كتاب (1) الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2 [1 - الوضوء من الحدث]: الوضوء 3 من الحدث فريضة 4 واجبة لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ 5 الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور 6، ولا تتم صلاة أحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى" 7، وقوله عليه السلام لما توضأ1
مرة مرة: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" 1، ولا خلاف في ذلك 2.
فصل 3 [2 - حكم السواك]:
والسواك 4 مندوب 5 إليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما لكم تدخلون عليّ قلحًا استاكوا" 6، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" 7، ولأنه من النظافة وهي مندوب إليها.
فصل [3 - الرد على من قال بالوجوب]:
وليس بواجب 8 خلافًا لمن حكي عنه 9 وجوبه لقوله صلى الله عليه وسلم:
"ثلاثة كتبت عليّ ولم تكتب عليكم: فذكر السواك" 1، ولأن المقصود منه إزالة الرائحة عن الفم فأشبه غسل الفم من الغمر.
مسألة [4 - حكم النية في الطهارة من الأحداث]:
والنية 2 شرط 3 في طهارات الأحداث كلها خلافًا لأبي حنيفة 4 إذ يزعم أنها غير واجبة في الوضوء والغسل، ودليلنا قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ 5، فهو من الصلاة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامريء ما نوى" 6، ولأنها طهارة عن حدث كالتيمم، ولأنها عبادة متقرب بها كالصلاة والصيام.
فصل [5 - محل النية وصفتها]:
ومحل النية: القلب، وصفتها: أن يقصد بقلبه ما يريده بفعله وليس عليه نطق بلسانه، ويلزم المتوضيء أن ينوي بوضوئه الطهر من الحدث، ومعنى ذلك استباحة كل فعل كان الحدث مانعًا منه، فإن نوى استباحة فعل بعينه فالأفعال على ضربين: منها ما يجوز فعله مع الحدث، ومنها ما لا يجوز إلا مع ارتفاع
حكمه، فالأول مثل القراءة ظاهرًا 1، ودخول المسجد وكتابة العلم ودرسه، كل هذا يجوز مع الحدث الأصغر، فإن نواه بوضوئه فلا يجزئه [للصلاة] 2 ولا غيرها، مما لا يجوز إلا بطهارة وحكم حدثه باق، والثاني مثل الصلوات على اختلاف أنواعها من فرض ونفل، ومثل مس المصحف والطواف، فإن كان نوى بوضوئه استباحة بعض هذه الأفعال جاز له فعل سائرها، وكان حكم حدثه زائلًا.
فصل [6 - حكم التسمية على الوضوء]:
التسمية على الوضوء غير واجبة 3، خلافًا لأحمد بن حنبل 4 لقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ 5، ولم يذكر التسمية، وكذلك الأخبار التي رويناها، ولأنه قول باللسان فلم يجب في الوضوء كالتسبيح، ولأنها طهارة شرعية كالتيمم وغسل الميت.
فصل [7 - استحباب غسل يد المتوضيء وغيره قبل إدخالها في الإناء]:
ويستحب 6 لكل مريد الوضوء طاهر اليدين بائل أو متغوط أو جنب أو حائض أو قياس لذكره أو ملامس لزوجته أو قائم من نومه: أن يغسل يده قبل إدخالها في إناء وضوئه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في إناء وضوئه فإنه لا يدري أين باتت يده
منه" 1، وهذا المعنى قائم في سائر من ذكرناه، لأنه كما أن النائم لا يسلم ما يمس بيده من أعراق البدن وأوساخه وكذلك المتيقظ 2، لا يمكنه الاحتراز من إدخالها في أنفه أو حكه بدنه، وإنما نص على النائم وإن المعنى فيه أوجد منه في غيره.
فصل [8 - نفي وجوبه ودليله]:
وليس بواجب 3 أيضًا خلافًا لأحمد 4 وداود 5، حين أوجباه على القائم من نومه، للظاهر والخبر، والمقصود بهما بيان ما يلزم القائم إلى الصلاة فعله مع خلوه مما تنازعناه، ولأنها طهارة شرعية كالغسل، ولأنه عضو من البدن كغيرء من الأعضاء، ولأن النوم إن كان حدثًا فهو كالبول، وإن كان سببًا للحدث فهو كاللمس، وكذلك لا يوجب غسل اليد قبل إدخالها الإناء وكذلك النوم، ولأنهم يفرقون بين نوم الليل والنهار فيوجبونه من نوم الليل دون نوم النهار، وذلك خلاف الأصول.
مسألة [9 - حكم المضمضمة والاستنشاق في الوضوء]: المضمضة 1، والاستنشاق 2 سنتان 3، لأمره صلى الله عليه وسلم بهما وفعله لهما، وليستا بواجبتين 4 في الوضوء خلافًا لأحمد 5 وغيره، لقوله جل وعز: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ 6، والاسم لا ينطلق على الباطن، ولقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" 7، ولأنها طهارة من حدث كالغسل، ولأنه باطن في أصل الخلقة كذا داخل العينين والصماخين 8. فصل [10 - حكم المضمضة والاستنتشاق في الغُسل]: وكذلك فليستا بواجبتين في الغسل 9 خلافًا لأبي حنيفة 10 لما ذكرناه، ولأنه غسل واجب فلم يلزم فيه إيصال الماء إلى داخل الفم والأنف كغسل الميت، ولأنها طهارة عن حدث كالوضوء.
فصل [11 - حكم ترك المضمضة والاستنشاق في الطهارة]: وإذا ثبت أنهما سنتان فتركهما غير مفسد للطهارة لا سهوًا ولا عمدًا 1، لأن حكم الحدث يرتفع مع عدمها إلا أنه لا ينبغي تعمد تركهما، فمتى تركهما ناسيًا أتى بهما ما لم يصل ليؤدي الصلاة على الوجه الأفضل، وإن صلى لم يعد لأن وقتها قد مضى بانقضاء الصلاة، والسنن لا تعاد إذا انقضت أوقاتها 2. فصل [12 - غسل الوجهين واليدين في الوضوء]: غُسل الوجه واليدين إلى المرفقين من فرائض الوضوء 3 للظاهر والخبر والإجماع 4. فصل [13 - غسل المرفقين مع اليدين]: وغسل المرفقين مع اليدين واجب 5 خلافًا لمن نفى وجوبه 6؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه 7، ولأنه حد لعضو مغسول كالكعبين.
فصل [14 - مسح جميع الرأس]:
ومسح جميع الرأس واجب 1 خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 2 لقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ 3، والاسم للجملة فيجب استيفاؤها، ولأنه صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر 4، وأفعاله على الوجوب، ولأنه عضو من أعضاء الوضوء، فلم يجز الاقتصار من تطهيره علي أقل ما يقع عليه الاسم أو فلم يتحدد بالربع كسائر الأعضاء، ولأنه عضو أطلق النص فيه فوجب إيعابه كالوجوه.
فصل [15 - كيفية إيعاب مسح الرأس]:
وكيف ما أوعبه 5 أجزأه إلا أن اختياره فيه: أن يأخذ الماء بيديه ثم يرسله أو بأحدهما ثم يضعه في الأخرى ثم يبدأ بمقدمة رأسه إلى مؤخره ثم يردهما إلى حيث بدأ؛ لأن ذلك صفة فعله صلى الله عليه وسلم 6، والمرأة والرجل يستويان في ذلك لعموم الظاهر، واعتبارًا بتساويهما في سائر الأعضاء.
فصل [16 - مسح الأذنين]:
ويمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك 7،
ويستحب له تجديد الماء لهما 1 خلافًا لأبي حنيفة 2 للخبر 3 الذي روي في ذلك، ولأن المغسولات نفلًا لما انفردت عن المغسولات فرضًا، فكذلك الممسوحات نفلًا يجب أن تنفرد عن الممسوحات فرضًا.
فصل [17 - المسح على العمامة والخمار]:
ولا يجوز المسح على عمامة ولا خمار 4 بدلًا عن الرأس خلافًا لأحمد 5 وداود 6، لقوله جل وعز: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ 7، وهذا يوجب مباشرة العضو، ولأنه عضو غير منصوص على حده فأشبه الوجه، ولأن فرض البدل لا يكون كفرض المبدل.
مسألة [18 - غسل الرجلين]:
وفرض الرجلين الغُسل 8 خلافًا لمن ذهب إلى أنه المسح 9 لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ 10 بالنصب وهو عطف على الغسل، وقوله صلى الله عليه
وسلم: "فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من أظفار رجليه" 1، وذلك يفيد أن فرضهما الغسل، ولأنه عضو منصوص على حده كاليدين.
فصل [19 - حكم أقطع الرجلين في الوضوء]:
ويغسل أقطع الرجلين موضع القطع لبقائه محل الغرض، ولا يلزم أقطع اليدين من المرفقين 2 غسل موضع القطع؛ لأن المرفقين يدخلان في القطع فلا يبقى شيء من محل الغرض والقطع في الرجلين من تحت الكعبين 3، فبعض محل الغرض باق فلزمه غسله، فإن اتفق أن يكون بقي شيء من المرفقين غسل موضع القطع 4.
مسألة [20 - ترتيب الوضوء]:
وترتيب الوضوء مستحب غير مستحق 5 خلافًا للشافعي 6 حين يوجبه لقوله جل وعز: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ....﴾ 7 الآية وموضوع الواو الاشتراك دون الترتيب، واسم الغسل ينتظم 8 من رتب ومن لم يرتب، ولأنها طهارة شرعية كالغسل، ولأنه تقديم وتأخير في الوضوء فلم يمنع صحته كتقديم اليسرى على اليمنى، ولأنه عضو من أعضاء الوضوء فصحت الطهارة [مع التبدئة به] 9 كالوجه.
فصل [21 - دليل استحباب ترتيب الوضوء]:
إذا ثبت أنه ليس بفرض فإنما استحببناه لفعل رسول - صلى الله عليه وسلم - له 1، ومداومته عليه وعمل السلف من بعده به، ولأن الأُمة مجمعة 2 على أنه مطلوب في الوضوء وأن فعله أفضل وأولى من تركه، واختلافهم في مباح الطهارة بتركه لا يخرجه عن تعلق الفضيلة به.
فصل [22 - صفة الوضوء]:
والاختيار في صفته: أن يبدأ بعد النية بغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، ثم بالمضمضة والاستنشاق، ثم بغسل الوجه، ثم بيمنى يديه ثم يسراهما، ثم بالمسح بالرأس، ثم بالأذنين، ثم يغسل يمنى رجليه ثم يسرهما، وإنما اخترنا ذلك على هذه الصفة أنها الصفة التي نقلت الصحابة رضوان الله عليهم أنها كانت صفة وضوئه - صلى الله عليه وسلم - 3 وإنما خلصنا بذلك تقديم النية، وإن كان تقديمها فرضًا لئلا يظن ظان أنها من حيث كانت من فروض الوضوء جاز أن تقدم وتؤخر كسائر الأعضاء المفروضة، فبينا أنها بخلاف غيرها، وأن تقديمها فرض، وإنما لا تتناول الماضي المنقضي، وإنما قلنا إنه يقدم غسل يده لأن الخبر بذلك ورد بقوله صلى الله عليه وسلم: "فلا يغمس يده حتى يغسلها" 4 وكذلك روى من وصف وضوئه صلى الله عليه وسلم 5 رواية وحكاية وباقيه قد ذكرناه.
مسألة [23 - حكم من مسح رأسه ثم حلق شعره]:
ومن مسح رأسه ثم حلق شعره فلا إعادة عليه 1 خلافًا لعبد العزيز بن أبي سلمة 2 لقوله جل وعز: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ 3، وهذا قد فعل، ولأنه عضو زال حكم الحديث بتطهيره فزواله لا يوجب إعادة تطهيره كسائر الأعضاء، ويفارق المسح على الخف أنه إذا خاف غسل رجليه لأن المسح على الخف بدل ومسح 4 شعر الرأس أصل وطهور المبدل يبطل حكم البدل.
فصل [24 - حكم الموالاة في الوضوء]:
وإذا تعمد تفريق وضوئه حتى طال وتفاحش استأنف ولم يجزه البناء عليه 5 خلافًا لأبي حنيفة 6، والشافعي 7، لقوله جل وعز: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ 8، والأمر المطلق على الفور، ولأنها عبادة تبطل بالحدث فكان للتفريق تأثير في إبطالها كالصلاة، ولأنها عبادة ذات أركان يتقدم الصلاة لها فلم يجز تفريقها كالأذان.
فصل [25 - تفريق الوضوء مع العذر]:
وتفريقه مع العذر غير مفسد له 9، إلا أن العذر ضربان: نسيان وعجز
الماء عن قدر الكفاية، وفي النسيان يبني طال أم لم يطل صلى أم لم يصل، وفي عجز الماء [يبنى] 1، ما لم يطل لأن الناسي لا صنع له في نسيانه، ومن عجز الماء عن قدر كفايته [لم يلزمه استعماله] 2 للتحرز 3 بإعداد قدر الكفاية، وفي حد الطول المعتبر في ذلك روايتان: إحداهما الرجوع إلى العرف في القرب أو التفاحش، والأخرى ما لم يجف وضوؤه، فوجه الأولى أن كل أمر فرق بين قليله وكثيره، واحتيج إلى فاصل بينهما لم يرد الشرع به فالمرجوع فيه إلى العرف كالعمل في الصلاة وغيره، ووجه الثانية أن ما لم يجف وضوءه لم يخرج عن حد التقارب لأنه لو تباعد لم يبق على رطوبته، وحكم الغسل والوضوء في ذلك واحد.
مسألة [26 - الفرض في عدد تطهير الأعضاء]:
الفرض تطهير الأعضاء مرة، والفضل في تكرار مغسولها مرتين وثلاثًا، ولا فضيلة في تكرار الممسوح كله، ولا فيما زاد على الثلاث من مغسوله 4، فأما الدليل على وجوب المرة، فلأن بحصولها يكون فاعلًا وبعدمها يخرج عن وقوع الاسم عليه، فإذا ثبت أن عليه أن يغسل أعضاءه لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ 5 الآية، وبالأخبار 6، والإجماع 7، وكان أقل ما يتناوله الاسم مرة، وفي انتفائها انتفاء الاسم فوجب فعلها، وكذلك روي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" 8.
فصل [27 - الزيادة على المرة في غسل أعضاء الوضوء]:
وأما الدليل على أن ما زاد عليها فضيلة فقوله صلى الله عليه وسلم لما توضأ مرتين: "من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين" 1، وقوله -لما توضأ ثلاثًا- "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء أبي إبراهيم" (2)، بيَّن حكم الأعداد ومراتبها في الفرض والكمال، فجعل حكم الواحدة الفرض وما زاد عليها، فحكمه حكم 2 الفضل.
فصل [28 - الزيادة على التثليث في الوضوء]:
وأما الدليل على أن ما زاد على الثلاث فلا فضيلة فيه لقوله في الثالثة: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء أبي إبراهيم" 3، ونسبته إياه إليه عليه السلام وإلى الأنبياء قبله يفيد أنه الغاية في بابه، وروي: "الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا ومن زاد فقد أساء وظلم" 4.
فصل [29 - تكرار مسح الرأس]:
فأما الدليل على أنه لا فضيلة في تكرار مسح الرأس ثلاثًا خلافًا للشافعي 5،
فما روي: "أنه صلى الله عليه وسلم غسل أعضاءه كلها ثلاثًا ومسح برأسه مرة" 1، والذي روي: "أنه صلى الله عليه وسلم مسح ثلاثًا" 2، محتمل للتكرار من غير تجديد ماء، ولأنه مسح في الوضوء كالمسح على الخفين والجبائر، ولأنه مسح أوجبه الحدث كالتيمم، وبذلك فارق الاستجمار، ولأن موضع المسح التخفيف فلا يجوز أن يكون من سنته ما يخرجه عن موضوعه والتكرار تغليظ.
فصل [30 - الغسل من الجنابة]:
الغسل من الجنابة فريضة لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ 3، وقوله: ﴿حتى تغتسلوا﴾ 4، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء" 5، وقوله -وسئل عن المرأة تحتلم هل عليها الغُسل- فقال: "نعم إذا رأت الماء" 6، وقوله صلى الله عليه وسلم: "تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" 7، وذلك معلوم من دين الأُمة ضرورة.
فصل [31 - سقوط الوضوء]:
فهذا أحدث الجنب أو أجنب المحدث لم يلزمه وضوء مع غُسله لقوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾ 1، ولم يوجب غير الغُسل، ولأن الحدث الأصغر يدخل في الحدث الأكبر بدليل أن المحدثين المتساويين يتداخلان، فالأصغر بأن يدخل في الأكبر أولى 2.
فصل [32 - صفة الغُسل]:
والفرض على الجنب تعميم ظاهر بدنه بالغُسل 3، ويستحب 4 له أن يبدأ بغسل يديه، ثم يتنظف من أذى إن كان به، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل أصول شعره بالماء، ثم يوالي الصب عليه، وإنما اخترنا ذلك لأنها صفة غسله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة 5، وأُم سلمة 6 رضي الله عنهما، وكل من وصف غُسله، وإن لم يغتسل على هذه الصفة وعم بدنه أجزأه.
فضل [33 - صفة اغتسال المرأة من الحيض]:
وصفة اغتسال المرأة من الحيض كصفة اغتسالها من الجنابة، فإن كان شعرها منسدلًا أمرَّت يديها عليه، وإن كان معقوصًا لم تنقضه ولكن تحفن الماء عليه = باب: ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة، قال أبو داود: فيه الحارث بن وجيه، حديث منكر وهو ضعيف.
وتضغثه 1 بيديها مع كل حفنه، وذلك روي في تعليمه صلى الله عليه وسلم أُم سلمة الغسل لما قالت له انقض شعري في الغُسل فقال: "إنما يكفيك أن تحثي الماء عليه وتفضيه على جسدك فإذا بك طهرت" 2.
فصل [34 - إلزام الدلك على المغتسل]:
ويلزمه إمرار يديه على بدنه في الغُسل وأعضائه في الوضوء، فإن اقتصر على مجرد الانغماس 3 أو صب الماء فلا يجزيه 4 خلافًا لأبي حنيفة 5، والشافعي 6 لأن عليه إيصال 7 الماء إلى بدنه على وجه يسمى غُسلًا لا غمسًا وذلك يقتضي صفة زائدة على إيصال (8) الماء، لأن أهل اللغة قد فرقوا بين الغسل والغمس، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: "وادلكي جسدك بيديك" 8 والأمر على الوجوب.
فصل [35 - ما يكره من الماء في الغُسل]:
ويكره 9 للجنب أن يغتسل في الأبار الصغار القليلة الماء 10، وفي الماء
الدائم، فإن فعل أجزأه 1، وإنما كرهنا له ذلك لجواز أن يكون قد بقى على فرجه نجاسة فتحل في الماء الدائم، ولأنه يصير مستعملًا واستعمال الماء المستعمل في الطهارة مكروه 2. فصل [36 - قدر الماء الذي تحصل معه الكفاية في الوضوء والغُسل]: وليس في قدر ما تحصل معه الكفاية في الوضوء والغسل من الماء حد مضروب 3، وإنما هو موكول إلى حال المستعمل من رفقه وخوفه، والأصل 4 فيه قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ 5 الآية، وقوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾ 6، فأطلق، وكذلك الأخبار إلا أنه يستحب في الجملة الاقتصاد دون الإسراف لأنها صفة فعله صلى الله عليه وسلم 7. ...
باب 1: المسح على الخفين 2 المسح على الخفين جائز في السفر لثبوت الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3)، والسلف قولًا وفعلًا، وعنه 3 في جوازه للمقيم روايتان 4: إحداهما المنع والأخرى الجواز، فوجه المنع أن تجويزه في السفر للضرورة التي تختص المسافر من خوف انفكاكه عن الرفقة متى تشاغل بخلعهما كل وقت أداء الطهارة، وذلك معدوم في الحضر، ولأن السفر يختص بأشياء من الرخص لا تجوز في الحضر كالقصر والفطر وغيرهما وكذلك المسح، ووجه الجواز -وهو النظر- قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يمسح المسافر والمقيم على خفيه" 5، وقوله: "إذا أدخلت رجليك في الخفين وأنت طاهر فامسح عليهما وصل فيهما ما لم تخعلهما أو تصبك جنابة" 6 و"لأنه صلي الله عليه وسلم مسح على الخفين في الحضر" 7، ولأنه8
باب: المسح على الخفين
: 1/ 59، ومسلم في الطهارة، باب: المسح على الخفين: 1/ 229.
مسح في طهارة الحدث فاستوى فيه الحاضر والمسافر كالمسح على العصائب والجبائر.
فصل [1 - جواز المسح على الخفين للنساء]:
والرجال والنساء فيه سواء لما روي أنه: "صلى الله عليه وسلم: أرخص في المسح على الخفين" 1، وأطلق، ولأنه مسح في طهارة الحدث كسائر الطهارات.
فصل [2 - توقيت المسح على الخفين]:
وليس فيه توقيت بمدة من الزمان لا في السفر ولا في الحضر 2، خلافًا لأبي حنيفة 3، والشافعي 4، لقوله: "إذا أدخلت رجليك في الخفين وأنت طاهر فامسح عليهما وصل فيهما ما لم تنزعهما أو تصبك جنابة" 5، فأطلق ولم يؤقت، وفي حديث أبي بن عمارة 6: "امسح ما بدا لك" 7، واعتبارًا بالمسح على الجبائر والعصائب 8 بعِلَّة أنه رخص فيه للضرورة.
فصل [3 - استحباب خلع الخفين كل جمعة]:
إذا ثبت أنه لا توقيت فيه فيستحب خلعه كل جمعة ليغتسل 1 لها 2، والغسل لا يكون فيه مسح على كل حال، وكذلك في حديث عقبة بن عامر لما سأله عمر رضي الله عنه: منذ كم لم تخعلهما، فقال: منذ الجُمعة إلى الجُمعة، فقال: أصبت السُّنَّة 3.
فصل [4 - شروط المسح على الخفين]:
والشرط الذي يجوز معه المسح: أن يبتديء لبسهما بعد كمال الطهارة، فإن لبسهما أو أحدهما وقد بقي عليه شيء من وضوء فليس له المسح 4، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه إن غسل أعضاءه وإحدى رجليه ثم أدخلها الخف ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف فإنه يجوز له المسح 5، لقوله صلى الله عليه وسلم: "دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان" 6، ولأنه لبس ابتديء قبل كمال الطهارة فلم يجز المسح فيهما دليله 7 إذا لبسهما قبل غُسل الرجلين.
فصل [5 - متى ينتقض المسح على الخفين]:
إذا مسح عليهما على الشرط الجائز فلا ينقض المسح إلا بخلعهما أو ما يؤدي إلى خلعهما وهو الجنابة والحيض والنفاس 8، والذي يدل على أن خلعهما
ينقض المسح خلافًا لداود 1، قوله صلى الله عليه وسلم: "ما لم تخعلهما أو تصبك جنابة" 2، ولأنه مسح يفعل بدلًا من غسل، فظهور أصله يبطل حكمه كالجبائر، وإذا ثبت أن خلعهما يبطل المسح، فكذلك ما يلزم معه خلعهما لأنه يحتاج إلى الغُسل وذلك غير جائز فيه.
فصل [6 - حكم المسح على الجوربين غير المجلدين]:
ولا يجوز المسح على الجوربين غير المجلدين 3، خلافًا لمن أجازه 4، لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ 5، فعم كل حائل، ولأنه لا يمكن متابعة المشي فيهما كما لو لف على رجليه خرقة.
فصل [7 - حكم المسح على الجرموقين والجوربين المجلدين]:
وعنه في الجرموقين 6 روايتان 7، فوجه الجواز ما روي: "أنه صلى الله عليه وسلم أرخص في المسح على الخفين" 8، فعم، ولأنه خف يمكن متابعة المشي فيه، فأشبه أن يلي رِجْلَ الماسح، ووجه المنع أنه ملبوس تحته ممسوح فلم يجز المسح عليه كالعمامة، ولأنه مسح نائب عن غُسل فلم يجز على ما يواريه كالقفافيز في التيمم، وفي الجوربين المجلدين أيضًا روايتان.
فصل [8 - صفة المسح على الخفين]: وصفة المسح على الخفين 1: أن يأخذ الماء بيديه ثم يرسله ثم يضع يدًا تحت الخف ويدًا فوقه ويبلغ بيده السفلى إلى الكعبين حد الغُسل 2، وإنما قلنا: إنه يرسل الماء ويقتصر على البلل الباقي على اليدين؛ لأن ذلك صفة المسح في كل ممسوح، وإن شاء غمس يديه في الماء ورفعهما مبلولتين لأن الغرض حاصل في الحالين، وإنما اخترنا مسح الأعلى والأسفل خلافًا لأبي حنيفة 3، قوله: أن الأسفل ليس بمحل للمسح أصلًا، لما رواه المغيرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخف وأسفله" 4، ولأنه موضع من الخف يحاذي المغسول من القدم فوجب أن يكون محلًا للمسح أعلى الخفين 5. فصل [9 - في ترك المسح على أسفل الخف وأعلاه]: وإذا ثبت أن الاختيار مسح الأعلى والأسفل فإن ترك الأسفل واقتصر على الأعلى كره له ذلك واستحببنا له الإعادة في الوقت، وإن اقتصر على الأسفل فلا يجزيه 6، والأصل فيه قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "لو كان الدين يؤخذ قياسًا لكان باطن الخف أولى بالمسح، من ظاهره، ولكن رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظاهره" 7، ولأن باطن الخف في حكم النعل وظاهره
في حكم الخف بدليل أن المحرم تلزمه الفدية بلبس الخف ولا يلزمه بلبس النعل، وقد ثبت أنه لو لبس خفًا ليس له ظهر قدم وله أسفل قدم أنه لا فدية عليه 1، ولو لبس خفًا ليس له ظهر قدم وله أسفل قدم لما لزمته الفدية، فهذا ثبت ذلك كان الموضع الذي هو في حكم الخف هو الذي يتعلق به حكم الجواز دون حكم الموضع الذي هو في حكم النعل، والله أعلم.
...
باب: "المسح على العصائب والجبائر"
1
المسح على العصائب 2 والجبائر 3 جائز 4، إذا خيف الضرر بنزعهما ومباشرة العضو بالماء، لما روي في حديث عليّ رضي الله عنه أنه قال: "انكسرت إحدى زندي فأمر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أمسح على الجبائر" 5، ولأن ضررهما أعظم من ضرر المسح على الخفين للحاجة إلى استدامة لبسهما والخوف على العضو من إصابة الماء.
فصل [1 - عدم اشتراط الطهارة في المسح على الجبائر والعصائب]:
وليس من شرطهما أن تشد على طهارة 6، بخلاف المسح على الخفين لأن الخبر مطلق غير مقيد، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم سأل ولا استقصى، ولأن سببهما غير موقوف على اختيار من يوجد به بخلاف الخف.
فصل [2 - لا إعادة على من صلى بالمسح على الجبائر والعصائب]:
ولا إعادة على من صلى بالمسح عليهما 1 خلافًا للشافعي 2، لأنه يطهر بطهارة مثله كالتيمم، ولأنه حائل يجوز المسح عليه كالخفين.
...
باب: التيمم
التيمم 1: جائز عند عدم الماء، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ 2، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج" 3، ولا خلاف في ذلك في السفر 4. فصل [1 - التيمم في الحضر]: وأما في الحضر فيجوز عندنا إذا عدم الوصول إليه 5، خلافًا لأبي حنيفة 6 حين منعه لغير المحبوس والمريض، لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ 7، فعم، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الصعيد الطيب وضوء المسلمين ولو لم يجدوا الماء عشر حجج" 8، ولأنه عادم للماء كالمسافر.
فصل [2 - لا إعادة على من تيمم في الحضر]:
ولا إعادة عليه 1 خلافًا للشافعي 2؛ لأنها صلاة لزم آداؤها بالتيمم فوجب أن يسقط فرضها كصلاة المسافر.
فصل [3 - تيمم المريض]:
والمرض مؤثر في جواز التيمم بغير خلاف 3 إذا خيف منه التلف باستعمال الماء، فأما إذا خيف من زيادة المرض فيجوز عندنا التيمم معه 4 خلافًا للشافعي 5، لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ 6 فعم، ولأن حرمة النفس أعظم من حرمة المال، وقد ثبت أنه لو وجد الماء بما يلحقه ضرر في ماله لم يلزمه شراؤه، فكان بأن يسقط عنه استعمال لضرر في بدنه أولى، واعتبارًا بخوف التلف، ولأنها طهارة جوزت لضرورة، فلم يفترق الحكم فيها بين خوف التلف وزيادة المرض أصله المسح على الجبائر.
فصل [4 - التيمم للمحدث والجنب]:
لا خلاف في جواز التيمم للمحدث، فأما الجنب فيجوز له التيمم عندنا 7، وحكي عن عمر 8، وابن مسعود (9) منعه، ودليلنا قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ 9، فعم كل ملامس، وقوله صلى الله عليه
وسلم لعمار: "وإنما يكفيك هكذا وهكذا" 1، ووصف له التيمم، ولأنه محدث عادم للماء فأشبه الحدث الأصغر.
فصل [5 - أعضاء التيمم]:
التيمم يفعل في عضوين وهما: الوجه واليدان فقط لقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ 2، وقوله صلى الله عليه وسلم: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" 3، وفي حديث عمَّار: "إنما يكفيك ضربة لوجهك ويديك" 4.
فصل [6 - صفة التيمم]:
والفرض للوجه 5 إيعابه، للظاهر 6، والخبر 7، ولأنها طهارة من حدث كالوضوء، فأما اليدان فقيل: إلى المرفقين، وقيل: إن تيمم إلى الكوعين 8 أجزاه 9، فوجه الأول قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأيديكم﴾ 10،
واسم اليد يقتضي إلى المناكب، وقوله صلى الله عليه وسلم: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" 1، ولأنه بدل يفعل في محل مبدله، فكان في الاستيعاب كمبدله أصله الوجه.
ووجه رواية الكوعيين: قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأيديكم﴾ 2، واسم اليد الأخص به إلى الكوع، ولأن الأخذ بأوائل الأسماء واجب، والاسم يقع على الكوع، وفي حديث عمار: "إنما يكفيك ضربة لوجهك وكفيك" 3، ولأنه حكم علق على مطلق اسم اليد، فوجب أن يقتصر به على الكوعين كالقطع، ولأنها طهارة عن حدث فوجب أن يكون مقدار فرض اليدين فيها قدرًا يختص به أصله سائر طهارات الأحداث.
فصل [7 - النية في التيمم]:
والنية في التيمم واجبة، وينوي الجنب والمحدث به استباحة الصلاة دون رفع الحدث، فإن نوى الجنب استباحة الصلاة من الحدث الأصغر، ففيها روايتان 4 إحداهما: أنه لا يجزيه 5 لأنه أضعف من الغُسل، ولا تنوب نية الأضعف عن نية الأقوى، والأخرى أنه يجزيه لأنهما حدثان موجبهما واحد وهو التيمم، فإذا نوى أحدهما أجزأه عن الآخر كالمحدث ببول ونوم 6 ينوي بوضوئه أحدهما.
فصل [8 - التيمم للمجدور والمحصوب]:
المجدور 7 والمحصوب 8 إذا خافا التلف أو زيادة المرض جاز لهما التيمم لما
قدمناه، وكذلك كل من به عِلَّة يخاف معها الضرر باستعمال الماء، وللجنب الصحيح إذا خاف التلف أو المرض من شدة البرد أن يتيمم لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ 1، وقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ 2.
فصل [9 - المريض الذي لا يجد من يناوله الماء]:
والمريض إذا قدر على استعمال الماء ولم يجد من يناوله إياه تيمم لأنه كالعادم، وكذلك الخائف من لصوص أو سباع (متى خرج إليه) 3، ويستحب لهما الإعادة في الوقت إذا زالت أعذارهما بخلاف المريض الذي يخاف الضرر لأن عذرهما أضعف، ولإمكان أن يكون الأمر بخلاف ما يظنه الخائف ولتفريط المريض بتركه بإعداد من يناوله الماء إذا أراده أو من يقر به منه.
فصل [10 - إذا وجد الماء بثمن]:
وإذا وجد الماء بثمن مثله أو ما يقاربه لزمه شراؤه إذا قدر عليه 4؛ لأن القدرة على ثمن الشيء كالقدرة على الشيء نفسه أصله الرقبة في الكفارة أنه لا يجوز له الصوم مع كونها في الملك أو ثمنها، وإن وجده غالبًا متفاحش الغلاء لم يلزمه وعدل إلى التيمم.
فصل [11 - العادم للماء]:
العادمون للماء ثلاثة: منهم من يدخل الوقت عليه وهو راج له يغلب على ظنه وصوله إليه في الوقت 5، فيستحب له تأخير التيمم ليجمع بين الوقت والطهارة الكاملة لأن مراعاة كمال الطهارة أولى من مراعاة فضيلة أول الوقت،
ومنهم من يغلب على ظنه أنه لا يجده حتى يخرج الوقت فيستحب له أن يقدم التيمم لأن في تأخيره فوت الأمرين، ومنهم من هو بين الخوف والرجاء لا يغلب على ظنه أحد الأمرين فيتيمم وسط الوقت لأنه لم تبلغ فيه قوة الرجاء أن يؤخره ولا ضعفه أن يقدمه فاستحب له الوسط 1. فصل [12 - المتيمم يجد الماء في الوقت]: إذا تيمم ثم وجد الماء في الوقت فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يجده قبل الشروع في الصلاة أو بعد الشروع فيها أو بعد الفراغ منها، فإن وجده قبل الشروع فيها بطل تيممه ولزمه استعماله لقوله صلى الله عليه وسلم: "التراب كافيك ما لم تجد الماء" 2، وهذا واجد، وقوله: "إذا وجدت الماء فأمسه جلدك" 3، وإن وجده حال تشاغله بالصلاة مضى عليها 4 خلافًا لأبي حنيفة 5، لأنه حال لا يلزمه فيها طلبه كبعد الفراغ، وإن وجده بعد الفراغ، فكذلك أيضًا خلافًا لطاوس 6؛ لأنها صلاة أديت بطهر صحيح، فلم يلزم إعادتها أصلًا إذا أديت بالوضوء أو إذا وجد الماء بعد الوقت.
فصل [13 - وجوب طلب الماء]:
وعليه أن يطلب الماء 1 خلافًا لأبي حنيفة 2، لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ 3، وهذا يفيد وجوب الطلب 4، ولأنه بدل مرتب فلم يجز الانتقال إليه إلا بعد طلب البدل وإعوازه 5، كالصوم في الكفارة.
فصل [14 - التيمم قبل دخول الوقت]:
ولا يجوز التيمم قبل دخول الوقت 6 خلافًا لأبي حنيفة 7، لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة اغسلوا﴾ إلى قوله: ﴿فتيمموا﴾ 8، وذلك لا يكون إلا بعد دخول الوقت، ولأنه تيمم لفرضه مع الاستغناء عنه فأشبه حال وجود الماء.
فصل [15 - الجمع بين فرضين بتيمم واحد]:
ولا يجوز الجمع بين صلاتين فرض بتيمم واحد 9؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة فلم يستبح به إلا أقل ما يكن فيه، ولو أبيح ذلك لأدى إلى سقوط الطلب أو تقديم التيمم على الوقت.
فصل [16 - الجمع بين نوافل أو فوائت كثيرة بتيمم واحد]:
ويجوز أن يجمع بين نوافل كثيرة (بتيمم واحد) 1 في فور واحد ما لم يقطعه أو يطل به 2؛ لأنه غير مختص بوقت، ولأن جنسه يجري مجرى الصلاة الواحدة، فإذا خرج عن فوره أو طال استأنف له تيممًا، لأن ذلك يجري مجرى الفراغ من المكتوبة، فيحتاج إلى تيمم لاستئناف أخرى، فأما الجمع بين الفوائت ففيه خلاف بين أصحابنا 3: فمن أجازه جعلها جنسًا كالنفل، ومن منعه اعتبره بالفرائض الحاضرة.
فصل [17 - ما يتيمم عليه]:
الصعيد الذي يتيمم به: هو الأرض وجميع أنواعها من تراب وجص 4 ورمل وحجارة وصخر وغير ذلك 5، (خلافًا للشافعي 6 في قوله: هو التراب لا غير ذلك) 7، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ 8، قال أهل اللغة: الصعيد وجه الأرض كان عليها تراب أو لم يكن 9، قال الزجاج: لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك 10، وقوله صلى الله عليه وسلم:
"جعلت لي الارض مسجدًا وطهورًا" 1، ولأنه نوع من أنواع الأرض كالتراب.
فصل [18 - إمامة المتيمم للمتوضئين]:
ويكره أن يؤم المتيمم المتوضئين، فإن فعل أجزاهم 2، أما كراهتنا فلأن المتيمم أخفض حالًا من المتوضيء لنقص طهارته وسبيل الإِمام أن يكون مساويًا للمأموم أو أعلى، وأما جوازه فلأن كل من جاز له أن يؤم المتيممين جاز له أن يؤم المتوضئين كالمتوضيء.
فصل [19 - وجود الماء دون الكفاية]:
ومن وجد من الماء دون كفاية تيمم ولم يلزمه استعماله 3 خلافًا للشافعي 4، لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ 5، فألزم التيمم عند سقوط استعمال الماء، (فلما كان التيمم واجبًا) 6 في هذا الموضع دل على أن استعمال بعض الماء غير واجب، ولأنه بدل عن مبدل والجمع بينهما لا يجب كما لو وجد بعض الرقبة لم يلزمه إعتاقها والصوم.
...
باب: الوضوء
الوضوء يجب بثلاثة أنواع: أحدها ما يخرج من السبيلين من غائط 1 وريح وبول ومذي 2 وودي 3، وهذا ما لا خلاف فيه 4، الثاني: النوم وما في معناه من زوال العقل بإغماء أو سكر أو جنون، والثالث: الملامسة للذة وما في معناه من مس الذكر.
فصل [1 - خروج البول والمذي على وجه السلس]:
وإذا كان خروج 5 البول والمذي على وجه السلس 6 والاستنكاح 7 فلا وضوء فيه 8، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 9، لما روي أن عمران بن حصين 10
قال: يا رسول الله، إن بي الناصور 1 يسيل مني، فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأت فسال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك" 2، ولأن خروجه على وجه السلس فأشبه أن يخرج في الصلاة.
فصل [2 - الخارج من السبيلين مما ليس بمعتاد]:
وما خرج من السبيلين مما ليس بمعتاد كالحصى والدود والدم فلا وضوء فيه 3 خلافًا لهما 4، لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ 5، والاسم 6 ينطلق على الحدث المعتاد، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" 7، ولأنه نوع من غير أنواع الأحداث المعتادة، دليله إذا خرج من غير السبيلين.
فصل [3 - وجوب الوضوء من النوم]:
وأما وجوب الوضوء من النوم فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ 8، قيل فيه: إذا قمتم من المضاجع 9، وقوله صلى الله
عليه وسلم: "العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ" 1، وقوله: "لكن من بول أو غائط أو نوم" 2، ولأن الغالب منه أن الاستثقال فيه يؤدي إلى خروج الحدث فأجرى غالبه مجرى يقينه، ولذلك علله صلى الله عليه وسلم حين قال: "فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" 3، (ولأن النائم يخرج منه الريح غالبًا، ثم هو حال انتباهه لا يدري ما كان منه فنحن متى سوغنا له الصلاة بوضوء قبل النوم مع كوننا على غير ثقة من بقاء طهارته تلك كنا قد سوغنا له الصلاة محدثًا فكان الاحتياط أن يلزمه الوضوء ليصلي على ثقة من طهارته وارتفاع الحدث) 4. فصل [4 - وجوب الوضوء بزوال العقل]: فأما زوال العقل بالإغماء 5، والجنون والسكر، فإنما أوجب الوضوء لأنه أدخل في هذا المعنى من النوم لأن النوم يزول بالانتباه وقليل الإيقاظ، وهذه الأشياء أبعد منه عن الإفاقة، فكانت أولى بوجوب الوضوء منه.
فصل [5 - الملامسة والقُبْلة]:
فأما الملامسة والقُبلة وما في بابها فتؤثر في وجوب الوضوء 1، خلافًا لأبي حنيفة 2، لقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ 3، فعم، ولأنه لمس يحرم الربيبة فأشبه التقاء الختانين.
فصل [6 - شروط وجوب الوضوء]:
ومن شرط وجوب الوضوء باللمس أن تقارنه اللذة، فإن عريت منه لم يجب فيه الوضوء 4، خلافًا للشافعي 5 في إيجابه الوضوء مع اللذة وعدمها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم: "كان يقبل ويلمس ثم يصلي ولا يتوضأ" 6، وقد ثبت أنه لا يجوز حمله على اللذة، فلم يبق إلا أن يكون لغير لذة، ولأنه لمس لا لذة فيه فأشبه مس الرجل الرجل.
فصل [7 - اللمس المقارن للذة]:
وإن وجدت اللذة فلا فرق بين الحائل وعدمه خلافًا للشافعي 7؛ لأنه لمس قارنته الشهوة كالملامسة.
فصل [8 - مس الذكر]:
ومس الذكر مؤثر في وجوب الوضوء 1، خلافًا لأبي حنيفة 2، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من مس ذكره فليتوضأ" 3، ولأنه لمس يفضي إلى خروج المذي فأشبه مس الفرج بالفرج.
فصل [9 - صفة مس الذكر]:
اختلف أصحابنا في صفة المراعاة فيه 4: فمنهم من يقول: أن الاعتبار فيه أن يكون ببطن الكف دون غيره ولا اعتبار اللذة، ومنهم من يقول: أن الاعتبار فيه باللذة كلمس 5 النساء، فوجه الأول قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ" 6، والإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف، ووجه الأخرى أنه لمس باليد يؤثر في نقض الوضوء، فكان الاعتبار فيه باللذة كمس النساء 7.