المعونة على مذهب عالم المدينةصفحات 757-796
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به

صفحات 757-796
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يكن للولي الامتناع من إنكاحها ولا اعتراض بالفسخ إن كان زَوَّجها ولي غيره 1، خلافًا لأبي حنيفة في قول: أن مهر المثل من الكفاءة 2، لأن كل من لم يكن له الاعتراض عليها في جنس المهر لم يكن له الاعتراض في مبلغه أصله ابن الأخ مع وجود الأخ، ولأنها حرة رشيدة لها التصرف في بدل منافعها فواجب أن لا اعتراض عليها في مالها أصله إذا أجرت نفسها للخدمة بأقل من أجره مثلها.
فصل [12 - نكاح الشغار]: نكاح الشغار 3 باطل 4 وصورته: أن يقول: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، فيجعل بضع كل واحدة مهرًا للأخرى من غير أن يذكرا مهرًا سواه، فهذا باطل يفسخ قبل الدخول وبعده، ولا يصح بوجه في المماليك ولا الأحرار نحو قوله: زوجني أمتك على أن أزوجك أمتي على أن لا صداق بيننا فهو كقوله في الحرائر: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي ولا مهر بينهما في أن العقد مفسوخ 5 في الجميع، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه يصح ويلزمه فيه مهر المثل 6، لما رواه ابن عمر: "أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن نكاح الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته ويزوجه الآخر ابنته ولا مهر بينهما" 7

فإن كان هذا التفسير مثله صلى الله عليه وسلم فهو غاية المراد، وإن كان من الصحابي فهو أولى من تفسير غيره، ولأنه ملك بضع ابنته لشخصين الرجل وابنته، وذلك يوجب فساد العقد لأن المهر يجب أن يكون ملكًا للمنكوحة فصار كما لو قال لرجلين: زوجت ابنتي لكل منكما، ولأنه عقد جعل فيه المعقود له معقودًا به فلم يصح أصله إذا قال لعبده زوجتك ابنتي على أن تكون رقبتك مهرًا، ولأنه عقد شرط فيه المعقود به لغير المعقود له فلم يصح أصله إذا قال: بعتك عبدي هذا على أن يكون ملكًا لزيد.
فصل [13 - إذا سمي مهرًا لهما أو لأحدهما في نكاح الشغار]: فإن سمى مع ذلك مهرًا لهما أو لأحدهما صح النكاح في التي سمى لها المهر، ووجب صداق المثل؛ لأنه لم يعقد على ما لا يصح أن يكون مهرًا وإنما ضم إلى المهر ما لا يصح أن يكون عوضًا في العقد فوجب فساده والرجوع إلى صداق المثل.
فصل [14 - في نكاح المتعة]: نكاح المتعة 1 باطل 2: وهو "العقد المؤقت بأجل" خلافًا للمبتدعة 3 لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عنه يوم خيبر 4، وقيل: يوم حنين 5، وفي حديث الربيع بن سبرة 6 عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا إن الله

حرمها" 1، ولأنه عقد معاوضة مؤبدة فلم يصح مؤقتًا أصله البيع، ولأن خصائص النكاح لا تثبت فيه مثل الظهار والطلاق والتوارث فلو كان صحيحًا لتعلقت به كسائر الأنكحة الصحيحة ولأنه يقف الوطء على مدة مقدرة كما لو استأجر امرأة ليطئها شهرًا.
فصل [15 - في الخطبة على الخطبة في حالة عدم الركون]: الخطبة على خطبة الغير لها حالتان: حال تجوز فيها، وحال تمنع 2، فأما حال الجواز فهي إذا لم تنعم 3 له وتركن إليه، بل ابتدأ الخطبة أو وعد وعدًا معلقًا من غير إجابة ولا ركون، فجاء غيره فخطب، فإن هذا لا يمنع؛ لأن الناس لو منعوا من أن يخطبوا من قد خطبت أو روسلت أو كلمت لشق عليهم وضاق وأدى إلى أن لا يخطب أحدًا امرأة إلا بعد أن يسأل ويبحث هل راسلها غيره أو ابتدأ خطبتها، وفي ذلك من الضيق والحرج ما يوضع عن الناس ولا يؤخذون به، وبمثله وردت السنة في حديث فاطمة بن قيس 4 لما جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلمته أن أبا جهم 5 ومعاوية 6 خطباها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن انكحي أسامة بن زيد" 7، فلم ينكر اجتماعهما عليها في الخطبة وخطب

عليها لآخر، ومثله حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما خطب امرأة لابنه عبد الله ولمروان 1 وغيره، ثم خطبها لنفسه معهم فقالت المرأة: أجاد أمير المؤمنين أم هازل؟ قال: بل جاد، فقالت: قد أنكحتك" 2، فاستجاز عمر لنفسه أن يخطبها معهم لما لم يكن من جهتها إنعام لواحد منهم ولا إجابة ولا ركون ولا وعد لتقرير فدل على ما قلناه.
فصل [16 - في الخطبة على الخطبة في حالة الركون]: الحالة الثانية: أن تنعم المرأة وتجيب وتركن إلى الخاطب ويتمهد 3 الأمر بينهما ويشترط كل واحد منهما على الآخر ما يريده ولم يبق إلا العقد أو قريب منه، فهذه الحال التي يمنع فيها أن يخطب الغير على خطبة من قد انتهى إليها 4 فمتى خطب وعقد له عليه فالعقد غير صحيح ويفسخ على الظاهر من المذهب 5 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 6، ولمن ذهب إلى خلافه من أصحابنا 7، لنهيه - صلى الله عليه وسلم - أن يخطب الإنسان على خطبة أخيه 8، والنهي يقتضي الفساد، ولأن هذا ذريعة إلى الإفساد على الناس وإدخال الأذى عليهم لأنه لا

يشاء أحد أن يفسد على غيره ويؤذيه إلا تركه يخطب ويبعث ويجتهد حتى إذا لم يبق إلا الفراغ جاء فأفسد عليه، فوجب حسم الباب بإبطال ما أدى إلي هذا من الفعل ليرتدع من يفعل ذلك على ألا يعود لمثله كما وجب مثله في التلقي 1 وغيره.
فضل [17 - النكاح على صداق مجهول]: يجوز النكاح على عبد مطلق أو وصيفة مطلقة غير موصوفة ولا معينة، ويجب الوسط من رقيق ذلك البلد، وكذلك على جهاز بيت ويكون لها الوسط من جهاز أهل الحضر أو البادية إن كانت بدوية أو حضرية 2، وقال محمَّد بن عبد الحكم: لا يجوز إلا على معلوم مقدور وهو قول الشافعي 3، ودليلنا قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 4، وقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 5 فعم، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما تراضى عليه الأهلون" 6، ولم يفرق، ولأن النكاح لما لم يكن المقصود منه المعاوضة المحضة، وإنما القصد به المكارمة والمواصلة دون العوض بدليل أنه لا يفسد بفساد العوض ولا بعدم ذكره في العقد بخلاف ما يكون المقصود منه العوض كالبياعات وغيرها مما يقصد به المكايسة والمتاجرة، جاز أن يسقط تعيينه 7، وصفته: إذا كان هناك طريق يوصل إليه غيره كما جاز لهذا المعنى السكوت عن ذكره جملة عند العقد.

فصل [18 - اشتراط المنكح حباء على الخاطب]: إذا شرط المنكح حباء 1 على الخاطب، فإن كان في العقد وعليه وقع العقد، فهو لاحِقٌ بالصداق لأن العقد وقع عليه واستحل البضع بالصداق وبه، فإن طلقت قبل الدخول رجع الزوج بنصفه كالصداق، وإن كان ذلك بعد تمام العقد وانبرامه كأنه قال: زوجني على مائة دينار، فقال: قد زوجتك عليها، فقال: الخاطب قبلت، ثم قال له الولي من بعد فبماذا تحبوني؟ قال: بكذا وكذا، فهذا يكون للولي خاصة لا رجوع فيه للزوج ولا للمرأة 2؛ لأن ذلك جعل من الزوج للوكيل أو هبة له مستأنفة لم يقع العقد عليها، وكذلك إن كانت الهبة للمرأة أو لبعض أهلها بعد استقرار النكاح غير مشترطة في العقد.
فصل [19 - إذا تزوجها على صداق مسمى ثم زادها عليه]: فأما إن تزوجها على صداق مسمى ثم زادها في الصداق بعد تمام العقد وانبرامه ثم طلقها قبل الدخول رجع بنصف الزيادة كالصداق الأصلي، فإن مات قال ابن القاسم: لا شيء لها من الزيادة وجعلها 3، كالعطية إذا مات المعطي قبل أن تقبض.
وقال الشيخ أبو بكر وغيره من أصحابنا: القياس يجب أن لها الزيادة بالموت قالوا: لأنه لا يخلو أن تكون الزيادة حكمها حكم المهر أو الهبة التي لا تستقر إلا بالقبض، فإن كانت كالمهر 4 وجب استحقاقها بالموت كالمهر، وإن كانت كالهبة وجب أن لا يجب لها نصفها بالطلاق قبل الدخول لتأخر القبض، فلما وجب نصفها دل على أنها في حكم الصداق 5.

فصل [20 - نكاح التفويض]: نكاح التفويض جائز 1 وصفته: أن يعقدا النكاح ولا يذكرا صداقًا، فالزوج بين ثلاثة 2 خيارات: إما أن يتراضيا على مهر يفرضانه أو يفرضه أحدهما ويرضي به الآخر فيجوز ذلك، أو أن يبذل المثل ويدخل ولا يعتبر رضاها ها هنا، أو أن يطلق ولا يلزمه صداق وليستحب له أن يمنع ومن مات منهما قبل الدخول والفرض 3، فللآخر الميراث دون الصداق.
فصل [21 - أدلة جواز نكاح التفويض]: وإنما قلنا: إن نكاح التفويض جائز لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ 4 فأباح الطلاق مع عدم الفرض والمسيس، والطلاق المباح لا يكون إلا في نكاح صحيح ولا خلاف فيه، ولأن النكاح لما كان طريقه المواصلة والمكارمة دون المغابنة والمكايسة جاز فيه من التسامح ما لم يجز في البيوع، وإنما قلنا: أنهما إن تراضيا على شيء من بعد جاز وكان صداقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أدوا العلائق"، قيل: وما العلائق يا رسول الله؟ قال: "ما تراضى عليه الأهلون" 5، ولأن الحق فيه لا يخرج عنهما فيما زاد على حق الله تعالى الذي لا يجوز تراضيهما على إسقاطه وهو أقل المهور، فما تراضيا 6 به من شيء يجوز أن يكون عوضًا جاز.
فصل [22 - إذا لم يتراضيا على شيء مقدر في نكاح التفويض]: وإنما قلنا: إنهما إذا لم يتراضيا على شيء مقدر كان له أن يدخل بعد بذل

صداق المثل من غير اعتبار برضاها، وكذلك لو دخل بها ابتداء لأنه قد ملك الاستباحة بالعقد فليس عليه أكثر من بذل قيمة البضع، وإنما لم نعتبر 1 رضاها لأنها لما ملكته الاستباحة قبل التسمية كان ذلك رضا منها بفرضه أو بقيمة بضعها.
فصل [23 - إن طلق قبل الدخول والتسمية]: وإنما قلنا: إنه إن طلق قبل الدخول والتسمية فلا مهر عليه، لأن المهر لا يستحق إلا بدخول أو بموت بعد تسمية وقد عدما، وأما المتعة فنذكرها 2 فيما بعد.
فصل [24 - إيجاب التوارث إن حصل موت قبل الفرض في نكاح التفويض]: وإنما أوجبنا بينهما التوارث إن حصل موت قبل الفرض؛ لأن النكاح صحيح والتوارث واجب في العقد الصحيح، وإنما قلنا: لا يجب صداق المثل 3 بالموت 4 خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي 5 أنه يجب لها مهر المثل، لأنها ماتت قبل الفرض والدخول، فلم تستحق مهر المثل أصله مع أبي حنيفة الكتابية، ومع الشافعي إذا طلقت قبل الدخول.
فصل [35 - تزوجها على حكمه أو حكمها أو حكم فلان]: يجوز أن يتزوجها على حكمه أو حكمها أو حكم فلان 6 خلافًا لعبد الملك

لأنه ليس في ذلك أكثر من تقدر الصداق في ثاني حال 1، فهو في معنى التفويض.
إذا ثبت جوازه نظر، فإن فرض من رد الحكم إليه منهما أو من غيرهم فرضيًّا به جاز ولزم، وإن لم يتراضيا به فالخيار إلى الزوج إن شاء فرض صداق مثلها ولزمها، وإن شاء طلق ولا مهر عليه كالتفويض هذا إذا تزوجها على حكمه أو حكم أجنبي.
فأما إن لزوجها على حكمها، فلم يتراضيا على شيء فاختلف أصحابنا: فمنهم من قال: إن بذل لها صداق المثل لزمها كالتفويض، وهو قول ابن عبد الحكم وأصبغ وأحد قولي ابن القاسم، ومنهم من قال: لا يلزمها الرضا بصداق المثل بخلاف التفويض وهو قول أشهب وقول ابن القاسم الآخر.
ووجه القول بأن ذلك يلزمها اعتباره بنكاح التفويض بعلة أنه عقد سكت فيه عن العوض ليوقع فيما بعد ولتحكم الغير بعلة عدم الرضا بالحكم لو 2 علق بحكم فلان، ووجه القول بأنه لا يلزمه فلأن الحكم توجه إلى جهة 3 فلا يلزمها الرضا بحكم غيرها، كما لو علق بحكم فلان، ولأن تعليق الرضا بحكمها إنما هو احتراز من أن تلزم بما لم ترض به فلو كان ذلك يلزمها لم ينفعها اشتراطها شيئًا.
فصل [26 - إذا أعتق أمته على أن تزوجه من نفسها]: إذا أعتق أمته على أن تزوجه من نفسها 4، فإن أبت لم يلزمها ذلك 5 خلافًا لقوم 6 لأن الإجبار ساقط عنها بعدم الرق والولاية، فكان لها الخيار.

فصل [27 - من أعتق أمَة على أن يكون عتقها صداقها]: ومن أعتق أَمَته 1 على أن يكون عتقها صداقها لم يجز ذلك لأن الصداق إنما يكون صداقًا إذا قارن العقد أو صادف عقدًا آخر 2، فأما تقدم عليه فلا يصح، والعتق ها هنا متقدم على العقد فلم يكن صداقًا.
فصل [28 - إذا خالعها قبل الدخول على مال تدفعه إليه]: إذا خالعها 3 قبل الدخول على مال تدفعه إليه ولها عليه صداق مسمى، فإن سميا أنه من الصداق جاز وسقط ذلك القدر من صداقها 4؛ لأنها قد أخذت عوضًا به وهو الطلاق الذي في مقابلته، وكان لها نصف الباقي لأنها على الأصل وجوب النصف لها، فإن نصا على أنه من عندها لزمها دفعه إليه من مالها، فلم يكن لها أن ترجع عليه بنصف الصداق لان دفع شيء من عندها يتضمن ترك حقها من الصداق، فإن لم يرض أن يطلقها إلا بشيء يأخذه منها، وأجابت إلى ذلك كانت عن شيء تأخذه منه أبعد، فإن سكتا فلا شيء لها من الصداق عند مالك وأكثر أصحابه، وقال أشهب: ترجع عليه بنصف الصداق، فوجه قول مالك: إن ظاهر سكوتها وإبهامها الخلع بمنزلة النص على أنه من عندها على ذلك هو الأصل ولا يصح إضافته إلى الصداق إلا بأن يعيناه نطقًا، وإذا كان كذلك تضمن سقوط حقها من الصداق كما لو نصت على أنه من عندها، ووجه قول أشهب إن الإبهام يقتضي تعلقه بالذمة ولا يفيد الإبراء من الصداق كالدين، وقول مالك أصح لأنها لو أرادت الرجوع بالنصف لم تلزم ذمتها شيء سواه.

فصل [29 - إذا وهبت له صداقها قبل القبض أو بعده]: ولو وهبت له صداقها قبل القبض أو بعده وهي جائزة الأمر ثم طلق قبل الدخول لم يرجع عليها بشيء 1 خلافًا للشافعي في قوله: إن له نصف قيمته 2؛ لأن بهبتها الصداق له قد صار ملكًا له، فلو استحق عليها بدل النصف لكان قد حصل له البدل والمبدل وذلك خلاف الأصول.
فصل [30 - امتناع تسليم المرأة نفسها حتى تقبض الصداق]: وللمرأة أن تمتنع من تسليم (نفسها حتى تقبض الصداق فإن سلمت نفسها ودخل بها وأرادت الامتناع من بعد حتى تقبض الصداق لم يكن لها ذلك خلافًا لأبي حنيفة 3، لأنه تسليم) 4، يستقر به البدل، فوجب أن يسقط حكم الامتناع كتسليم السلعة في البيع، ولأن تسليمها نفسها في الابتداء رضًا منها ببقاء المهر في ذمته وامتناعها بعد ذلك رجوع 5 فيما قد تركته.
فصل [31 - إذا انضم إلى النكاح عقد بيع]: إذا انضم إلى النكاح عقد بيع قال مالك وابن القاسم: لا يجوز، وقال أشهب: يجوز، وقال عبد الملك: إذا بقي بعد طرح قيمة البيع مقدار ربع دينار فأكثر جاز 6، وجه قول مالك: إن النكاح عقد مخصوص من سائر عقود المعاوضات بأحكام العوض لا يوجد في غيره من العقود، فوجب أن ينضم إليه عقد غيره كالصرف والقراض، ولأنه يجوز 7 أن يكون العوض في مقابلة البيع

فيعري البعض من عوض ويكون ذلك ذريعة إلى إباحة وإسقاط المهر واعتبارًا به إذا لم يبق قسط من العوض، ووجه قول أشهب: إنه ليس في ذلك أكثر من الجهالة بمقدار المهر، وذلك لا يمنع صحة العقد كما لو تزوجها على حكم زيد، ووجه قول عبد الملك: إن المنع خيفة أن يعرى النكاح من عوض، فإذا أمن ذلك جاز.
فصل [32 - الاختلاف في قدر الصداق]: وإذا اختلفا في قدر الصداق نظر: فإن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا وبدئت باليمين 1؛ لأنها أقوى سببًا؛ لأن الأصل معها: وهو أن منافع بضعها غير مملوكة عليها إلا بما تقر به أو يثبت ذلك 2 لمدعيه عليها، فإن حلفت قيل للزوج: إما أن تحلف ويسقط عنك الصداق الذي أدعته أو تكون بالخيار بين أن تدفع إليها ما حلفت عليه، فتدخل بها شاءت أو أبت وبين أن تطلق ولا يلزمك شيء أو أن تنكل فيلزمك ما حلفت عليه؛ لأنه قد اجتمع لها 3 سببان مؤثران في الحكم: يمينها ونكول الزوج، وهذا إن حلفت، فأما إن نكلت فيحلف الزوج ويكون له ما يدعيه، وإن كان بعد الدخول فالقول قول الزوج مع يمينه لقوة سببه بالتصرف فيما عقد عليه، ولأنها لما سلمت 4 نفسها من غير إشهاد عليه كان ذلك رضا منها بأمانته، فإن نكل حلفت فاستحقت ما ادعته وذلك مبني على اختلاف المتبايعين وهو مذكور في البيوع.
فصل [33 - الاختلاف في قبض الصداق]: وإن اختلفا في قبض الصداق فالقول قولها في ذلك قبل الدخول، فأما بعده

فينظر في البلد الذي هما فيه، فإن كان هناك عرف متقرر وغالب بدفع الصداق وأن الزوج لا يمكن من الدخول إلا بعد إيفائه: فالقول قول الزوج، وعلى هذا حمل أصحابنا إطلاق مالك رحمه الله الجواب في هذه المسألة 1؛ لأن العرف كذلك كان عندهم بالمدينة إلا أن يكون معها ذكر حق فيكون القول قولها؛ لأن العرف معه بتبقية ذكر الحق في يدها؛ لأن العرف جار بأخذه منها بعد إيفائه الحق وإنها لا تسلمه إلا إذا استوفته، وإن كان موضعهما لا عرف فيه متقرر فالقول قولها، وقال أبو حنيفة والشافعي: القول قولها جملة بغير تفصيل 2، فدليلنا قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ 3 فعم، ولأن اليمين في الأصل متوجهة على أقوى المتداعيين سببًا، والزوج في هذا الموضع أقوى سببًا لشهادة العرف له كما كان قبل الدخول القول قولها لقوة سببها عليه، وبالله التوفيق.


باب: [عيوب النكاح]

إذا وجد بالمرأة عيب يؤثر في المعنى المقصود بالنكاح ويمنع الالتذاذ واستيفاء الاستمتاع فالزوج بالخيار إذا علم بذلك قبل الدخول إن شاء ثبت على النكاح ودفع الصداق ودخل، وإن شاء فارق ولا صداق عليه 1، وهذه العيوب أربعة وهي: الجنون، والجذام 2، والبرص 3، وداء الفرج وهو: القرن 4، والرتق 5 وما في معناهما، وقال أبو حنيفة: لا ترد بشيء من ذلك 6، ودليلنا ما روي: أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوج امرأة من بني بياضة 7، فوجد بكشحها بياضًا فردها، وقال: "دلستم عليّ" 8، ولأن ذلك مروي عن عمر وعليّ 9

ولا مخالف لهما، وما يروي 1 عن ابن مسعود من قوله: لا ترد الحرة بعيب 2 محمول على ما عدى هذه العيوب، ولأن لا يسلك بها سبيل الأمة المبيعة، ولأنها عيوب تؤثر في استيفاء الاستمتاع المقصود وتنقص كمال اللذة فوجب أن يثبت معه الخيار إذا دخل على السلامة أصله الجب 3 والعنة، ولأنه عقد معاوضة فوجب أن يثبت فيه الخيار متى وجد الجنون في المعقود عليه كالبيع.
فصل [1 - لزوم المهر إذا ثبت على النكاح]: إذا ثبت أنه بالخيار على النكاح لزمه المهر كاملًا لأن الفسخ حق له، فإذا رضي بالعيب فقد أسقط حقه من الفسخ ورضي ببذل الصداق فكان له ذلك، كالمبتاع إذا وجد بالمبيع عيبًا، فإن فارق قبل الدخول فلا صداق عليه، لأنه دخل على السلامة، وأن يبذل الصداق مع التمكين من الاستمتاع، فإذا لم يقدر على ذلك لم يلزمه، ولأن الفسخ ها هنا من قبل المرأة لأن العيب المانع من الاستمتاع من جهتها، وإذا كان الفسخ قبل الدخول من جهة 4 المرأة لم تستحق شيئًا من الصداق.
فصل [2 - إذا لم يعلم الزوج بالعيب حتى دخل]: وإن لم يعلم بذلك حتى دخل فحق الخيار ثابت له؛ لأنه لم يوجد منه رضا به فلم يسقط خياره، ويدفع العوض من الاستمتاع لأنه لا يجوز أن يعري منه ثم ينظر فيمن غره فيرجع عليه بالمهر الذي سماه أو غيره مما يدفعه لأنه إن كان سمى مهرًا لزمه المسمى، وإن لم يكن سمى شيئًا فصداق المثل وإن كان الذي عقد له وليًّا يعلم منه أنه غره؛ وإن كان يعلم ذلك منها فدلسه عليه -مثل الأب في البكر أو الأخ- فإنه إذا أدى الصداق رجع عليه بجميعه، فإن كان ابن عم أو مولي أو

من العشيرة أو السلطان أو من لا يظن به علم ذلك لم يرجع عليه، ويرجع به على المرأة نفسها ويترك لها ربع دينار أو ثلاثة دراهم، خلافًا للشافعي في قوله: لا رجوع له على الولي ولا على المرأة على كل وجه 1، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "أيما رجل نكح امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقها، وذلك لزوجها غرم على وليها"، ونحوه عن عليّ - رضي الله عنه - 2، ولا مخالف لهما من الصحابة، ولأننا لو قلنا: إنه لا رجوع له عليها لألزمناه بذل العوض من غير أن يحصل له في مقابلته الاستمتاع الذي دخل عليه لأنه دخل على التأبيد لا على مرة واحدة.
فصل [3 - في تركه قدر ربع دينار نظير الاستمتاع]: إنما قلنا: إنه يترك لها قدر ربع دينار لئلا يخلو الاستمتاع من بذل، ولا يجوز أن يستباح الفرج بعقد نكاح إلا بعوض، وإنما قلنا: إنه إذا رجع به على الولي رجع بجميعه ولم يترك له 3 شيئًا أصلًا لأن المرأة يحصل لها المهر كاملًا: لأن الولي إذا غرمه للزوج لم يرجع به عليها فليس في ذلك غرر، ولا بد للاستمتاع من عوض يحصل للمرأة.
فصل [4 - العيب يكون بالرجل]: وللمرأة إذا وجدت ذلك بالرجل، من الخيار مثل ما للرجل 4، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 5، ولأن لها حقًّا في الاستمتاع، فإذا وجدت مانعًا منه أو من كماله كان لها الخيار كالرجل واعتبارًا بالجب والعنة، واختلف عنه في البرص، والصحيح أن الرد يثبت لها معه اعتبارًا بالجذام، وهذا

إذا وجد به 1 قبل الدخول وبعده، فإن اختارت الفسخ قبل الدخول، فالمهر له لأن الفسخ من قبلها، وإن كان بعد الدخول فلها المهر كاملًا لاستمتاعه بها ولاستقراره لها بالدخول.
فصل [5 - إذا تزوجا سليمين ثم حدث العيب]: إذا تزوجا سليمين ثم حدث لهما أو بأحدهما بعض هذه العيوب، فإن كان قبل الدخول نظر، فإن حدث بالمرأة فلا رد للزوج وهو بالخيار إن شاء دخل وكمل لها المهر، وإن شاء طلق ولزمه نصفه 2 خلافًا للشافعي 3، في أحد قوليه: إنه يطلق ولا يلزمه شيء، لأنه عقد على منفعة مستدامة غير موفية تتناول معقودًا عليه 4 سليمًا حين العقد، فلم يكن حدوث عيب في المستأنف موجبًا له الخيار، ولأنه لم يكن هناك تدليس ويفارق الإجارة لأنها مؤقتة محصورة، وإن كان بها ذلك بعد الدخول فلها المهر كاملًا وحكمه معها كحكمه لو لم يحدث بها شيء، وإن كان حدث ذلك بالزوج، فإن كان قبل الدخول فلها الخيار، ويبق أن تقيم معه أو تفارقه ولا شيء لها لأن الفسخ من قبلها، وإن كان بعد الدخول فخيارها ثابت، وقد استحقت الصداق كله بالدخول، والفرق بينها وبين الزوج في إثبات الخيار لها ونفيه عن الزوج فيما يحدث بعد العقد أنها لا تقدر على رفع العقد، فلو لم يثبت 5 لها الخيار لأدى ذلك إلى استدامة الضرر بها، والزوج بيده رفع العقد فلم يكن له خيار.
فصل [6 - العيوب التي لا ترد بها الزوجة]: ولا ترد إذا وجدت عمياء أو عوراء أو قطعاء أو سوداء أو محدودة أو ولد زنا

أو ما سوى العيوب الأربعة 1، وما في معناها 2؛ لأن كل هذه العيوب لا تمنع الاستمتاع ولا استيفاء المقصود بالعقد إلا أن يشترط السلامة فيكون له الرد ولا يلزم الولي إخباره بذلك ولا بأنها كانت 3 زنت أو قذفت، فحدت أو سرقت فقطعت؛ لأن كل ما لا يوجب له الرد لم يلزم الولي إخباره به كما لا يلزمه إخباره بأنها قد سافرت أو كان لها زوج قبله أو عدة أزواج، وما أشبه ذلك مما لا توجبه الولاية.


باب: [العيوب التي توجد بالزوج خاصة]

والعيوب التي توجد بالزوج خاصة تمنع الوطء وتوجب الخيار للزوجة أربعة وهي: الجب والخصاء والعنة والاعتراض، فالمجبوب هو المقطوع ذكره وأنثياه.
والخصي هو المقطوع منه أحدهما، فإن كان مقطوعهما كان مجبوبًا، وقد يسمى خصيًّا أيضًا إلا أن اسم الجب أغلب عليه، والعنين هو الذي له ذكر شديد الصغر لا يمكنه الجِماع ولا يأتي منه انتشار يولج به لصغره.
والمعترض هو الذي لا يقدر على وطء المرأة لعِلَّة تعترضه وهو بصفة من يمكنه الوطء، وربما كان قد وطيء قبل ذلك وربما اعترض عن امرأة ولم يعترض عن أخرى وأصحابنا يسمون هذا العنين تجوزًا 1، وتشبيهًا بالعنين الذي وصفناه وكذلك من تقدم من الصحابة والتابعين وحقيقة اسمه المعترض كذلك زعم ابن حبيب.
فهذا تزوجت المرأة على السلامة فوجدت به أحد هذه العيوب كان لها الخيار على الوصف الذي نذكره، أما المجبوب والخصي فلها الخيار بين أن تقيم معه أو تفارقه لعدم الاستمتاع منه؛ لأن لها حقًّا في الاستمتاع، فإذا عدم 2 منه لم تجبر على الرضا، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 3، ولأنه لو آلى منها لكان لها توقفه وتطالبه مع الامتناع بالفراق مع قدرته على الوطء، فكان في الخصي والمجبوب أولى، ولأنه لما كان له الخيار مع الرتق والقرن لعدم الاستمتاع المقصود بعقد النكاح مع إمكان تخلصه منه بالطلاق كان بأن يكون لها الخيار في هذه المواضع أولى.

فصل [1 - الخصي يمكنه الوطء لكنه لا ينزل]: فإن كان الخصي قائم الذكر يمكنه أن يطأ إلا أنه لا ينزل فلها الخيار أيضًا لأن وطئه ناقص عن الكمال فكان لها الخيار، فإن ثبت المقام معه سقط خيارها، وكذلك إن أمكنته بعد علمها بعيبه من تقبيل ولمس أو تلذذ بمباشرة فلا خيار لها، وإن اختارت فراقه فلا صداق لها لأن الفراق من قبلها.
فصل [2 - العنين يصح منه الوطء]: فأما العنين -ويريد به المعترض عن امرأته ويصح منه الوطء ويرتجي زوال الاعتراض عنه- فلزوجته الخيار بين أن تقيم معه أو تفارقه، وذلك بأن يُضرب له الأجل من يوم ترفعه إلى الحاكم: للحر سنة، وللعبد ستة أشهر، فإن أصاب في مدة هذا الأجل وإلا طلق عليه إن اختارت ذلك 1 خلافًا لداود في قوله: إنه لا يؤجل 2؛ لأن ذلك إجماع الصحابة، وروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود 3 وغيرهم - رضي الله عنهم -، ولا مخالف لهم واعتبارًا بالخصاء والجب.
وإنما قلنا: إن الأجل سنة لما رويناه عن الصحابة، وللمعنى وهو أن الاعتراض مرض من الأمراض يرجى زواله ولا يتيقن لزومه، والمقصود بضرب الأجل إمهاله مدة يعالج نفسه فيها ويجتهد في زوال هذا العارض عنه، وليس كالجب والخصاء اللذين لا يرجى زوالهما، فوجب أن يكون المضروب له من المدة قدرًا من الزمان يتمكن فيه من ذلك، فكانت السنة أولى ما ضرب له لأن ذلك إن كان من مرض يؤثر فيه الزمان، فالسنة تجمع الفصول الأربعة، فلعله بالانتقال إلى زمان آخر يؤول عنه، ولأنها قد جعلت هذا في النكاح وغيره ولاختبار أمور يحتاج إلى اختبارها منها طول إقامة البِكر عند الزوج وعودها بكرًا وعهدة الرقيق في الأدواء الثلاثة وغير ذلك.

واختلف في أجل العبيد: (فقيل: سنة، وقيل: ستة أشهر) 1، فوجه القول بأنه سنة اعتبارًا بالحر، ولأن الغرض بذلك اختباره في تأثير الأزمنة في مرضه، وذلك يستوي فيه الحر والعبد.
ووجه القول بأنه ستة أشهر أنه يقربه من الفراق كأجل الإيلاء.
فصل [3 - في الأجل الذي يضرب العنين]: وإنما قلنا: إن الأجل من يوم ترفعه 2 لا من يوم تزوجته أو علمت به بخلاف المولى، لأنه حق لها لا تستحقه 3 وهو مفتقر إلى اجتهاد الحاكم بخلاف المولى، ولأن المولى لا عذر له في أن يستأنف الأجل لأنه قصده الإضرار وللمعترض بخلافه لأنه يقول: إني معذور بترك العلاج لأني لم أعلم أنها ترافعني، فكنت أقدم الاجتهاد في ذلك.
فصل [4 - في عدم الحكم بعنته بدعوى الزوجة]: ولا يحكم بعنته بدعواها إذا أنكر 4، خلافًا لأحمد بن حنبل 5 لأن الأصل السلامة، ولأن الدعوتين إذا تعارضا وإحداهما يقتضي رفع العقد أو إثبات خيار فيه، فالقول قول مدعى الصحة والاستقرار، كدعوى المشتري عيبًا بالمبيع أو استحقاق الخيار، وكذلك إذا ضرب له الأجل وخلي بينه وبينها فادعى أنه وطيء فأنكرت، فالقول قوله مع يمينه إن كانت ثيبًا خلافًا للأوزاعي 6، لأنها

مدعية عليه استحقاق الفراق وهو منكر 1، ولأن ذلك موكل إلى أمانته، ولأنه لا يقدر على الإشهاد على وطئه إياها كما كان القول قولها في تداعيهما المسيس، فإن حلف فهي امرأته على حالها وإن نكل أحلفت فإن حلفت فرق بينهما إن شاءت لاجتماع شيئين مؤثرين في الحكم، وإن نكلت سقط حقها من الخيار هذا حكم الثيب، فأما البكر ففيها روايتان: إحداهما: أنها كالثيب لأن ادعاء المعترض كالوطء في الأجل موكول إلى أمانته كالثيب.
والأخرى: أنه ينظر إليها النساء فإن قلن: نرى 2 أثر إصابة فالقول قوله، وإن قلن: أنها على حالها صدقت عليه، ووجهها أنا إذا وجدنا طريقًا يوصل إلى العلم بذلك يقينًا كان أولى من الرجوع إلى أمانته وما لا يعلم صدقه فيه وهو مما للنساء فيه مدخل، هذا كله إذا اعترض عنها ولم يطأها قبل الاعتراض، فأما لو وطئها قبل الاعتراض دفعة واحدة ثم اعترض عنها 3 فلا خيار لها.
فصل [5 - انتهاء الأجل المضروب للعنين]: إذا حل الأجل وتقارى على عدم الوطء واختارت الفسخ، فإنه يؤمر بالطلاق، وله أن يوقع ما شاء، فإن امتنع الحاكم يفسخ نكاحه بطلاق 4 خلافًا للشافعي 5، لأنه فسخ مجتهد فيه ليس بغالب كالفرقة بإعسار 6 الصداق والنفقة وتكون طلقة واحدة، لأن الغرض يتم بها فلا فائدة في الزيادة عليها، وتكون بائنة لأنه مطلق قبل الدخول ولا رجعة له لاعترافه بأنها لا تجب له وعليها العدة إذا خلى بها لأنها حق الله تعالى، فلا يقبل اتفاقهما على إسقاطها.

فصل [6 - تكميل الصداق على العنين]: وفي تكميل الصداق روايتان 1: إحداهما أنه يكمل، والأخرى إنه إن طال مقامه معها وتلذذه بها واستمتاعه بها استمتاع 2 مثله بما يمكنه كمل عليه، وإن كان بحدثان دخولها، ولم يطل أمرها معه لزمه نصفه، فوجه الإطلاق أنها فعلت ما يلزمها من التمكين فعجزه عن استيفاء حقه لا يسقط ما وجب لها، ووجه التفصيل أنه دخل على أن يستمتع بلا وطء فلا يجوز أن يكمل عليه الصداق من غير استيفائه كما لو حبس بمرض أو سجن، فإذا كانت إقامته وتلذذه منها، فقد استمتع بغاية ممكنة فأشبه السليم إذا وطيء.
فصل [7 - إذا طلق عليه بالعنة]: إذا طلق عليه بالعنة ثم تزوجته بعد ذلك عالمة بعنته، فلها أن ترفعه وتضرب له الأجل ثانية ولا يقطع خيارها علمها بذلك بخلاف الخصي والمجبوب لأن الاعتراض مرض من الأمراض يرجى زواله، فإذا تزوجته أمكن أن يكون قد زال مرضه عنه، فلم يوجب ذلك رضاها به لا محالة، والجب والخصاء أمر ثابت غير زائل فلا يقدم عليه إلا مع الرضا به.


باب: [في متعة الطلاق]

ومتعة الطلاق 1 مستحبة غير مستحقة ولا يجبر عليها من أباها 2 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3 لأن الطلاق تأثيره الإسقاط دون الإيجاب بدليل سقوط نصف المهر المسمى قبل الدخول، ولأنه نوع من البينونة كالموت، ولأن الحقوق التي يتعلق وجوبها بالنكاح للمرأة لا بد أن تكون معتبرة بها وبالزوج كالمهر والنفقة، فأما بالرجل وحده فليس فيها.
فصل [1 - لمن تكون متعة الطلاق]: وهي لكل مطلقة كانت مدخولًا بها أو غير مدخول بها إلا المطلقة المفروض لها قبل الدخول والملاعنة والمختلعة، وإنما قلنا: إنها لكل مطلقة لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ 4 فعم، وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 5 ولم يخص، ولأنه ضرب من التسريح بالجميل والإحسان.
فأما المطلقة التي قد فرض لها ولم يدخل بها، فإنه لما سقط نصف المهر المسمى لها بالطلاق وهو آكد من المتعة امتنع أن يجب لها شيء مستأنف.

وأما الملاعنة فإنما 1 لم يكن لها متعة لأن تسريحها على غير الجميل بل على نهاية القبيح، ولأنها غير مطلقة، والمختلعة قد دفعت شيئًا عندها أو أسقطت واجبًا كان لها، فامتنع أن يلزم لها شيء مستأنف.


باب: [النفقة على الأزواج في النكاح]

والنفقة واجبة للزوجة بالعقد والتمكين من الاستمتاع 1، والأصل في وجوبها قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2، وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 3، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تقول امرأتك أنفق عليّ أو طلقني" 4، ولسان الزوجية عقد على منافع والنفقة في مقابلة استدامة تلك المنافع.
فصل [1 - متى تجب النفقة]: ولا تجب النفقة إلا بالدخول أو بأن يدعى إليه، وأن يكون الزوج بالغًا، وهي ممن يستمتع بمثلها ويمكن وطؤها وإن لم تبلغ، ولا نفقة لناشز، وإنما شرطنا في وجوبها أن يدخل أو أن يدعى للبناء 5 لأنها في مقابلة التمكين من الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها، فإذا حصل الدخول فقد حصل ما هي عوض عليه، وكذلك التمكين منه لأنه إذا حصل 6 كان الامتناع من جهته فلا يلزم المرأة شيء منه، وإنما شرطنا أن يكون الزوج بالغًا خلافًا لأبي حنيفة، ولأحد قول الشافعي 7، لأن الصغير لا يتأتى منه الاستمتاع الذي يعاوض

عليه لصغره، وهي في مقابلته، وإنما شرطنا أن تكون ممن يوطأ مثلها خلافًا للشافعي في إسقاطه اعتبار ذلك في أحد قوليه، لأن الاستمتاع غير متأت منها فلم تستحق العوض عليه لقصورها عن بلوغه، وإنما قلنا: إنها إذا كانت تطيق الوطء لزمته النفقة عليها، وإن لم تكن بالغًا لأن المعنى الذي يعاوض به في النفقة موجود كالبالغ، وإنما قلنا: لا نفقة لناشز خلافًا لما يحكى من ابن عبد الحكم إن صح، لما بيناه في مقابلة التمكين من الاستمتاع دون ملكه، فإذا عدم التمكين لم تجب كالثمن والمثمن في البياعات.
فصل [2 - المعتبر بالنفقة]: الاعتبار بالنفقة بحال الزوجين معًا فيفرض لها كفايتها على ما يرى من قدرها وقدر زوجها من اليسر والعسر وليست بمقدرة 1 خلافًا للشافعي 2 في قوله: إنها مقدرة لا اجتهاد للحاكم فيها ومعتبرة بحال الزوج وحده، فعلى الموسر مدان وعلى المتوسط مد ونصف وعلى المعسر مد لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 3، وذلك يقتضي مراعاة حالهما جميعًا، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لهند لما قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وأنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 4، فردها إلى العلم بمقدار كفايتها ولم يقدر بحد، ولأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، فلما وجب أن تبذل له من الاستمتاع قدر كفايته بالمعروف، فكذلك يلزمه بدل النفقة لها 5.

فصل [3 - إذا كان مثلها لا يكفيها خادم واحد]: إذا كان مثلها لا يكفيها خادم واحدة، وحاله تحمل لزمه أن يخدمها خدمة مثلها 1، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 3 ولأنه لما وجب إخدامها بالواحدة لحاجتها إليها كذلك إذا احتاجت إلى اثنتين.
فصل [4 - إذا أعسر الزوج بالنفقة]: إذا أعسر بالنفقة ولم ترض المقام معه ضرب له أجل وتُلُوِّمَ في أمره فقيل: شهر، وقيل: الأيام اليسيرة الثلاثة ونحوها، فإن أنفق وإلا طلقت 4 عليه إلا أن تكون تزوجته فقيرًا تعلم أن لا مال له فلا يكن لها مفارقته بعسر 5، وإنما قلنا: إنه يفارق بإعسار النفقة خلافًا لأبي حنيفة 6، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ 7، وفي إمساكه إياها بغير إنفاق إضرار بها وتضيق عليها، وقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 8، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تقول امرأتك أنفق عليّ أو طلقني" 9، ولأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، فلما كانت إذا نشزت لا نفقة لها لمنعها الاستمتاع كذلك

إذا لم تجب النفقة من جهته، فلها مفارقته، ولأنها لما كان مفارقته في الإيلاء والعنة وضررهما أيسر من ضرر النفقة، فكان في عدم النفقة أولى.
فصل [5 - دليل ضرب الأجل للمعسر عن النفقة]: وإنما قلنا: يضرب له أجل ليتبين أمره ويصح إعساره لأنه لا يجوز أن يطلق عليه بإعسار المدة القريبة كاليوم واليومين، لأن ذلك لا يضر الإضرار الشديد، ولا يكاد يخلوا أحد منه، وإنما الذي يؤثر ما يستدام من ذلك 1، واختلاف قوله في مدة الأجل يرجع إلى ما يختبر أمره فيه على ما يشاهد من حاله.
فصل [6 - عدم مفارقة من تزوجت فقيرًا عالمة به]: وإنما قلنا: إنها إذا تزوجته فقيرًا تعلم بحاله فلا مفارقة لها لأنها راضية بعيبه، فقد أقدمت على بصيرة ومعرفة بحاله، كمشتري السلعة عالمًا بعيبها.
فصل [7 - طلاق المعسر بالنفقة]: وطلاق المعسر بالنفقة إن كان بعد الدخول رجعي، فإن أيسر فله الرجعة، لأن الفرقة إنما كانت من أجل 2 الضرر، فإذا زال كانت الرجعة كما لو زال قبل الفرقة لم يكن لها المطالبة بالفرقة ورجعت معتبرة باليسر، فإن وجد منه صحت، وإن راجع معسرًا لم تصح، فإن كان قبل الدخول مثل أن يدعى إلى البناء فلا يبنى ولا يجد ما ينفق فالطلاق بائن 3. فصل [8 - الإعسار بالصداق]: الإعسار بالصداق أن يوجب لها الفرقة إذا طلبت بذلك بعد ضرب الأجل على حسب ما يرجى له من زوال الإعسار (4) خلافًا لأبي حنيفة 4، لأن لها أن تمنع

نفسها حتى تقبض الصداق، كما أن للبائع أن يمنع إقباض السلعة حتى يقبض الثمن، ففي منع المفارقة إضرار بها لأنها إما أن تلزم إضراره أو تسليم البضع إليه والرضا بذمته، وكل ذلك غير واجب، واعتبارًا بإعسار النفقة، ولأن تعذر الاستمتاع من جهته إذا أدى إلى الضرر وجب لها الخيار كالعنة والإيلاء.


باب: [نكاح المريض المخوف عليه]

المريض المخوف عليه لا يجوز له أن يتزوج 1 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2 لأنه محجور عليه في ماله أن يخرجه على غير عوض فيما لا حاجة به إليه لحق الورثة والنكاح يتضمن هذا المعنى لأنه يوجب المهر والنفقة ولا حاجة به إلى الوطء فيجب منعه منه، ويدل على ثبوت الحجر أنه ممنوع من الهبة والصدقة وما يفعله من ذلك يوقف على الثلث، ولأن طلاقه غير مانع من الميراث لأن فيه إخراج الوارث عن الميراث وفي تزويجه هذا المعنى.
فصل [1 - في فسخ نكاح المريض المخوف عليه]: إذا ثبت أنه غير جائز فإنه 3 يفسخ إذا وقع لأن كل نكاح غير جائز فيجب فسخه، والظاهر من قوله: إنه يفسخ بطلاق لأنه مفتقر إلى اجتهاد ولقوله الخلاف فيه 4، وسواء دخل أو لم يدخل لأن الدخول لا يصحح العقد الفاسد، فإن لم يدخل فسخ ولا شيء لها، وإن دخل فلها الصداق من ثلثه لفساد العقد، وإن لم يكن سمى لها، فلها صداق المثل لأنه قيمة البضع، وإن كان هناك مسمى نظر، فإن كان مثل صداق المثل أو أقل كان جميعه لها، وإن زاد عليه ففيه روايتان مبنيتان على وجوب التوارث إن مات قبل الفسخ: إحداهما أنه ليس لها إلا بقدر صداق المثل لأنا إن زدناها على ذلك لم تخل أن يكون وارثة أو غير وارثة، فإن كانت ترثه كان ذلك وصية لوارث، وإن كانت لا ترثه

كان ذلك إخراج مال على غير عوض، والأخرى أن لها الجميع لأنها ليست بوارثة، فأكثر ما في هذا الباب أن يكون وصية لغير وارث.
فصل [2 - في ثبوت المريض المخوف عليه على النكاح]: وفي ثبوته على النكاح إن صح روايتان مبنيتان على أصل هو فساده هل هو في عقده أم لمعنى غير عقده، فإذا كان فساده في عقده لم يصح الثبوت عليه، وإذا قلنا: أن فساده لحق الورثة صح بعد زوال المرض لزوال حقوقهم منه كنكاح العبد بغير إذن سيده وهذا اعتلال عبد الملك.
فصل [3 - نكاح الأمة والكافرة]: واختلف في نكاحه الأَمة والكافرة 1، فقال أبو مصعب 2: يجوز لأن الذي لأجله منعنا نكاح الحرة المسلمة أن فيه إدخال وارث على ورثته، وذلك معدوم ها هنا، وقال عبد الملك: لا يجوز لأن الأَمة قد تعتق والكافرة قد تسلم قبل الموت فيصيران من أهل الميراث.
فصل [4 - في طلاق المريض المخوف عليه]: وطلاقه لا يمنع الميراث 3 خلافًا للشافعي 4، لأنه مروي عن عمر وعثمان وعليّ وأبي بن كعب وابن الزبير 5 ولا مخالف لهم، ولأنه محجور عليه على ما ذكرناه لحقوق الورثة، وذلك يمنع أن يملك إزالتهم عما أوجب الحجر لهم.
فصل [5 - ثبوت الميراث لمن طلقت في مرض الموت سواء مات في العدة أو بعدها]: وسواء مات في العدة أو بعد انقضائها خلافًا لأبي حنيفة 6، لأن الميراث إنما

يثبت لها لأن الطلاق صادف سببه وهو ثبوت الحجر عليه من أجلها، فلا فرق بين بقاء العدة وزوالها لوجوب الميراث لها بحصول السبب 1 الذي هو الحجر.
فصل [6 - في كون الطلاق قبل الدخول أو بعده]: وسواء كان الطلاق قبل الدخول أو بعده خلافًا لأبي حنيفة 2 لأنها مطلقة في المرض ثبت لها حق الحجر عليه، فإذا مات فيه ورثته مع سلامة الحال أصله المدخول بها.
فصل [7 - ميراث المطلقة في المرض المخوف بعد أن تتزوج]: وترثه إن تزوجت خلافًا للشافعي في بعض أقاويله 3، لأن الميراث إنما وجب لها بإخراجه إياها منه بعد ثبوت حق الحجر لها عليه، وهذا موجود مع 4 تزويجها، فلم يكن لاعتبار التزويج معنى كما لم يكن لاعتبار العدة معنى.
فصل [8 - إذا صح من مرضه ثم مات]: وإذا صح من مرضه ثم مات فلا ترثه على أي وجه كان خلافًا لزفر، لأنه إذا صح فقد زال الحجر عنه فصار كمن طلق في الصحة.
فصل [9 - إذا سألته الطلاق وهو مريض]: ولو سألته الطلاق وهو مريض فطلقها أو خالعها ورثته 5 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 6، لأن عثمان - رضي الله عنه - حكم بذلك في تماضر بنت الأصبع 7

زوجة عبد الرحمن بن عوف، وكانت عنده على طلقة فسألته في شكوته الذي مات فيه 1 أن يطلقها تطليقة هي آخر طلاقها فورَّثها عثمان منه 2، ولم ينكر ذلك عليه أحد، ولأنها مطلقة في المرض كالتي لم تأذن، ولأن الإنسان قد يضيق على زوجته حتى تسأله الخلع فحسم الباب بتوريثها، ولأن الإذن في إخراجها من الميراث بعد ثبوت سببه لا يؤثر كما لو قالت: لست أرثك.
فصل [10 - إن ماتت المطلقة في المرض المخوف عليه]: وإن ماتت هي لم يرثها 3 لأنها لم تخرجه هي عن الميراث وليست محجورًا عليها لأجله فافترق بحكم موته وموتها.
فصل [11 - عدة المطلقة التي مات في المرض المخوف]: وعدتها عدة طلاق لأنها قد بانت منه بالطلاق دون الموت، وإنما قطع المرض من أحكام المبتوتة انتفاء الإرث فقط.
فصل [12 - نكاح المولي عليه]: ولا يجوز نكاح المولى عليه إلا بإذن وليه 4، وهو السفيه المبذر لماله لأنه الناظر له والقائم بأمر مصالحه وهو غير عارف بحظوظه، فقد يفعل ما يكون عليه فيه ضرر في ماله وإضاعته فيزول معنى الحجر عليه، فإذا رأى له السداد جاز إذنه له، وإن تزوج بغير إذن فإن رآه حظًّا أمضاه وإن رآه عليه ضررًا فسخه، وكان فسخه طلاقًا، وإن تزوجها من بعد بقيت عنده على طلقتين، وإن فسخ قبل الدخول فلا شيء لها وبعده ينزع منها المطهر ويترك لها ربع دينار، ولا تتبعه بعد فك حجره بخلاف العبد لأن هذا محجور عليه لحق نفسه والعبد لحق سيده.
...

