا أو أطلقته نجيجا 9، وقتل

أبو موسى الأشعرى دهقان السوس 1 وكان أعطاه الأمان على جماعة لم يدخل نفسه فيهم وليس في ذلك خلاف يعتمد عليه.
فصل [36 - في استرقاق الأسارى]: فأما جواز استرقاقهم فلأنهم جنس مشركون فجاز استرقاقهم إذا رآه الإِمام كالنساء والعبيد والصبيان، ولأنه ليس في كونهم رجالا بالغين إلا خيفة المقاتلة وذلك لا يمنع استرقاقهم كالصبيان إنه يخاف منهم المقاتلة بعد الكبر ثم لا يمنع ذلك استرقاقهم.
فصل [37 - استبقاء الأسرى على أداء الجزية]: فأما جواز استبقائهم على أداء الجزية وكونهم أحرارا فاعتبارا، بمن جاءنا ابتداء وسأل عقد الذمة له، ولأن ذلك موجب الظاهر من قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 2 وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأمرائه: "فإن أبوا فادعهما إلى أداء الجزية 3 " 4، ولأنهم لو بذلوا ذلك قبل القدرة عليهم لقبلناهم فكذلك بعدها.
فصل [38 - المفاداة]: وأما جواز المن عليهم 5 أو المفاداة 6 بهم خلافًا لأبي حنيفة في منعه الأمرين 7، فلقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ 8، وهذا نص ولأنه = أنه أسلم فجهزه أبو بكر بجيش فلما سار جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله (انظر قصة الفجاءة في البداية والنهاية: 6/ 344).

  • صلى الله عليه وسلم - إذ أراد قتل أبي عزة الشاعر لما أسر ببدر فقال له أطلقني فإني ذو عيال فأطلقه على أن لا يرجع إلى القتال فمضى إلى المشركين وقال سخرت من محمَّد ثم عاد فقاتل فأخذ فطلب أن يطلق فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يلسع المؤمن من جحر مرتين" وقتله بيده 1 وسئل في ثمامه بن أثال 2 فمن عليه 3، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لو كان مطعم حيا فسألني في هؤلاء لأطلقتهم له" 4، وأما المفاداة فلقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ 5، وبفعله - صلى الله عليه وسلم - بأسارى بدر أطلقهم على مال أخذه منهم 6، وأطلق أسيرا من عقيل وفادى به رجلين من أصحابه كانا أسيرين من ثقيف 7. فصل [39 - الأمان]: وإنما قلنا إن كل ذلك يتضمن الأمان لأنه لا يفعل إلا مع الاستبقاء فلم يجز قتلهم من بعد لأنّه قد يكون غدرا، والغدر ممنوع غير جائز لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ 8، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ينصب للغادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان" 9.

فصل [40 - أمان المسلم]: أمان الحر المسلم العاقل البالغ لازم لا يجوز نقضه ذكرا كان أو أنثى 1، وقال عبد الملك أمان من سوى أمير الجيش موقوف على إجازته: فإن رأى أن يمضيه وإلا رده 2، وجه الأول قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ويسعى بذمتهم أدناهم" 3 وهذا عام، لأن أم هانئ 4 أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح فقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" 5 وكذلك العباس 6 مع أبي سفيان أجاره بغير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكر عليه 7، ووجه الثاني هو أنه لا يؤمن أن يكون في ذلك ضرر على المسلمين فكان موقوفًا على رأي الإِمام، ولأنهم لو رأوا استرقاق الأسارى أو المن عليهم وأباه الإِمام لكان ذلك إليه فكذلك الأمان، ولأن في ذلك افتياتا على الأئمة وتقدما عليهم وذلك غير جائز.
فصل [41 - آمان العبد]: آمان العبد جائز أذن له سيده في القتال أو لم يأذن 8 خلافًا لأبي حنيفة في

قوله أنه إن لم يأذن له لم يجز أمانه 1 لقوله: "ويسعى بذمتهم أدناهم" وروي "ويجير عليهم أدناهم" 2، ولأن صحة الأمان لا يتعلق بالإذن في القتال كالحر إذا لم يأذن له الإِمام في القتال.
فصل [42 - أمان الصبي]: والصبي إذا عقد الأمان جاز أمانه عند ابن القاسم 3 لأنه ممن يعقل الأمان كالبالغ.
فصل [43 - قتل النساء والصبيان]: ولا يقتل النساء ولا الصبيان 4 لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ 5، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل النساء ولا الصبيان وقال: "لا تقتلوا طفلا أو امرأة" 6، ولأنهم أموال ورقيق للمسلمين.
فصل [44 - قتل الرهبان والشيوخ]: فأما الرهبان والشيوخ الهرماء 7 فلا يقتلوا إلا أن يكون في تبقيتهم ضرر على الإِسلام مثل أن يكونوا من ذوي الرأي والتدبير والمشورة فإن قتلهم جائز 8 وقال الشافعي يقتلون وإن لم يكن فيهم ضرر 9 ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تقتلوا شيخا

فانيا" 1، وقوله: "ولا تقتلوا أهل الصوامع" 2 وروي مثله عن أبي بكر الصديق 3 رضوان الله عليه 4 ولا مخالف له، ولأنه لا فضل فيهم للقتال ولا ضرر في تبقيتهم على المسلمين كالنساء والصبيان.
فصل [45 - في الرهائن]: وإذا ارتهن المسلمون من المشركين رهائن فأسلموا وهم في أيدينا رددناهم ولم يجز لنا حبسهم 5 خلافًا لمن أبي ذلك لأن في منع ردهم غرر بهم وذلك غير جائز، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - صالح المشركين يوم الحديبية على أن من أتاه منهم رده إليهم ومن أتاهم منا لم يردوهم فكلمه عمر رضي الله عنه في ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم -: "من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم إلينا فرددناه جعل الله له مخرجا" 6، ولأنا إذا لم نرد رهائنهم لم نؤمن غدرهم بالمسلمين لأنهم أيضًا يهتمون 7 بالرهائن ما داموا على دينهم، ومراعاة العامة أولى من رعاة الواحد والاثنين، وقد فعل - صلى الله عليه وسلم - ذلك مع أبي رافع 8 لما جاءه رسولا لهم فأسلم فقال له: ارجع

إليهم 1، ورد أبا جندل 2 وأبا بصير 3 يمشيان في قيودهما وجاءاه مسلمين وقال: "سيجعل الله لكما فرجا ومخرجا" 4. فصل [46 - فيمن أسلم على وجه الصلح وله أرض]: ومن أسلم على وجه الصلح فأرضه ملك له لا يعترض عليه فيها كسائر أملاكه، ومن فتحت أرضه عنوة فهي مغنومة لا يكون أحق بها كسائر الأموال المغنومة عنهم 5، فإن كانت عامرة ووجد الإِمام من يسكنها من المسلمين ويؤدى خراجها تركها وقفا للمسلمين ولم يقسمها كأرض السواد خلافا لمن يقول أنها تقسم 6 لإخبار الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ...﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ 7 وبذلك احتج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أن هذه الآية مستوعبة لجميع المسلمين حتى الراعي بعدن 8، وطولب بقسمتها فامتنع فلج به بلال فقال: اللهم اكفني بلالا وذوي بلال 9، ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ذلك، وتلاه عثمان وعلي رضي الله عنهما على مثله 10، ومع ذلك فإن رأي الإِمام في وقت من الأوقات قسمتها رأيا لم يمتنع أن

يقال له ذلك فيما يفتحه من بعد، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غنم غنائم وأراضي لم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر 1، وهذا إجماع السلف والله أعلم.
(تم كتاب الجهاد ولله الحمد) 2. ...

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل