كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وإنما قلنا إنه إذا كان الدين مستغرقًا للتركة فلا شيء للورثة لأن الإرث بعد الدين 1 فإذا تزاحما فالدين مقدم عليه، وإنما قلنا أن لهم أن يحلفوا مع استغراق الدين للإرث ولا يضرهم أن يستحق المال غيرهم لأن الحق في التقديم لهم لأنهم يقومون مقام الميت، ولأنهم لو أدوا الدين من غير التركة لكان ذلك لهم ولم يكن للغرماء الاعتراض عليهم.
وإنما قلنا إنهم مخيرون لأن الحق في ذلك لهم فإن شاءوا أخذوه وإن شاءوا تركوه، وإنما قلنا أنه ليس للغرماء إجبارهم على الحلف لأنهم يقولون لا فائدة لنا في اليمين على ما إذا استحق لم يكن لنا فيه حظ وكذلك إن كان فيه فضل فلهم أن يقولوا لسنا نختار أن نأخذ بيمين فيكون ذلك لهم.
وإنما قلنا إن للغرماء أن يحلفوا إذا نكل الورثة خلافًا للشافعي في قوله ليس لهم ذلك 2؛ لأن الدين حق متعلق بالتركة 3 فجاز لمستحقه أن يحلف مع شاهد الميت أصله حق الإرث، وإنما قلنا إنه إن كان فيه فضل عن ديونهم لهم يستحقه الورثة لأن الإنسان لا يستحق بيمين غيره شيئًا إذا كان ممن له أن يحلف، وإنما قلنا إن لهم أن يحلفوا ويستحقوا الفضل لأنهم يستحقون ما يتركه الميت فكان لهم أن يحلفوا عليه وليس امتناعهم أولا من اليمين بمانع لهم الآن منها لأنهم يقولون لم نر أن نحلف على ما يأخذه غيرنا، فأما إذا فضل ما ناخذه فإنا نحلف عليه وهذا عذر مسوغ 4، وإنما يمنع أن يحلفوا بعد ترك اليمين لأن نكولهم قد أسقط حقهم، وإنما قلنا إن للمدعي له أن يحلف مع شاهده لأنه يستحق من تركة الميت وما وصى له به، فإن لم يحلف فقد تقدم بيان النكول ورد اليمين وكذلك باقي المسألة.
فصل [20 - في الدعوى التي لا يجب فيها اليمين على المدعى عليه بمجرد الدعوى]: كل دعوى لا يقبل فيها شاهد وامرأتان ولا شاهد ونكول ولا يقبل فيه إلا شاهدان فلا يجب اليمين فيها على المدعى عليه بمجرد الدعوى، وذلك مثل دعوى النكاح والرجعة والطلاق وقتل العمد وما أشبه ذلك، فإذا ادعى رجل على امرأة أنها زوجته أو امرأة على رجل أنه زوجها أو أنه طلقها فلا يمين على المنكر منهما بمجرد الدعوى (وذلك مثل دعوى الناكح) 1 فإن أقام المدعي شاهدا واحدا حلفا المدعى عليه وإن نكل ففيها روايتان: إحداهما أنه يحكم عليه، والأخرى أنه يحبس حتى يحلف فإن طال حبسه خلي، واليمين على هذه الرواية استظهارا واحتياطا 2. وإذا قلنا إنه لا يحلف بمجرد الدعوى فلا يتصور على هذا رد اليمين على المدعي لأن ذلك لا يكون إلا بنكول المدعى عليه، والنكول لا يكون بعد توجه اليمين إليه، وعند الشافعي في هذه المسائل أن اليمين تلزم المدعى عليه فإن نكل ردت على المدعي فإن حلف حكم له 3، فدليلنا على أن اليمين لا تلزم ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها لم يحلف بدعواها إلا أن تأتي بشاهد فإن كان معها شاهد حلف" 4 وهذا نص، ولأن ذلك ذريعة إلى امتهان النساء بالأزواج فلا تشأ
امرأة أن تؤذي زوجها إلا ادعت عليه الطلاق لتحلفه وذلك إضرار بالناس فيجب منعه على ما بيناه من الذرائع، ولا يلزم عليه دعوى الأموال لأنها أخفض رتبة والإجماع على خروجها عن حكم هذا الأصل.
فصل [21 - الدليل على أن اليمين لا ترد فيما لا يقبل فيه إلا شاهدين]:
ودليلنا أن اليمين لا ترد فيما لا تقبل فيه إلا شاهدين أنا وجدنا الشاهد والمرأتين أقوى من اليمين والنكول لأن النكول من غير جنبة المدعى، ولأنه لا يحتاج إليهم 1 مع المرأتين، وإذا ثبت ذلك كان الطلاق والنكاح لا يحكم فيه بشاهد والمرأتين كان بأن لا يحكم فيه الشاهد والنكول وبالنكول واليمين أولى.
فصل [22 - إذا كانت له بينة وعدل عنها إلى يمين المدعى عليه]:
إذا كان له بينة حاضرة وكان عالمًا بها قادرًا على إقامتها فعدل عنها إلى يمين المدعى عليه ثم أراد إقامتها من بعد ففيها روايتان 2: إحداهما أن ذلك له والأخرى أنه ليس له ذلك.
فوجه الأولى أنها حال لو أقر فيها المدعى عليه لثبت الحق عليه فوجب إذا أقام فيها المدعي البينة أن يكون له ذلك أصله قبل أن يحلف، ولأنها بينة لو أراد إقامتها قبل اليمين لكان له ذلك فوجب ألا يقطعها اليمين أصله إذا كانت غائبة أو كان لا يعلم بها، ووجه الثانية قوله - صلى الله عليه وسلم - "شاهداك أو يمينه 3 فجعل له أحدهما إذا استوفاه لم يكن له الآخر، ولأنه لو قال للحاكم أريد أن محمع لي بين الأمرين بين يمينه وبينتي لم يكن له ذلك فدل على ما قلناه، ولأن عدوله إلى اليمين مع قدرته على البينة رضا بها فلم يكن له نقض موجبها كما لو صالح ثم أراد الرجوع في الصلح.
فصل [23 - في يمين الإنسان علي فعل نفسه وعلى فعل غيره]:
يمين الإنسان على فعل نفسه يكون على القطع وعلى فعل غيره يكون على العلم مثل أن يدعي على رجل مالا فيقر له به ويزعم أنه قضاه أباه فيحلف أنه ما قضاه قطعا، ولو أدعى أن لأبيه عليه مالا وأنه ورثه عنه فزعم المدعى عليه أنه قد قضاه إياه حلف على العلم أنه لا يعلم أباه اقتضى منه شيئًا، والفرق بينهما أنه يقدر على العلم باقتضائه نفسه ولا يصل إلى العلم باقتضاء أبيه والصغير يحلف مع شاهد أبيه على إثبات الحق إذا بلغ، ولو كان للميت شاهد بحق له ولد صغير سمع الحاكم شهادة شاهده ثم عرض اليمين على المدعى عليه فإن حلف لم يسقط الدعوى عنه ويؤخر إلى أن يبلغ الصبي فيحلف ويأخذ 1، وإنما عرضنا اليمين على المدعى عليه لجواز أن ينكل فيثبت الحق ولا يحتاج إلى انتظار بلوغ الصبي 2 فلما لم ينكل كان الحق باقيا للصبي.
فصل [24 - فيمن كانت له دار يتصرف فيها مدة عشر سنين فأكثر ثم جاء من يدعيها ...]:
إذا كانت في يد رجل دار جائز لها يتصرف فيها مدة عشر سنين فأكثر بالبناء والهدم والإجارة والعمارة ينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان يراه ويشاهده طول هذه المدة ولا يعارضه فيها ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانعًا يمنعه مطالبته من خوف سلطان أو ما أشبه ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة أو شركة في ميراث أو ما أشبهه مما يتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه بل كان عريًا من ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويزعم أنها له ويقيم بينة بذلك فعندنا أن بينته غير مسموعة ويكون صاحب اليد أولى بها 3.
وإنما قلنا ذلك لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها غير مقبولة لقوله تعالى ﴿وأمر بالعرف﴾ 1، وأوجب الرجوع إليه عند الاختلاف 2 في الدعاوي كالنقد والحمولة والسير وغير ذلك وفي الأبنية ومعاقيد القمط ووضع الجذوع على الحائط فكذلك في هذا الموضوع، وقد علمنا أن الإنسان في العادة إذا كان له ملك يراه في يد غيره يتصرف فيه تصرف ذي الملك التام بالهدم 3 والبناء والعمارة والإجارة والرهن وغير ذلك وينسبه إلى ملكه وهذا حاضر يراه ويشاهده ولا ينازعه ولا يدعي معه شيئًا ولا مانع يمنعه من مطالبته ولا يذكر أنه ملكه ولا يعارض فيه بل ساكت ثم يأتي بعد سنين طويلة ومدة بعيدة فزعم أنه ملكه ويقيم البينة على ذلك فإن ذلك خلاف العادة لأن الإنسان لا يسكت 4 على ما يجري هذا المجرى ولذلك قلنا إنه إن كان غائبًا سمعت بينته لأنه لا عرف يكذب قوله وكذلك إذا كانت في يد سلطان يخافه إن أقام البينة.
وإنما قلنا: إن الحيازة من الأقارب لا تمنع الدعوى كجري العادة بإبساط بعضهم في إضافة الملك المشترك إليه وترك تشاحيهم فيها وإنما تبقى 5 مدة طويلة غير مقسومة بل على شركة المواريث المتداولة ففارقوا الأجانب.
فصل [25 - التغليظ في الأيمان]:
التغليظ في الأيمان عندنا بالمكان والزمان 6 خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يغلظ في المكان 7 لقوله في - صلى الله عليه وسلم - "من حلف على منبري هذا على يمين كاذبة ولو
على سواك من أراك فقد تبوأ مقعده من النار" 1، ولأن أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما استحلفا عند المنبر 2، وروي أن عمر رضي الله عنه طولب بذلك في يمين توجهت عليه فافتدى ولم يحلف 3، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لرجل -أحلف بالطلاق فقال لامرأته: حبلك على غاربك- تحلف بالله عند المنبر لما أردت الطلاق 4، ونحوه عن ابن عباس 5 فدل على أنه إجماع، ولأن اليمين تراد لزجر وردع وليتخرج الحالف ويمتنع من الإقدام على يمين إن كان مبطلا بها ويخرج من حق إن كان، وقد ثبت أن الحلف في المواضع التي تعظم وتشرف أبلغ في الردع وأوقع في الزجر من الحلف في غيرها فوجب أن يكون أولى.
إذا ثبت هذا فالمواضع في البلد الذي يكون فيه الخصومة: ففي المدينة عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه أشرف المواضع بها، وللخبر الذي رويناه، وفي سائر البلاد في أشرف البقاع بها وأعظمها حرمة وذلك في المسجد الجامع أو غيره مما يشرف به ويعظم، وتغلظ على اليهود والنصارى فيحلف اليهودي في كنيسته والنصراني في بيعته لأن هذه المواضع هي أعظم مواضعهم عندهم، ولأن التغليظ بذلك إنما الغرض به الردع والزجر فهي في المواضع التي يعتقدون تعظيمها أبلغ فيما يراد.
فصل [26 - الحقوق التي تغلظ فيها الأيمان]: فأما الحقوق التي تغلظ فيها فينظر فإن كانت الدعوى في غير المال مثل الدماء والطلاق والعتاق وما أشبه ذلك فإن اليمين 1 تغلظ في ذلك كله، وإن كانت الدعوى في مال فلا تغلظ فيه عن المنبر في التافه اليسير وهو ما دون ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق وتغلظ في ربع دينار وفي ثلاثة دراهم فصاعدا 2، وقال الشافعي: تغلظ في العشرين دينارًا دون ما قصر عنها 3، وقال بعض المتأخرين تغلظ في القليل والكثير 4. ودليلنا علي أنه لا تغلظ في اليسير ما روي أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه رأى رجلًا يحلف عند المنبر فقال: أعلى دم، فقال، لا، فقال: على عظيم من المال فقال لا، فقال لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المكان 5، ولم ينكر ذلك عليه أحد فثبت تقدير المحلوف عليه، ولأن المقصود من التغليظ الردع والزجر بحرمة الموضع المحلوف عنده فيجب أن يكون ذلك فيما له خطر وقدر إعظامًا للموضع وتأكيدا لحرمته، ودليلنا على أنه تغلظ في ربع دينار أنه قدر من المال تثبت به حرمته في الشرع بدليل أنه يقطع فيه اليد وأنه أقل ما يستباح به البضع فجاز التغليظ فيه كنصاب الزكاة، ولأنه خارج عن التفاهة والنذارة بدليل ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع في التافه وكان يقطع في ربع دينار 6.
فصل [27 - فيما يستحب فيه التغليظ في الزمان]:
وأما التغليظ في الزمان فيستحب في الدماء واللعان أن يكون الحلف بعد صلاة العصر لقوله عز جل ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله﴾ 1 قيل في التفسير: بعد صلاة العصر 2، وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا ينظر إليهم: فذكر من حلف يمينا كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امريء مسلم" 3، ولأن أدبار الصلوات أوقات مشرفة معظمة ترتجى فيها إجابة الدعاء ويقرب الإنسان إلى الله تعالى بالتسبيح والذكر فيها فهي أبعد من اكتساب الآثام بالأيمان الكاذبة، واختير بعد صلاة العصر لأنه وقت يجتمع فيه الناس وربما ردع ذلك الحالف به.
فصل [28 - في كون لا مدخل للتغليظ في الأيمان بالألفاظ]:
لا مدخل للتغليظ في الأيمان بالألفاظ ولا تزاد في الحلف على أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو فقط 4، وقال الشافعي يزاد على ذلك عالم خافية الأعين وما تخفي الصدور والذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية 5 وما أشبه ذلك 6 ودليلنا أن هذه الصفات لا غاية لها ولا حصر فلم يكن بعضها بأن تغلظ اليمين به بأولى من بعض فوجب الاقتصار على الحلف باسمه تعالى ووصفه الأخص الذي لا زيادة عليه وله مزية على سائر الصفات.
فصل [29 - في كيفية إحلاف اليهودي والنصراني]:
ولا يزاد في إحلاف اليهودي أن يقال الذي أنزل التوراة على موسى ولا في إحلاف النصراني أنزل الإنجيل على عيسى 1 خلافًا للشافعي 2 لأن ذلك معنى زائد على التغليظ في صفات اليمين لا يجب في حق المسلم فنقول لأنها يمين وجبت في حق فلم يزد فيها على لفظ الإخلاص أصله في حق المسلم، ولأنه كافر فلم يزد في إحلافه على اسم الله وصفة الإخلاص كالوثني، ولأن زيادة هذه الصفات إن كانت لاختصاص الكتابيين بها فيجب أن يزاد الذي كلم موسى على الطور وغير ذلك فيجب أن يزاد على الوثني اللاة والعزى لأن ذلك هو الذي يعظم وذلك باطل.
فصل [30 - في الحلف قائمًا واستقبال القبلة في ذلك؟]:
يحلف قائما في كل الحقوق 3 لأن ذلك أبلغ في الشرح والزجر وأما استقبال القبلة فقيل إنه لا يحتاج إليه لأنه لما لم يغلظ بأن يحلف عندها لم يغلظ باستقبالها كسائر المواضع وقيل يستقبل بالحالف القبلة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" 4 لأن ذلك أردع له وأزجر، ولأن استقبال القبلة يعظمها المسلمون ما لا يعظمون 5 الانحراف عنها ألا ترى أنه يفعل بالمحتضر وفي الدفن وعند الذبح والآذان فكذلك في اليمين.
فصل [31 - في افتداء اليمين]:
يجوز افتداء اليمين وهو أن يبذل شيئًا لتسقط عنه 6 لأنه إجماع الصحابة
وروي أن عثمان رضي الله عنه خاصمه يهودي إلى عمر وادعى عليه أربعة آلاف درهم فوجبت 1 عليه اليمين فأبى أن يحلف وغرم المال فلما فعل ذلك وقال: والله ماله علي شيء فقال عمر ما حملك على ما فعلت قال خفت أن يصادف يمين قدرا 2 فيقول الناس ظلم عثمان اليهودي ولم ينكر عليه عمر 3، ولأن ابن مسعود أُخِذ بأرض الحبشة فصالح 4 عن نفسه بدينارين 5، ولأن في الاستحلاف مذلة 6 وامتهانا فجاز للإنسان الافتداء منها صيانة للعرض وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة 7 ".
فصل [32 - في استحلاف المرأة في بيتها]:
وإذا كانت المرأة من ذوات الأقدار والشرف جاز أن يبعث الحاكم إليها من يحلفها 8 لأن في ذلك صيانة لها وإقلالًا من تبذيلها، ولا مقال للخصم في ذلك لأن الذي يجب له إحلافها دون تبذيلها وإن كانت ممن لا تخرج نهارًا جاز أن تؤخر لتخرج ليلًا زيادة في الصيانة وقلة التبذل.
فصل [33 - فيمن أراد كتابة كتاب على غيره]:
من أراد أن يكتب على غيره كتابًا بذكر حق أملاه الذي عليه الحق وإن أملاه الذي له الحق بحضرته ورضاه فلا بأس به وإن ارتضيا بمن يمليه غيرهما جاز
وأجرة الكتاب عليهما وإن كان الدين لجماعة فأجرة الكتاب عليهم بالسوية اتفقت سهامهم أو اختلفت 1.
وإنما قلنا إنه يمل الذي عليه الحق لقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ 2، ولأن الذي له الحق قد يزيد 3 فيما له عليه ويتغافل عنه الذي عليه الحق فإذا أملاها الذي عليه الحق كان ذلك أمنا لها يخاف منه وقد وعظ الله الذي عليه الحق فقال ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾ 4، ولأنه قد يزيد الذي له الحق في التوثق على ما يجب له وذلك غير جائز، ولأن الذي عليه الحق إذا أملاه صار ذلك إقرارا منه فيعتد به وإذا أملاه الذي كان مدعيا والدعوى لا يعتد بها فيقال للذي عليه إذا أملاه أنت لتقربها عليك فإن كان سها أو غير عالم بالشروط أمل ذلك وليه الذي إليه أمره أو وكيله لأنه إذا كان عن أمره فإقراره حاصل.
وإنما قلنا إن أملاه صاحب الحق بحضرته ورضاه جاز لأن التهمة تزول عنه وتصير كأن الذي هو عليه أمله فيكون إقرارا، وإنما قلنا إن الأجرة عليهما لأن الكاتب أجير لهما، وإنما قلنا إنها تكون على أهل الدين بالسوية وإن اختلفت أنصباؤهم لأن التعب في ذلك واحد فليس نصيب واحد منهم أكثر من نصيب الآخر والله أعلم.
...