باب: [المحرمات من النساء]

كل امرأة يجوز في الجملة 1 العقد عليها إلا من كان فيها معنى يوجب تحريمها، والتحريم على ضربين: تحريم متأبد وتحريم غير متأبد 2، فالتحريم الذي ليس بمتأبد يرجع إلى أمرين: أحدهما إلى صفة في المرأة يزول التحريم بزوالها، والأخرى إلى صفة في العقد، فأما الراجع إلى صفة في المرأة فمثل نكاح المعتدّة والمستبرأة، ومن عقد عليها للغير والمحرمة والأَمة للحر الذي يجد 3 الطول ولا يخشى العنت 4 دون العبد، والأَمة الكتابية للمسلم حرًّا كان أو عبدًا، والمرتدة والكافرة غير الكتابية من المجوس والوثنيات ونكاح الرجل أَمة نفسه أو ابنه أو عبده، وما في معناه تزويج المرأة بعبدها أو عبد ابنها، وأما تزويج الرجل أمة أبيه فجائز، وكذلك وطء حرائر الكتابيات بالعقد وأمائهن بالملك، فكل هذا إذا زالت صفة منعه جاز العقد ونحن نبينه.
فصل [1 - العقد على المعتدة]: أما المعتدة فلا يجوز العقد عليها إجماعًا: والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ 5، وسواء كانت عدتها من طلاق أو وفاة.

فصل [2 - التعريض بخطبة المعتدة]: ولا يجوز أن يخطب في عدتها بالتصريح ولا بأس بالتعريض لها 1، وهو القول الذي يفهم منه إرادة نكاحها من فحواه 2، أو لحنه 3، أو ما ينضم إليه من دليل الخطبة 4، وشاهدها نحو قوله: إني في عشيرتك 5 لراغب وعليك لحريص ومقارب هذا من القول، والأصل في هذه الجملة قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ 6 قيل في التفسير هو أن يقول: إني لك لمحب، وإني على القرب منك لحريص وإذا حللت فادنيني، وإن النساء لمن شأني هذا 7، وما أشبهه فثبت بالظاهر منع التصريح وإباحة التعريض.
فصل [3 - إذا خطب المعتدة صريحًا وتزوجها بعد العدة]: فإن خطبها صريحًا في العدة ثم تزوجها بعد العدة، ففيها روايتان 8: إحداهما استحباب الفراق، والأخرى إيجابه، فوجه الإيجاب قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ 9، والنهي يتقضي الفساد، ولأن السبب إذا منع

الخطبة في بعض الأحوال جاز أن يؤثر في إيجاب الفراق كالخطبة على خطبة أخيه 1، ووجه نفي الإيجاب أن الخطبة ليست بعقد، وإنما هي استدعاء والتماس فمنعها لا يوجب الفراق إذا وقع العقد على شروط سواها ولم يتعلق به إفساد على الغير كخطبة المحرمة ومواعدة المريضة، ووجه الإيجاب أن سبب العقد لما جرى مجراه في النهي عن إيقاعه في العدة جاز أن يؤثر في رفع العدة كما لو وقع العقد في العدة، ولأن ذلك كالردع لهما لئلا يعودا لمثله.
فصل [4 - من تزوج امرأة في عدتها]: ومن تزوج امرأة في عدتها ودخل بها في العدة فسخ نكاحه وتأبد عليه تحريمها 2، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 3، لقول عمر - رضي الله عنه -: "أيما امرأة نكحت في عدتها ثم دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا" 4، وروي عن عليّ - رضي الله عنه - مثله 5، ولا مخالف لهما، ولأنه يتهم أن يكون استعجل الشيء قبل وقته فعوقبت بأن حرمت عليه كقاتل العمد، وهذا أصل يدعى على وجه الجملة دون التعليل، ولأنه دخل شبهة في النسب فتأبد التحريم عليه كالملاعن.
فصل [5 - إذا تزوجها في العدة ودخل بها بعد العدة]: وإن تزوجها في العدة ودخل بها بعد العدة ففيها روايتان 6: إحداهما تأبيد التحريم، والأخري نفي التأبيد، فوجه إثباته 7 قول عمر - رضي الله عنه -: فإن

دخل بها فلا ينكحها أبدًا 1، ولم يفرق، ولأنه واطيء عن نكاح في عدد كالواطيء في العدة نفسها، ووجه نفيه أنه لم يطأ في العدة كالذي لم يطأ أصلًا، ولأنه لم يدخل شبهة في النسب وهذه علة التأبيد.
فصل [6 - إذا لم يطأها في العدة ولا بعدها]: وإن لم يطأها 2 أصلًا في العدة ولا بعدها فسخ نكاحه، وفي تأبيد التحريم روايتان 3: فوجه نفيه وهو الظاهر أنه لم يوجد فيه معنى تأبيد التحريم وهو إدخال الشبهة في النسب، ولأن مجرد العقد الفاسد لا يتعلق به تحريم مؤبد ما لم يقارنه وطء أصله إذا كانت تحته امرأة فتزوج بنتها ولم يطأها، ووجه الثانية 4 اعتبارًا بالواطيء، ولأن منع ذلك حسم الباب.
فصل [7 - نكاح المستبرأة]: وأما المستبرأة فإنها على ضربين: مستبرأة من وطء يلحق النسب فيه كالواطيء في نكاح فاسد أو شبهة نكاح أو ملك، فهذا لا يجوز العقد عليها إجماعًا 5، ومستبرأة من وطء لا يلحق النسب فيه كالزنا، فهذا لا يجوز العقد عليها عندنا 6 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 7، ويتضح الكلام في هذه المسألة في الحامل من زنا، فدليلنا قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 8 فعم، ولأنه حمل لا يلحق بالعاقد، فكان مانعًا من العقد والوطء أصله إذا كان لاحقًا بالواطيء.

فصل [8 - في تزويج الزانية]: ويجوز تزويج الزانية إذا استبرأت من الزاني بها ومن غيره 1، خلافًا لمن منع 2 ذلك لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 3 فعم، ولأنها خالية من الأسباب المانعة من نكاحها، فجاز العقد عليها كغير الزانية، ولأن الزنا ليس فيه أكثر من كونه كبيرة يعاقب عليها، وذلك لا يمنع إنكاحها كالسرقة وشرب الخمر والقتل، وإذا ثبت جوازه فابتداؤه مكروه لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ 4، ولا بد أن يكون لهذا تأثير في المنع، وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ 5، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عليك بذات الدين تربت يداك" 6، ولأن ذلك لا يؤمن معه فساد النسب، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "تخيروا لنطفكم" 7. فصل [9 - عدم انفساخ نكاح الزوجة]: ومن زنت امرأته لم ينفسخ 8 نكاحها 9 خلافًا لمن ذهب إلى ذلك 10،

لما روي: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال: "طلقها"، قال: إني أحبها، قال: "أمسكها" 1، ولأن الزوج لو أقر بأنها زنت لم ينفسخ نكاحها منه، فكذلك إذا ثبت بغير إقراره اعتبارًا بسائر الأصول طردًا وعكسًا، وهو أن كل معنى لو أقر به الزوج لانفسخ نكاحه، فكذلك إذا ثبت بغير إقراره كالردة، وكونها أخته من الرضاعة، وكل معنى لو أقر به لم ينفسخ نكاحه، فكذلك إذا ثبت بغير إقراره كإصابتها القتل والسرقة.
فصل [10 - منع نكاح المحرم وذات الزوج]: وقد ذكرنا في الحج منع نكاح المحرمة، فأما ذات الزوج فلا يجوز العقد عليها ما لم تبن منه لقوله تعالى عقيب ذكر المحرمات: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 2 ولأن ملك استباحة البضع لا يقع فيه اشتراك، ولا خلاف في ذلك.
فصل [11 - نكاح الحر للأَمة]: فأما نكاح الأَمة للحر فلا يجوز إلا بشرطين: عدم الطول لنكاح الحرة وهو مهرها، والآخر خشية العنت 3، فمتى عدما أو أحدهما لم يجز خلافًا لأبي حنيفة في إسقاطه خشية العنت 4 لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا .. إلى قوله: .. ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ 5 (فعلقه بشرطين،

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل