المعونة على مذهب عالم المدينةصفحات 1499-1538
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك

صفحات 1499-1538
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عبد الوهاب
الكتاب
المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
المؤلف
أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
المحقق
حميش عبد الحقّ
الناشر
المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
الكتاب
رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
الطبعة
بدون
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1 الأصل في القضاء 2 قوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ 3، وقوله عز وجل ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ 4، وقوله تعالى ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ 5، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" 6، وقوله لمعاذ ابن جبل لما وجهه إلى اليمن قاضيًا: "بم تحكم" قال: بكتاب الله، قال "فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال "فإن لم تجد" قال أجتهد رأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" 7، وفيه أخبار كثيرة عنه - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف بعده.

فصل [1 - الخصال التي يجب توفرها في القاضي]: ويجب أن يكون في القاضي خصال منها ما لا يتم الحكم إلا بها ما هو من أداب القضاء وسنة الحكم في الشرع، فأول ما يجب 1 فيه أن يكون فقيهًا غير عامي ومن أهل الاجتهاد عارفا بالكتاب والسنة وطرق الاجتهاد وترتيب الأدلة وكيفية النظر فيها وتخريج الفروع على الأصول، ولا يجوز له تقليد غيره من العلماء ما دام عليه فسحة في النظر ومهلة يمكنه فيها الاجتهاد فإن خاف فوات الحادثة متى أخرها إلى أن يلوح 2 له فيها النظر وقع عليه فرض الحكم فيها فهل يجوز له أن يقلد غيره من العلماء أو لا يجوز له فيها نظر فكان الأقوى أن يجوز لأن تأخير الحكم يؤدي إلى فوات الفرض وإضاعته، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم قد كان يقلد بعضهم بعضًا في الأحكام إذا خفي على المقلد منهم طريق النظر في حكم الحادثة 3. فصل [2 - في عدم جواز كون الحاكم عاميًّا]: وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون الحاكم عاميا خلافًا لأبي حنيفة 4، لقوله تعالى ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ 5 وذلك يتضمن الاجتهاد، وقوله تعالى ﴿فاحكم بين الناس بالحق﴾ 6 والمقلد لا يفرق 7 بين الحق والباطل بالتقليد، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لمعاذ: بما تحكم قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد" قال فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال "فإن لم تجد"، قال أجتهد رأيي،

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يرضي رسول الله" 1 وقوله "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" 2. وهذا كله يدل على أن الحاكم يجب أن يكون من أهل الاجتهاد ولأن التقليد لا يثمر عليه ولا يجوز التقليد إلا للعامي للضرورة بالعامي إلى أن يلي الحكم ويقلد غيره ولأن القضاء آكد وأقوى من الفتيا لأن الحاكم يلزم غيره بحكمه، والمستفتي لا يلزمه المصير إلى فتيا المفتي فإن لم يجز للمفتي أن يكن مقلدًا فالقاضي أولى.
وينبغي للقاضي أن يكون فطنًا متيقظًا كثير التحرز من الحيل وما ينم 3 مثله على المغفل أو الناقص أو المتهاون، وأن يكون عالمًا بالشروط عارفًا بما لا بد منه من العربية واختلاف معاني العبارات فإن الأحكام تختلف باختلاف العبارات في الدعاوي والإقرار والشهادات وغير ذلك مما يتعلق، ولأن كتاب الشرط هو الذي يتضمن حقوق المحكوم له وعليه والشهادات تسمع بما فيه فقد يكون العقد واقعًا على وجه يصح أو لا يصح فيجب أن يكون فيه علم بتفصيل ذلك وتحمله 4، وينبغي أن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة ويستعين بهم على ما هو سبيله ويعول بهم على التوصل إلى ما ينوبه ويخففوا عنه فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه من النظر في الوصايا والأحباس والوقوف والقسمة وأموال الأيتام وغير ذلك مما ينظر فيه.
والأولى عندنا 5 أن يقضي في المسجد خلافًا للشافعي في كراهية 6 ذلك

لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحكم فيه، والأئمة بعده وليقرب الوصول إليه على كل من أراده.
وينبغي له التسوية بين الخصمين في المجلس وأن يكون إقباله عليهما على حد سواء كما روي عن السلف والأئمة من القضاء بذلك وأن يبتدى منهما من بدأ بالدعوى فيسمع دعواه ويستوفي الحكم له ثم يثني من بعده وإن تشاحى في التقديمة والتبدية ولم يعلم صدق أحدهما أقرع بينهما فيبدأ بمن يخرج سهمه لأنه لا طريق إلى الفصل 1 بينهما إلا بذلك ويجوز أن يقال أن ذلك موكول إلى اجتهاد الحاكم والإقراع أقرب إلى العدل.
وينبغي إذا استوفى سماع البينة وأراد الحكم أن يقول للمحكوم عليه أو لوكيله إن لم يحضر: أبقيت لك حجة؟ أم هل عندك ما تدفع به حجة خصيمك؟ فإذا قال لا، حكم حينئذ، وإن قال نعم انتظر ما يأتي به فإن تبين منه اللدد 2 حكم ولم يلتفت إلى قوله.
وينبغي أن يكون له صاحب مسائل يكون من أهل الأمانة والثقة فيسأله عن شهوده ويعول عليه في تعديل من شهد عنده، وينبغي للمزكي أن يكون عالمًا بوجوه التعديل والجرح عارفًا بطرقهما.
وللحاكم أن يحكم بشهادة من يعلمه عدلًا وأن يرد شهادة من يعلمه فاسقًا أو يعلمه غير مستكمل بشروط العدالة وليس ذلك حكمًا بعلمه، وشروط القضاء وآدابه كثيرة لا يحتملها هذا المختصر وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله.
فصل [3 - في منع الحاكم من أن يحكم بعلمه]: ولا يحكم الحاكم بعلمه في شيء أصلًا لا قبل ولايته ولا بعدها لا في حكمه ولا في غيره ولا في حقوق الله ولا في حقوق الآدميين.

وقال عبد الملك يحكم بعلمه في مجلس حكمه إذا حضر عنده الخصم واعترف بحق خصمه 1. وقال أبو حنيفة يحكم في حقوق الآدميين فيما علمه بعد القضاء لا يحكم فيما علم قبله 2 وقال الشافعي إنه يحكم بعلمه في كل الأشياء 3. فدليلنا قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ 4 فأمر بجلد القاذف متى لم يقم بينة على ما رمى به المقذوف، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث هلال بن أمية لما لاعن زوجته: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال وإن جاءت به على نعت كذا فهو (لشريك فجاءت به على النعت المكروه فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لو كنت راجمًا أحد بغير بينة لرجمتها" 5 موضع الدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - علم أنها زنت لإخباره أنها جاءت به على نعت كذا فهو) 6 لغير زوجها ثم لم يحكم بالحد لعدم البينه.
وعند المخالف يجب أن يرجمها إذا علم بذلك، وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا جهم مصدقًا فلاحقاه رجلان فشجهما فأتيا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلبان القصاص فبذل لهما مالًا فرضيا به فقال إني أخطب الناس وأذكر لهم ذلك أفرضيتما، قالا: نعم فخطب الناس ثم قال أرضيتما بعد أن ذكر القصة فقالا: لا، فهم بهم المهاجرون

والأنصار فمنعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم نزل فزادهما فرضيا فصعد المنبر فقال أرضيتما فقالا: نعم 1، موضع الدليل أنه لم يحكم عليهما بعلمه لما جحدا أن يكونا رضيا، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - امتنع من قتل المنافقين مع علمه بكفرهم وقال: "لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" 2 وإنما لم يقتلهم لأن الناس لم يعلموا بكفرهم كعلمه، ولأن الحاكم لما كان غير معصوم فقد تلحقه الظنة والتهمة في أن الحكم لوليه على عدوه وأمكن وقوع ذلك منهم وجب حسم الباب: بألا يحكم بعلمه لئلا يدعى عليه بذلك، ولإمكان أن يقع ذلك منه فيلحق الناس أذية منه: فإذا منع أن يحكم بعلمه زالت التهمة في ذلك ويعرض الكلام في الحدود ولأصحاب الشافعي فيها وجهان.
ودليلنا أنه لا يحكم فيها بالعلم، الظاهر والأخبار وقول أبي بكر - رضي الله عنه - لو رأيت رجلًا 3 على حد من حدود الله ما أقمته عليه حتى يشهد على ذلك أربعة 4، ولا مخالف له نعلمه وإن سلموا ذلك قسنا عليه سائر الحقوق، وقلنا إنه حكم بعلم فلم يجز أصله الحدود واعتبارا بعلمه قبل الولاية مع أبي حنيفة، وفي غير مجلس الحكم مع عبد الملك.
فصل [4 - في جواز تنفيذ الحاكم الحكم بعلمه]: إذ ثبت أنه ليس له أن يحكم فله أن ينفذ الحكم بعلمه بعدالة الشهود ويقف عنه بعلمه بفسقهم وليس ذلك حكمًا منه بعلمه بدليل أن لغيره من الحكم أن

يحكم بشهادتهم ولو كان ذلك حكمًا بالعلم لم يجز لمن جاء بعده أن يحكم بشهادة من قد رد شهادته الذي قبله كما لا يجوز له نقض حكم حكم به مما يسوغ لهما 1 الحكم به.
فصل [5 - في كون الحاكم شاهدا فيما علمه ومنع الحكم فيه]: إذا علم شيئًا ومنع الحكم فيه بعلمه فإنه قد يكون شاهدًا فيه لمن له الحكم فيرفع إلى الإِمام أو إلى غيره من الحكام ويدعي صاحب الحق شهادة الحكم فيكون الحاكم كأحد الشهود فيعمل فيه كما يعمل في شهادة الشاهد وسائر الحقوق 2. فصل [6 - إذا حكم الحاكم بحكم ثم أنكر أن يكون حكم به]: وإذا حكم الحاكم بحكم ثم أنكر أن يكون حكم به فإذا شهد شاهدان على حكمه ثبت ولم يسقط بإنكاره وكذلك لو نسي 3 أن يكون حكم به فشهد به عنده شاهدان قبل شهادتهما 4، وقال أبو حنيفة والشافعي إن لم يذكر حكمه لم تنفع شهادة الشهود شيئًا 5. ودليلنا أنها شهادة عنده على حكم لو كان ذاكرًا له لساغ قبولهما فكذلك إذا كان ناسيًا، أصله إذا شهد عنده بحكم غيره، ولأنه قد تعلق بذلك حق لغيره وهو من يشهد بالحكم له فلو قلنا أن الشهادة غير مقبولة إلا أن يذكرها ومعلوم أنه قد ينسى ويشك لأدى إلى تضييع حقوق الناس ولكان لا معنى للإشهاد على إنفاذه، ولأنه قد يتهم أيضًا أن يكون جحد حكمه لعداوة بينه وبين المشهود له.

فصل [7 - إذا وجد في ديوانه حكمًا بخطه ولم يذكر أنه حكم به]: وإذا وجد في ديوانه حكمًا بخطه ولم يذكر أنه حكم لم يجز له أن يحكم به إلا أن يشهد عنده شاهدان 1 خلافًا لابن أبي ليلى في قوله يحكم بالخط 2، لأنه لم يثبت عنده أنه حكم به فلا يجوز قياسًا على حكم غيره.
فصل [8 - في عدم جواز تولي العبد والمرأة الحكم]: لا خلاف أعلمه أن العبد لا يجوز أن يكون حاكمًا 3 (والعلة فيه نقصه بالرق، وأما المرأة فلا يجوز أن تكون حاكمًا) 4 عندنا على وجه، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون حاكمًا في كل أمر تجوز فيه شهادة النساء 5 فدليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكن ناقصات عقل ودين" 6 وهذا خارج مخرج الذم وفيه تنبيه على منع رد شيء من أمور الدين إليهن، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة 7 " وقوله: "أخروهن حيث أخرهن الله" 8، ولأنها ولاية لفصل القضاء وتنفيذ الأحكام كالإمامة الكبرى، ولأنه لا يصح أن يكون حاكمًا في الحدود والقتل فكذلك في غيره من الأحكام أصله العبد.

فصل [9 - فيمن قال بجواز تولي المرأة الحكم مطلقًا]: وذهب ابن جرير الطبري 1 إلى أن المرأة يجوز أن تكون حاكمًا على الإطلاق في كل ما يجوز أن يحكم فيه الرجل 2، وسمعت أبا الفرج بن ظرارة 3 وسئل عن هذه المسألة في مجلس السلطان الأعظم عندنا بمدينة السلام وأنا حاضر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فاحتج بأن قال: لأن الغرض من الحكام 4 تنفيذ الأحكام، وسماع البينة، والفصل بين الخصوم وذلك متأت من المرأة كتأتيه من الرجل فلا فرق بينهما إلا كفرق ما بين الأنثى والذكر وهذا القدر غير مؤثر 5 فنقضه القاضي الإِمام أبو بكر محمَّد بن الطيب الأشعري 6 شيخنا رحمه الله بالإمامة الكبرى لأن الغرض بها حفظ البيضة وحماية الجوزة والذب عن الأمة وجباية الخراج وأموال المسلمين وصرفها في وجوهها قد يتأتى ذلك من المرأة كتأتيه من الرجل ومع ذلك فلا يجوز أن تكون إمامًا.

قلت أنا وينتقض أيضًا بالعبد فانفصل 1 وأجاب الشيخ 2 بأن قال: لا يمتنع أيضًا أن يكون الأصل في كل من استنيب في شيء يتأتى منه فعل 3 ذلك الشيء فإنه يصح 4 تأتيه فيه إلا أن يقوم دليل من جهة الشرع يمنعه، وأجاب القاضي عن هذا بأنا لا نسلم أن يكون ذلك أصلًا في الشرع وإنما هو على حسب ما يقوم عليه الدليل من إطلاق أو تقييد قال: وهذا حيلة لدفع 5 النقض.
فصل [10 - إذا كان القاضي لا يعرف لغة الخصمين أو أحدهما]: إذا كان القاضي لا يعرف لغة الخصمين أو أحدهما احتاج إلى من يترجم عنه 6، وقال أبو حنيفة يكفي في ذلك رجل واحد كان أو امرأة 7، وقال الشافعي لا يكفي في ذلك أقل من اثنين 8، ولا أحفظ في هذا الوقت شيئًا من متقدمي أصحابنا، وفصل متأخرو شيوخنا فقالوا إن كان الإقرار يتضمن مالًا أو يتعلق بالمال قبل رجل وامرأتان وإن كان مما لا يتضمن ذلك لم يقبل فيه إلا رجلان، والأمر على ما قالوه، إلا أنه إن كان إقراره بمال أو دعواه بمال أو ما يتعلق بالمال فعندي أنه يخرج على وجهين: أحدهما أنه يقبل فيه رجل وامرأتان، والآخر لا يقبل فيه شهادة رجلين والذي لأجله وجب ذلك اختلافهم فيما يتعلق بالمال مما ليس هو في الحقيقة شهادة على مال هل يقبل فيه رجل وامرأتان أم لا وذلك لأنهم اختلفوا في الشهادة على الوكالة بالمال 9:

والوكالة في المطالبة والخصومة فيه ليست مالًا وإنما هي فعل بدن وحكم يثبت فيه يجر إلى تعلق المال فكذلك في مسألتنا هي شهادة على لغة وهي أن معنى ما قاله باللغة العربية أنه إقرار بمال والشهادة على أن هذا اللفظ في لغة الخصم موضوع لهذا المعنى في لغة العرب ليست بشهادة على مال فيجب على هذا ألا يقبل فيه إلا شاهدان.
فصل [11 - متى يحلف الحاكم المدعى عليه للمدعي؟]: لا يحلف الحاكم المدعى عليه إلا أن يعلم أن بينهما مخالطة أو معاملة أو تهمة دون الاقتصار على مجرد الدعوى، واختلف أصحابنا في تأويل ذلك 1: فمنهم من قال ينظر إلى الدعوى فإن كان مما يجوز ويشبه أن يدعي مثلها على المدعى عليه أحلف له، (ومنهم من قال إن كان المدعى عليه يشبه أن يكون مثله [يعامل] 2 المدعي فيما ادعى عليه أحلف له) 3، ومنهم من قال إن المسألة على ظاهرها لا يحلفه الحاكم إلا أن يعلم بينهما مخالطة أو معاملة وهذا كله إذا كانا من أهل البلد أو مقيمين به، وأما إن كانا غريبين فيحلفه ولا يعتبر مخالطته ولا غيرها، وعند أبي حنيفة والشافعي أنه يحلف على أي وجه كان 4. فدليلنا أن ما قلناه مروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - 5 وهو صحابي إمام ولا مخالف له، ولأن من أصلنا الحكم بالذرائع ومعناها المنع من المباح إذا قويت التهمة في التطرق به إلى الممنوع، وهذا موجود في مسألتنا لأن اليمين تشق وتصعب على أهل الأقدار والديانات، وربما افتدوا منها وربما بذلوا

الشيء الذي يدعى عليهم كراهية أن يتحدث عنهم أنهم أقدموا على اليمين وحراسة لحسن الظن بهم وانتفاء التهمة 1 عنهم فلو كانت اليمين بمجرد الدعوى لما شاء أحد أن يؤدى أهل الدين والقدراء ويتعرض لما لهم إلا وأظهر الدعوى فيحصل إما على شيء يأخذه أو على الأذية والذلة لهم، وفي ذلك إضرار بالناس وتطريق إلى من يريد أذاهم إلى ما يريده لهم فوجب حسم الباب بالمنع منه حتى إذا كان مع الدعوى سبب يقويها وجب اليمين لغلبة الظن بإمكان ما يدعيه المدعى ولا يلزم على هذا ألا يعديه 2 لأن حضور مجلس الحاكم إذا لم تقارنه يمين لا هجنة 3 فيه لأنه لم يتم للمحضر 4 المدعى عليه ما أراد به.
فصل [12 - في تحكيم غير الحاكم]: إذا حكم الرجلان بينهما رجلًا ورضيا بحكمه فحكم بينهما بما يجوز في الشرع لزمها ولم يعتبر موافقة حاكم البلد أو مخالفته 5، وقال أبو حنيفة إن وافق ما حكم به رأى قاضي البلد لزم وإلا لم يلزم 6، وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر يكون فتوى منه لا حكمًا 7، فدليلنا على لزومه خلافًا للشافعي قول - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمنون عند شروطهم" 8، وقوله: "لكل مسلم شرطه" 9، ولأنهما إذا تراضيا به لزمهما حكمه لإلزامهما أنفسهما وذلك كما لو رضي بقاض البلد، ولا يشبه هذا الشهادة إذا

قال فلان صادق فيما شهد به عليَّ ثم أنكر شهادته لأن الرضا بالشهادة ليس برضا بإجتهاد لأن الشهادة علم يؤديها الشاهد إلى الحاكم لا مجال للإجتهاد فيها له أن ينكر إذا شهد عليه بالباطل، والقضاء بخلافها لأن طريقه الاجتهاد فما رضيا بحكمه وعلما أنه يجتهد وأن اجتهاده ربما وافق مراد أحدهما وربما خالفه فقد دخلا على الرضا بما يكون منه.
فأما إذا حكم بينهما بجور أو بخلاف نص أو إجماع فلا يلزم كالشهود إذا شهدوا بالباطل لأنهما إنما رضيا بأن يحكم بالشرع لا بخلافه، ودليلنا على أنه يلزم وإن خالف رأي قاض البلد أنه إذا ثبت أن يتراضيا به 1 فقد صار حاكمًا ينفذ حكمه عليها وصار بمنزلة حاكم آخر في البلد لأن تراضيهما به يقوم مقام نصب السلطان له.
فصل [13 - في كتاب حاكم بلد إلى حاكم بلد آخر]: إذا ثبت عند حاكم بلد حق لإنسان على رجل في بلد آخر وتعذر عليه إقامة بينة عند حاكم ذلك البلد جاز للحاكم الذي يثبت الحق عنده أن يكتب بما يثبت عنده له إلى حاكم ذلك البلد وعلى المكتوب إليه أن ينفذه إذا شهد شاهدان 2 بأنه كتاب ذلك الحاكم ولا تنفع الشهادة على حكمه دون لفظه بأنه كتابه 3. وإنما قلنا إن كتاب الحاكم إلى الحاكم يثبت به الحق للضرورة إليه 4 لأن البينة ربما يتعذر إقامتها عند ذلك الحاكم فلم يبق طريق إلا أن يكتب ذلك الحاكم به إلى من يلتمس تنفيذه للحكم لأنه لو لم يقبل ذلك لأدى إلى ضياع الحقوق، ولأن كتاب الحاكم أو شهادة الشهود بثبوت الحق يثبت عند الحاكم 5 الثاني بشهادة الشهود عنده بحكم الأول به فكذلك شهادتهم عليه أن هذا كتابه.

وإنما قلنا إن الشهادة على الخط لا تنفع لأن الخط لا يحكم باعتراف كاتبه على ما كتبه 1 لأنه قد يكتب أشياء لا يؤخذ بها ولو لفظ كتبه لأخذ به.
فصل [14 - إذا مات القاضي المكتوب إليه]: وإذا مات المكتوب إليه أو عزل فجاء الكتاب إليه والمكاتبة للذي قبله لزم الثاني أن يحكم بما فيه (خلافًا لما حكي عن أبي حنيفة من أنه لا يجوز للقاضي الثاني أن يحكم بما فيه 2) 3 لأن الحاكم لا يخلو أن يكون كتب ما به قد حكم أو بثبوت حق عنده لم يحكم به: فإن كان قد كتب بأنه قد حكم فيلزم كل من ثبت عنده ذلك من الحكام تنفيذه، وإن كان قد كتب بها يثبت عنده فذلك جار مجرى الشهادة على الشهادة فشهود الفرع إذا ماتوا جاز لغيرهم تحمل الشهادة كذلك ها هنا.
فصل [15 - في حكم الحاكم على الغائب]: يحكم على الغائب إذا أقام الحاضر البينة وسأل الحكم له 4، وقال أبو حنيفة يسمع الحاكم دعوى الحاضر وبينته ولكن لا يحكم له على الغائب ولا على من هرب قبل الحكم وبعد إقامة البينة 5، ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم - لهند وقالت له إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي أفأخذ من ماله فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 6، وقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما خطب الناس "ألا إن أسفيع: جهينه رضي لدينه وأمانته أن يقول سبق الحاج فادان معرضا وإنا بايعوا ماله فمن كان له عليه دين فليحضر 7 ولم يكن أسفيع حاضرًا

ولا أنكر ذلك على عمر أحد، ولأنها بينة مسموعة طلب صاحبها الحكم بها فأشبه إذا كان الخصم حاضرًا، ولأنها دعوى مستحق على غائب قامت بها بينة فوجب أن يحكم بها أصله إذا ادعى على رجل أنه قتل وليه خطأ لا خلاف أنه يحكم له بالدية على العاقلة وإن كانوا غيبًا لأن غيبة المدعى عليه لا تمنع الحكم عليه أصله إذا ادعى على ميت وأقام البينة أو ادعى على جماعة غيب أحدهم حاضر، ولأن عدم الحضور بالموت أبلغ في التعذر منه بالغيبة فإذا قضى مع الموت فمع الغيبة 1 أولى، ولأن ذلك ذريعة إلى إبطال حقوق الناس لأنه لا يشأ أحد أن يأخذ أموال الناس ولا يؤديها إلا غاب فلا يمكن القضاء عليه، ولأن الاتفاق حاصل على أن الحاكم يسمع البينة عليه والفائدة في ذلك الحكم بها وإلا لم ينتفع باستماعها، ولأنهم قد وافقونا على أن امرأة لو ادعت النفقة على زوجها وهو غائب وذكرت أن له وديعة عند رجل فأقربها فإنه يقضى لها بنفقتها ويؤخذ لها منه فكذلك سائر الحقوق.
فصل [16 - في التفريق في الحكم مع الغيبة بين الرباع وغيرها]: وإنما فرقنا بين الرباع وغيرها من الأموال لأن الرباع مأمونة لا يخاف عليها فاستحسن مالك رحمه الله التوقف عن الحكم فيها مع الغيبة 2، وأن لا يعجل بذلك إلى أن يقدم الغائب فيذكر حجة إن كانت له ويحكم عليه بما لا يحتاج إلى نقض بعده، وعنه رواية أخرى أنه لا فرق بين الرباع وسائر الأموال في وجوب القضاء على الغائب.
فصل [17 - في كون حكم الحاكم لا يغير الشيء عن باطنه وحقيقته]: حكم الحاكم لا يغير الشيء عن باطنه عما هو عليه ولا يحيله عن حقيقته، ولا

فرق في ذلك بين ما يملك الحاكم ابتداؤه وبين ما لا يملكه في أن حكمه إذا كان عن سبب غير صحيح لم ينفذ في الباطن، ومثال ذلك أن يدعى رجل على أجنبية أنها زوجته ويقيم على ذلك شاهدي زور فيشهدان فيحكم الحاكم بشهادتهما هذا حكم لا يصح في الباطن ولا يحل المرأة له فإن وطئها مع علمه فهو زان، وكذلك لو ادعت امرأة على رجل أنه طلقها ثلاثًا وشهد بذلك شاهدا زور فحكم الحاكم بالفرقة فإنها لا تطلق عندنا وتكون المرأة على حالها ولا يجوز لها أن تزوج بذلك الحكم ولا لأحد الشاهدين أن يتزوجها هذا وما أشبه من نظائره 1، وقال أبو حنيفة في هذه المسائل إن حكم الحاكم يزيل الشيء عن حقيقته في الباطن 2. ففي المسألة الأولى إذا حكم له الحاكم بالزوجية جاز له أن يطأها وتصير زوجته عند الله تعالى، وقال في المسألة الثانية أنها تصير مطلقة بحكم الحاكم بشهادة الزور بطلاقها ويجوز لها أن تتزوج ويجوز لأحد شاهدي الزور أن يتزوجها وهو يعلم أن الزوج لم يطلقها، وإن حكم الحاكم بطلاقها إنما كان عن شهادة الكذب، وقال في نوع آخر وهو أن يدعي على ذات محرم أنها زوجته وشهد له بذلك شاهدا زور أن الحكم لا ينفذ في الباطن ولا تكون زوجته، وكذلك إذا أقام شاهدي زور في دعوى مال 3 فحكم له الحاكم فإنه لا ينفذ، وفصلوا بين الموضعين بأن لكل موضع جاز أن يكون للحاكم في ابتداء فعله ولاية نفذ حكمه فيه ظاهرًا وباطنًا، وكل موضع لا ولاية له في ابتداء فعله لم ينفذ حكمه إلا في الظاهر دون الباطن قالوا فالأول مثل ما قدمناه في ادعاء الزوجية والطلاق وإنما

نفذ حكمه في الظاهر والباطن لأن للحاكم ولاية عقد النكاح وفي أن يطلق على غيره، ومثال الثاني ادعاء زوجية ذوات المحارم وادعاء مال لأن الحاكم لا ولاية له في تزويج ذوات 1 المحارم ولا في نقل الأموال وكذلك لو ادعى رجل على أنه قتل وليًّا له وأقام شاهدي زور فحكم الحاكم بالقود لم يكن للمحكوم له أن يقتل لأن الحاكم ليس له أن يبتدىء القتل.
فدليلنا قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 2 فحرم المحصنة وهي التي لها زوج إلا أن يملك الكوافر 3 بالسبي، وعند المخالف أن التي لها زوج تحل متى حكم الحاكم بشهادة زور أنها قد طلقت أو أن يقيم شهادة زور بتزويجه إياها، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ 4 فعم، وعندهم أنها لا تحل 5 له أن يراجع نكاحها وإن لم يطلقها إذا حكم 6 الحاكم بشهادة زور أنه طلقها، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أستمع فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" 7، وهذا صريح 8 بأن حكمه بها ليس بجائز للمحكوم له

ولا يحل له بسبب غير صحيح في الباطن فلم ينفذ الحكم له في الباطن، كادعاء زوجية ذوات المحارم والحكم بالمال، ولأنه حكم بشهادة زور فلم ينفد في الباطن كالمال، ولأن كل شاهدين لو علم الحكم بحالهما لم (يجز له الحاكم بشهادتهما فإذا حكم فيها مع الجهل بحالهما لم ينفذ) 1 حكمه في الباطن كالكافرين والعبدين.


باب [في اشتراط العدالة في الشهادة]

العدالة معتبرة في الشهادة وشرط في قبولها والحكم بها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 1، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن شهد ذوا عدل فصوموا وافطروا" 2، وللإتفاق على أن شهادة الفاسق غير مقبولة، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لهلال بن أمية: "ألا أن يجلد هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين" 3 يريد بخروجه عن العدالة بثبوت قذفه، ولا خلاف في ذلك 4. فصل [1 - في عدم اكتفاء الحاكم من العدالة بظاهر الإِسلام]: لا يجوز للحاكم أن يكتفي من العدالة بظاهر الإِسلام دون البحث عن حالها والسؤال عن طرائقها والعلم بعدالتهما 5، وقال أبو حنيفة يكفيه ظاهر إسلامها ويحكم بشهادتهما ولا يلزمه البحث عن عدالتهما إلا أن يجرحهما الخصم 6، ودليلنا قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 7 يعني من المسلمين فعلم أن

العدالة معنى زائد على العلم بالإِسلام، وقوله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 1 والرضا لا يكون إلا بعد البحث عن حاله 2 ولا يكفي في ذلك العلم بصحة اعتقاده لأن (أفعاله قد تكون مخالفة لما يوجب اعتقاده) 3، وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن رجلين شهدا عنده فقال: لا أعرفكما ولا يضركما ألا أعرفكما جيئاني برجل يعرفكما فجاءاه برجل فقال أتعرفهما قال: نعم، قال: أكنت معهما في السفر الذي يكشف أخلاق الناس قال: لا، قال: أفأنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما، قال: قال لا، قال: أعاملتهما بالدنانير والدراهم التي تتقطع بهما الأرحام، قال لا، قال يا بن أخي ما تعرفهما جيئاني بمن يعرفكما 4. وهذا قوله بحضرة المهاجرين والأنصار والصحابة ولم ينقل عن أحد خلافه، ولأن العدالة أمر مشروط في الشهادة يمكن اعتبار باطنه فلم يجز أن يحكم بظاهره، أصله دار الإِسلام لأن ظاهر الدار الإِسلام، ولأنها شهادة يتعلق بها حكم الحاكم فلا يكتفي فيها بظاهر الإِسلام، أصله إذا كان في قتل أو حد.
فصل [2 - في صفة العدل]: صفة العدل الجائز الشهادة: 5 أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا مسلمًا ثقة أمينًا غير فاسق بفجور ولا كذب متيقظًا غير غافل فطنًا ضابطًا عارفًا بالشهادات وصفة تحملها التي يجوز معها إقامتها متحرزًا من الحيل التي تنم على من قل تيقظه 6

من الشهود بعيدا عن التهمة بالشره ودناءة النفس حافظًا لمرؤته ليس بينه وبين المشهود له أو عليه التهمة معه من بمحبة إيصال نفع إليه أو دفع ضرر عنه أو ضد ذلك من إلحاق ضرر به ولا في الشهادة بذلك النوع المشهود فيه ما يوجب من التهمة ما قدمناه.
والتهمة المراعاة في الشهادات تكون في ثلاثة مواضع: في المشهود له والمشهود عليه والشيء المشهود به، وتفصيل هذه الجملة: أن الولد لا تقبل شهادته لوالديه ولا لأجداده وجداته من قرب منهم أو بعد وكذلك الوالدان والأجداد للولد وولد الولد وإن سفلوا ذكورهم وإناثهم الوارث منهم وغير الوارث، وكذلك شهادة أحد الزوجين لصاحبه، والسيد لعبده، وشهادة من له دين على مفلس بحق له على آخر، وشهادة الوصي لمن يلي عليه، وفي شهادته عليهم روايتان: إحداهما الجواز والأخرى المنع، ومن عدى الوالدين والمولودين من سائر القربات جائز شهادتهم لأقاربهم كالأخ والعم وولدهم 1 إلا أن تعرض تهمة من دفع عار أو إثبات ولاء للشاهد أو نسب أو أن يكون في عياله أو تناله صلته أو معروفه وما أشبه فيمنع فيه دون سائر الحقوق.
ولا تقبل شهادة الصديق الملاطف ولا السؤَّال 2 المتكففين للناس.
وأما التهمه في المشهود عليه فشهادة العدو على عدوه، والشهادة بجرح من شهد على أبيه 3 وأخيه أو ببعض من لا تجوز له شهادته كجد فإن هذا يتهم بدفع العار عنهم بشهادته.
وشهادة الخصم لا تقبل مثل أن يشهد بجرح من يشهد عليه بزنا أو قتل أو حق

سائر الحقوق، وكل من منع الشهادة له فشهادته عليه جائزة مقبولة 1 وكل من لم تقبل شهادته عليه فشهادته له مقبولة.
وأما التهمة في الشهادة والشيء المشهود به فمثل شهادة البدوي على الحضري 2 في الحقوق الممكن الإشهاد عليها في الحضر دون القتل والجراح ومما لا يمكن تعمد الإشهاد عليه ومثل شهادة ولد الزنا وشبهه، وفي شهادة التائب من كبيرة كان عليها أو تاب منها خلاف بين أصحابنا هل يقبل في ذلك النوع أم لا، ومثل شهادة الكافر بعد إسلامه والصبي بعد بلوغه والفاسق بعد عدالته والعبد بعد عتقه فيما كانوا يشهدون به فردت شهادتهم فيه (لأنهم يتهمون على دفع العار عنهم بقبول ما ردت شهادتهم فيه) 3. وإذا جمعت الشهادة ما فيه التهمة وما لا تهمة فيه ردت في الجميع ولم تقبل فيما لا تهمة فيه وإن جمعت بين ما ترد لغيره التهمة وبين ما لا ترد فيه قبلت فيما لا ترد وردت فيما لا تقبل فيه، ومثال الأول أن يشهد بشهادة لنفسه ولأجنبي، أو يشهد اثنان كل واحد منهما لصاحبه بكتاب واحد أو يشهد بحق واحد لأبيه 4 ولأجنبي فلا تقبل في الجميع، وإذا شهد بالوصية له فيها شيء فإن كان ذا بال لم تقبل أصلًا وإن كان يسيرًا لا خطب له ولا تسبق التهمة إليه أن يكون شهد لأجلها فيها ثلاث روايات: إحداها قبول الشهادة في الجميع، والأخرى ردها في الجميع والثالثة ردها فيما له بال وقبولها فيما ليس له بال، ومثال الثاني أن يشهد النساء بوصية فيها مال وعتق أو يشهدان بطلاق ودين بشهادة واحدة فيقبلن في الدين دون الطلاق

وتقبل شهادة القاذف ما لم يجلد فإذا (جلد لم تقبل إلا أن يتوب وإذا تاب شاهد الزور وعرفت توبته قبلت شهادته) 1، وقال عبد الملك إن كانت حاله في الظاهر كحال مالك بن أنس والعمري 2 فلا تقبل شهادته من بعد لأنه لا يستطيع زيادة على ما كان يظهر منه، وإن كان دونهما جازت شهادته بعد توبته إذا ظهر منه من حسن الحال زيادة على ما كان يعرف منه.
فصل [3 - في اشتراط البلوغ في العدالة]: أما اشتراط البلوغ فلأن العدالة من صفات التكليف فهي تتضمن البلوغ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم" 3، والبلوغ مشترط في كل الشهادات إلا في موضع ضرورة خرج عن القياس فأجريت كشهادة من يعقل الشهادة من الصبيان فيه للضرورة على أوصاف نذكرها، ومنعت في كل موضع سواه فلا يجب أن يعترض به على الأصل ونحن نبينه.
فصل [4 - في شروط قبول شهادة الصبيان]: شهادة الصبيان تقبل في الجراح والقتل على شروط تسعة: 4. أحدها أن يكونوا ممن يعقلون الشهادة، والثاني أن يكونوا ذكورًا، والثالث أن

يكونوا أحرارًا، والرابع أن يكونوا مسلمين والخامس أن يكون ذلك في قتل أو جرح، وبعض أصحابنا يقول تكون في الجراح دون القتل، والسادس أن يكون ذلك فيما بينهم خاصه لا لصبي على بالغ ولا لبالغ على صبي، والسابع أن يكون ذلك قبل أن يفترقوا ويغيبوا، والثامن أن تتفق شهادتهم ولا تختلف، والتاسع أن يكون من شهد منهم اثنان فصاعدًا.
وعند أبي حنيفة والشافعي لا تقبل على وجه 1 ونحن نتكلم على جواز قبولها في الجملة ثم ندل على وجوب اعتبار ما ذكرناه من الشروط فيها.
فصل [5 - في الدليل على قبول شهادة الصبيان على الصفة المشترطة]: ودليلنا على قبولها على الصفة المشترطة فيها أن ذلك إجماع الصحابة لأنه مروي عن علي وابن الزبير ومعاوية - رضي الله عنهم - ولا مخالف لهم، وروي أن عليًّا رضوان الله عليه كان يأخذ بأولى شهادة الصبيان 2، وروى مالك عن هشام 3 بن عروة عن أبيه أن ابن الزبير كان يجيز شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح 4، وروى قتادة أن معاوية كان يجيز شهادة بعضهم على بعض ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا 5، ولا مخالف لهم ولأن الضرورة تدعوا إلى قبولها لأنا لو لم نقبلها لأدى ذلك إلى أمور ممنوعة وذلك أنا قد ندبنا إلى تدريبهم 6 على الحرب وتعليمهم الرمي والصراع واستعمال السلاح للحاجة إلى الجهاد وأن

ذلك مما يجب أن يلزموا 1 عليه وبالقوة من الصغر لينشؤوا عليه ويألفوه ومعلوم أنه لا بد أن يخلوا بنفوسهم لما يتعاطونه 2 من ذلك ولا سيما العرب فإن ذلك لها مع أولادها عادة قد طبعوا عليها ولو انتظر إلى أن يشهدوا 3 أمورهم كبيرًا يكون معهم لضاق عليهم لأنه لهم عادة في كل وقت ركوب الخيل وما جرى مجراه وهم من الجنس المحقون دماهم وكانت الجراح والدماء قد غلظ أمرها وشدد الأمر في حفظها بما زادت 4 على سائر الحقوق فقبلت فيها الأيمان مع اللوث وليس ذلك في غيرها حياطة لها ومعلوم أنهم إذا اجتمعوا جاز أن يكون بينهم الجراح التي ربما أدت إلى القتال أو إلى ما دونه فلو لم تقبل شهادتهم لأدى إلى أشياء ممنوعة: إما إلى أن لا يجوز لهم التعليم إلى أن يبلغوا وذلك خلاف الإجماع، أو إلى ألا يمكنوا من الرمي ولا علاج بسيف أو رمح إلا إذا كان معهم شهود عدول وهذا أيضًا معتذر ومؤدى 5 إلى أن يتعلموا إلى أن لا يفعلوا من ذلك ما يؤدي 6 جراح فهذا أيضًا غير منضبط ولا متأت لهم أو إلى أن ذلك إن جرى أهدرت جراحهم ودماؤهم وهذا أيضًا خلاف الواجب لأنه لا يجوز لنا أن نبيح لهم 7 ما يؤدي إلى هدر دمائهم وإضاعتها فلم يبق إلا ما قلناه وقد ألزمونا على هذا قبول شهادة العبيد وقد احترزنا منهم بأنهم يجب أن يكونوا من أهل الشهادة بعد البلوغ، وألزمونا اجتماع النساء في الصنيع إذا جرى بينهم، من الجراح فأجبنا على ذلك قل ما يقع وما يفعلونه 8

من ذلك منهي عنه، والتزمه 1 قوم من متأخري أصحابنا، وألزمونا المال فأجبنا عنه بأن الدماء لها حرمة فاحتيط لها ما لم يحتط لغيرها.
فصل [6 - دليل اشتراط العقل في شهادة الصبيان]: فإذا ثبت وجوب قبولها في الجملة فإنما راعينا اعتبار العقل لأن الغرض من قبول شهادتهم 2 أن يؤدوا إلينا 3 ما علموا من الحال الحادثة 4 التي يشهدون بها وذلك لا يتأتى إلا من العاقل فكان شرطًا معتبرًا فيها.
فصل [7 - دليل اشتراط الذكورية في شهادة الصبيان]: وإنما شرطنا الذكورية لأن الإناث ولا مدخل لهن في إثبات الدماء، وقد روي عن مالك جواز قبول شهادة الإناث الأحرار 5، ووجه ذلك اعتبارهن بالبالغين في كونها لوثا في القسامة على إحدى الروايتين.
فصل [8 - دليل اشتراط الحرية في شهادة الصبيان]: وإنما شرطنا الأحرار لأن العبيد لا مدخل بجنسهم في الشهادة أصلًا ولا يلطخ بها في دم.
فصل [9 - دليل اشتراط الإِسلام في شهادة الصبيان]: وإنما شرطنا الإِسلام لأن البالغين من الكفار لا تقبل شهادتهم فالأصاغر أولى.
فصل [10 - دليل شهادة الصبيان في جرح أو قتل]: وإنما شرطنا أن يكون ذلك في جرح أو قتل لحرمة الدماء ووجوب حفظها وعدم الضرورة في ذلك إلى غيرها، ووجه قول من يفرق بين الجراح والقتل من

أصحابنا أن القتل أغلظ أمرًا من الجراح بدليل أن القسامة فيه دون الجراح وشهادة الصبيان ضعيفة فوجب قصرها على أضعف الأمرين، والصحيح التسوية بينهما لأنها ليس الواجب بها قتل وإنما الواجب بها مال فلا معنى للتفريق بينهما.
فصل [11 - في اشتراط قبول شهادة الصبيان قبل التفريق]: وإنما شرطنا أن يكون ذلك قبل التفرق لأن الغالب من حالهم أن يخبرون بالصدق إذا بدهوا ويؤدون الأمر على ما جرى عليه وأنهم إذا تفرقوا غيبوا ولقنوا وتعلموا الكذب وقد روي هذا المعنى عمن أجاز شهادتهم من الصحابة.
فصل [12 - اشتراط اتفاق شهادة الصبيان]: وإنما شرطنا أن يكون ما يؤدونه متفقًا لأن الغرض من قبول قولهم أن يغلب على الظن صدقهم فيما يخبرون بموضع اختلاف أقوالهم وتناقضها مما يغلب على الظن كذبهم وتعلمهم وإخبارهم عن الأمر بخلاف ما هو عليه فلم يقبل.
فصل [13 - اشتراط كون عددهم اثنان]: وإنما شرطنا أن يكون عددهم اثنين لأن شهادة واحد غير مقبولة في البالغين ففي الأصاغر أولى، فإذا ثبت ما ذكرناه عدنا إلى تفصيل أصل المسألة.
فصل [14 - في اشتراط العقل في الشهود]: وإنما شرطنا العقل لقوله تعالى ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ 1، وقوله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 2 والمجنون غير مرضي ولا علم له بما شهد به، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاث: فذكر المجنون" 3 وذلك يفيد أنه لا حكم لقوله ولا خلاف في ذلك 4.

فصل [15 - في اشتراط كون شهادة الصبيان فيما بينهم]: وإنما شرطنا أن يكون ذلك فيما بينهم لأن الكبير لا ضرورة به إلى مخالطة الصبيان فكان قولهم يسقط مع مشاهدة الكبار، ولأن القياس يمنع قبول شهادتهم وإنما أجيزت للضرورة فيجب قصرها على قدر ما دل عليه الدليل.
فصل [16 - في اشتراط الحرية في الشهادة]: وإنما شرطنا الحرية، خلافًا لداود في قوله أن شهادة العبد مقبوله لسيده ولغيره 1، لقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 2 وهذه الإضافة تفيد الحرية دون الإِسلام لأن غير المسلم ليس بعدل، ولأنه نوع نقص يمنع الميراث بينه وبين الأحرار فوجب أن يمنع قبول الشهادة كالكفر، ولأن الشهادة مبنية على التفاضل والكمال وكل ما هذه سبيله فلا مدخل للعبد فيه كالرجم.
فصل [17 - في اشتراط الإسلام في الشهادة]: وإنما شرطنا الإِسلام خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن شهادة الكفار مقبولة على أهل ملتهم وعن سائر أنواع الكفر 3، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 4 ولا تخلو هذه الإضافة أن تكون إلى الدين أو الحرية أو النسب وأي ذلك فالكافر لا مدخل له فيه والنسب غير معتبر باتفاق، ولأن كل من لا تقبل شهادته على المسلمين لم تقبل على غيرهم كالفاسق الملي 5، ولأنه فاسق بفعله كالملي، ولأن فسق المسلم أدون منه وشهادته غير مقبولة فشهادة الكافر أولى.

فصل [18 - اشتراط الثقة في الشاهد]: وإنما شرطنا أن يكون ثقة لأن ذلك من صفات العدالة لأن الكذاب والخائن فاسقان غير عدلين ولا مرضيين فلم يجز قبول شهادتهما.
فصل [19 - اشتراط الأمانة في الشاهد]: وإنما شرطنا الأمانة لأن ضدها الخيانة وذلك فسوق 1 والخائن غير عدل ولا مرضي وإنما شرطنا نفي الفجور والكذب لأن ذلك من ضروب الفسق الذي هي أبلغ ما يفسق به الفاسق ولا خلاف في ذلك 2. فصل [20 - اشتراط الضبط والفطنة والتحرز في الشاهد]: وإنما شرطنا الضبط والفطنة والتحرز لأنه ما لم يكن كذلك تمت عليه حيلة الخصم فلا يؤمن أن يشهد بالزور والكذب فإذا كان متحرزًا متيقظًا 3 أمن عليه ذلك وأدى الشهادة سليمة مما يخاف عليه من الزلة فيها، ولذلك أصل في الشهادات وهو جعل امرأتين بإزاء شهادة 4 واحد من الرجال لأن الغالب من شأن النساء السهو وقلة التحصيل ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنكن ناقصات عقل ودين" 5، وذكر في نقصان العقل أن شهادة امرأتين مقام شهادة رجل فيتم عليها حيلة لا يؤمن معها أن تؤدي الشهادة على خلاف ما هي عليه فضممنا إليها أخرى لأن ذلك يبعد عن الجماعة ويؤمن فيها غالبًا وكل هذا يدل على وجوب ما رعيناه في الشهود.

فصل [21 - اشتراط كون الشاهد عارفًا بالشهادات]: وإنما شرطنا أن يكون عارفًا بالشهادات ووجه تحملها لأنه متى لم يكن كذلك لم يكن مرضيًّا وقد شرط الله تعالى الرضا في قبول الشهادة والجاهل ليس بمرضي، وليس يكفي في ذلك أن يكون من أهل الدين دون أن يضاف إليه العلم لما يشهد به ومعرفة آداء الشهادات ولأنه إذا كان غير عارف بكيفية تحملها لم يؤمن أن يؤديها على الوجه الممنوع قبولها معه فلم يجز.
فصل [22 - اشتراط بعد الشاهد عن الشره ودناءة النفس]: وإنما شرطنا بعده عن الشره ودناءة النفس 1 لأنه إذا كان معروفًا بذلك سقطت مروءته وسبقت الظنة إليه وتسرع إليه التهم أنه إنما يشهد لشيء يعطى له وذلك قادح في العدالة والدين مزيغ 2 الصدق والأمانة فوجب حسم الباب بانتفائه عن الشاهد.
فصل [23 - اشتراط حفظ المروءة في الشاهد]: وإنما شرطنا الحفظ للمروءة لأن من لا يحفظ مروءته ويراعيها ليس بمرضي، ولأنه إذا أهملها دل ذلك منه على إهماله دينه وقلة مراعاة ما يلزمه من حق الله وسبقت الظنة إليه وقدح ذلك في عدالته، وإنما شرطنا نفي التهمة في الجملة لقول - صلى الله عليه وسلم - "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين 3 ولا جار لنفسه" 4، وروي: "لا

تقبل شهادة ذي ظنة" 1، ولأن ذلك لو جاز 2 لقبلت شهادة الإنسان لنفسه ولم يحتج إلى غيره فإذا كان غيره يتهم له جرى مجرى شهادته لنفسه.
فصل [24 - في منع قبول شهادة الولد لوالديه، وشهادتهما له]: ونتكلم على التفصيل لهذه الجملة على ما قدمناه، وإنما منعنا من قبول شهادة الولد لوالديه وشهادتهما له خلافًا لداود وغيره في إجازته ذلك 3 لقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" 4 والظنة موجوده ها هنا لأنه معلوم بالطبائع 5 أن الابن يحب نفع أبيه والأب يحب إيصال المنفعة إلى ابنه ورفع الضرر عنه ويؤثر ذلك على منفعه نفسه فضلًا من غيره فربما دعاه ذلك إلى أن يشهد له في الزور ويركب كل محظور في تخليصه من ضرر يقع فيه أو إيصال نفع إليه، (وقد قال تعالى ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ 6) 7 وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها" 8.

فصل [25 - في منع قبول شهادة سائر الوالدين والمولودين]: وإنما أجرينا سائر الوالدين والمولودين من بعد منهم مجرى من قرب للاتفاق على ألا فرق بينهما في ذلك لأن عمود الولادة يجمعهم، ولأن التهمة قائمة في الجنس لا تخصص ببعض منه وإن كانت في الأقرب 1 أكثر.
فصل [26 - في منع شهادة أحد الزوجين للآخر]: وإنما منعنا من قبول 2 شهادة أحد الزوجين للآخر خلافًا للشافعي 3 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" 4 والظنين المتهم والتهمة حاصلة بين الزوجين في غالب الطباع ودليل ذلك الشرع والعادة، أما الشرع فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ 5 فأخبر تبارك وتعالى أن الزوجية سبب لسكون نفس كل واحد منهما إلى الآخر وإنه طبعهم على التحابب 6 والتودد والحنو 7 والرأفة 8 ونبه على تأكيد ذلك بقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ 9 وقوله ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ 10 فجعل هذين الجنسين غاية ومثلًا يستطرف وقوع العداوة من مثلها لأنهما الغاية في المحبة والعطف

التي لا زيادة فوقها فدل ذلك على قوة التهمة وتأكدها، وأما العادة فالعلم بأن الإنسان يحب نفع زوجته ويهوى هواها 1 ويكره ضررها حتى أنه يغضب لها أهله وأقاربه وينتفع بما لها ويتبسط فيه ويتجمل به وأنه ينتهى في محبتها والميل إليها إلى حد تقوى معه التهمة، وإذا صح ذلك كانت هذه التهمة مانعة من قبول شهادة أحدهما للآخر كالأب والابن ونحوه قياسًا فنقول لأنها شهادة تقوي التهمة وأسبابها من الشاهد والمشهود له فكانت مردوده أصله شهادة الأب لابنه، ولأنها شهادة يجر بها الشاهد نفعًا إلى نفسه فلم تقبل كشهادته لنفسه ولغريمه.
فصل [27 - في منع شهادة السيد لعبده]: وأما شهادة السيد لعبده فإنها أدخل في المنع من جميع ما ذكرناه 2، لأن التهمة قائمة فيها إن شهد فيها بغير مال على مثل تزويج أو رجعة أو ما أشبه ذلك، وإن شهد بمال كانت شهادته لنفسه لأنه يملك عبده وماله.
فصل [28 - في منع شهادة الغريم لغريمه]: فأما شهادة الغريم لغريمه المفلس 3 فلأنه متهم فيه أيضًا أن يكون إنما شهد له أن يصل المال إليه فيكون كأنه شهد لنفسه فلم يقبل، ولأنه خصم وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين".
فصل [29 - في منع شهادة الوصي لمن يلي عليه]: إنما منعنا شهادة الوصي لمن يلي عليه 4 لأنه يجر بها إلى نفسه نفعًا وهو جواز تصرفه في المال وكونه في قبضه لحق ولايته، ووجه قوله إن شهادته عليهم تقبل لانتفاء التهمة عنهم فيها بخلاف الشهادة لهم لأنه يخرج عن يده ما لا يقطع حق ولايته فيه، ولأن كل من لم تقبل شهادة إنسان له قبلت عليه كالأب والابن،

ووجه قوله إنها لا تقبل اعتبارًا بالشهادة لهم لأنها شهادة في حق لوليه 1 بولاية لأن التهمة قائمة في الموضعين لأنهم 2 يخرج عنهم مالًا بقوله ولزمه بحق الولاية حفظه.
فصل [30 - في إجازة شهادة سائر القرابة عدى من ذكرناه]: وإنما أجزنا شهادة سائر القرابة عدى من ذكرنا لأن التهمة تضعف فيها ولا تقوي قوتها في الولادة والزوجية وإنما منعناها إذا كان في عيال من يشهد له لأن التهمة تقوى فيها فيمتنع قبولها، وكذلك في دفع العار مثل أن يقذف أخوه رجلًا ويشهد هو وثلاثة على المقذوف بأنه زنى فلا يقبل لأنه بشهادته يدفع العار عن أخيه لأن عاره ينجر إليه، وكذلك لو قذف أخاه رجل وأتى بأربعة شهداء أنه زنى ثم شهد هذا الأخ بجرحهم 3 (فلا يقبل لأنه متهم بالجرح) 4 أن يريد دفع العار عن أخيه.
فصل [31 - في منع شهادة الصديق الملاطف]: وإنما منعنا قبول شهادة الصديق الملاطف إذا كانت تناله الصله والمعروف خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5، لقوة التهمة لأنه معلوم أنه من بينه وبين غيره صداقة ومودة فإنه يبره ويصله وأنه يحب جر النفع إليه ودفع الضرر عنه فردت شهادته له وعلى نحو من ذلك شهادة السؤال بل الرد 6 فيهم أولى لأن الصدقة قد يكون منها البر وقد لا يكون والسؤال أمرهم مبني على التماس البر من أدنى وجوهه.

فصل [32 - في منع شهادة العدو على عدوه]: ولمثل ذلك منعنا شهادة العدو على عدوه 1 خلافًا لأبي حنيفة 2 لأن الطباع تقضي أن العدو يحب ضرر عدوه وإذايته ويتهم بإدخال الضرر عليه بشهادته عليه فمنعناها لأجل ذلك كما منعناه في الصديق لقضائها بضد ما تقضي به في العدو والتهمة قائمة في الموضعين.
وتحريره أن يقال بأن بينهما تهمة غالبة في الطباع فكانت مؤثرة في رد الشهادة كالتهمة بين الأب والابن على أن نص الخبر شاهد لنا وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي غمر على أخيه" 3. فصل [33 - في منع شهادته لجرح من شهد عليه بحق أو حد]: وإنما منعنا قبول شهادته لجرح من شهد عليه بحق أو حد لأنه خصم في ذلك وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "لا تقبل شهادة خصم" 4. فصل [34 - في من منعت شهادته له قبلت عليه]: وإنما قلنا من منع شهادته (له قبلت عليه، ومن منع شهادته عليه قبلت له) 5 لأن التهمة توجد في أحد الموضعين وتنتفي من الآخر فحيث توجد منعناها وحيث تنتفي نجيزها لأنها هي العلة المؤثرة.
فصل [35 - في منع شهادة البدوي على القروي]: وإنما منعنا شهادة البدوي على القروي في الحقوق التي يمكن التوثق فيها بإشهاد

الحاضر 1 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقبل شهادة بدوي على قروي" 3 وروي "على صاحب قرية" 4 ولأن التهمة تقوى في هذه الشهادة لأن الناس لا يتركون التوثق بإشهاد جيرانهم وأهل بلدهم ويستشهدون بالأباعد وأهل البدو 5 إلا لريبة يعلمون معها أن الشهود من الحضر لا يشهدون في ذلك فيعدلون إلى من لا يعرفه، ولذلك قلنا إنها تقبل في الجراح وفيما يتفق من الحقوق في البادية التي يخاف فواتها والتجاحد إن وقف عليها إلى الحصول في الحضر لانتفاء التهمة فيها.
فصل [36 - في عدم قبول شهادة ولد الزنا]: وإنما قلنا إن شهادة ولد الزنا لا تقبل في الزنا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 6، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" 7 والظنه ها هنا موجودة لأنه يحب أن يكون غيره مشاركًا له في المعرة، والعادة تقضي بذلك لأن كل معرور 8 بأمر لازم لا يفارقه يحب أن يكون غيره مثله 9 ولو أمكنه لا يبقى

أحد إلا يكون مثل حاله لأحب ذلك لئلا ينفرد بالعار فيكون في مشاركة غيره له سلوة وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ 1 معناه لما كنتم تعتقدون في الدنيا من المشاركة في الشدة يحدث معها السلوة لمن هو فيها غير خالصة 2 لكم، ونحو ذلك روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: ودت الزانية أن النساء كلهن زنين 3، فأخبر أن ذلك طبع في الناس أن المعرور يحب أن يشاركه كل واحد في معرته ليقل من يعيره بذلك وإذا صح قوة التهمة في هذه الشهادة بما ذكرناه وجب ردها.
فصل [37 - في شهادة من كان على كبيرة]: وأما من كان على كبيرة مثل الزنا وشرب الخمر 4 وغيره فتاب منها، فوجه القول أن شهادته لا تقبل في مثل ذلك الشيء اعتباره بمسألتنا بعلة أنه معنى يلحق به العار فاتهم بمشاركة غيره له في المعرة، ووجه القول بأنها تقبل أن معرة هذه الأشياء تزول بالتوبة منها كالكافر يسلم ويفارق ولد الزنا لأن معرته لا تزول فالتهمة لا تفارقه.
فصل [38 - في عدم قبول شهادة الفاسق والكافر والصبي والعبد بعد زوال العدل المناعة]: وإنما قلنا في الفاسق والكافر والصبي والعبد إنهم إذا شهدوا بشهادة فردت ثم شهدوا بها بعد زوال العلل المانعة من قبول شهادتهم أنها لا تقبل خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 5 فيمن عدا الفاسق للتهمة منهم أن يكونوا إنما شهدوا بها

ليزول عنهم العار 1 بردها، واعتبارا بالفاسق لأنهم موصوفون بنقص ينافي العدالة فوجب إذا شهدوا حال وجود هذا النقص ثم زال أنهم إذا أعادوها لا تقبل كالفاسق.
فصل [39 - إذا جمعت الشهادة ما فيه التهمة وبين ما لا تهمة فيه]: وإنما فرقنا بين أن تجمع الشهادة ما فيه التهمة وبين ما لا تهمة فيه أنه يرد الجميع وبين أن تجمع أنواعها تقبل شهادة ذلك 2 في بعضها ولا تقبل في البعض فقبلناها فيما تقبل فيه لأن في المسألة الأولى تقوى التهمة أن يكون إنما شهد بما لا يتهم فيه ليقبل فيما يتهم فيه وذلك كما يشهد لابنه ولأجنبي بحق فإنما شهد للأجنبي لأنها إذا قبلت في حقه قبلت في حق ابنه فردت في الجميع، وفي المسألة الأخرى لا تهمة فيه فوجب قبولها.
فصل [40 - فيمن شهد في وصية له فيها شيء]: والصحيح من الروايات فيمن شهد في وصية 3 له فيها شيء ألا تقبل شهادته لا في حقه ولا في حق غيره 4 لأن مع التهمة لا تتبعض الشهادة على ما ذكرناه.
فصل [41 - في قبول شهادة القاذف ما لم يجلد]: وإنما قلنا إِن شهادة القاذف تقبل ما لم يجلد لأنه على العدالة لا يثبت فسقه إلا بأن يثبت عليه البينة فيجلد، فإذا جلد ثبت فسقه فلم تقبل شهادته لقوله عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا

تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} 1 وإنما أجزنا شهادته بعد التوبة خلافًا لأبي حنيفة 2 لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ 3، ولأن كل من ردت شهادته لفسق قبلت عند زوال فسقه اعتبارًا بالزاني والسارق.
فصل [42 - في قبول شهادة شاهد الزور بعد توبته]: وإنما قلنا في شاهد الزور إن شهادته تقبل إذا تاب لأن فسقه يزول بالتوبة فأشبه شارب الخمر وغيره من الفساق إذا تابوا، وعبد الملك أجراه مجرى الزنديق لأنه إذا كان في الظاهر كمالك بن أنس والعمري فإنه لا يوصل إلى توبته وإلى العلم بها لأنه لا يقدر أن يزيد على ما كان عليه وقد كان بتلك الصفة وهو فاسق فشكل حاله.


باب [- في التزكية]

القدر الذي يلزم في التزكية: أن يشهد الشاهد لمن يزكيانه أنه عدل رضي ولا يكفي أحد الوصفين عن الآخر ولا يكفي من ذلك أن يقول لا أعلم له زلة ولا جريمة 1 ولا أعلم إلا خيرًا وإني لأرضى به لي وعلي 2، وإنما قلنا لا بد من وصفه بالعدالة والرضا لأن الله تعالى شرطهما في قبول الشهادة وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 3 وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 4 ومعنى العدالة 5: هو الاستواء والاستقامة ولذلك تنتفي الشهادة مع التهمة والغفلة وغيرهما لأن أحوال الشاهد غير مستقيمة معهما.
وإنما قلنا إنه لا يجزى من ذلك أن يقول لا أعلم إلا خيرًا أو لا أعلم له زلة لأن ذلك شهادة بنفي 6 فلا يستفاد بها شيء، ولأن التزكية في العدالة إثبات عدالة الشاهد والأخبار عما لا يعلمه الحاكم منه، فإذا قال لا أعلم له زلة ولا أعلم إلا خيرًا كان بمنزلة الحاكم لأن الحاكم أيضًا لا يعلم له زلة، وقد يعلم منه الخير والتدين ولكن لا يعلم هل هو ممن يصلح للشهادة أم لا، وأما قوله إني رضي به لي وعلي فليس بتزكية أيضًا لأنه قد يرضى بغير العدل وبالمغفل 7

فصول الكتاب · 47 فصل · 1765 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المعونة على مذهب عالم المدينة · 1765 صفحة
مقدمة الناشرالمعونة على مذهب عالم المدينة:الفصل الثاني كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينةمقدمةالمبحث الأول كتاب "المعونة" على مذهب عالم المدينة• مكانة كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"• نقد كتاب "المعونة على مذهب عالم المدينة"
كتاب (1) الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب المناسك
كتاب الجهادكتاب الأيمان (1) والنذوركتاب الأضاحيكتاب الصيدكتاب الذبائح
كتاب النكاح وأبوابه والطلاق وما يتعلق به
كتاب البيوع
كتاب الإجاراتكتاب القراضكتاب (1) المساقاة وكراء الأرض والمزارعةكتاب الشركةكتاب الرهونكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الغصب والتعديكتاب الحوالةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب اللقطةكتاب الشفعةكتاب القسمة
كتاب الجراح
كتاب الحدود (1): في الزناكتاب القطعكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولاد
كتاب الأقضية والشهادات والدعاوى والبينات وما يتعلق بذلك
كتاب الحبس والوقوف والصدقة والعمرى والرقبي وما يتصل بذلككتاب الوصية
كتاب المواريث
كتاب الجامع
جارٍ التحميل